GMT 19:45 2004 الأربعاء 29 سبتمبر GMT 3:16 2004 السبت 2 أكتوبر  :آخر تحديث

بنتُ ليل...

حسن المصطفى

"تضيءُ عُريها بنجومٍ ورقيةِ كالتي في دفاترِ الأطفال، بنتُ ليل"
سوزان عليوان
"الشاحذاتُ أبدانهن، حَييّاتٌ خلفَ النوافذ، مُسهداتُ أسرةٍ ولا عبقَ، منطويات على نخيلٍ فائتِ، كسيراتُ ما يفوح على جُلُودهنّ وأسرارِهن"
بول شاوول


حسن المصطفى: بنتُ ليلٍ، تلك الصبية، المتعةُ واللذة. من تمنح بسخاء دون أن تنال من متعة ما أعطت شيئا. لك طعم النارِ، ولها هواء بارد لا منجى منه. عيناها الناعستان،ستزيدهما نعسا ببضع دولارات تدسها في "الجوزدان" الساهر معها. أو إن شئت وضعتها في جيب "السترنج" الذي ترتديه.
جيب صغيرٌ يقع قِبالة عِشها الدافئ. ذلك العِش الذي سيؤدي دور الحاضن للمال وللمتعة. رصيف الشحاذين، ومحطة الهاربين إلى ليلٍ آخرَ، فزعا من أيام لا تعرف نهاراتها غير عينين خافتتين لا تريان الشمس إلا مقدار رؤية البحر لها ساعة مغيب.
نوم متقلب، ونهرات شمسها كهلت على شُرف شبابيكها المغبرة.
أسرة نحتت عليها تفاصيل أجساد قاطنيها. "المُحفراتُ الأسرة من بُروكهنَّ الطويل، هباءٌ حولهنّ ولا أحوال. المُحفراتُ الأسرة من تقلب أبدانهن...".
القائمة من نوم إلى نوم آخر. نوم يمتد بين سريرن، أو قل بين سرير وأسرة لا عدد لها. وإلا اختصرتْ تلك الساعات بين قميص نومها القصير، وعود الثقاب على طاولة انتظار مربك.
"الجالساتُ بلا تثاؤب وصريفهنّ فسيح، ينفضن سجائرهن، جفافَ سكون، وينقرن بأصابعَ معروقة، طرف الطاولات الفارغة أمامهن. الموليات بلا عزاء خلف أسرارهن وما تستبقيه أيديهن على المشاجب وفوق العتبات".
المحدودبِ ظهرها من ثقل جمالها. "المُقبلاتُ لِماماً، ولا بواقي عطرٍ يسبقُهنَّ، المتشحات خلف سُجُفٍ وأحمر شفاه، وكرنفالات فائتة...".
المنكسرةُ كلاما. لفظها المغناج تحتفظ به لوقت الجدبِ. ربما الحصاد يكون قليلا، وربما تكون سبعا سِمان!.
"المُتعظاتُ بالمُتع وبالمباهج يؤججن أبدانهنَّ، الغارَ والنخيلَ، وينصبنَ تحت فروجهنَّ ما لا يستعذبنه من رعشاتهن وأوجاعهن".

بنت ليل، تلك من تتحرك الشفاه تجاهها، بصقا وتقبيلا!. البصّاقون، والمُقَبِّلون، الفاغرين أفواههم تجاه جسد واحد.
بنت ليل. بدرُ التمامِ، سراقة الرجال. مانحة السعادة، منزلة الكرب العظيم.
الجنة جسدها، والنار لمن أكل أجاصتها الطرية.
بنت ليل، من تتهامس الشفاه لوقع كعبها العالي، وتنتظر الموبايلات الشبقة رقم فردوسها.
القريبونَ، لها منهم الشتائمُ: دعرة، وقحة، فاجرة.
البعيدون، نصيبها عسل اللفظ: شهية، دافئة، جميلة.
هاربة من سلالم تلاحقها عند خروج الدار، لسلالم تنتظرها عند صعود الألم.
بنت ليل. النازفة ألم قُبحنا، والحاملة أوزار ما لبسناه من أرديةٍ وسترناه من دجل.
العصية على الحب، والمطلوبة بقميص يوسف.
الدم دمها، والذئب هي، والسيارةُ والإخوةُ نحن!.
وأما البئر، فقاع نجس حفرناه بأيدينا، ويوم زكمت أنوفنا، ألقينا فيه صبية من أطهرنا علّ عطرها العبق يحجب النتن من روائح.

