GMT 7:00 2004 السبت 28 أغسطس GMT 18:54 2004 الأحد 17 أكتوبر  :آخر تحديث

الأزمان المرعبة

د سيّار الجميل

قراءة تحليلية لظاهرة الخوف في تاريخ العراق القريب 

 

 

" شعب فيه من الطراوة والمرونة ما يعجز المرء ان يصف وبين الصلابة والانتعاش قروح وجروح لا تندمل بسرعة ابدا.. بين وادي الرافدين شعب في غاية الاكتساح والاجتراح يثوى اليوم بين متناقضات لا اول لها ولا آخر.. أصوات تزمجر في الشوارع ترفع صورة جلاد باليد واصوات لا يسمعها احد تئن في الزنازين العفنة! شعب لا يرضيه كل ما يعرفه من فنون الاكل والوان المائدة الا طبق التمن واليابسة.. ".

الكاتب البوليفي المشهور ماريو فاغاس يوسا عندما جال في اصقاع بلد عريق اسمه العراق خلال السنوات الاخيرة من حكم الطاغية صدام حسين

 

 


مقدمة : ذكريات مؤلمة واحاسيس موجعة
 دعوني اقدم قراءة تحليلية لتاريخ العراق القريب الذي كان طويلا جدا كاحقاب طوال صادف فيه العراقيون شتى صنوف العذابات والالام ايام حكم البعثيين على عهد الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.. وغدا ذلك المجتمع العراقي صيدا ثمينا لسلطة شرسة مرعبة كبلته بالخوف وسامته العذاب وادخلته جحيم هذه الحياة بكل رداءتها. لقد بقي العراقيون على امتداد خمس وثلاثين سنة يعيشون كل التحديات والمشكلات ومجابهة شتى الانتهاكات واشعال الحروب وسيل انهار الدماء القانية. ولم اكن اعرف ان الروائية اللبنانية المقتدرة هاديا سعيد هي نفسها الكاتبة الصحافية هاديا حيدر التي كنت اقرأ لها قبل ثلاثين سنة، حتى قرأت شيئا عن روايتها المتميزة ( بستان احمر ) فأشتقت الى معرفة المزيد عنها، وبقيت منذ زمن طويل اتابع ما تقّدمه في القسم العربي من البي بي سي باذاعة لندن من تعليقات نقدية بارعة على القصة القصيرة.. وقد جذبتني تعبيراتها الرائعة وظننت انها عراقية، ولكن قراءتي لكتابها الاخير: " سنوات من الخوف العراقي " الصادر عن دار الساقي العام 2004.. جعلني اقترب جدا من مذكراتها المؤلمة في سنواتها الصعبة كأديبة بيروتية كانت ابنة جريدة " النهار " الغراء! عاشت ردحا من حياتها في العاصمة بغداد، وغدت تتناصف حياتها بين لبنانيتها الوديعة وبين عراقيتنا الصاخبة بحكم اقترانها بالشاعر العراقي جليل حيدر ( الاخ غير الشقيق للسياسي العراقي المعروف عزيز الحاج ) منذ اكثر من ثلاثين سنة وقد انجبت منه سومر وحيدر. ويعد كتابها الاخير سجلا حافلا عن اصعب مرحلة من تاريخ العراق المعاصر.. وعندما تحدثت بمرارة شديدة عن عراق السبعينيات على عهد الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، ارجعتني بذكرياتها المريرة الى تفاصيل ذلك العهد الذي يعد سلسلة من ازمان مرعبة، وهي مرحلة سيئة جدا على عكس من يريد صبغها بالالوان الزاهية.
 وهنا، لا اريد ان اكتب مقالة عادية عن كتاب غير عادي.. برغم صغر حجم كتابها الاخير، لكنه سفر بحاجة الى تأويل وشرح وتحليل. فاذا كنت في مقالي هذا اكتب مجرد تعريف وتشخيص عنه وعن صاحبته اللبنانية القديرة التي ابارك لها جهدها من اجل كتابة تاريخ حيوي لالام العراقيين على العهد الدموي الاسود، فأنني قد وعدت القراء الكرام ان ثمة دراسة معمقة وتحليلية سافكك من خلالها نص هذا السفر المختزل المشحون باحداث ومعلومات وافكار ومشاعر وانطباعات واخبار واسماء.. اذ لابد من القول انه لا يمكن ابدا لأي عراقي او اي عربي ان يمر على " عنوان " كهذا من دون قراءة ما تحتويه مضامينه الخصبة.


تاريخ حقيقي لسيدة الاحزان المتناصفة
 لعل اهم ما يلفت النظر في سنوات خوف هاديا، ان كتابها هو تاريخ حقيقي لمرحلة اساسية ورهيبة مرعبة من حكم البعثيين العراقيين. وان صفحاته تختزن معلومات شاهد عيان عربي حقيقي كتبها من خلال معايشته لها يوما بيوم! وانه لا يقتصر على سرد معلومات واحداث سياسية يابسة، بل انه سفر تنطق صاحبته ببراعة في وصف العراقيين ومجتمعهم وحياتهم ومشاعرهم وسماتهم وصفاتهم واهتمام فوق العادة بالمرأة العراقية وبالمثقفين العراقيين وبالاتجاهات السائدة على ايام عقد السبعينيات. ويصل الامر بالكاتبة ان تقّدم اشبه باعترافات كمن كان في سجن رهيب لازمه الرعب سنوات طوال وهو يكتب بمشاعر حقيقية ليست مزيفة او مستعارة ابدا. انني عندما احكم على الكتاب وصاحبته كناقد ومؤرخ عراقي متواضع من نفس الجيل وعاش المأساة الاليمة نفسها في داخل العراق وخارجه، فأنني ادرك ما الذي اقوله عمن كتبت معاناتها الحقيقية. وعليه، فان كتاب هاديا هو نداء حقيقي لكل العرب في ان يقفوا ولو لمرة واحدة الى جانب معاناة العراقيين التي لم يعان من رعبها اي شعب في هذا الوجود على مدى اربع وثلاثين سنة!
 لقد كنت قد وعدت سيدة الاحزان المتناصفة في قدرها بين لبنانيتها وعراقيتنا بأنني ساكتب تحليلات تاريخية لذكرياتها السبعينية من القرن العشرين.. وان اول ما استهدفه في الحقيقة : توضيح حقائق مغيّبة او مخفية او غير معروفة عن جيل عراقي كامل يتكّون من ملايين الناس المتنوعين مروا في ازمان صعبة ومعقّدة جدا.. وثمة ملايين من شباب عراقي اليوم كانوا في السبعينيات والثمانينيات صبيانا يافعين كونهم ولدوا في عقد الستينيات وما بعدها والذين لم يعرفوا او يدركوا حتى ما كان يسود في العراق على عهد الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.. اذ أجد دوما في ما يقولونه او يكتبونه نقصا فاضحا في كنه ذلك العهد الاسود بطوله وعرضه وامتلاءاته بالفساد والاضطهادات والتوحش والاجرام والعذابات الانسانية.. بل وأجد بعض هؤلاء الشباب ينزع في اللاوعي بحنينه وعواطفه الى ما كان يسود من شعارات سياسية بلهاء. لقد ولدوا وعاشوا طوال الاربعين سنة الماضية وهم لا يعرفون في قاموسهم السياسي الا اسم صدام حسين ومهرجانات البعث الاعلامية. وعليه، يمكن القول بان هذا الجانب من التاريخ المضمخ بالمآسي المرعبة والمخفي تحت اوراق التوت لابد ان ينتزعه الناس انتزاعا قويا من خلال كتاباتهم الحيادية وتسجيلاتهم التاريخية ومذكراتهم السياسية التي تفضح حقائق يجهلها الناس ليس في العراق وحده، بل في ارجاء بيئات الثقافة العربية المعاصرة التي اعتادت بعد ان طال العهد بنظام الحكم السابق بترديد ما كان يعلنه ويتبجح به اعلاميا وسياسيا منذ العام 1968 وحتى آخر لحظة زمنية تاريخية مريرة سقط فيها النظام على لسان وزير الاعلام محمد سعيد الصحاف الذي غدا اضحوكة في كل مكان من هذا العالم!


العراق : حطام حادث مرّوع
 اشارك الاخ امير الطاهري الذي كتب مقدمة كتاب هاديا، ان ذكريات هاديا المؤلمة هي مزيج من عالم كافكا واحاسيس بولغاغوف.. واناس تعساء يخرجون من مشهد حادث سيّارة مرّوع باشلائهم ودمائهم وانينهم واوجاعهم.. في ذكريات هاديا احاسيس موحشة وضرب من اللامعقول وصفحات من الحنين وانطلاق من العفوية.. ووصف لخمائر متعفّنة سوداء اللون، ومشاهد سيّارة محطمة على اشد ما يكون الحطام، كانت تقودها عصابة من الاوغاد والمجانين ومصاصي الدماء المتوحشين ومن ورائهم حشود وقطيع من المصفقين والمهللين والمنافقين والجهلاء والمشعوذين والتافهين.. تتذكر هذه السيدة البيروتية سنوات بقائها في العراق على عهد الرئيس احمد حسن البكر الذي يصفه خصومه بالحقود والبلاهة في آن واحد ومعه نائبه الشرس صدام حسين..
 وكأنني لمست ان هناك جرائم كبرى ارتكبت بحق العراق والعراقيين من اجل ترويعهم وسحب البساط من تحت اقدامهم، وقد تمّت من دون ان يفقه ذلك الرئيس الاب القائد البكر الابله من كان يقوم بها او انه يعرف ويتغاضى مصطبغا عهده باللون الاحمر! ولعل أكبر جريمة رسمت بحق العراق تلك الكذبة المزورة التي كانت تختفي ثم تعود لتعيد انتاج نفسها ليل نهار في العراق وخارجه والتي تقول بأن العراق كان ابان عقد السبعينيات على طريق الازدهار والرخاء وخطى التقدم.. في حين ان الحقيقة التاريخية التي ادركها العقلاء ان العراق كان قد بدأ منذ العام 1968 تاريخا مفجعا لا يمكن للاخرين ان يتصورونه مهما بلغت بهم حجوم التصورات والتخيلات.. حتى وان كانوا طلبة علم اتوا وسكنوا بغداد او الموصل والبصرة لأغراض الدراسة.. اذ فات على تلك الجماعات الشابة وهي في غمرة المسيرات والتصفيقات والشعارات ان تدرك الحقائق المريرة ما دام ذلك العهد قد أمّن لها مستلزمات ما يمكن ان يجعله في اعين الناس من ارقى البلدان!!.
 ان الافجع من كل هذا تلك الحقبة البالية من عقد السبعينيات الذي ولدت منذ العام 1968 وحتى العام 1988 بانتهاء مأساة الحرب القذرة مع ايران وحصدت معها ملايين الارواح من البشر وكلهم يمثلون زهرة شباب العراق.. من اولئك الذين لم يدركوا ابدا عقم الحياة العراقية على ايام البعثيين الاولى والتي لن تختلف عن شهورهم السوداء التي حكموا فيها العراق العام 1963 الا في نفس الوسائل وذات الادوات وحال الشعارات. وهنا لابد لي من القول، بأن هذه المتابعة التحليلية التي اقدّمها الان ستضيف جملة من المعلومات والاستشهادات التاريخية على ما قدّمته هاديا في كتابها.

 

هاديا سعيد.. من تكون؟
 كانت عند مطلع السبعينيات شابة في العشرين من العمر، تصل الى العاصمة بغداد قادمة من مدينتها بيروت رفقة عريسها الشاعر العراقي الشاب جليل حيدر. كانت بريئة ومندهشة وخائفة ليس من العراق والعراقيين، بل من عالم مجهول يقبض البعثيون على انفاسه الطيبة، وهم الذين كانوا يتصارخون بشعارات زائفة في الشوارع الشهيرة او في القاعات الواسعة او في ملعب الكشافة الكائن في منطقة الوزيرية العريقة ببغداد.. شعارات زائفة يتكلمون بها ولا يؤمنوا بمحتواها ولم يحققوها ابد الدهر ليست لأنها اكبر من حجمهم وضآلتهم حسب، بل لأنها طوباوية خيالية لا تمت للحقيقة ولا للواقع بأية صلة.. كان البعثيون يتشدقون بالعلمانية والمساواة والعدالة والنضال ضد الاستعمار.. وينظّرون في التقدمية والاشتراكية والوحدة العربية والحرية وبعث الامة العربية من خلال بعث ( = احياء ) رسالتها الخالدة! استعارات من هنا حيث الاشتراكية الوطنية النازية الهتلرية او هناك حيث الفاشستية الموسيلينية المشبعة بالصلف! نعم، قدمت من عالم خليط بالافكار الفاشية والشيوعية والمثالية لا اثر للحريات الى عالم متحجر ومنغلق بالممنوعات.. يذكرنا بمناخات ستالينية لا يشم فيها الناس الا روائح الموت والاعدامات والمؤامرات وكتابة التقارير السرية وخبث العصابات!! كانت فتاة لها تجربتها البيروتية ولم تكن تعرف العراق ولا عوالمه المعقّدة.. كانت قد انهت دراستها ولها تجربة ليست مكتملة مع الصحافة لتجد نفسها وسط دنيا العراق الجميلة بطبيعتها وروعتها وعذوبتها، ولكنها بدأت تتعامل مع عالم مشحون بالتناقضات لا يعرف الا الشغب والمخبرين السريين وكتاب التقارير الحزبية والامنية.. ووسط وظيفي مشبع بتقديس السلطة كله اكاذيب وتلفيقات ومداهنات ووصوليات خلقتها عمليات التبعيث التي لم تعرف الا شراسة المنافع والمنتفعين.
 عاشت تجربة عراقية مريرة في خضم عالم موبوء بالسياسة البعثية التي لم يكن في قاموسها عهد ذاك الا زراعة الخوف في قلوب الناس، وكان البعثيون قد غدوا من أقوى المحترفين في معرفة سايكلوجيات العراقيين سواء من سكان المدن ام من سكان الارياف وخصوصا عندما تنفجر اعصابهم وتتقطع انفاسهم لم يجد البعثيون القادة الا الراحة والاستجمام والمكابرة في سيادة الرعب! هاديا سعيد التي كانت قد اطلقت على نفسها اسم هاديا حيدر تيمنا باسم زوجها العراقي جليل حيدر الاخ غير الشقيق للسياسي الشيوعي المعروف عزيز الحاج، وهو من الاكراد الفويلية الشيعة العراقيين الذين برز منهم عدد من المثقفين والساسة اللامعين.. كان قد جعلها واسطة عقد من حبات كبيرة وصغيرة وكان عليها ان تعرفها واحدة بعد اخرى، فانغمست الفتاة البيروتية في الحياة العراقية الرائعة وعشقتها عشقا عميقا، وافتتنت بالعراقيين وبطيبتهم وباساليب حياتهم الغنية بكل الالوان والطقوس والتقاليد.

 

سنوات الخوف.. الوان الرعب وراء الهروب الجماعي من العراق
 نعم، قّضت هاديا تاريخها العراقي للسنوات 1972 – 1978، اي انها عاشت ست سنوات جد حافلة بالبؤس والخوف داخل العراق ولتسحب معها كتلة من المعاناة ترافقها عبر كل هذي السنين ولم تهدأ ابدا حتى الان! ويتبين من كل الذي سجلته في مذكراتها، كم كانت هذه اللبنانية المتمردة ولما تزل عاشقة للعراق والعراقيين برغم كل المحن والمرارات وبرغم كل التعاسة وسنوات الخوف السود.. لقد بقيت وفيّة مخلصة للعراق والعراقيين بحيث لم أصدق وأنا اقرأ كتابها انها من طينة عربية مألوفة، فهي استثناء حقا بحملها صفات انسان بمعنى الكلمة!
 كان هروب العراقيين الى خارج وطنهم قد بدأ منذ العام 1968، ولكن بعد عشر سنوات وعندما اشتدت قبضة النظام على الانفاس ازداد ذاك الهروب! وعندما وصلت حملة التبعيث للعراقيين الى أوج سطوتها.. لم اكن في العراق، فقد كنت انا الاخر قد غادرته منذ العام 1976 وانا في عز الشباب لأكمال دراستي العليا في بريطانيا. كانت الجبهة الوطنية التقدمية في العراق خدعة بعثية لضرب الشيوعيين قبل الاكراد، اذ كان الشيوعيون في كل انحاء العراق من ألد اعداء البعث والبعثيين لأسباب سياسية وفكرية وعقائدية ايديولوجية تاريخية على الرغم من ان البعث ليس له فكر حقيقي يمكن ان يستند اليه حزب سياسي قوي فهو مجموعة من الافكار المستنسخة عن الستالينية ممزوجة بسرقات عن بعث ايطاليا وشوفينية موسوليني وهتلرية الاشتراكية الوطنية التي دعاها ميشيل عفلق بالعلاقة الجدلية بين القومية والاشتراكية وربط بائس بين اللينينية والشوفينية.. ولما كان الشيوعيون العراقيون قد خانوا الامانة في عقد جبهتهم ( الوطنية التقدمية ) مع البعثيين في العام 1970، وتناسوا ما الذي فعله البعثيون بهم في العام 1963! فلقد تآلفوا الان ضد قوى وطنية وسياسية عراقية اخرى اي ضد ما كانوا يسمونه بـ الفئات البرجوازية العراقية ( العفنة ) التي قتلوا فيها روحها واعدموا نزعتها الليبرالية الحرة وحاربوا الطبقة الوسطى تحت حجج وذرائع لا تعد ولا تحصى وتحت شعارات بليدة كانت تتوافق مع رحى مناخات الحرب الباردة وقت ذاك. نعم، نسي الشيوعيون العراقيون دم الزعيم عبد الكريم قاسم ودماء ضحاياهم التي لا تعد ولا تحصى! وجاءوا يشتركون مع البعثيين بقيادة احمد حسن البكر وصدام حسين.. فكان ان غدر بهم البعثيون بعد ان لعبوا عليهم وكشفوا عن خلاياهم السرية وعرفوا خططهم واسرارهم وتوجهاتهم!

 

تفاقم ظاهرة الهروب الجمعي من العراق
 نعم، تفاقم امر الهروب من العراق بفعل سياسات القمع والخوف والتبعيث والمخابرات والتهجير القسري والتطهير العرقي وتجريد الناس من عراقيتهم بعد تجريدهم من آدميتهم واتهام الاخرين بالتبعية الايرانية. كان العراق في عقد السبعينيات مرجلا يغلي بالترهيب اكثر من الترغيب وتحوّلت الاحلام الجميلة الى كوابيس سوداء بزج المعتقلين في السجون وغياهبها عندما ضمت دهاليز وزنازين قصر النهاية حزمة من كبار السياسيين العراقيين. كان التعذيب قد أودى بحياة حزمة اخرى نساها العراقيون من جماعات عبد السلام عارف رئيس الجمورية العراقية 1963- 1965. وكانت مشروعات القتل والاخفاء قد وصلت أقوى مداها وراح ضحيتها العشرات بل المئات من القوميين العارفيين والساسة السابقين والضباط العسكريين وجرت اتهامات بمؤامرات ومحاولات انقلابية وجرت محاكمات سريعة واعدم العشرات من العراقيين. كانت تدور همسات تتناقلها الالسن خفية وبصمت رهيب حفلات الاعدام والتعذيب برجالات الامس القريب : عذّب طاهر يحي عذابا لا يرحم.. وعّذب مثله رشيد مصلح وكسرت عظامه حتى مات تحت الدق والذي كان يكن له احمد حسن البكر حقدا شديدا، وسلخ جلد شامل السامرائي وهو حي حتى بقي اشلاء تنبض! وذاب الجزء الاسفل من جسد عبد العزيز العقيلي بوضعه كل يوم وهو عار على مدفئة علاء الدين مشتعلة! وبقي الدكتور عبد الرحمن البزاز يعّذب وهو ينظف مراحيض السجناء حتى فقد كل كيانه! وذاب عبد القادر العبيدي شيئا فشيئا في حوض اسيد! وذهب العشرات من المثقفين والضباط ورجال القانون المحترمين.. فضلا عن العشرات من رؤساء العشائر والشيوخ والشخصيات السياسية اللامعة من بقايا ليس العهد العارفي وحده، بل من العهدين السابقين القاسمي والملكي.

 

الصيد السياسي والاعلامي وشراء الذمم
 بدأ اصطياد الاعلاميين والمؤسسات والمثقفين والادباء العرب منذ وصول البعثيين الى السلطة، ولقد اوجدوا اساليب غاية في المكر والخبث والدهاء لشراء الذمم والضمائر لتجيير الاقلام والصحف الى صالحهم.. ويبدو ان كل ذلك قد كان بترتيب من صدام حسين نفسه وهو يعمل تحت مظلة وهمية اسمها الاب القائد احمد حسن البكر الذي وجد نفسه فجأة ( مهيبا ) وكان منحه هذه الرتبة العسكرية العليا ترضية لعقدة نفسية قديمة جراء تواضع امكاناته العسكرية مقارنة بمواهب قادة عراقيين آخرين.. فغدا مهيبا وهو لم يحلم ان يغدو قائدا في يوم من الايام، فلقد قّضى كل حياته معلما عاديا في الكلية العسكرية العراقية كأي ضابط كسول لا اهمية له ولم يتخّرج في اي دورة للاركان ولم يدخل في اي ميدان عسكري ولا في اي دورة عليا خارج العراق ولا اي مشاركة ميدانية في اي معركة ضارية.. وقد سكت سكوتا واضحا لأنه وقع بين فكّي كماشة لا يستطيع الخروج منها. صحيح ان بعض ضباط الجيش كانوا معه، ولكن كان هناك من يراقب عليه حتى انفاسه ويحصي عليه سكناته وخصوصا في بدايات ( الثورة ) عندما اوجد صدام حسين مكتبه الى جانب مكتب الرئيس وجعل العسس والمخبرين تراقب المهيب البكر في كل خطواته وافعاله وانشطته وزواره.
 لقد اصبحت هاديا في جوقة العزف الصحفية العام 1972 – كما تقول ( ص 22 ) – على عهد الجبهة الوطنية التقدمية في العراق ثم رئيسة لقسم التحقيقات في مجلة ( الف باء ) الاسبوعية في حين عمل زوجها الشاعر جليل حيدر في القسم الثقافي بالمجلة، وكان يرأس تحرير المجلة وقت ذاك عبد الجبار القطب اولا، ثم عّين بدله حسن العلوي ثانيا.. ويدير القسم الثقافي الروائي فاضل العزاوي. ان تجربة هاديا ليست الاولى في العراق، فلقد سبقها مثقفون عرب عاشوا وعملوا في العراق وكلهم حفظوا لنا في كتاباتهم ود عجيب للعراق والعراقيين، فمنهم من كانت له معاناته ومكابداته مع انظمته السياسية، ومنهم في شارك بل واضطلع في صناعة جملة من المشكلات والمعضلات السياسية والفكرية وحتى الاكاديمية والاجتماعية! ( وللقارىء الكريم مراجعة ما كنت قد نشرته قبل سنوات في كتاب : انتلجينسيا العراق وبحوث ومقالات عدة عن ادوار المثقفين والساسة العرب في العراق ). لم تستفد هاديا من مكانتها العربية الصحفية، لأنها – كما ارى – غدت نصف عراقية بزواجها من عراقي على عهد البعثيين العراقيين.. فهي تشهد انها ضيفة معقولة لم تكن تحّصل الا على راتبها.. على " عكس الكثيرين من المثقفين والكتاب والفنانين العرب الذين جاؤوا ضيوفا متملقين او كسّابين.. " ( ص 23 ) من مصر وسوريا والاردن ولبنان وغيرها من الاماكن : غالي شكري مستشارا خلف الستار، ومحمود السعدني ومكافآت تحت العباية وجمال الغيطاني صديق الكبار امثال عدنان خير الله والفنانين محسنة توفيق دعوة مفتوحة في واحد من فنادق بغداد فأطالت في بقائها حتى ابلغت بالطرد بوسيلة مهذّبة وايضا عبد العزيز مخيون اقلهم كسبا ودلال شمالي مطربة القيادة والحزب وعبد الغني قمر الذي استخدمته المخابرات العراقية وصافيناز كاظم الكاتبة المصرية المزواجة واحمد فؤاد نجم الذي يطوف على كل الموائد باسم الشاعر الشعبي.. والشاعر محمد التهامي عاشق بغداد وغيرهم ممن لا يحصى عددهم مع توالي الايام والسنين.
 ربما اختلف مع هاديا التي دعت الى المصارحة بين المثقفين العراقيين وخصومهم العرب.. عندما تقول : " ولا افهم لماذا يصاب الجميع بعدوى سياسة المقاطعة التي لم تجد نفعا حتى في التاريخ السياسي البحث، ولماذا لا يبدأ حوار مصارحة وتصارح.. من دون بيانات مضادة " ( ص 25 ). المشكلة يا هاديا ان المثقفين عادة ما يتوافقون اذا اختلف السياسيون في ما بينهم، ولكن المثقفين العراقيين اليوم هم الذين يقفون خصما لدودا لمن اضطهدهم وقهرهم واستمرأ غربتهم وسفح دمائهم واكل السحت الحرام عندما تحالف مع جلاديهم.. في حين يتوافق السياسيون مع الضفاف الاخرى. أما المربد ومهرجانه المدائحي الذي غدا مادة للاستلاب المادي البشع من قبل اسماء كبيرة في الثقافة العربية والشعر العربي وتحّول من التغّني بالعراق الحضاري الى مديح ( الظل العالي للقائد الرمز ).. ونتابع الذكريات المرة لتشهد هاديا بقولها : " وأصبحنا نسمع عن هدايا والمغلفات التي توضع في غرف الفنادق وللدعوات الخاصة لزيارة القصر الجمهوري.. " ( ص 26 ). ولقد توقّفت هاديا فجأة عند فيروز والرحابنة الذين جاؤوا ليغّنوا بغداد والشعراء والصور.. ملتفتة الى موقفهم الصلب وعدم استجابتهم لطلب السلطة في العراق، ومطيلة في رفضهم الغناء تحت صورة الاب القائد احمد حسن البكر.. حتى استجيب لطلبهم وحّولت الصورة الى جانب آخر من القاعة.. ( ص 50- 53 ).

 

الوحش الكاسر يطوي صاحبه
 بين احمد حسن البكر وبين صدام حسين فوارق لا تعد ولا تحصى، ولابد من معرفة ما جمعهما معا كما تشير المعلومات المتوفرة حتى اليوم.. وكل ذلك من اجل معرفة اسرار حكم العراق في المرحلة الاولى على عهد البكر للفترة 1968 – 1979 التي اشترك فيها صدام حسين كنائب للبكر يتمتع بصلاحيات كبرى وكأنه الحاكم الفعلي للعراق.. فالبكر اكبر من صدام حسين بقرابة 23 سنة، اي ان الفارق بين الاثنين كبير جدا والاول بدأ حياته معلما ثم انخرط في الكلية العسكرية رفقة رهط من التكارتة بوساطة من السيد مولود مخلص الذي عمل على ادخال معظم الشبان التكارتة في الكلية العسكرية عند نهاية الثلاثينيات.. وتخرج البكر كأي ضابط عسكري، لكنه لم يبرز ولم يشترك في اية عمليات ميدانية وانه لم يكن قائدا لامعا في الميادين العسكرية التعبوية مقارنة بغيره، بل بقي سنوات طوال معلما في الكلية العسكرية ولم يحمل رتبة اركان حرب ولم يشارك بأية دورات خارج العراق الا ان الثاني لم يكن يحمل اية شهادة علمية او جامعية ( وساحدثكم بعد قليل عن كيفية نيل صدام حسين شهادته في الحقوق وكان نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة عندما درس الحقوق في كلية الحقوق ببغداد ).
 ينتمي كل من الاثنين الى قبيلة واحدة.. وعلى امتداد حكم البكر الا ان البكر لم يكن له الا الكرسي الذي يختبىء من ورائه صدام حسين اذ كان كلاهما يكمل الاخر، ولم يعرف الخلاف طريقه اليهما ابدا حتى العام 1979 عندما وقع الاتفاق مع سوريا برغبة من البكر، واذا كان صدام يعد العدة للانقاض على كرسي الحكم باستخدامه اسلوب الظاهر غير دليل الباطن ازاء البكر، فان الاخير كان يخشى سطوة صدام ونفوذه الذي غدا يستشري في كل المرافق.. وبقدر ما كان البكر بسيطا في مسكنه وتصرفاته مع عائلته، الا انه كان ساذجا في شؤون البلاد المعّقدة.. صحيح انه كان يتدخل في كل شاردة وواردة الا ان تفكيره لم يكن منتظما ويصل اهتمامه في بعض الاحيان الى امور تافهة جدا! تراه عصبي متوتر النفس ثم تجده احيانا اخرى في حالة هدوء.. كان يثور لاتفه الاسباب كأي قروي جاهل لا يدرك حقائق الاشياء فقط من اجل اثبات وجوده! كان يتخذ قرارات مفجعة في ساعات غضبه ثم يهدأ فيلغيها.. وكلنا يتذكر تصريحه بأن لا لقاء مع النظام السوري الى الابد، وبعد اسبوعين وقع الاتفاق مع الرئيس السوري حافظ الاسد باسم الميثاق القومي في العام 1979! كان يسمع الاغاني الريفية ويعشق التلفزيون كما هو حال صدام حسين.. كان البكر مغرما بسماع ملا ضيف الجبوري وهو يعزف على ربابته ويقرأ العتابة من اشعاره الريفية التي يشمئز منها المثقفون والمتحضرون وابناء المدن الراقية.. ويقال انه كان حقودا تتملكه الاضغان في صدره كالجمال ويغدر بخصومه كما فعل بابن مدينته تكريت رشيد مصلح الذي اصر على ان يعّذب حتى الموت!
 انها صفات يمتلكها صدام حسين، بل ويزيد عليها جملة هائلة من التراكيب المعقّدة التي تعد حصيلتها ايضا تلك المزاوجة غير المشروعة بين مجتمع ريفي مغلق مثل اطراف تكريت وبين مجتمع حضري يسعى للتقدم مثل بغداد.. ولكن اود ان اشير هنا الى ان سيرة احمد حسن البكر واضحة تماما بحكم تسلسل حياته الوظيفية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية العراقية واضبارته الشخصية فيها.. لكن سيرة صدام حسين يحيطها الغموض كلها على الاطلاق بدءا بأبيه وأمه ثم ولادته ( التي اسعى للكشف التاريخي عنها، اذ انها لم تكن ابدا في قرية العوجة التابعة لتكريت، بل كانت في قرية الشويش قرب الحويجه التابعة لكركوك. وسيكشف التاريخ ان صدام حسين لم يكن في جذوره عربيا بل هو نتاج ما ازبده تاريخ الاقليات الاسيوية المتنوعة في شمال العراق ) ثم تكوينه بين القرى وفي الشوارع وفي مناطق لا يمكنها ان تخّرج منها بشرا سويا وصولا الى ورود اسمه في محاكمات المهداوي ليس لاشتراكه في اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، بل في قتل احد الاعيان باشارة من خاله.. وصولا الى هربه ومشكلاته في مصر ورجوعه الى العراق واعتقاله ثم دوره في انقلاب 1968 وهو لا يمتلك الا سيرة سيئة وعندما غدا نائبا للبكر حصل على شهادة في الحقوق.. فكيف حصل عليها؟

 

كيف منح صدام حسين شهادة في القانون؟
 كان الصديق الدكتور سعدون القشطيني احد ابرز اساتذة القانون العراقيين والذي زاملته لخمس سنوات في جامعة آل البييت بالاردن قد حكى لي يوما من ايام 1996 بصوت خفيض وهمس لا يسمعه بشر سواي بأنه قد درّس صدام حسين القانون في كلية الحقوق ببغداد عندما كانت السلطة بيديه!
 فقلت له معقبا بصوت عال : معنى ذلك انك اعظم استاذ فاشل في التاريخ!
 قال : انصت فلقد اديّت واجبي وكفى.
 قلت : وهل كان صدام طالبا نجيبا امامك في الصف؟
 قال : كان في الحقيقة يحترم اساتذته كثيرا!
 قلت : وهل كان يأتي بكتبه وحقيبته واقلامه واوراق مذكراته؟
 قال : لا ابدا، فان العلم كله في رأسه!
قلت : وهل كان يجالس زملائه الطلاب والطالبات؟
 قال : يبدو انك تستغفلني؟
 قلت : معاذ الله يا ابا علي.
 قال : يا سيار لقد كان يدعى بالسيد النائب، اي الرجل الثاني اذ لم يكن الاول الذي يحكم العراق فهل معقول ان يفعل ذلك؟!
قلت : وماذا يعني؟
 قال : كفى تماحكني يا ابا نصر وانت مدرك للحقائق!
 قلت : الم تكن استاذه في القانون؟
 قال : كان يأتي الى كلية الحقوق ( قبل ان تسمّى بكلية القانون ) ومعه جحفل من الحراس والامن والقوات الخاصة المدججة بالسلاح والمستشارين والتابعين والراكضين والمصفقين!
 قلت : وكيف هل يدخلون كلهم الصف بمعيته؟
 هنا رمقني الاخ ابو علي بنظرة نافذة ولم يعد يحتمل نزقي وقال : وهل من المعقول ان يدخل اكثر من مائة شخص الصف؟
 قلت : يا ابو علي هل كان طالب علم ام حامل صولجان؟
 قال : الم تعرف من هو صدام حسين؟
 قلت : طيب وهل هناك من لا يعرفه، كيف كنتم تدرسونه؟
 قال ابو علي : كان يأتي الى الكلية ومعه جحفل مجوقل ومدجج ومنتشر في كل زاوية شاهرين مسدساتهم والياتهم ونحن نمشي وراء الجميع!
 قلت : وكيف درستموه القانون وبكل مواده الصعبة والمتنوعة ونحن نعرفكم واحدا واحدا؟
 قال : الحقيقة انه كان يعرفنا شخصيا ولكن لا نراه الا في يوم الامتحان؟
 قلت له : يا ابو علي كل هذه الهوسه وهو يأتي على الامتحان فقط؟
 اجاب بانكسار : نعم!
 قلت : يا ابو علي انت اعظم استاذ ناجح في القانون؟ وعقبّت قائلا : وهل كان ينجح في الامتحان؟
 قال : كان يلقي بالاوراق بيضاء ناصعة ولكننا نعرف انه مستوعب لكل القانون!
قلت : اذن هكذا حصل على شهادته في القانون اخبرني بربك : من كان هناك ايضا من اساتذته؟
قال : كان هناك منذر الشاوي!
 قلت : يا سبحان الله هناك فرق كبير بينك يا أخ سعدون وبين منذر.. لقد كان منذر استاذا فاشلا وقد كنت استاذا ناجحا!
 قال : كيف اتيت بهذه المعادلة التي لم افهمها!
اجبت : الايام ستفهمنا جميعا ان بقينا احياء نرزق!