ما تلك سوى بنت ليل. الكل يرميها بحجر صلد. وكأنهم يرجمون شيطانا، سينعمون حال حتفه برحمةٍ سُلبت منهم وهم غافلون.
صبايا يضجن أنوثة تراهن يرقبن منتظرات على طاولات المقاهي والمطاعم. بعضهن يفضلن الذهاب إلى علبِ الليل. فيما البعض الآخر يبحثن عن حيواتهن في الشوارع المزدحمة.
الجسد والمال. لذتك، وألمها. نشوتك، وبصقتها على وجهها كلما نظرت ساعة صفاء في المرآة. فيما تلك البصقة ستصيب هدفها لو كانت بوجه من سرق الفرح، وسلب تلك الروح من جسد لم يعد سوى شبح مآتة لا حياة فيه.
صبايا يسلين حالهن بما يحصلن عليه من دولارات. يخادعن أنفسهن عن قصدن. يهربن متقافزات إلى نعوشهن، ويصطنعن الفرح بما لديهن من ثروة لا يملكها كادُ النهار والليل.
ليل بيروت الصاخب، هن زرقته الباهية.
الكعكة التي يتلذذ بها أعرابٌ آتون على جمالٍ لم تلجم بعد، ما هي إلا بنت ليل، نسميها في النهار "داعرة".

لستَ ببشر إن لم يكن لك من الحزن نصيب وافر وأنت تشاهد سوق "النخاسة" هذه. فيما آخرُ يجيبك: لست بشرا إن لم يسل لعابك وتتأجج شهوتك وأنت ترى هذه الأجساد أمامك!.
بشر بين صورتين. صورة الفراشة التي تحترق راقصة أمام النور. وصورة الذئب الراقص على صيدٍ ناله.
بين الصورتين سماء الربِ الواسعة. وبين فعليهما ما بين أخضر العشب وأصفر الصحراء. الأول بماله يُحيي. والآخر بماله يُميتُ.

على طاولة واحدة كان حديثهما. تحدثا عن العائلة، وعن بيروت ووضعها المعيشي الصعب. عن الحريري والسنيورة، وحكومة الضرائب. عن رسوم الدراسة والكهرباء والهاتف. شتما السراق وأمراء –شراميط- الحرب، والأحزاب، والطوائف، والمذاهب...
الحرب الأهلية، والذبح على الهوية، والطائفية البغيضة..
صور، الذاهبة لها كل جمعة لزيارة والدها. عائلتها المحافظة، وأخواتها المحجبات. المقاومة وتحرير الجنوب، وحسن نصر الله...الدراسة والتعليم، والبنت الصغيرة النائمة في بيت أختها.
لبنان ومآسيه. حياتها الخلفية التي لا يعلم أهلها عنها شيئا. والسكين الجاهزة لغسل العار!.

زواجها المبكر، وطلاقها....
فنجانان من القهوة، وسؤال منه لها: أليس من الغريب أن يكون الحديث على هذا النحو؟ شاب وصبية. واحد لديه مال، والأخرى لديها ما يُستحق أن يبذل من أجله كل نفيس، ومع هذا نتحدث عن تحرير الأسرى؟! أليس حديثا لا طعم له مع بنتِ ليل مثلك؟! تجيبه:أنا بشر أيضا. لي أحاسيسي ولست بحجر. وما يجري في هذه البلد يهمني. أنا معنية بكل ما يدور من حولي، اشعر وأتأثر به.
قالت: "هي بشر". وقالت: "تتأثر بما حولها".
هي بشرٌ قبل أن تكون بنت ليل. هي تتاثر بك، وبمن حولها. ما ومن حولها هو من سيبقيها بنت ليل. وما حولها هو من سيجعلها صبية نهار، لا تخشى شمس الظهيرة، أي ظهيرةٍ كانت.
تذكر، هي ليست بحجر. وعندما تكون أنتَ بشرا، ستكون هي بشرا مثلك. اخلع قناعك المزركش، وانظر لنفسك جيدا، لن تلحظ الفرق بينكما. ربما يكون العكس، عندما تتفاجىء أنها أشد جمالا وطهرا منك وهي في عريها، وأنت مزهو بربطة عنقك الكاذبة، فيما رائحة العفن تفوح من جسدك.
ما تشمه من رائحة نتنة، ليس سوى بقايا رائحتك ساعة كنتما سوية على سرير واحد، قبل أن تشتمها فجرا، وأنت تستعد للصلاة، فيما هي تستعد لدس دولار جديد في جيبها.
هي صَدَقتْ، وأنت كذبتَ.
هي بنتُ ليل، وأما أنت فابن نفاق مستشرٍ.
هي ستتوب ساعة خلاص. أما أنت فلا خلاص منك!.
 


*الأشعار الواردة بين مزدوجين هي للشاعر اللبناني بول شاوول، من ديوانه "كشهر طويل من العشق".
 
 
 

 

في