 

يستحيل ان يكون للسفينة اكثر من رّبان!
 طالما كنت اردد وانا في طور الشباب وقت ذاك ان ليس من المعقول ان نجد في العراق رأسين اثنين كما علمنا تاريخه، اذ يستحيل ان يكون للسفينة اكثر من رّبان واحد كما علمتني جدّتي لأبي رحمها الله وكانت من سيدات مجتمع العراق القديم، ولقد كلفتني هذه العبارة وانا طالب في الكلية الكثير من التعاسة في العام 1972.. والحقيقة، اذا كانت هناك بلدانا يقودها اثنان فان العراق يستحيل ان يقوده الا رجل واحد، فاذا كان حظ العراق عاليا الهمه الله حاكما عادلا وحكيما ورحيما، واذا كان حظ العراق تعيسا قّيض له زعيما بليدا جاهلا متوحشا غليظ الطبع.. لقد غدا العراق باجمعه ليس طي قيادتين سياسيتين كما كان يعلن لكل من البكر وصدام، بل بدا واضحا للعيان ان صدّاما أخذ يأكل صاحبه كالوحش الكاسر ويجّرده يوما بعد آخر من كل الادوار الخطيرة بعقد الاتفاقيات وتوقيع المعاهدات وقوة التصريحات ورفع الشعارات واعلان الصور جنبا الى جنب وغدا لصدام جيشه المعلن والخفي من المريدين والاتباع والمصفقين والجواسيس والعسس ورجال الامن والمخابراتيين.. بدأ يمثّل على المجتمع انه حامل همومهم وحلاّل مشاكلهم ومارد احلامهم.. بدأت صوره باوضاع مختلفة تقف الى جانب الاب العجوز ثقيل الدم واستمر الحال يقوى ويقوى حتى اكل الوحش صاحبه في اعياد تموز / يوليو 1979 ليجّرده ويخفيه ويبدأ تاريخا مجنونا من الدكتاتورية الثانية ذات النوع الاخر واللون الدموي الاخر والقداسات الاخرى لمعبود جشع للسلطة ومتعطش للدم خلق منذ الساعات الاولى لتوليه المسؤولية الاولى اعصارا ساخنا ومناخا عاصفا يرشه بالدم القاني وعلى مسرح مليىء بالاشرار والدمى..
 كل شيىء يطوّقه هذا الاله الجديد.. كل الممنوعات يتربي عليها العراقيون.. الاسوار تبتعد نحو السماء.. كل المحرمات تخيف الناس.. لم تعد هناك ثمة انفراجات يمكن ان يتلمسها بشر! بدأت تختفي يوما بعد آخر تقاليد المدن العراقية العريقة لتبدأ حياة مجتمع يمتلىء بالضباع التي ترعبك اصواتها اناء الليل وتخيفك مناظرها اطراف النهار! لقد خرج على شاشات التلفزيون بكل عنجهيته ونظراته الموحشة وكأنه لم يّصدق نفسه انه وصل الموقع الاول ليمزّق معاهدة الجزائر علنا على الشاشات بعد مذبحة الرفاق الشريرة والتي كان مخرجا وممثلا ومنتجا بارعا فيها وهو يخرج منديله ليجفف مآقيه الناشفة كذبا وبهتانا كونه عطوفا يملأه الحنين على رفاق المسيرة والدرب الطويل.. الدم يسفحه الرفاق في ما بينهم ليعلق الجرم لكل واحد من رقبته.. الشعراء والابالسة يسبحون بحمد القائد الضرورة.. لم تنبض اية احتجاجات لآجراء العنف الهستيري.. كل شيىء يزّيف ليرضى عنه بكل جبروته العاتي. ومن قبل زمن قصير : ابن البكر يقتل في حادث مدّبر! فنانون ومثقفون شيوعيون يتخفون ببراعة ثم يحضرون للهجرة وسنوات النفي الطويلة.. الحرب ضد الطقوس الدينية والعادات الاجتماعية العراقية الاصيلة تأخذ ابعد ابعادها بالقوة الغاشمة.. قرارات سياسية تلغي اخرى ويكّرس الظلم على عينك يا تاجر.. خوف وقهر وعذابات تحل بالناس جراء الكبت وكتابة التقارير الحزبية والمراقبة حتى على الانفاس.. لا خلاف سياسي ولا حتى ارهاص من اجل التعبير..

 

رحلة العذابات الثانية
 الجيش العراقي يغدو مستأصلا لزهرة شباب العراق في اعتى خدمة الزامية عسكرية عرفها التاريخ البشري اذ كانوا يساقون كالانعام الى المذابح.. وليمضي شباب العراق في عز اعمارهم احقر سنوات حياتهم وابشعها! لم يبق اي عراقي ناجح في علاقاته وشخصيته في منصبه او موقعه ما لم يصبه ذل عن قصد وسبق اصرار من قبل فرق الحزبيين البعثيين الذين بدأوا يتزيون باللباس الزيتوني الكريه وهم على رأس الجيش الشعبي، ذلك الجيش الذي لم يعد حكرا على البعثيين بل ساقوا اليه كل الموظفين والطلبة والعمال والفلاحين وحتى اساتذة الجامعات! وان تململ او تضايق أحد عزل من منصبه او عمله او طرد او لوحق باي اسلوب مؤذ وخبيث! لم يعد للنظام شيىء لا يدركه او لا يعرفه من خلال تغلغل مخابراته الفاشية في كل جزئيات العراق والعراقيين من خلال توظيف المختارين والوسطاء والفراشين وكل اصحاب الضمائر الميتة وفي كل حي وكل محلة وكل دائرة وكل قرية وكل مكان من ارض العراق.
 شعراء السلطة وكتابها من صحفيين وادباء سواء كانوا مبدعين او تافهين يمسكون بأهم الدوائر الاعلامية والثقافية وغدوا مسؤولين على مجلات ومنشورات وأدبيات واقسام ثقافية ودوائر اعلامية وهناك دوائر خاصة تابعة للقيادة القومية في الحزب وقيادة المخابرات في السلطة والقيادة العامة للقوات المسلحة وغيرها من القيادات الاستراتيجية.. كلها تسبح بحمد القائد الضرورة الملهم الفذ الذي اخترعت له عبارات ما انزل الله بها من سلطان! ودور نشر عربية ومجلات عربية وجرائد عربية ومراكز قومية للدراسات وللبحوث.. كلها تفتتح انشطتها بعد ان تؤسس في العاصمة اللبنانية بيروت اولا والتي جعلها النظام العراقي البعثي مركزا او محورا حقيقيا للانشطة الاعلامية والمخابراتية الكبرى له في المنطقة ومنها تتوزع محاور عدة باتجاهات شتى : باريس والقاهرة والكويت ولندن.. وفي السنوات العشر الاخيرة اتخذّت عمّان بالاردن مركزا للعمليات..
 علينا ان نتساءل : كيف تصرّف اولئك الشعراء والكتّاب والادباء البعثيون مع الاخرين وبأي منطق ( ص 54- 55 ). ولقد ركب المغنّون والفنانون والرقّاصات والراقصون مع فرقهم الموسيقية الموجة العراقية البعثية وجيّروا ايضا لصالح اقامة الحفلات والمهرجانات والليالي الملاح في القصور والنوادي الليلية ليصبحوا لعبة بأيدي السلطة يحركونهم يرقصّونهم ويغّنون لهم.. ومنذ ان جاء البعثيون للسلطة في العراق، جاؤوا باشهر الراقصات المصريات : سهير زكي وهاله الصافي وغيرهما يرقصن شبه عاريات في مناسباتهم المقّدسة التي تعرض على شاشات التلفزيون.. لم يبق مغن ومغنية في العراق لم يغّني للرئيس القائد باستثناء الفنانين الرائعين : يوسف عمر وعفيفه اسكندر وفؤاد سالم وانوار عبد الوهاب.. وكلنا يعرف ما الذي حل بهؤلاء وبغيرهم من قوافل المخلصين لم تسكت بل جاء رفضها من خلال الهروب والهجرة وتحمل كل القسوة من اجل الخلاص.. والقيادة ( الحكيمة ) لم تفّكر يوما في الذي حل بالعراق ولم تسأل نفسها سؤالا واحدا : لماذا يهرب الناس من ارضهم الى المجهول؟ لماذا يهرب العراقيون من سطوة النظام؟

 

تمثيلية ابو طبر في بغداد : انتاج تراجيدية الهلع الجماعي
 ابو طبر هو صاحب الطبر ( بضم الطاء وفتح الباء حسب اللهجة البغدادية ). والطبر معناه لفظا : البلطة او الساطور الذي يستعمله القصاب في تقطيع اللحوم والعظام في بقية اللهجات العربية، وابو طبر سفاّح عراقي غامض جدا عاث فجأة في بغداد فسادا ثم اختفى ولم يعرف عنه أي شيىء في ما بعد. لقد اثار ابو طبر هلعا ورعبا في عموم العراق بحيث كانت الناس تبقى صاحية طوال الليل او انها تتبادل الحراسة وتتناوب النوم خوفا ان يداهمها ابو طبر وجماعته من السفاحين ليقطعّوا اوصال من يهاجمونهم. لقد كان الهدف منه ليس ترويع العراقيين حسب، بل تزيد هاديا انه في عملية كهذه، نجحت السلطة في معرفة كل عراقي اسمه وأين يسكن وعمره ومكان ولادته ودراسته وعمله ومعارفه وسيرة حياته.. بما قامت به لهذا السبب من تسجيلات.. ( ص 58 – 59 ). لقد اشتهر ابو طبر كونه مجرم من اعتى المجرمين السفاكين للدماء ويترأس عصابة تهاجم ضحاياها في ليلة معينة او نهار معين وتذبحهم ذبحا بالسواطير.. وتتنوع انواع الذبح لكل عائلة بطريقة خاصة ومحكمة خاصة بعد القتل والتمثيل بالجثث وتتركهم بدمائهم وتقّطع اوصالهم بعد الاعتداءات عليهم في نفس دورهم من دون اي سرقات.
 لقد ذهبت عدة عوائل ضحايا هذا الاجرام المنّظم وكانت السلطة تزيد من حالة الرعب ببياناتها الاعلامية المهيجة للمجتمع عن ابو طبر. وتذكر هاديا بأن الشيوعيين هم أول من نبّه الى ان اللعبة هذه قد كشفت للسلطة كل خبايا العراقيين. وبعد أشهر عدة من الرعب القاتل والجرائم العديدة التي جعلت كل عائلة تخشى على نفسها ليلا ونهارا.. ادّعت السلطات انها ألقت القبض على ابو طبر وعصابته.. وظهر ابو طبر على شاشة التلفزيون شتاء 1978 معترفا بجرائمه بكل بساطة واريحية والتي أكد بأن لا علاقة لها بالسياسة.. لم ازل اذكره اصلع الرأس يلبس بدلة رمادية ويتكّلم بكل ارتياح وكأنه قد اتفّق في اجوبته مع الاسئلة التي كان يحاوره فيها محمد سعيد الصحاف مدير عام الاذاعة والتلفزيون وقت ذاك. ومنذ تلك اللحظة، اسدل الستار على أبشع مسرحية دموية عصيبة نجح مخرجها في ان يلّف المجتمع كله من حوله خوفا وهلعا.. ليبدأ بتنفيذ مسرحية من نوع آخر.. وقالت السلطة انها ستحاكم ابو طبر وجماعته بعد احالته الى المحكمة لينّفذ فيه حكم الاعدام! ولكن لا يعرف العراقيون حتى الان ما قصة ابو طبر الحقيقية؟ وهل اعدم ام لا؟ وهل كان الرئيس احمد حسن البكر يعرف بتفصيلات هذه المسرحية.. ام انه مات ولم يعرف حقائق بلد كان يحكمه جلاد من نوع لم يعرف التاريخ له مثيلا!
 ولا يفوتني ان اذكر في هذا المجال ان ابا طبر اختار عوائل معروفة من بغداد لذبحها عن بكرة ابيها، كان منهم زعيم الشرطة المتقاعد بشير احمد السلمان ( ابن خالة المرحوم والدي ) وعائلته التي حصدها بالكامل : زوجته الفاضلة السيدة بشرى وولده الوحيد احمد واخو زوجته الذي كان يزورهم ذلك اليوم اضافة الى خادمتهم العجوز.. وكانوا ينامون على السطح صيفا، فكيف انزلهم ابو طبر من السطح وكيف قتلهم واحدا واحدا بساطوره وكيف مثّل بجثثهم.. ثم كدّسها في حوض الاستحمام وتركهم مستخدما سيارتهم البونتياك امريكية الصنع والتي تركها في شارع الكفاح والتي وجدت بعد يومين اثر كشف الجريمة. ولم ازل اذكر ذلك الانسان الرائع ابو احمد عندما كان يزورنا دوما بكل اناقته وعمق ثقافته واتساع مداركه.. لقد خدم العراق سنوات طوال في عموم العراق لتكون نهايته بشعة للغاية، ولم يأسف النظام الحاكم على مثل هؤلاء الضحايا لأنه هو الذي كان يتحرّك لاختيارهم وقتلهم باسم ابو طبر.. وتبدو كلها تمثيلية كاملة نجح النظام في تأليفها واخراجها وانتاجها وتنفيذ حبكته لها، لكنه لم يستطع ان يجيد ادواره فيها، فلقد عرف الناس اللعبة بعد ان تقّدمت الاحداث وانكشفت اوراق النظام وفضائحه الدموية القاسية. واليوم من يأخذ بحق هؤلاء التعساء من العراقيين البررة التي ذهبوا غدرا ضحايا نظام جائر؟ من يسمع بهم وهم الاف مؤلفة من ضحايا نظام كان هناك ولم يزل العديد من مناصريه ومؤيديه ومرتزقته يصفونه باجمل الصفات!

 

التهجير القسري والاستئصال العرقي
 لم يدفع شعب من شعوب الدنيا ثمن وجوده وبقائه وعيشه الا ابناء العراق الذين لاقوا في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين عسفا وخوفا لا يمكن تخيّله ابدا. ولم يقتصر الامر على ملّة بعينها او طائفة بذاتها او قومية بما لها وما عليها.. بل شمل ذلك كل الاعراق والاديان والجماعات والاقليات والطوائف والقوميات بما فيهم اقليات المسيحيين العراقيين من الكلدان والسريان والاثوريين الارثودكس والكاثوليك والارمن.. وهناك الاكراد والتركمان ناهيكم عن الشيعة والسنة وبعض الاسر العراقية العريقة في المجتمع العراقي. لقد افرغت قرى الموصل وبلداتها المسيحية واليزيدية العتيقة جدا من سكانها وخصوصا شبابها وشاباتها الذين هاجروا الى امريكا الشمالية طلبا لحقوق افتقدوها في مواطنهم العراقية.
 تقول هاديا : " مشهد آخر حيث ارتال المرحّلين من الاكراد الذين كنا نلتقيهم في ارضهم ويفتحون لنا قلوبهم وبيوتهم، واذا بهم الان في شاحنات تحملهم... ماضية بهم الى الجنوب، فيما نكون متوجهين لزيارة الشمال بدأ يشهد أمر تهجير وترحيل لابنائه ليشهد في مرحلة قادمة افظع مجزرة ارتكبت في حقهم وهي مجزرة حلبجه الشهيرة عام 1988 " ( ص 60 ).
 لعل أقسى الحملات في التهجير الداخلي قد بدأت مع عهد صدام حسين باحراقه للمئات من القرى والارياف الجبلية الكردية على امتداد الحدود مع كل من تركيا وايران.. وتهجير الاف العوائل الكردية الى صحاري الجنوب واسكانهم هناك.. فضلا عن تهجير اكراد من اماكن عديدة من كردستان وزرعها بالعرب. وقد امتدت سياسته القاسية في التطهيرات العرقية هذه لأكثر من عشرين سنة، اذ لم تنته حتى سقوط نظامه المشين. وان مشكلات تلك السياسات الشوفينية التي اتبعها لم تكن مؤذية للناس على امتداد عهده، بل انها خلّفت من ورائها نتائج وترسبات محزنة واليمة وخصوصا في مجتمعات محلية وجهوية متنوعة بين مختلف الاعراق السكانية.
 يمكنني القول اضافة الى ما كتبته هاديا، ان صدام حسين اتبع سياسة تجميع الاكراد واليزيدية في مجمعات سكنية في مناطق سهلية معينة قريبة من معسكرات وقلاع عسكرية بعد ان حرق الاف الاراضي الزراعية والقرى وبساتينها الثرية لكي يقطع دابر هؤلاء المساكين ويسيطر عليهم بشكل كامل. ولقد هالني ما رأيت في واحد من تلك التجمعات التي اسموها بـ " المجمّعات " وكان قريبا من قصبة قضاء سنجار، خلط فيه الاكراد بالعرب واليزيدية وفلول التركمان.. بيوت حقيرة ومسيّجة ومسيطر عليها كالسجون تماما من قبل اجهزته الامنية.
 ولعل اشرس تهجير جماعي صادفه العراقيون من الشيعة، اولئك الذين اتهموا بالتبعية الايرانية، وسواء كانوا من العراقيين ام الايرانيين فهم يستوطنون العراق بالتقادم من السنين.. ولقد وصلت درجة التوتر الى اعلى مداها في نهايات عقد السبعينيات. يتصّف النظام بدمويته ازاء اي تعاطف مع ثورة ايران العام 1979 وخصوصا بعد انتصارها على ايدي الاسلاميين وبروز ظاهرة تاريخية جديدة على الساحة في المنطقة بعد سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي باسم آية الله الخميني! وكان صدام حسين اول المهتاجين الذين اندفعوا بغباء وجنون في اسلوب التعامل مع المستجدات التاريخية الجديدة! بدأ بالعراقيين لينال منهم خوفا منه ان ينالوا منه! عذابات التهجير القسري تنال كل من وصفوا بالتبعية.. ويهّجر آلاف مؤلفة من الناس باللوريات ويتفرق الاهل وتتشتت العوائل والاسر ويسيطر النظام على اموالهم واملاكهم وكل موجوداتهم.. ويتيه المهجّرون وراء الحدود الصحراوية والمناطق الموحشة بقسوة وعنف بحجة تبعيتهم لايران واصولهم الفارسية وعدم حيازتهم على الجنسية العراقية!
 تنقل هاديا نصّا مهما كتبه حازم صاغية في كتابه : " بعث العراق : سلطة صدام قياما وحطاما " ( الساقي، 2003 ) قوله : ".. السلطة البعثية التي اخافتها الثورة الخمينية والاستجابة الشعبية لها، سارعت الى ترحيل ما بين 150 و 200 الف شيعي، وكان في عداد هذا ( الطابور الايراني الخامس ) الاف التجار الذين رصدت بغداد اصولهم البعيدة لتصنّفهم ايرانيين فصادرت اعمالهم واملاكهم وجنسياتهم قبل ان تلقي بهم على الحدود، وفي حالات كثيرة حيل بين الاهل وابنائهم الذين تتراوح اعمارهم بين الـ 15 و 25 ممن احتجزوا ولم ير احدهم الاخر بعد ذاك، وباعداد كبيرة راحت تتضخم هجرة شيعية الى ايران وسوريا والاردن وبلدان الخليج وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها.. " ( ص 181).

 

العراقيون : لاجئون.. مهاجرون.. منفيون ومغتربون
 تقول هاديا : " عندما غادرت بغداد في بداية عام 1979 كانت عشرات من عوائل الشيعة والاكراد الفيلية التي عرفتها قد تناثرت بين القبض على الجيل الشاب وبين ترحيل الكبار واقفال محلات الالاف من تجار الشورجه والاستيلاء على بيوتهم، وقد كانت من اجمل وافخم البيوت وتتوزع في انحاء مختلفة من مناطق بغداد السكنية الراقية " ( ص 185).
 نعم، اصبح كل ما هو خيالي وميلو درامي في الافلام والقصص والروايات حقيقيا في العراق الذي بدأ يزدحم بحقائق على ارضه لا تصدق ابدا، فالتشتت الجماعي للعراقيين اصبح سمة غالبة على الكل.. فالام في مكان والاب في مكان واولادهما كل في مكان من هذا العالم!! ولقد مزّقت الحرب العراقية – الايرانية شتات العراق الاجتماعي بالاسرى والمفقودين! وجاء غزو الكويت وعاصفة الصحراء لتشتت المنتفضين والاكراد والاسرى ثم جاء نزوح المثقفين والاكاديميين والمختصين الى خارج العراق وغدا العراقيون بين مهاجرين الى مقيمين الى منفيين ونازحين ولاجئين وهاربين ومغتربين.. وخصوصا في السنوات الصعبة التي انحصرت بين عاصفة الصحراء وثعلب الصحراء فلقد افرغ العراق من خزين بشري جماعي نخبوي عراقي سكاني مبدع يعتبر نخبة القوى البشرية العراقية الحية التي تشتتت في بقاع العالم ولكن حتى هؤلاء لم يتخلصوا ابدا من الرقابة والجواسيس والمخابرات والبعثيين المتخفين بلبوسات لا حصر لها بين طلبة وتجار واساتذة موفدين او حتى مهاجرين او مرتزقة عرب لهم علاقاتهم المشبوهة باكثر من طرف، وكانوا يزودون الدوائر العراقية بالمعلومات كاملة عن العراقيين.. لقد كان النزوح والهجرة من العراق يتّم في صور واشكال واساليب متنوعة منها غاية في الخطورة. وقد دفع البعض من العراقيين حياتهم في البحار والمحيطات بالوصول الى اماكن بعيدة قصيّة وازدهرت من خلالهم تجارة وتهريب البشر من قبل مافيات تركية وعربية واوربية واسيوية لالاف مؤلفة من عراقيين اصبحوا كتلا من اللحم الرخيص.. ان كل عراقي خرج من وطنه لم يعد اليه ابدا، وكل من كان يرجع ويزور العراق على عهد صدام حسين كانت السلطات ودوائر الامن والمخابرات تضع جملة من الاسئلة للاستفهام عن وضعه بين النظام والاغتراب! ولقد اعلمني احد العراقيين المغتربين ان جمعيات الاغتراب العراقية كانت ترتبط باجهزة المخابرات العراقية وبدوائرها.

 

الخوف من جلسات اصلاح الانتاجية العراقية
 من بدع النظام السابق وفي النصف الاول من السبعينيات ان شاع مبدأ " اصلاح الانتاجية " نظرا لما كانت تتعّرض له الانتاجية العراقية من الضعف والخلل وفساد المؤسسات. وتتكلم هاديا عن تلك الجلسات التي كانت تنعقد باسم " اصلاح الانتاجية " وأخطرها تلك التي يحضرها السيد النائب صدام حسين، وتعرض كاملة على شاشات التلفزيون وهي بحجة اصلاح ما ترّدت اليه الانتاجية في البلاد، فيستمع الى المتحدثين من رؤساء المؤسسات والمدراء العامين الى مدراء الاقسام.. كانت نظراته زائغة مخيفة وكان كلامه قاسيا جدا ويخرجه بكبرياء وعجرفة وبيده السيكار الطويل.. كان يتخّذ واحدا من اولئك المسؤولين ليجعله كبش فداء فيحمّله كل موبقات المؤسسة وباسلوب جارح امام كل موظفيه ومرؤوسيه وامام مشهد مل العراقيين مستخدما لغة التهديد والوعيد والثبور وعظائم الامور يرهب فيها ليس الحضور حسب، بل كل السامعين والمشاهدين.. ثم يقال الشخص بعد التوبيخ او يصدر امرا بسجنه ومحاسبته على التقصير مهما كان ذلك التقصير تافها!
 لقد مرّت هاديا بمثل هذه التجربة القاسية، وكان من المفروض ان تتحدث باعتبارها اعلامية عن برامج التلفزيون، ولظروف خاصة منعتها من الحضور.. فعوقبت واقيلت من العمل بسبب غيابها بعذر مشروع.. ولو لم تكن عربية لكان لها عقاب اكبر، اي انها لو كانت عراقية لسجنها صدام حسين على حد قوله لها عندما قابلته بعد اشهر من توقيفها عن العمل ( ص 60 – 67 ).
 وتؤكد هاديا سعيد بأن تلك الجلسات هي مقدمة بناء " جمهورية الخوف " ( ص 68 )، ولكنني اقول بأن الاشهر الاولى من انقلاب 17 تموز – 30 تموز / يوليو 1968 الاسود هي البداية الحقيقية لبناء جمهورية الرعب عندما علقّت الناس من اعناقها في ساحة التحرير ببغداد، وعندما بدأ مشروع القتل الجماعي المبكر على ايدي عصابة كل من ناظم كزار من طرف وصدام حسين من طرف آخر! ولعل اجمل ما كتبته هاديا عندما قالت : " لقد كنت أحد الذين عاشوا نوعا مخففا من الخوف داخل الجمهورية وخارجها مع اني لست عراقية، فهل هو الشعار الخفي بأنها امة عربية واحدة في الخوف والقهر؟ لكن من يقول لي ان ما حدث في العراق يحدث في كثير من البلدان العربية، سأظل اقول له : لا واكررها لا لا لا، فقد عشت في اكثر من بلد عربي وعرفت ووعيت معنى الحدود والرقابة والتضييق، لكن عهود العراق دموية وفجة ومريعة فليس هناك بلد عاش كل من فيه خراب النفس والذرية والارث كما عاشته بيوت بغداد ( وكل المدن العراقية ) وليس هناك بلد ابيحت فيه كميات من الدماء وعدد من الرقاب والاوصال المقطوعة كما حدث في العراق، وليس هناك بلد عرف قهر الخوف وذل الصمت مثل العراق.. " ( ص 68 – 69 ).
 وتستطرد قائلة : " ومع كل هذا، يظل يحق للتاريخ ان يحمل الحاكم النسبة الاكبر من المسؤولية، وهو ما نتذكره منذ اللحظة التي بدا فيها نجم السيد النائب صدام حسين يسطع، حين اختار ان يكون سيد التفاصيل حتى اصغر واتفه التفاصيل، التي تسببت ظلما، قطع رزق او لسان وأذن ورقاب وأوصال.. " ( ص 69 ). هكذا كانت صورة العراق عن واقع ارادوا تشويهه بشكل لا يصدق ابدا ونجحوا في مهمتهم الدموية وساديتهم المريضة.

 

معنى الخوف : الطبعة العراقية
 لعل هاديا في سطورها قد عبّرت حقيقة عن معنى الخوف في العراق وكيف تستوطن هذه " الكلمة " بكل ما تحمله من معنى في اعماق النفس وكيف تسكن في القلوب. انه خوف – كما تقول – قد تحّول بدوره في النفس من غريزي فطري ازاء الخطر الى خوف ازاء كل لحظة وكل سؤال وكل كلمة وكل العبارات! وتطور الخوف في القلوب العراقية من حالة طبيعية الى هستيريا مرعبة وغدا الخوف اصنافا عدة : خوف من ان لا يخطىء في نظر البعثيين والسلطويين! او خوف من ان لا تفّسر كلمة او عبارة بغير المعنى الذي اريد استخدامه والتوصّل اليه! وخوف من ان يودي مزاج متعّكر لأحدهم ضد ما افّكر فيه! وخوف من عيون مراوغة مخادعة تلمع وخوف من شوارب سوداء كّثة تتحرك ويعلوها الغبار! وخوف من سؤال نسأله اي سؤال وخوف مزدوج عن جواب نقوله على ذاك السؤال! خوف من جواب على سؤال يقتحمك شئت ام ابيت! خوف من رجفة او تردد او اعتذار! خوف صنع عالما من الرعب في الدواخل الهشة ازاء جبروت المراقبين من البعثيين ورجال الامن والمخابراتيين حتى على الانفاس.. بحيث نخشى ان يسّلم علينا أحد ربما يكون معارضا او شيوعيا او برجوازيا او اسلاميا او كرديا!! وما زلت اذكر البعض من زملائي وهم من ابناء الجنوب الرائعين على مقاعد الدراسة في الجامعة اذ كنت اجالسهم وانا ابن الموصل في نادي الكلية او نمشى سويا في حدائقها وكانوا من الشيوعيين ولم اكن شيوعيا.. فكان ذلك وحده مدعاة لتحقيقات لا اول لها ولا آخر ولا ادري ما حل بتلك النخبة الرائعة من الاصدقاء وكان من بينهم الاخ الشاعر عذاب الركابي.
 لقد تألّف لدى كل عراقي قاموس مرعب من آليات الخوف والتردد التي اخذت تهدد الحياة اليومية والفكرية والاجتماعية.. كثر الزيف والكذب والنفاق والدجل وحذق الناس ومهروا باسلوب المداهنة ورفع الشعارات والتصفيق والمديح والاطراء والمراوغة والمهاترة والتشبث والمشاغبات وهز الرؤوس والنميمة بعيدا عن الكياسة وروح الاختلاف واحترام الاخر. لم يعرف المجتمع العراقي معنى الديمقراطية ابدا على عهد الحكومات العسكرية وخصوصا على عهد البعثيين الذين قتلوا كل جماليات الاختلاف والرأي والرأي الاخر.. وقد وصل الامر بهم الى محاسبة الناس على النوايا.. او على النظرات! لم يتقبلوا اي رأي ولا اي فكرة جديدة وليست مخالفة فكيف يمكنهم قبول النقد وابداء المشورة. كانوا لا يسمحون حتى لانفسهم بابداء وجهات النظر في ما بينهم.. وعليه، فلقد قاد الامر الى بئس المصير الذي انتهوا اليه بعد ان اوصلوا العراق الى اضعف درجاته في التاريخ.
 هذا العالم من الرعب المرّكب الذي يمكنني وصفه باللا منظور سبّب تصدّعا كبيرا في البنية القيمية والنوازع الاخلاقية في عموم المجتمع العراقي. وجعل العشرات من المثقفين والمهنيين والمختصين والمحترفين العراقيين يهاجرون صوب المجهول.. ربما ليس بالضرورة لاسباب سياسية، بل بدواعي الرعب التي كان يحملها المستقلون والمعارضون معا ناهيكم عن المنشقين الذين يكون حسابهم عسيرا جدا لا يمكن تخيّله، ولكن هنا، اضم صوتي لهاديا عندما تناشد من يعيد عجلات القطار العراقي الى سكة السلامة ( ص 77 ) لأن ليس كل من بقي في العراق من كتّاب ومثقفين ومختصين وحرفيين قد اجرم بحق العراق، أو انه كان تواطىء مع النظام السابق وسكت على الجريمة.. لقد رأيت العشرات بل المئات من هؤلاء العراقيين الذين خرجوا من العراق وانتشروا في اصقاع الدنيا وكانوا وما زالوا حتى اليوم لهم عواطفهم الحميمة مع صدام حسين وميولهم الى النظام السابق.. هناك من كانت له ارتباطاته باجهزة النظام السرية.. وهناك من كان قد استفاد ماديا ومعنويا من وجود النظام! فمن دون النظام لم يسافر ويتخصص ولم يستفد ولم يجد له ذاته ومكانته! هناك المئات من الحزبيين الذين لولا وجود البعث في السلطة لما عرفوا ابدا المناصب والاكراميات والمكافئات والاعطيات.. وهناك من وجد في السلطة السابقة مرجعا له نظرا لهشاشته وتفاهته.. وهناك من وجد في صدام حسين وخصوصا في السنوات الاخيرة بطلا ورائدا ومجاهدا وخصوصا من قبل ركامات اولئك الاسلاميين والقوميين والناصريين والبعثيين السابقين.. الخ

 

تحليل نزعات الخوف العراقية
 صدقت هاديا في توضيح نوعية خوفها كمثقفة عربية بيروتية عندما قالت بأن " خوفي ظل طفلا مدللا أمام خوف الاصدقاء والاحباء. ففي كل بيت ماض يحمل توقيع هارب او قتيل او سجين. واليوم، عندما أقرأ وأرى فظائع المقابر الجماعية وترى أمامي حكايات الاعتقال الرهيبة، أشعر ان الزمن لا يعيد نفسه، بل كأنه أصبح مثل ثور هائج، انطلق منذ الستينيات ولم يكفه نصف قرن او اكثر، بل ناطح بقرنيه قرن الالفية الثالثة! " ( ص 79 ).
 نعم، لقد انطلق الثور الهائج من عقاله منذ اكثر من اربعين سنة في العراق ولم يتوّقف حتى اطلق عليه النظام العالمي الجديد رصاصة الرحمة بعد ان داس على كل ما في امامه من القيم المستقيمة واحالها الى فوضى متداخلة لا يعرف اولها من آخرها.. واخيرا، دخل حلبة قرن جديد وهو يحمل كل نزقه وهياجه ودمائه التي اغرق بها كل الازقة والحارات والطرقات. ولقد تّبدى ذلك كله عند هاديا ومعها ملايين الخائفين العراقيين الذين كان حزنهم يتضاعف ازاءها بأن الكوابيس لم تزل ملتصقة بالذاكرة العراقية المتعبة.. صحيح انها غدت كوابيس الماضي ( ص 79 )، ولكن نجحت هاديا في توظيفها بعد التقاطها.. " ففي كل ليلة ارى صدام حسين في احلامي يتبّدى بأوضاع مختلفة، لكن عينيه النافذتين تظّلان تحدّقان بي. أراه خلف جماجم، وأحيانا تتقّدمه هياكل عظمية، وقد رأيته ذات ليلة يهدّدني ويتوعّدني. أعلم انه كابوس واستطيع ان اسخر من نفسي وأنا اقيسه بمخاوف العراقيين الذين عاشوا الخوف الحقيقي. أرى نفسي متّهمة بالجبن والضآلة.. " ( ص 79 ).. وتستطرد لتقول : " فماذا يعني ان أعيش خوفا مدللا؟ وماذا يعني ان تكون لي حكاية صغيرة في عراق موسوم باساطير الرعب والدمار التي اثبتت الاسطورة يمكن ان تحدث في الواقع وليست دائما نتاجا للمخيلة البشرية " ( ص 80 ).
 هذا وصف تراجيدي رائع لأقصى ما وصل بالانسان في العراق من حالات الخوف والرعب الحقيقية.. عندما يشعر لأول مرة بأن كبرياءه قد جرح في الصميم.. وعندما لا يرى في حياته الكئيبة الا الكوابيس السوداء.. وعندما لا يرى احدا الا ويفّكر كيف يرضيه كيلا تنزلق منه كلمة تفّسر على غير هدى! لقد كان التفكير بمواجهة معينة يعني اختلاج النفس اختلاجا كسيحا! وان مجرد التفكير بالصورة التي يقابلها اي عراقي في اي بقعة من ارض العراق تكفي لجعله يعيش كابوسا اسودا! وان مجرد ذكر دائرة امن او ضابط امن او سفارة او قنصلية او مقر فرع او مقر شعبة او مقر فرقة او مقر جيش شعبي.. وغيرها كافية لتوليد رعب داخلي لا يمكن ايقاف تغلغله في كل خلية من خلايا الجسم!
 لم يبق صدام لوحده كابوسا مرعبا، بل غدا كل من يمارس مهنة رعب الاخرين باستخدام كلماته وتعابيره.. او تقليد مشيته ونظراته.. او اطلاق شاربه كثّا او لبس الزيتوني وتبختر وتمنطق بمسدسه المتدلّي.. الخ من النماذج البليدة المرعبة التي تمارس كل وقتها افظع صور الدكتاتورية والاضطهاد والهلع.. كان النزق نفسه يخلق رعبا، وكان مجرد السؤال والتعليق يمثلان رهبة كي يبحث العراقي عن اجابات مرضية، بل ويذهب الناس مذاهبهم في استخدام التملق والمداهنات لارضاء البعثيين.. كان صلف البعثيين لا يمكن وصفه وخصوصا عندما لا يجدون غير الصمت والسكوت يقابلهم. ان افظع ما يمكن تخيله ان تجد اولئك البعثيون كيف يتكلمون عن الصامتين! وليس هناك من هو اخطر على المجتمع بكل صنوفه من البعثيين سوى اولئك المرتبطين باجهزة الامن والمخابرات المكلفين بمهام غاية في الخسة والقذارة! وربما لا يمكن ابدا كشف عميل مخابرات في خارج العراق بسهولة، فهو يختفي وراء جلود افعي ملساء لا يمكن اكتشافها ابدا..
 وعليه، ماذا انتج ذلك كله؟ لقد غدا العراقيون يخاف بعضهم بعضا حتى وان لم يلتق هذا بذاك ابدا.. كنت بعد تجربة مريرة اعبر من جهة شارع الى جهة اخرى خوفا من مجرد رؤية عراقي آخر لا اعرفه معرفة حقيقية، وهذا مال كان تفعله الالاف المؤلفة من العراقيين وخصوصا في خارج العراق! وكان عملاء النظام وازلامه من التنوع والتعدد ما يجعل الانسان يحتار في كشف هذا من دون كشف ذاك!! ولم يتخّيل المرء كم اخترق جهاز المخابرات في العراق هذا العالم بما كان يدفعه ويمنحه للعملاء المتنوعين ( سواء كانوا من العراقيين ام من العرب ) الذين لا يمكن ان نتخيل بعضهم مرتزقة للنظام العراقي ابدا. لقد عرفت عراقيا كان يعتبر نفسه معارضا للنظام ومعه ثلة من العراقيين الذين يدّعون معارضتهم وهو يحتل مكانة قومية في بيروت.. لم اسمع ابدا في البداية كلام لمن حّذرني من التعامل معه، ولكنني اكتشفت بأنه فعلا قد باع نفسه للنظام لقاء اثمان باهضة اشترى من خلالها ضمائر واقلام مجموعات عربية عدة! التقى معي في عمّان بالاردن قبل سنوات وقال لي : لماذا لا ترجع الى العراق..؟ أجبته : ومن رجع غيري من العراقيين وانت في مقدمتهم؟ قال : ولكن الجماعة في بغداد يريدونك ويقدرونك ويحترمونك والذي فات مات! قلت له : اشكرهم نيابة عني فانا اعرفهم كيف يقدرون احرار العراق ويحترمونهم. خرجت من عنده ولم التق به منذ تلك اللحظة حتى الان!

 

الممنوعات.. المحّرمات
 لقد تعّود العراقيون على الممنوعات، بل ووصل الامر الى ان تغدو تحريمات في قاموس السلطة، بحيث غدا كل عراقي يدرك بأن كل الممنوعات محّرمات عليه، فاذا كانت هاديا قد سجلت بعض الممنوعات التي كانت تصدر كل ليلة وكل يوم من اسماء ممنوعة كالجواهري والسياب وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف السباعي ( والجنرال ) محمد عبد الوهاب الذي اسقطنا عنه كل تاريخه الموسيقى واحتفظنا له بلقب ( الجنرال ) الذي منحه له السادات لتأكيد الادانة المغمسة بالغمز.. " ( ص 82 ).
 نعم، لم تبلغ اي دولة واي مجتمع حجم الممنوعات فيه والمحرمات على ابناء الشعب، مثل الذي جرى في العراق منذ العام 1968، بحيث يمنع التصوير حتى في الاماكن العامة، وممنوع التوقف في شوارع معيّنة ابدا وتمنع سرعة السيارات لاقل من 120 كم في شوارع معينّة لاسباب امنية!.. ويمنع دخول شوارع معينة اخرى ابدا، ويمنع السفر.. ويمنع الاقتراب من شواطىء دجلة، ويمنع النظر الى القصور الرئاسية ويمنع قراءة كتاب اجنبي، ويمنع سماع اغاني معينة، وتمنع الالقاب واسماء الشهرة ويمنع زجاج السيارات الملون، ويمنع التصوير في اي مكان يتبع الدولة.. ويمنع الدخول الى مناطق معينة من ارض العراق : مقاطعات وقرى معينة واحياء معينة ومن امام دوائر معينة.. ويمنع الانترنيت ويمنع الستالايت والصحون اللاقطة ويمنع الاستماع الى محطات اذاعية معينة ( معادية ).. ويمنع ترديد اغاني بعض المطربين ويمنع اجتماع اكثر من اثنين في اي مكان عام ويمنع ترديد اشعار معينة وتمنع اطالة الشعر وتمنع كتب علي الوردي وتحرم كتب الشيعة او حتى الكتب التي كان قد الّفها شيعة منذ الف سنة! وتحرم قراءة حتى كتاب تاريخ الرسل والملوك لآبي جرير الطبري، وتمنع قراءة الصحف العربية والاجنبية غير المرخص دخولها.. ويمنع سماع خطابات جمال عبد الناصر وتمنع مظاهرة بالتعزية في وفاة عبد الناصر، وتمنع اي علاقات مع الايرانيين ايام الحرب وايام السلم وتمنع الطقوس وتقاليد العزاء في الحسينيات وتمنع القراءات القرآنية،.. الخ من الممنوعات التي لا يمكن عّدها وحصرها ابدا على امتداد خمس وثلاثين سنة!
 كان الخوف قد وصل ابعاده القصوى من تهم العمالة والخيانة والرجعية والبورجوازية العفنة. كان الناس يخافون الستر على سمعتهم وعلى رزقهم. كانت الحرب اعلامية ضارية ضد الرأسمالية العالمية والامبريالية القذرة.. كان الجميع يخافون ان لا تصل اليه الطاحنة البعثية اليهم لكي يتهم التجار والاعيان العراقيون بتهم سخيفة مثل هذه ويذهبون ضحية مؤامرات تافهة او ضحية تقارير سرية ترفع ضدهم من مأجور او مرتزق او حاقد او حتى ( بعثي ملتزم )! كان الناس قد ارعبتهم حفلات الاعدام في الشوارع العامة الرئيسية.. واحبطهم بأس المقابلات التلفزيونية الخالية من كل ادب واخلاق كتلك التي كان يعقدها محمد سعيد الصحاف المدير العام للاذاعة والتلفزيون.. كان الناس يخافون من كلمة ( مؤامرة ) وهم الذين كانوا يسمعونها منذ زمن طويل سواء في اذاعة صوت العرب الشوفينية في الخمسينيات ام في المسيرات على السن الشيوعيين وميليشيات المقاومة الشعبية العراقية في الستينيات، او من قبل البعثيين واجهزتهم الاعلامية وبياناتهم الحزبية في السبعينيات والثمانينيات.. وعليه، لم يكن احد يجرؤ ان يذكر لا اسم الملك فيصل الثاني ولا الامير عبد الاله ولا نوري باشا ولا الزعيم عبد الكريم قاسم ولا المشير عبد السلام عارف.. كان الاحتفال يجري في السبعينيات بالمناسبات الثلاث التي الصقت " الوطنية " بها، وهي : 14 تموز / يوليو 1958، و 14 رمضان = 8 شباط / فبراير 1963، و 17- 30 تموز / يوليو 1968.. وشيئا فشيئا، اصبحت الثورة الاولى في خبر كان، ثم تلتها الدموية الثانية التي اسموها في بداية عودتهم بـ " عروس الثورات " كـ ( ثورة )غير مرغوب فيها ازاء ( ثورة ) السابع – الثلاثين من تموز! ويا ويل من لم يردف ذلك بكلمة ( المجيدة )!
 نعم، لقد وصلت درجة الخوف الى ما وصفته هاديا بالخوف الاخر عندما قالت : " ذلك هو الخوف الاخر، ان تطل من فوق جبل الى هاوية.. " ( ص 85 ) بعد ان أمّمت الدولة الصحافة ولم يعد هناك اي مكان لأي طيف سياسي في العراق " لا مكان للمستقل او القومي او الاشتراكي او الشيوعي او المحسوب على الاخوان ( واضيف : الليبرالي الحر والملكي القديم ).. الساحة فقط هي لجماعتنا وجماعتكم ( ص 85-86).

 

اعماق الخوف : الخوف المرّكب
 نعم، اصبح الخوف حتى من الاطياف او من اللمحات والاشارات او حتى من اللقاءات العابرة.. اصبح الناس ترعبهم الشوارب السوداء الكثّة.. " وكيف تتفادى مواجهة أشخاص تعرف انك ما ان تدير وجهك حتى تلفظ او تشتم او يرسل بشأنك تقرير للجهات العليا! " ( ص 86). اما اكتشافه، فلم يكن عملية صعبة الا على من لم يمارسه او يعانيه ويكابده " وكم اكتشفت مبالغات وصعوبات ان يعيش الانسان خوفا مركبا : ان تعرف على الاخر معلومة خطأ، وان تتعامل معه من خلال هذه المعلومة الخطأ، وان تخطىء لأنك تسّرعت فصدّقت المعلومة الخطأ، او تأنيت فلم تصدّقها! " ( ص 87 ) وتضرب هاديا امثلة على الوشايات والنميمة التي استشرت بشكل مقزز في الدوائر الرسمية وفي المرافق العامة بحيث اصبح كل عراقي يخشى من ظله كيلا تأتيه التهم وهو لا يعرفها أبدا.
 المأساة في دواخل البيئة الحزبية المقيتة ان يفتقد الانسان كل مشاعره وضميره وكل قيمه وشخصيته.. ويصبح مجرد بيدق خشبي يتحرك حسب الطلب والمزاج.. او ان يغدو رقما بليدا على الشمال فمن كانت له احاسيسه ومشاعره وقيمه واخلاقياته.. فانه يشعر بالاختناق لأنه لا يستطيع البتة ان يعلن عن مأساته او ان يبوح باسراره. انه سجين تعليمات بليدة وافكار هشة ويصبح ذا تجربة ميتة وليس له الا تلّقى الاوامر وليس العمل بالقاعدة العسكرية ( نفّذ ثم ناقش ) بل العمل بالقاعدة البعثية ( نفّذ ولا تناقش )! ويستحيل عنه ان يسأل فكيف به ان يرفض؟ انه يسمع ويهز رأسه بالموافقة مقترنة بـ : " نعم رفيقي.. " وكنت كثيرا ما اشهد بعضهم يتوهم انه يجلس في كافيتيريا او ملتقى عام او اجتماع مجلس قسم.. فاذا به يتوهم، ويطبقها : ( نعم رفيقي.. ) من دون اي خجل ولا احساس بالاشمئزاز! ليس له في اجتماعات الحزب الا سماع اوامر، مثل : ( تحّرك على.. ) و ( اكتب لنا عن.. )، و ( راقب لنا.. ) او ( تتبع لنا هذا.. ) او ( اكسب لنا ذاك.. ).. الخ كان احد الاصدقاء القدماء قد تورّط معهم فدوما ما كان يحدثني والالم يعتصره قائلا : انه يشعر كونه داخل سجن مظلم او زنزانة ملوثة يتحرك كأي بيدق ذات اليمين وذات الشمال والنار تحيطه من كل جانب والعيون الساخطة ترمقه من جميع الاطراف..

 

التقارير المرعبة وظاهرة الجداريات
 تقول هاديا : " اكثر ما كان يدهشني ان بعض اسماء لامعة من المثقفين والكتاب والكاتبات كان يدخل هذه المنطقة ويعمل على كتابة التقارير ضد زملائه.. " ( ص 97 ). ان موضوع التقارير الحزبية لا يمكن ان يفوت بسرعة على القارىء، فكل أزمة النظام وانحدار اخلاقياته من سوء التصرف بهذا الاسلوب الذي كان على امتداد عهود البعثيين في العراق. ان تعاسة العراقيين النفسية مصدرها الخوف من كتابة التقارير السرية من قبل الحزبيين سواء واحدهم عن الاخر، او البعثيين ضد غيرهم من غير البعثيين.. وفي الحالة ترّصد هذا من قبل ذاك، ووشاية هذه على تلك.. وخوف هؤلاء من احدهم ان يترصدهم ويكتب عنهم.. انه قفل على افواههم. تقارير تستخدم كل الاساليب للايقاع بالاخرين والنيل منهم وعادة ما يتم تّقدم البعثيين في درجاتهم الحزبية على هذا الاساس، فكل من يتقّدم بالحزب يكون قد اوقع بالاخرين! لقد غدا العراق غابة موحشة يأكل هذا لحم ذاك حتى وان كان ميتا ولم يكرهونه! ولا مانع من يودي هذا بحياة الاخرين تحت شعار " في سبيل الحزب والثورة "، ولكن تكمن الحقيقة في سبيل المنافع الشخصية والبنتهامية.. وهذا ما كانوا يتعلمونه من كتاب يقدسونه لميشيل عفلق اسمه : " في سبيل البعث " وما جرى في المؤتمرات الحزبية.. وما صدر فيها من قرارات.
 ان شراء النظام للعراق كله أتى من دون اي مقابل يمكن ان يذكره التاريخ. لقد أخذوا كل شيىء لهم وسرقوه ليوظفوه لصالحهم، فالشعر يكتب لهم وللقيادة الفذة.. غرائب الاغاني وتفاهتها والموسيقى بكل زعيقها تؤدى لهم.. الصحافة بكل ما فيها من كآبات.. الفنون التشكيلية رسما ونحتا ومعارض ولوحات. كان العراق قد غدا من اغنى بلدان العالم حتى ذلك الوقت بالفنانين والتشكيليين والكتاب والشعراء والادباء الذين وظفوا كل ابداعاتهم ومجهوداتهم في سبيل الحزب والثورة مترجمة للقيادة الفذة!! ومع توالي الايام، بدت الشوارع كلها لا تجد فيها الا جداريات صور قبيحة للسيد الرئيس ونائبه.. لتغدو ظاهرة مقيتة على عهد صدام حسين، فكل التماثيل ينشرونها له في ارجاء العراق.. وكل اللوحات تصبغ له بابشع الالوان في الساحات ومداخل المؤسسات والمدارس وكل الاجهزة والدوائر والمراكز وحتى القرى الكئيبة.. ووصل الامر ان يتعجّب الزائر للعراق من هذا الكم العجيب منها وحجة السلطة : مدى التصاق القيادة بالشعب.. اما الشعب، فقد غدت هذه الظاهرة قميئة بالنسبة اليه ولا تسل عن حجم ما كانت تنفقه الدولة على هذه المظاهر الدعائية الفارغة، ومنها الاغاني التي تمجّد السيد الرئيس وكل اشعار المدّاحين تلقى له، وكل الاناشيد تنشد له وكل الصور واللافتات ترفع له، وكل الاقلام تكتب له، وكل الحناجر تذبح له.. وكل العشائر ورؤسائها وشيوخها ترقص له وكل الاطفال تصفق له.. الكل دخل هذه اللعبة السخيفة برغبته او بخوفه او بلا وعيه او رغما عنه.. الكل هّرج له الا الذين غادروا او صمتوا ودفعوا ثمنا غاليا او رخيصا.. الكل تجاوز حدود اللامعقول الى حيث الجنون.. الكل اراد اقناع التسلط الغاشم انه مقتنع بمثل هذا الماراثون البليد العجيب! الكل يريد ان يصبغ نفسه بصبغة وطنية تتجاوز حدود العقل الى حيث الجنون! الكل يتخذ اشكالا شتى في التعبير وفي اعماقه غموض ورسم سوريالي لا يمكن كشفه بسرعة ابدا! فتولدت في الانسان اكثر من شخصية يؤديها في مكانها الذي يريده منها!
 انه الانتماء المفقود لا الى وطن يسّمى بـ " العراق "، بل الى دكتاتور مستبد مرعب لا يعرف الا القتل والاضطهاد والعذاب. وقد تبيّن في نهاية الشوط الطويل المرير، ان الجبروت والعظمة كلها كانت مزيّفة وغير صحيحة ابدا.. فمن يهين شعبه بوسائل شتى قبل في نهاية المطاف ان يكون مهانا ومدانا وانقلب السحر على الساحر بين عشية وضحاها ليصبح الجميع "عمالقة " بعد ان خرجوا من السجن وستبقى الذاكرة العراقية تتلقى كل يوم اعترافات وذكريات ومعلومات لم يعرف بها احد عن حالات خانقة وعذابات مدانة، وغرائب وعجائب ضد الانسانية.. فلدى كل انسان عراقي عاش تلك المرحلة الصعبة او جزءا منها ملف ذكريات مفعم بالالام او الامراض او التشوه او الاقصاء او التناقض.. الخ كان المطبلون والمزمّرون كثيرون جدا، بحيث ان ثمة نوع من الخوف قد يغيب وانت تحتمي من ورائهم فتظل آمنا من دون كلام وفي صفوف الصمت الخلفية تشهد الهرج والمرج والهوسات العراقية تجوب الشوارع والساحات..

 

المرتزقة يبيعون ضمائرهم الرخيصة
 الارتزاق مهنة قديمة لاناس فقدوا ضمائرهم واخلاقهم.. والمرتزقة من العراق كثيرون جدا يتراكمون على الابواب وهم لا يخجلون من عملهم عندما يبيعون بضاعتهم في الدفاع عن الظلم والظالمين وعن السجن والسجّانين. ولقد استخدم النظام السابق بترتيبات واضحة من صدام حسين نفسه هذا الاسلوب وخصوصا في السياسة والاعلام منذ مطلع السبعينيات. كان المديح يشترى بكل اثوابه : الكلمة تشترى وكانت القصائد تشترى وكان الصمت يباع بأجر لغير العراقيين.. وكانت المواقف لها ثمن منهم ايضا وكانت الاصوات حتى في المحافل الدولية والامم المتحدة لها اثمانها لدول افريقية يقبض رؤساؤها حقائب مليئة بالدولارات عندما يستقدمهم النظام الى بغداد واحدا بعد الاخر. كانت الايادي الطويلة التي تؤدي خدمات معينة يصرف عليها، وكان المشاغبون وكتاب التقارير السرية من الحزبيين والجواسيس من اجهزة الامن والمخابراتيين لهم رواتبهم ومكافئاتهم وامتيازاتهم.
 كانت الساعات الثمينة وقناني الويسكي وحقائب السامسونايت الفاخرة.. تهدى عربونات ثقة لاول مرة من اجل الاستمالة في المهرجانات والزيارات، ثم تبدأ الاتفاقات على عمليات ارتزاق واسعة تبلغ الثروات فيها اعلى مستوياتها للانفاق على منظمات ومؤسسات ومراكز بحوث ودور نشر وجرائد ومجلات ومقالات وعلى شخصيات سياسية وبرلمانيين ومعارضين واحزاب وجماعات وندوات ومؤتمرات وملتقيات ومحطات تلفزيون ومعارض ومسيرات وتظاهرات ناهيكم عن اغداق الرزم والمرتبات او الرواتب والسيارات على شخوص من ادباء وشعراء ومذيعين ومقدمي برامج.. الخ من هذا الخليط العجيب الذي تتولى امره دوائر خاصة في المخابرات لها علاقاتها بمكاتبها خارج العراق. لقد كانت المواقف السياسية والبرلمانية العربية والاجنبية ينفق عليها الملايين من الدولارات، ملوك ورؤساء دول وحكومات ورؤساء منظمات وجامعات واحزاب وبرلمانات يخّفون بسرعة الى العاصمة بغداد ( الحبيبة ) ليهديهم النظام سيارات وشقق وفيلات.. شعراء وادباء يأتون الى معشوقتهم بغداد ليحملوا هداياهم وتذاكر السفر..
 حدّثني احد اصدقائي وهو بنفس اختصاصي وقد كان في الثمانينيات قد نّصب في بلده العربي رئيسا لجامعة جديدة.. قال : ذهبت مع اثنين من اعواني لمقابلة الرئيس صدام حسين بطلب العون فاكرمنا للغاية بملايين الدولارات انشأنا الجامعة وبقي الكثير!! واخبرني احد زملائي العرب وانا في سيارته نجتاز شارع بلدة عربية صغيرة بأن هذا الجامع وما حوله من بيوت وقصور بيضاء كانت مكرمة من الرئيس صدام حسين ذلك ان ابيه في تلك البلدة وبعض البعثيين منها ذهبوا للعراق وحصلوا على مليون دولار بنوا الجامع بخمسين الف دولار وتوزعوا 950 الف دولار عليهم فبنوا هذه القصور وما في داخلها واشتروا المزارع والضياع..
 واخبرني آخر بأن عاصمة بلاده قد تطورت واتسّعت بافخر شوارعها ومباني مطارها وبعض جامعاتها وسيارات ساستها الفارهة وقصورها.. كلها من فلوسكم يا عراقيين، فأجبته : هذه الامة العربية برقبتنا يا عزيزي، فكيف لا نصرف عليها! وفي بلد عربي آخر، كانت هناك رواتب شهرية بالاف الدولارات تمنح ليس للعشرات بل للمئات من البعثيين فيها ما عدا الاكراميات التي يتقاضاها المسؤولون عن تلك المنظمات الحزبية.. وعّقب احدهم قائلا : يا ترى كم ينفق العراق على المنظمات الحزبية البعثية في عموم العالم، اذا كان نحن نصيبنا هكذا مبالغ خيالية، فرمقه صاحبه بنظرة شرسة! ناهيكم عن المبالغ التي كان العراق ينفقها على الدسائس والمؤامرات والاغتيالات والمحاولات الانقلابية في الخارج وتعاونه مع ابرز الارهابيين المعروفين في العالم!
 ان ما يؤلم حقا بهذه السياسة الخرقاء دوامها طوال العهد الذي حكم فيه كل من البكر وصدام العراق، اذ لم يقتصر الامر على السبعينيات ايام الدفوقات المالية النفطية، بل كان للعراق زبائنه ومرتزقته على امتداد الثمانينيات ايام الحرب العراقية – الايرانية، ولم تهدأ ضمائر المرتزقة الميتة، بحيث كانت تعيش بملايينها العراقية على حساب جوع العراقيين وتشردهم ونكباتهم المخيفة القاسية ايام التسعينيات.. متمنيا ان تظهر الوثائق العراقية الرسمية في المستقبل كشوفات حقيقية ستذهل الاجيال القادمة عما جرى واتبع في العراق من سياسات فاجرة بحق الشعب العراقي كله من اجل ان تبقى السلطة البعثية في الحكم وان يبقى نظام صدام حسين طاغيا يخاف الجميع منه ويرتزق الملايين من خير العراقيين..

 

الافلام والسينما والفن
 لقد وجد ( السيد الرئيس القائد ) نفسه اضخم من حجمه التاريخي بكثير وهو يقبض على انفاس العراق بوصوله الى الموقع الاول في السلطة والدولة والمجتمع العام 1979.. اذ لا يعقل ابدا في الخصوصية العراقية ان يغدو واحدا مثل صدام حسين قائدا للعراقيين وزعيما للعراق وهو المعروف بتاريخه الشخصي الملون بشتى الالوان، فضلا عن كونه من فضلات او بقايا مجتمع محتقر يستقر فيه الاشقياء بكل انحطاطهم وسوء اخلاقهم وشراسة طباعهم.. شخص جاهل لم يكمل تعليمه معروف بلصوصيته ومهارته في الجنح والجنايات اذ ورد ذكره في محكمة المهداوي كواحد من القتلة المأجورين.. سيرته السياسية لا تبشّر بأي خير لأن ليس له اي صفحات بيضاء على الاطلاق! ويكفي ما الذي فعله على امتداد 11 سنة من حكم احمد حسن البكر وهو نائب له وقد قفل تلك المرحلة باوسخ جريمة ارتكبها بحق رفاقه البعثيين القياديين وبدأ عهده بسفح دماء من ناصره وعاهده ووثق به.. فكيف وجد نفسه وقد اصبح زعيما للعراق؟
 لقد تضخمت الانا عنده بشكل لا يمكن تصديقه، بل انه لم يكن يصّدق نفسه وقد اصبح رئيسا للجمهورية العراقية وبدا يوهم الناس بأنه عملاق ومخيف من خلال اجراءاته وقسوته وبنفس الوقت يمّثل بكل مهارة دور الانسان المتواضع الذي يعاون شعبه ويلتصق بحياتهم البيتية عندما يدخل عليهم ويأكل معهم ويفتح براداتهم ويجالسهم ويضاحكهم وتكون عناصره الامنية قد رتبّت كل الامور من قبل ذلك!
 رأى ان السينما تخدمه كما يخدمه كل شيىء في وجود العراق. بدأ يصل الى العراق مخرجون مصريون منهم : الفنان توفيق صالح الذي اخرج رواية " الايام الطويلة " وشغل العراقيين بها وبالفلم زمنا ليس بالقصير! ثم جلبوا الفنان صلاح ابو سيف ليخرج فلم القادسية في فلم تافه حقق صدام به نصرا اعلاميا ساحقا كما كان يشعر وهو يحضر لاشعال حرب ضد ايران معتبرا اياها قادسية ثانية بين العرب والفرس ( المجوس ). لقد توّهم بأن فلم القادسية يمكن ان يخرجه اليوم وعلى ارض الواقع، فأشعل الحرب مع ايران بعد ان مهّد لها صلاح ابو سيف اعلاميا في فلم القادسية وشاركه في ذلك بعض الفنانين المصريين المشهورين امثال : سعاد حسني وعزت العلايلي وغيرهما.
 من جانب آخر، ذكرت هاديا بأن المدرسة السوفياتية قمر خانم قد جاءت الى العراق بهدف تدريب الفرقة القومية للفنون الشعبية.. لكنهم لم يدعوها تستمر لأنهم لم يجدوا في ذلك نفعا للسلطة وتمجيد القيادة.. وطالت السياسة نفسها مدرسة الموسيقى والباليه، اذ تحّول مبناه الجميل في الكرخ وتحّول اساتذته من خيرة الفنانين العراقيين والاجانب المبدعين.. انه " اصبح شهادة انتماء لاطفال النخبة من المتنفذين في فريقي الرفاق الالداء " ( ص 110). ولقد حدّثني صديقي العزيز الموسيقار العراقي الصامت فريد الله ويردي الذي له خدمات بارزة وتاريخ حافل في الفرقة السمفونية العراقية وكيف حار بها النظام دون هوادة على حساب الانفاق والبذخ على الفنون المتوحشة باسم التراث والاصالة.. لقد قتلت السلطة بسياساتها الموهبة وروح الابداع وحاربت بلا هوادة الفن الموسيقى الراقي.. وكان عّراب تلك الحملة الوحشية ضد الموسيقى الاوركسترالية الراقية والباليه طارق عزيز الذي كان الاخ فريد الله ويردي قد دخل ضده في نقاش عقيم نال ويردى منه الاذى والتعنيف شديد اللهجة باعتباره ضد التراث الاصيل اي انه ضد مبادىء الحزب والدولة!.. في حين جذبت سياسة السلطة فنانا موسيقارا عراقيا آخر مثل منير بشير الذي بدأ يطّبل ويزّمر باسم التراث والاصالة وانشّق حتى على سياسة استاذه واخوه الاكبر الموسيقار جميل بشير الذي صمت صمتا غريبا ازاء تلك السياسة البليدة!

 

الترييف : الاهانات العراقية
 تقول هاديا : " كنت أرى العراقي، عندما يريد ان يهين من أزعجه او أغضبه أو خالفه، يصفه بالـ " الشروكي " اي : الريفي، وكان كثيرون من الذين بدأوا يحصلون على مناصب ومواقع مهمة من الريفيين.. " ( ص 111).
 هنا اريد ان اعّلق قليلا، فليس الشراكوه هم المتريفين فقط، انهم جزء بسيط منهم، والشروكي ( = الشروقي – حسب التوصيف البغدادي او : المعيدي – حسب التوصيف العراقي، او المعداني – حسب التوصيف التاريخي ) هو ابن الاهوار في الجنوب، ولكن اطلقت على كل من سكن اطراف بغداد من الاف النازحين. في حين ان المتريفين هم سكنة المدن العراقية الاساسية والكبرى وخصوصا بغداد والموصل والبصرة الذين تعود اصولهم الى الارياف والمناطق المتخلفة وقد سحبوا معهم قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم البدائية الى اعماق تلك المدن، فكانوا طبقة اجتماعية غير متجانسة في ما بينها اولا، وكانوا طبقة مختلفة عن ابناء المدن بكل ما حفلت تلك المدن العراقية من تقاليد عريقة واعراف حضرية وقيم مدنية.. وعليه، لما كان صدام حسين وكل بطانته الحاكمة من المتريفين غير المتعلمين سنجد كل السلطة وقراراتها تنبثق من هذه التقاليد التي غدت اضحوكة للعالمين! ولما كانت سلطة البعثيين على امتداد خمس وثلاثين سنة في الحكم فلقد حّولت المجتمع العراقي من صورته المتمدنة المتحضرة في المدن الى صورة بدائية متخلفة في عموم العراق.. واذكر اننا كنا نزور بغداد ونرى شارع السعدون المشهور بجماله في الليل تتمشى فيه العوائل والنسوة سافرات وقد تحّول بعد سنوات من حكم البعثيين الى شارع مجتمع بدائي لا يمكن ان تلمح فيه امرأة يزعق فيه الناعقون باغنياتهم الغجرية ومعظم رواده من الجنود العسكريين!! وكنت وانا في الموصل اجد في منطقة الدواسة الحضرية عوائل تذهب الى سينما غرناطة او انها تذهب الى حديقة الشهداء والبحيرات للتنزه وبعد سنين البعثيين، غدت الدواسة منطقة موبوءة بالمتريفين والبدائيين والمتوحشين الذين بدوا لي وكأنهم لم يروا امرأة من الجنس اللطيف في حياتهم!
 لم يكن صدام حسين يستهجن الكلمة ومعناها، بل دوما ما كان يتبجح بريفيته ولم يكن العراقيون الحضريون يستهجنون ابناء الريف ابدا، بل يستهجنون بعض تصرفات ابنائهم الذين طواهم التخلف وانهم لم يتعلموا شيئا من الحضريين، بل يبرزون تخّلفهم في تناقضاتهم المضحكة، اذ لا يعرف كيف يعّبر ويركّب جملة مفيدة بالعربية، ولا يعرف كيف يلبس عندما يظهر ببدلته الاوربية..

ولا يعرف كيف يتّصرف لا في شارع ولا في مطعم ولا في منتدى ولا في سوق.. وهكذا. كنت ترى المتّريف يزعق باعلى صوته عندما يتكلم! كنت تراه يسعل في شارع ثم يبصق بصقته على الارض او يمّخط من أنفه بيده من دون اي وازع بالادب او الشعور بالذنب! كنت تراه جالسا في محفل او حفلة او محاضرة وهو ينّظف فمه بعد وجبته او يلعب بانفه ويخرج اصبعه ليرى ما خرج منه ويمسح ذلك بأي قطعة ولتكن ثيابه! كنت تراه يأكل بشكل متوحش وكأنه لم ير الطعام منذ عصور خلت! كنت تراه بملبسه الاوربي وقد بدا حديقة متنقلة او تشكيلة ملونة بالوان صارخة لا تستقيم والذوق ابدا!
 كنت تراه يفتح رجليه عندما يجلس على الكرسي وكأنها لم يستخدمها منذ ان ولد! وكان يشعرك انه مثلك عندما يمسك سيكارته الروثمانز او سيكاره الكوبي الطويل! كنت تراه بين اقرانه وابناء مجتمعه بدشاديشهم الرثة وهو ليبس قبعته فرنسية جميلة ويرتدي معطفا انكليزيا من بيركشاير! لقد انتقلت وخّلفت عادات وتقاليد لم يكن لها اي وجود في المدن الحضرية العراقية وما اكثرها في الشمال والوسط والجنوب منذ القدم. لقد وصلت العقد النفسية بافراد القيادة التاريخية المتخلفين ان يجمعوا من حولهم اناس متمدنين ويتطفلوا عمدا على ان يحيطوا انفسهم بطبقة عريقة ومتحضرة ليشعروا المجتمع انه مثلهم وهم قادته شاء المجتمع ام ابى! او ليستغرق باحتسائه الويسكي في النوادي التي حولوها الى اشبه بكاباريهات وفيها كل ما يتمناه المرء من اللذات يشاركهم " مثقفون ومهنيون مرموقون ومبدعون. اصبحنا نسمع عن مثقفين نجوم من طبقات ثرية وعائلات معروفة وقد اصبحوا اصدقاء، او فرضت عليهم – ربما – صداقة وزراء وقيادات عليا في الحزب والثورة، ومن جانب آخر كان هؤلاء، - ومنهم من كنا نسمع انه لم يكن اكثر من معلم في مدرسة ابتدائية، او بائع ثلج، او شرطي او نائب عريف - يسعون لا حاطة انفسهم بدروع من مثقفين وادباء من شعراء وكتاب وصحافيين ومسرحيين وفنانين.. " ( ص 112 ). " اصبح المشهد وكأنه صراع آخر على الوجاهة من جهة، ارضاء لنزعة بعض المتنفذين لاهانة من يشعرون أمامهم بالضآلة والصغر من جهة اخرى " ( ص 112 ).
 وتستطرد هاديا : " وكانت هناك حساسية اخرى يعاني منها بعض هؤلاء المتنفذين، خاصة أمام سد يقيمه التاريخ بينهم وبين ابناء عائلات معروفة او مرفّهة، سواء من خلال مستوى هؤلاء التعليمي وسلوكهم وعادات توارثوها او اكتسبوها، او من خلال تمتعهم برفاهية لم تغدقها عليهم الثورة او السلطة، وفي كثير من الاحيان، كانت هذه الحساسية تؤرجح تلك العلاقة.. " ( ص 112 ). لقد كانت تصدر مصطلحات وتعبيرات من قبل الحزبيين البعثيين منذ مجيئهم للسلطة عن ابناء العائلات العراقية الحضرية القديمة فيصفونهم بـ " اولاد ذوات.. " و " برجوازية عفنة.. " و " عوائل قذرة.. " و " وجهاء فاسدون.. "، و " سحقا للاعيان.. " و " اقطاعيون اذناب الاستعمار.. " و ".. الخ لقد كانت مثل هذه العقد النفسية قد تورّمت مع مرور السنين حتى وصلت الى احداث شروخ صعبة في دواخل البنية الحضرية العراقية وتصدعت اغلب قيم العراقيين واشتريت ذمم بعض الناس المعروفين ونسوتهم لكي يعملون عملاء مفضوحين لدى دوائر المخابرات العراقية.. وقسم منهم انتهت اساليبهم القديمة ليغدوا جزءا من بنية مهشمة ومشوهة لا هي حضرية ولا هي متريفة! في حين بقيت بعض الاساليب الحضرية القديمة مغروسة في الاعماق لم يستطع النظام بكل سمومه من اقتلاعها او تبديلها ابدا.

 

الاساليب الحضرية العراقية
 ربما اختفت جملة هائلة من الاساليب الحضرية العراقية التي توارثها المجتمع العراقي وخصوصا في امهات مدنه العريقة في الشمال والوسط والجنوب.. وذلك بفعل السياسات الشرسة التي اتبعها نظام الحكم ضد المجتمع عموما وضد عاداته وتقاليده. واعتقد انه بالرغم من وجود بعضا منها اليوم الا ان تركيبة المجتمع العراقي قد تغّيرت اثر الخضّات القوية التي صادفها.. كما وتغّيرت جملة كبرى من اخلاقيات العراقيين اسرا وعوائل وعشائر وفئات عامة.. كانت هناك اخلاقيات عراقية معروفة في السوق الذي كانت تجري طبيعة عمله على مبدأ الثقة فقط.. كان هناك التعايش الاجتماعي الرائع في العراق سواء بين الاديان او الطوائف او القوميات والاعراق الاثنية تصل الى حد الانصهار بالزيجات والعلاقات الاسرية.. كانت هناك الجيرة والحماية للاخرين.. كانت هناك النخوة العراقية المعروفة والتعاطفات التي لا تقتصر على بيت او اسرة او مجموعة افراد.. بقدر ما كانت تشمل الاحياء والمناطق والمدن كاملة.. كانت هناك العلاقات الادبية والثقافية على احسن ما يكون.. كانت هناك المجالس الاجتماعية وتقاليدها العليا.. كانت هناك الاحتفالات الزاهية بالمناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية وحتى السياسية والتي لها طقوسها.. كانت هناك الجماعات المثقفة التي تعمل بروح الالفة والجماعة منكرة الذات والتي وصلت الى اعلى مستوياتها في جماعات الفن التشكيلي العراقي.. كان هناك الغناء العراقي الحضري الاصيل.. كانت هناك اللهجات العراقية القديمة الجميلة المتوارثة.. كانت هناك تقاليد السفر الى الخارج لقضاء اجازات الصيف.. كانت هناك التقاليد المهنية والصناعية والزراعية والتجارية في العراق.. كان هناك احترام التخصصات والاعمال.. كانت هناك الصداقات الرائعة التي تجمع عراقيين من كل المناطق والجهات من دون اي تحسسات او محددات او مفترقات.. كانت هناك تقاليد في الشارع وتقاليد في البيت وتقاليد في المدرسة وتقاليد في الوظيفة وتقاليد في التعامل مع القضاء.. الخ لم يكن العراقيون يعرفون الرشوة ابدا على عهود الماضي ولكنهم عرفوها على عهد صدام حسين خاصة..

 

الخوف من الاطفال : البراءة تودي الى حبل المشنقة
 ثمة ظاهرة غريبة اخرى لم يعرفها او يدركها الا العراقيون ومن اشترك في مأساتهم وعذاباتهم.. واذا تجاوزنا الخوف حتى من الهمسات والاحلام والكلمة العابرة.. غدا الخوف نفسه شبحا مخيفا يقف في كل مكان! وكأن جورج ارويل قد عاش مناخ العراق السياسي المكفهر ليكتب روايته المشهورة عما سيكون في العام 1984، ويصبح السيد النائب صدام حسين اسما مروّعا وهو مسؤول عن حياتنا ونومنا وكلامنا ويقظتنا ووجودنا واسمائنا وتفكيرنا واقوالنا وحتى نظراتنا.. ووصلت درجة الخوف كالذي وصفته هاديا بقولها الى ان " اصبحنا بتوجيهات من الرفاق نوصي ابنتنا اّلا تردد اغنيات كانت حفظتها بحكم ترديدها في البيت وبيوت الاصدقاء، ومنها ترديدات السجن وأغنية ( ابو علي ) وغيرها.. سمعت في اطفال رددوا مثل هذه الاناشيد امام السيد النائب لدى زيارته مدارسهم فاختفى آباؤهم في اليوم التالي " ( ص 115 ).
 وعندما غدا السيد النائب رئيسا لم تسلم عوائل اخرى عديدة من الاضطهاد وموت آباء وأمهات عندما يكتشف ولاءهم من خلال استدعاء اطفال في المدارس حينما يزورها ويختار من الاطفال ليسترسل معهم ويستجوبهم بصورة لا ارادية هو نفسه.. وان مجرد تلميح الطفل ببراءة في التعرض لصدام والدولة والحزب.. يكون اهالي الاطفال في خبر كان، ولما كنت في العراق لم اكن اعرف مثل هذا الاسلوب الخادع الذي يتبعه صدام حسين، بل ولم تصلني اية وصايا بذلك او اي اخبار.. بل لأنني فعلا كنت اتوجس خيفة من طفلتي وبراءتها ان تقول شيئا تسمعه من ابويها او كنا نردده. وعليه، فقد كنت انتهز غياب الطفلة لاحكي ما اشاء لزوجتي او لوالدتي! وهكذا، كان يفعل اغلب العراقيين من الاباء والامهات الذين ادركوا شراسة الاسلوب المتبع.

 

الاتهامات تتداعى.. وحملات التبعيث تستعر
 لعل مقّدمات ما حدث في عقد السبعينيات توحي بشكل لا رجعة فيه لأعادة التفكير بأن تلك المقدمات ما هي الا بدايات سافرة لجحيم قادم، خصوصا عندما يفكر الاذكياء بمقدرة هذا الطاغية النائب على الاطاحة برئيسه الاب القائد احمد حسن البكر بركلة بسيطة حسم بها تاريخ دموي للعراق بتاريخ أدمى.. وهذا ما حدث في تنحية البكر عن الرئاسة ليعتكف ذاك العجوز البليد في بيته صاغرا بحجة المرض.. لقد استغل صدام اعياد انقلابهم 17 – 30 تموز / يوليو 1979، ليخرج البكر يستعفى بنفسه من المسؤولية ويضع البكر نفسه وبكل وقاحة واهانة للعراق وشعب العراق نائبه صدام حسين قائدا للمسيرة الجهنمية.. كلها مقدمات سافرة لطوفان من القيح والصديد سيهجم في عقدي الثمانينيات والتسعينيات والى ما لا نهاية بناء على شعار رفعه البعثيون عندما جاءوا وقد تسّلموا السلطة قائلين : " جئنا لنبقى "!!! واشهروها علانية ضد كل القوى السياسية المناوئة.
 كان الشيوعيون العراقيون يتبخرون من العراق اذ يساعد احدهم الاخر في الهروب، وكان لتنظيمهم دوره في اشعار منظومته السياسية وعناصرها بما يبّيت لهم هذا الحكم البعثي. كان الكبار من المسؤولين الشيوعيين يصدرون تعليماتهم بأن يبحث منتسبيهم عن ملاذ ومغادرة العراق بسرعة.. تقول هاديا : " لقد ترك الصغار مثل طيور لم تتعلم التحليق، ولقد حدثت مآس عديدة في محاولات الخروج اصبحت من تراث التهجير والعذاب الانساني الذي يتحمل مسؤوليته كبار في القياديتين ولو بنسب متفاوتة " ( ص 117).
 وانني اتساءل : اذا كان الشيوعيون قد أحّسوا بثقل المصاعب، فماذا يقولون عن غيرهم؟ وكيف تحّمل غيرهم ما تحّملوه ابان مشاركة الشيوعيين البعثيين الحكم وانعقاد الجبهة ( الوطنية التقدمية )؟ واذا كان صغار الشيوعيين مثل فراخ طيور لم تتعلم التحليق.. لكنها لم تكن محبوسة بعد في اقفاص مغلقة كما كان عليه حال العراقيين الليبراليين المستقلين او القوميين والاسلاميين؟؟ماذا يقول اولئك الذين ليست لديهم أصوات تصرخ وتنادي عليهم بالخروج الى الخارج؟ واذا خرجوا فأين يتوجهون؟ ومن يستقبلهم في ذلك الوقت؟ ماذا يقول اولئك الذين مّروا خلسة تحت اسوار سفارة مهمة معينة من العراقيين، اتهموا بالتجسس والعمالة واحيلوا الى محاكم لتقضي عليهم بالاعدام؟!! ماذا يقول الناس لاولئك الذين زرعوا في بيوت حول سفارات معينة وقد باعوا ضمائرهم وهم يرصدون ليل نهار من يمر بتلك الشوارع الدوبلوماسية؟ تقول هاديا : " لم اكن استطيع التّصور ان زيارة سفارة او مركز ثقافي اجنبي يمكن ان تؤدي لاتهام بالعمالة والخيانة والتي تصل الى الحكم بالاعدام " ( ص118). لقد ازداد هروب العراقيين الى خارج البلاد جراء تفاقم خطر حملات التبعيث المستعرة في كل مجالات الحياة الرسمية والاجتماعية وبشكل لا يمكن تخيله، فمسألة الهجرة قديمة عند العراقيين ولكنها تفاقمت بشكل مأساوي بعد غزو العراق للكويت وعاصفة الصحراء.

 

صورة اجتماعية لنسوة عراقيات متنوعات
 لقد حفظت هاديا سعيد للعراقيين مشاهد اجتماعية جد رائعة، وهم في خضم زمن لا يمكن توصيفه ابدا. ان ذكراها قد سجلت بعض ما وجدته من لحمة ومعايشة وجماليات وبراعات.. نسوة عراقيات لا تجد في هدوئهن الا اصواتهن مثل هديل حمام، ولكنه ينقلب فجأة بتأثير حالة معينة الى كل ما هو متهّدج وقاس ومتشّنج ينمو الى حالة صراخ وصياح.. الهموم السياسية هي التي تولد الخوف وجحيم المجهول المرعب في دواخل العراقيين ايام زمن له تعاسته في وجود العراقيين. نسوة عراقيات يشكلن نصف مجتمع له حيويته تشّده القرابات والجيرة والعرف العام من خلال الالقاب والمسميات والاصول والفروع.. ملامح الافتراق بين الاجيال العراقية واضح وضوح الشمس : جيل قديم يمتد الى مطلع القرن العشرين وجيل وسيط جاء بعيد الحرب العالمية الثانية.. وجيل متأخر فتح عيونه على مأساة 17-30 تموز / يوليو 1968 ولم يجد غيرها فتشبّث بها، ولم يزل لا يعرف غيرها في حياته حتى اليوم! وكل جيل طبع نفسه بطابع زمنه وظاهرة مزامنته، فاسماء فيصل وعبد الاله ونوري هي الغالبة على مواليد ما بين الحربين العظميين، وعبد الكريم وقاسم هي الغالبة على مواليد ما بعد ثورة 14 تموز/ يوليو 1958، واسم صدام هو الغالب على تسميات ما بعد مأساة انقلاب 17-30 تموز/ يوليو 1968 حتى نهايات العهد!
 النسوة العراقيات يتسوقن بضاعتهن وهّن مسّنات بحلاوة لسانهن.. تتميز واحدتهن بقوة وصلابة، او ما تريد بيعه ذاهبة الى اطراف البياع والعلاوي والشواكة.. او تلكم النسوة اللواتي يتبضعن في الضحى من الاعظمية والكسرة وكراده داخل وغيرها من الاماكن البغدادية الجميلة.. نسيم رائع يهب على بغداد من اعماق الصحراء يهز اغصان النخيل العراقي.. كل شيى طازج كالخضراوات وارغفة الخبز الساخنة او ان تتجرد الريفيات العراقيات لتخبزن خبزهن في تنانيرهن الخاصة الملحقة ببيوتهن.. نسوة عراقيات لهن تجاربهن يجلسن مع دخانهن واقداح الشاي الداكن ليتحاورن في السياسة والمعيشة والتقشف.. لقد مّرت عليهن جميعا ظواهر عدة كالتقشف بعد عملية تأميم النفط واحتياج الدولة الى سيولة نقدية.. كان الجميع يحملون شعار " شد الحزام على البطون "، وحسمت مبالغ من رواتب الموظفين والموظفات دعما للدولة.. نسوة يسخرن من وعود الحكومة ويشعرن بالخيبة ويتذكرن الماضي ويتنهدن على ايام الملك الشاب ونوري العجوز! كرديات وسنّيات وشيعيّات وتركمانيات ومسيحييّات كلدانيات وسريان وآثوريات وصّابئيات.. كن جميعهن " يترحمن " على ايام العهد الملكي ( ص 131).
 عادات عراقية لا يمكن ان تنساها الذاكرة : قبولات نسوة عراقيات راقيات يرتشفن القهوة الداكنة مع السيكارة.. او ارتشاف اقداح الشاي الاحمر ( : الطوخ او الزنكين ) مع كعك الكليجة العراقية، ومنهن المتفرنجات اللواتي يرتشفن اكواب الشاي حليب مع البسكويت وانواع الكيكات والمعجنات العراقية.. ويتحدثّن عن مصايف بحمدون وعاليه او اسطنبول او بلودان التي قضين فيها صيفهن! نسوة من كل الطبقات لم يجدن بعد كل الذي مررن به الا الترّحم على نوري باشا والزعيم قاسم والمشير عارف.. ويوصلن شتائمهن المكتومة بحركة من اليد او غمزة في العين ضد القتلة المتوحشين او الغجر المتهتكين من الحكام الجدد الذين سرقوا العراق وحلم العراقيين كونهم اولاد شوارع من الاشقياء الداعرين!
 النسوة العراقيات الدارسات الواعيات من موظفات يتابعن امور البلاد.. سيدات المجتمع الراقيات يتفنن في مجالسهن الصباحية وقبولاتهن المسائية او منتدياتهن الليلية.. ربّات البيوت العراقيات يعملن في بيوتهن على اغاني الاذاعة العراقية.. عموم النساء لم تقرأ الصحف الا قليلا، ولا يتابعن من برامج الاذاعة والتلفزيون الا ما هو محدد يفيدها للبيت وفلم السهرة.. الاهم عندهن جلسات نميمة ( وقشبة ) عراقية محببة فيها ما لذ وطاب عن مذيعات واخبار فنانات وتعليقات على ( اسم ) معين هّن يعرفن من يقصدن به كمجموعة ولكن لا يخفى رمزه على بقية مجموعات اخرى.. نسوة مسؤولات عن حاجات البيت والاولاد ( الجّهال في العامية البغدادية ).. لعن مشاكلهن مع ازواجهن او حمواتهن ولكن الهم الاكبر الذي يجمعهن هو الذي يعاني منه الجميع على امتداد رقعة العراق.. وتجد منهن من تجد في صدام ( خوش ولد ) له مستقبل يرقص له، خصوصا وانه فتح ابوابه لاستماع الشكاوى واستقبال العرائض والمظالم! وقد ادى تمثيليته ببراعة انطلت على العراقيين وبالاخص العراقيات الساذجات او المستفيدات!

 

العباءة العراقية : رمز القرن العشرين
 نسوة عراقيات : معلمات وموظفات ومدّرسات ومهندسات وطبيبات.. وأخريات اخترقن مؤسسات اخرى كن بعضهن يترفعن عن مجالسة من ليس بمستواهن او نساء دونهن في المستوى.. ثمة قطيعة بين عالمي الرجال والنساء، ولكن تبقى المرأة العراقية منصاعة لزوجها حتى ولو وصلت الى ارفع المناصب. كانت تحس بانها مضطهدة بعدم مساواتها مع الرجل برغم قانون الاحوال الشخصية الذي اصدره الزعيم عبد الكريم قاسم في مطلع الستينيات واراد به مساواتها مع الرجل برغم انف المجتمع الذكوري الغارق بتقاليده الكهنوتية المزيفة او البدوية الساذجة! لم تكن العراقية ترتدي اي حجاب كما هو حالها اليوم ليس في العراق وحده بل في كل العالمين العربي والاسلامي! كانت اما سافرة تلبس على النمط الاوروبي او انها تقليدية تلبس عباءتها العراقية في المدن او ازياءها الريفية خارج المدن. تقول هاديا : " ولم ار المرأة العراقية في تلك الفترة ترتدي الحجاب كما أراه الان، فالعباءة التي تلتف بها كانت تبدو لي كأنها تلبي حاجة عملية في تجاوز ارتداء ملابس عصرية، اكثر منها لباسا تقليديا او غطاء رأس يعلن التزاما دينيا " ( ص 132 ).
 نعم، لقد كانت العباءة السوداء عنوان المرأة العراقية بعد ان كانت في النصف الاول من القرن العشرين تستخدم البوشيه على وجهها. كانت العباءة العراقية مظهرا اجتماعيا للمحافظة على ما يخفى اظهاره من تحتها وليس لكونه اسلوبا محافظا غايته الاحتشام. كانت العباءة العراقية تثير شهية الرجال فيتغزل أحدهم بـ " أم العباية.. حلوة عباتج.. يا سمره اهوايه.. زينه بصفاتج "! العباءة لم تكن زّيا وطنيا او تقليديا عراقيا راسخا كالذي نجده في السوداني او الحايك الجزائري او البرنس المغربي او غير ذلك من الازياء في البيئات العربية. لقد أخذت العراقيات العباءة السوداء من ايران واستعارتها من الايرانيات بعد ان كانت العراقيات يتوشحن في القرن التاسع عشر بازيائهن العريقة : الازار الموصلي او الهاشمي البغدادي او الصاية.. الخ من الازياء المتنوعة لكل بيئة من بيئات العراق الاجتماعية المتنوعة اذ تنتشر في تلك البيئات جملة من الازياء النسوية العراقية للكلدانيات والآثوريات والكرديات والتركمانيات والبدويات والريفيات الشماليات والريفيات الجنوبيات ونسوة الاهوار.. الخ لقد كانت العباءة السوداء للمرأة العراقية في القرن العشرين مجرد غطاء يلبي مهمات سريعة وحاجات طارئة يختفي وراءها كل شيىء مثير لا يقبل المجتمع عرضه على الاخرين فهي دليل اجتماعي للاحتشام والوقار اكثر من كونه من الالبسة الشرعية او الدينية.
 المرأة العراقية مهمومة باحوال بيتها وأطفالها وزوجها ومعيشتها.. ولقد دفعت على امتداد القرن العشرين اثمانا باهضة من حريتها وحقوقها. لقد عاشت والحق يقال ضنك الشأن السياسي بكل مراراته العراقية وخصوصا من كان يؤدي الخدمة الالزامية الصعبة من ابنائها وبني جلدتها من شباب العراق وايضا من تبعات القوانين والتعليمات التي كانت تصدر بين عهد سياسي وآخر.. ولقد دفعت المرأة العراقية ثمنا غاليا من حياتها على عهد البعثيين سواء في تجربة 1963 المريرة السوداء.. او على امتداد خمس وثلاثين سنة من عمر نظام البعث الفاشي على عهدي البكر وصدام.. تقول هاديا : " ينغمر معظم الرجال ممن اراهم حولنا في عوالمهم، بين الصداقات والبارات او النقاشات الساخنة ( في المقاهي والنوادي والمجالس ) في ما تزداد الهوة بينهم وبين النساء. ولعل العراق هو البلد الوحيد الذي ينعكس فيه الهم السياسي عبر القرارات والقوانين الطارئة الدائمة بشكل يومي على علاقة افراد العائلة، اذ كثيرا ما يعلو الصياح والتهديد وكثيرا ما لايكون الخلاف بين الرجل وزوجته أو بينه وبين اخته الا انعكاسا لثقل الهم السياسي الذي فاض، او هروبا منه الى اختلاق هّم عائلي او توّهم خلاف فادح " ( ص 133- 134 ).

 

المرأة العراقية وقسوة النظام والسلطة
 لم تكن السياسة بعيدة ابدا عن تفكير النسوة العراقية وهمومهن خصوصا اذا كانت المرأة العراقية قد وصلت الى درجة من الثقافة والوعي.. وكان للمرأة العراقية دورها السياسي منذ العقد الاول من القرن العشرين بولادة رائدات في الحركة التعليمية، ثم برزت في العشرينات صحفيات مثل بولينا حسون وفي الثلاثينات انخرطت العراقيات لأول مرة في الثقافة العربية وفي الاربعينيات تبلورت حركة نسوية بظهور نسوة عراقيات مثقفات مثل المحامية صبيحة الحاج داود، وتطور هذا الدور في الخمسينيات بولادة شاعرات شكلت نازك الملائكة ريادة جيل مبدع جديد تجاوز تأثيره العراق ليصل الى ابلغ قوته بعد ثورة الرابع عشر من تموز / يوليو 1958 وخصوصا الدور الذي قامت به المرأة العراقية في المؤسسات وكان الحزب الشيوعي العراقي قد ضّم الى صفوفه العشرات من النسوة العراقيات واختار الزعيم عبد الكريم قاسم اول وزيرة عراقية في وزارته وهي السيدة نزيهة الدليمي، ويكفي ما كان للمرأة العراقية من ابداعات ادبية وفنية واعلامية وادوار سياسية في المسيرات والتظاهرات وكذلك انشطة نقابية واتحادية قوية. وكانت تجربة البعثيين في العام 1963 قد تركت آثارا سيئة في المجتمع العراقي لا يمكن نكرانها ابدا. وعليه لما جاء البعثيون للسلطة ثانية في العام 1968، شّكل ذلك صدمة عنيفة لكل التيارات السياسية الاخرى وانعكس التأثير على المرأة العراقية كتحصيل حاصل.
 بدأت الامور صعبة في البدايات على الرغم من تنصيب سعاد اسماعيل وزيرة عراقية، ولم تنخرط المرأة العراقية في صفوف الحزب، ولم يجد البعثيون دعما قويا من المجتمع مع توالي السنين خصوصا وان المرأة بقيت ملاحقة ومرصودة من قبل الاجهزة التي زادت من ضغوطاتها سنة بعد اخرى على النسوة العراقيات وبالاخص الموظفات والعاملات والطالبات.. ولكن يبدو ان الظاهرة ستزداد شراسة في الثمانينات على عهد صدام حسين وخلال سنوات الحرب مع ايران.. وسيغدو الاتحاد العام لنساء العراق بؤرة شريرة مرتبطة برئاسة الجمهورية من اجل ضمان نصف المجتمع لصالح النظام وبقاء السلطة القائمة. وكانت رئيسة الاتحاد رفقة طاقمها من نسوة بعثيات متمرّسات على اساليب حزبية ومخابراتية قد تخضرمن في ممارسة هذه السلطة منذ السبعينيات.
 ولابد من القول انه بالرغم من تعاطف هاديا مع نسوة مثقفات عراقيات وارتباطها معهن باواصر صداقة عميقة، الا ان اغلبهن كن مرتبطات باجهزة الحزب والدولة من خلال نفوذ ازواجهن باستثناء الاديبة سميرة المانع ( شقيقة الاديب المترجم نجيب المانع – رحمه الله - ). تقول هاديا : فقد سلطت اضواء الاهتمام في تلك الفترة على الاتحاد العام لنساء العراق ليكون الصورة العصرية التي تظهرها الثورة للنساء في العراق، وقد منحت مناصب قيادية في الاتحاد وفي المراكز الثقافية ومؤسسات الاعلام الاخرى لبعض النساء من كاتبات وشاعرات كمنصب القاصة ديزي الامير في المركز الثقافي في بيروت، ومنصب الكاتبة لطفية الدليمي في ادارة تحرير مجلة الثقافة الاجنبية، ثم رئاستها منتدى المرأة الثقافي لفترة، ومنصب الكاتبة سهيلة داود سلمان في ادارة مدرسة الموسيقى والباليه، والكاتبة عاليه ممدوح في رئاسة تحرير جريدة الراصد البعثية، والشاعرة ساجدة الموسوي في ادارة تحرير مجلة المرأة وكانت سبقتها الى هذا المنصب الكاتبة سلام خياط والشاعرة زهور دكسن، كما ساهمت الشاعرة شرقية الراوي ( اخت الشاعر الناصري عدنان الراوي ) في وضع اول مشروع لمكافحة محو الامية، وقد شهد هذا المشروع تدفقا لافتا خلال السبعينيات.. ( ص 149).
 وتبقى هناك اسماء نسوة عراقيات من كاتبات وشاعرات ومثقفات قدمن الكثير للحزب والسلطة على امتداد سنوات طوال من حكم البعث، مثل : أمل الشرقي ( زوجة عبد الجبار محسن المستشار الصحفي لصدام حسين ) في جريدة بغداد اوبزيرفر ورئيسة دائرة ثقافة الطفل، وابتسام عبد الله ( زوجة امير الحلو رئيس تحرير الف باء لاحقا ) رئيسة قسم الترجمة لجريدة الجمهورية والف باء سابقا.. وهناك آمال الزهاوي وخيرية حبيب وغيرهن. تقول هاديا : " لا أحب ان اكون في موقف المدين او المدافع، ولا ارى اتجاها واضحا يدين او يحتفي او يستفيد، بل أجد ان التخبط والتناقض كان عنوانا كبيرا يعّم ويعوم فوق هذا العالم.. " ( ص 150). وتستطرد بعد ذلك لتقول : " على الضفة الثانية للجبهة، كان وجود المرأة اكثر سطوعا وفاعلية، لكن التعامل الشخصي معها كان مغلفا ايضا ببعض الازدواجية، على الرغم من ان الرجل على هذه الضفة كان يعرف كيف يهدي الرفيقات وردة حمراء في يوم الثامن من آذار / مارس يوم المرأة العالمي.. ان ما حققته المرأة على هذه الضفة كان معظمه اجتهادا منها ورحلة تعب واصرار وليس هدية او مكافأة من الرفاق , وقد لمعت في تلك الفترة اسماء على هذه الضفة، اذكر منهن : د. سلوى زكو وبديعة امين وحياة قاسم وحياة شراره وحياة جاسم وبثينة الناصري ومي مظفر ولميعة عباس عماره وعاتكة الخزرجي قبل ذهابها الى مصر، وفاطمة المحسن ( وكانت تعرف باسم فاطمة خزعلي في تلك الفترة ) وأخريات.. وبالطبع لم تكن كل هؤلاء الكاتبات وغيرهن منتميات الى الرفاق الشيوعيين، الا ان اسماء عديدة حسبت على هؤلاء الرفاق، وقد يرجع ذلك الى لعبة الاستقطاب او التجيير التي تقوم بها المؤسسة السياسية او الحزبية عموما. ومع ذلك سيظل يمكن القول ان اسماء كثيرة في خارطة المرأة العراقية الكاتبة ظلت في مساحة واضحة من الاستقلالية عموما " ( ص 151-152). وتخلص هاديا للقول : " لا ارى ان القبضة السياسية هي التي تقبض دائما على عنق الكتابة، بل ينبغي القول ان هناك مساحة ولو ضئيلة من الاختيار للكاتب او الكاتبة، خاصة في حدود المتاح له او لها، بين الصمت وبين الانتماء للسلطة " ( ص 152).
 ان الذي دعاهن للتغزل بالجلاد وجعله فارسا وبطلا، بل ومقدسا فوق كل الاعتبارات في قصائد وكتابات.. هن انفسهن اللواتي كرسن صورة عظيمة للبطل القائد وجعله رمزا للوطن باكمله! من دون ان يلتفتن الى حجم ما كان يرتكب من جرائم بحق انسانية العراقيين والعراقيات.. وقد ركبت بعض النسوة من اديبات ومثقفات عربيات هذه الموجة وصرن جزءا من اخطبوط خطير.. بحيث لم تتوان احداهن باعلان اعجابها المذهل وتعلقّها العاطفي بالقائد الضرورة.. وفجأة تتوقف كونها لم تتلق الدفعة الاخيرة من " مستحقاتها " من الدائرة المخابراتية في بلد المحبوب! ( ص 153). اليس كذلك يا حميدة نعنع؟؟
 اذا كانت هاديا سعيد قد عملت في العراق بضعة سنوات وخرجت تفضح تلك العلاقات والسياسات والاعمال المشينة التي لا اول لها ولا آخر.. فلماذا تبقى العديد من المثقفات العراقيات اللواتي عملن في رحاب النظام السابق وجّملن تلك السلطة وحّررن في صحف ومجلات البعثيين.. من دون الاعتراف بما فعله المجرمون؟ لماذا يتحدثن على استحياء ولا يعترفن بادوار كن يقمن بها ابان سنوات معينة من عهد البعثيين؟ الم يكن هناك اتصال شخصي بين صدام حسين وحميدة سميسم عندما يتصل بها هاتفيا؟ لماذا تغادر بعض النسوة العراقيات العراق من دون ان يعترفن بادوار قذرة قمن بها ضد زميلاتهن.. ما الذي فعلته المذيعة مديحة معارج بزميلتها سهاد حسن؟ ما قصة مريم السناطي؟ ما دور امل الجبوري؟ ما قصة محمد سعيد الصحاف بالمذيعة ( )؟ وما قصة المذيعة الاخرى ( ) ببرزان التكريتي؟؟ وما حكاية تلك الفنانة وتلك الاخرى بكل من هذا المسؤول وذاك القيادي، بل ووصل الامر الى اسوأ حالاته عندما بدأ كل من عدي وقصي يلعبان دورهما المستهجن ضد النسوة العراقيات! اقول هذا مقارنة بحالة اخرى لابد من التفكير بها من خلال التساؤل : ما الذي جعل العديد من الفنانات العراقيات يهربن بجلودهن الى خارج حدود العراق بدءا بالفنانة زينب مرورا بناهدة الرماح وغزوة الخالدي وانوار عبد الوهاب وغيرهن كثيرات!

 

الاطفال العراقيون
 تقول هاديا : " لقد وظّف الخناق السياسي الصورة المأساوية المدّمرة للاطفال في اغرب عملية استقطاب ونجح فيها، خاصة عندما اصبحت جولات كاتبات وفنانات عربيات وعراقيات وفنانين ايضا تّصور وتّصدر برفقة المسؤولين وقصر الرئاسة والبطل القائد الملهم، الذين يمثلون العراق واطفال العراق " ( ص 154 ).
 نعم، كان اطفال العراق الذين عاشوا المأساة الحقيقية بعد العام 1979 وحتى اليوم، مثالا تاريخيا حقيقيا في كل هذا العالم البليد من طرف والمتحضر من طرف آخر.. مثالا لليأس والحزن والارهاب والجوع والعري والتوّحش والامية والبؤس والشقاء.. اصبح الاطفال العراقيون مادة دسمة للاستلاب والسرقة والنهب العلني باسمهم من قبل مجاميع هائلة من الدجالين واللصوص والحرامية والافّاكين والمطبلّين والمزمّرين في كل هذا العالم التعيس! لم يقتصر الامر على هؤلاء الذين تجمعنا واياهم عروبة الدم والتاريخ واللغة وبقية المقومات.. ولكن اشترك في الجريمة ايضا جملة من اناس غريبين منهم من كان يدرك عمق المأساة في السلطة ويغّض الطرف عنها لما يتقاضاه من عملات على ما يصنعه، ومنهم من كان غبيا انساق وراء اولئك الذين تاجروا باحزان الاطفال العراقيين وبعد الحرب الغبية القاسية على مدى ثماني سنوات مع ايران وما تكّبدته العائلة العراقية من نكبات، فلقد مر خريف اسود واعصار رهيب على الاطفال الاكراد العراقيين الذين ماتوا في احضان امهاتهم وابائهم وقتلوا بمعيتهم بعدما اطلقت عليهم الغازات الكيمياوية السامة.. ثم عانى الاطفال العراقيون من تداعيات غزو الكويت وحرب عاصفة الصحراء واحترق من اطفال عراقيين تحت القصف متمثلا رمزه باطفال العامرية! وما نتج من مآس لا تعد ولا تحصى في الانتفاضة الشعبية العراقية في العام 1991 والتي عمّت جنوب العراق وشماله.. وغدت حصيلتها دفن الجميع احياء برفقة اطفالهم في مقابر جماعية.. ونال الاطفال نصيبهم من القتل وبايديهم ما يقتنونه من دمى والعاب!
 ولقد اعقب هذا الماراثون الاجرامي بحق الانسانية الاعصار والحصار.. اعصار الداخل بكل فجائعه وحصار الخارج بكل جبروته ودفع الاطفال ضريبة من الاستئصال الجسدي والروحي والنفسي والصحي والتربوي.. عجّت الشوارع بالصبية والصبايا يهيمون اناء الليل واطراف النهار بعيدا عن بيوتهم ومدارسهم واحضان امهاتهم وانظار ابائهم! لا يمكن ان يتخّيل المرء ان صبية من العراقيين عملوا اعمالا شاقة طوال النهارات الساخنة من اجل عوائلهم المسحوقة! لا يمكن للمرء ان يتخيل كم مات من اطفال عراقيين في المستشفيات والمستوصفات ليس كما كان يعلن النظام بسبب الجوع، بل اغلب الاطفال كانوا قد اصيبوا بالاشعاعات واليورانيوم بسبب ما فّجر في العراق من مصانع اسلحة ومجمّعات صناعية لصناعة الاسلحة.. فضلا عن مسألة التلوث الغريبة التي اصابت الاطفال العراقيين وامهاتهم بالذات!
 ان مأساة اطفال العراق يتحّمل مسؤوليتها بالدرجة الاولى النظام السابق بكل شراسته عندما لا يساوي اصلا بين اطفال القادة والمسؤولين من جانبه وبين الاطفال الخائبين لعموم الناس فقدوا عذوبة الطفولة وعاشوا منذ نعومة اظفارهم جماليات المكان والزمان والحياة.. والسفر والمتعة والملاعب وعطف الابوة وحنان الامومة! لقد مورست على امتداد اكثر من ثلاثة عقود من الزمن الكئيب، ابشع انواع القهر وصنوف الظلم، فتشّردت الاف مؤلفة من الاطفال ونالت منهم العقد النفسية والتراكيب الثقيلة فقدوا من خلالها طفولتهم وغدوا مشروعات فساد وشقاء في المجتمع العراقي.. وسيحتاج العراق الى وقت طويل لبناء جيل جديد يختلف عن جيل كامل حل فيه الفساد وتأقلم مع كل الموبقات والعادات السيئة والتصرفات القميئة.

 

العراقيون من هم؟ تعرفهم من ثقافتهم وأذواقهم
 لقد كتب عنهم الكاتب البوليفي المشهور ماريو فاغاس يوسا عندما جال في اصقاع بلد عريق اسمه العراق. كتب عن شعب فيه من الطراوة والمرونة ما يعجز المرء ان يصف وبين الصلابة والانتعاش قروح وجروح لا تندمل بسرعة ابدا.. بين وادي الرافدين شعب في غاية الاكتساح والاجتراح يثوى اليوم بين متناقضات لا اول لها ولا آخر.. أصوات تزمجر في الشوارع ترفع صورة جلاد باليد واصوات لا يسمعها احد تئن في الزنازين العفنة! شعب لا يرضيه كل ما يعرفه من فنون الاكل والوان المائدة الا طبق التمن واليابسة.. أرز تفوح رائحته البسمتية كالعنبر مع طبق من الفاصوليا اليابسة البيضاء.. أنه يقّدم هذه على جميع ما يعرفه ليرضي غريزة الجوع في العراق.. او لنقل يفضلها شعبيا لوحدها عند الفقراء مع قطعة من الصمون العراقي او مع وجود قطعة من اللحم الضأن عند المقتدرين. ولكن هناك الوان عدة من الاطباق : الباذنجان والكوسا والباقلاء والبامياء او الدولمة العراقية الشهيرة او الباجة (= الكوارع ولحم الرأس ) او شوربة العدس ببغداد وتشريب الباقلاء بالبيض عند الصباح وشي اللحوم في المساء او مدّ صواني القوازي المشوية وهي خرفان محشوة بالارز واللحم والمكسرات.. وهناك كبة الموصل وكبة حلب وانواع من اللحم بالعجين مع البيض.. وتجد موائد الاسماك المسكوفة ( المسكوف : السمك النهري المشوي على اعواد الطرفة الطرية التي تنمو على حوافي دجلة ) والمخللات انواع لا تحصى في مقدمتها : طرشي الموصل او طرشي بغداد والحلة ولا ننسى كيمر الصباح مع العسل والصمون الحجري او ارغفة الخبز الحار مع القشطة المحلية والمربيات البيتية.. والبقلاوة والحلويات والمعجنات اصناف لا تحصى والسلاطة العراقية مشهورة الى جانب المكسرات العراقية التي يتفنن الموصليون في عرضها الى جانب السجق والحلقوم واقراص حلاوة منّ السما..
 والاذواق ليست مشتركة في العراق من شماله حتى جنوبه، ولكن لا يختلف اثنان على كباب مع لبن اربيل ولا مسكوف سمك بغداد ولا مطبك سمج البصرة ولا كبة الموصل الاسطوانية ولا حلاوة النجف ولا جبن الاكراد ولا قلائد تين سنجار ولا مكسرات الجبل ولا كمأة البادية ولا برياني الجنوب ولا دليمية الرمادي ولا تشريب سامرا ولا كيمر الحلة ولا فسنجون كربلا ولا تشريب باجلا الكاظمين.. الخ من عشرات اصناف الخصوصيات التي تفنن بها العراقيون.. كل العراقيين سواء كانوا من الاغنياء الموسرين ام من الفقراء المدقعين والمسحوقين، والمسألة نسبية لا يمكن ان تكون مطلقة كأن يوصف بدر شاكر السيّاب كل العراق بالجوع في كل السنين.. بل قل كم تفاقمت التناقضات في حياة العراقيين.. فلا يمكن ان ترى كل هذه المنتجات على ارض الواقع.. ونبقى نستمع اسطوانة تلك الجموع العراقية التي لا يمكنها ان تجيبك الا بـ " ماكو "!! علما بأن المجتمع العراقي عاش انسحاقات معيشية لا حدود لها وخصوصا في العقد الاخير من القرن العشرين، كما سيكتب التاريخ ذلك عن ضراوة الانسحاق الذي بدأ منذ السبعينيات على ايدي البعثيين وخصوصا مع فورة اسعار النفط وضخامة الواردات العراقية.

 

افناء التقاليد المعيشية والاقتصادية والمالية
 هذا الارث الذي له فنونه وتدابيره وتكاليفه التف حوله اخطبوط سياسي قاتل ليحرم العراقيين كلهم من الحصول على المواد الغذائية بسهولة ويسر كما اعتادوا على ذلك منذ عشرات السنين.. فلذلك رحلة عذاب يومية بعد ان كانت رحلة ممتعة للتسوق.. وبعد ان كان العراقيون يتبضّعون ما يشاؤون وما يحبّون وما يشتهون بدءا باصناف الخضراوات الطرية الى علب جبن الكرافت الزرقاء.. وبعد ان كانوا يساومون في اسواق شعبية او لا يساومون في اسواق راقية.. يتهادون هنا او هناك في اسواق عامرة رخية بكل الغلال كما كان هو السائد والمألوف منذ ازمان طويلة.. فبرتقال ديالى يباع بالاقفاص وتفاح لبنان الاحمر والمغلف يباع بالصناديق الخشبية وعراجين الموز الكيني المّرقط او الاصفر الصومالي مدلاة.. والشاي السيلاني في صناديق مسلفنة والسكر والارز بالاكياس الكبيرة.. والاسواق فيها البلدي والمستورد اصبحت فجأة على عهد الثورة التي قادها البعثيون : يباسا يبابا مقفرة، وغدا بلد الخيرات تشّح فيه المواد فيتصارع الناس من اجل ان يظفروا بالاساسيات.. نعم، لقد غدت الاسواق شحيحة.. الطوابير في كل مكان، تجد طابورا طويلا على كرتونة بيض وطابورا اطول على كيلو واحد من الدجاج.. وبدأت موجات الغلاء تسيطر على كل شيىء فازدهرت اسواق الدلالين والسماسرة والدلالات وكلها بالسوق السوداء واستمر هذا الوضع القبيح طوال السبعينيات حتى اشتعال الحرب مع ايران.. ويقال ان نظام الحكم وّفر من اجل امتصاص النقمة بضاعته في السوق مع التحكم بخلق الازمات والمهارة في ادارتها وتوجيهها في كل من العاصمة وبقية المدن العراقية والسيطرة عليها!
 سياسات ذكية مارقة وجائرة وامنية ومخابراتية وحزبية اتبعها النظام السابق في التجويع باسم المبادىء الانسانية والعدالة والاشتراكية وثورة الفقراء.. حتى وصل الامر بأن تتحكم مراكز حزبية للفروع والشعب والفرق بمنح بطاقات توزيع الغاز على المواطنين وغيرها من الموافقات، فتمنحها لمن ترغب به وتحرمها على مواطنين غير مرغوب بهم!! لم ينعم ابناء العراق ابدا بخيرات بلادهم الغنية والنفطية ابدا على امتداد ارتفاع موجة الغنى التي عّمت البلدان النفطية منذ بداية عقد السبعينيات! سوء في البنية العشائرية.. سوء في توزيع الدخل.. سوء في اقتناص الغنائم والكسب غير المشروع مع ولادة الرشاوى واساليب الاختلاس.. سوء في التجارة الداخلية والخارجية.. سوء في الانفاق الحكومي ( ولعل هذا الجانب من أسوأ ما شهده عهدي البكر وصدام ) بحيث كانت تنفق الملايين على غير العراقيين، فزعماء دول واحزاب ومنظمات افريقية وآسيوية كانوا يأتون على متن الخطوط الجوية العراقية ليحمّلوا بحقائب سامسونايت مليئة بالدولارات على امتداد حكم البكر، واستمر هذا الوضع مع حكم صدام حسين! والانكى من ذلك كله ان دولة كالعراق كانت تسير بكل ثقلها الاقتصادي ولا يمكن ان يقف الباحث والمراقب واي مواطن على حجم المدخولات وحجم الانفاقات.. لا يعرف كيف يتحكم طاغية البلاد بثروات البلاد ولا يمكن لأحد ان يسأل او يتفّوه ابدا عن ميزانية العراق.. وانا اتحّدى من يأتيني بكل ذلك اسوة ببقية الدول الاخرى علما بأن العراق منذ تأسيسه وحتى توّلي البعثيين السلطة كانت له تقاليده الصارمة من خلال وزارة المالية.. ولعل السنوات التي حكم فيها صدام حسين كانت تتردّى واحدة بعد الاخرى بحيث وجدنا كيف تبعثرت مليارات العراق وبقي الشعب في اسوأ الاحوال. وكان صدام حسين قد فّسر ذات يوم الاقتصاد باعتباره مجرد ساجية ( = ساقية ) يمكن له ان يغلقها ويفتحها متى يشاء!!

 

متغيرات العراق نحو الانسحاق والاستلاب وتبلور ظاهرة ( الماكو )!
 لقد سحقت عوائل واسر وطبقات متوسطة عريضة في كل انحاء العراق ومن ابناء الشعب العراقي، ونمت طبقة طفيلية جديدة من مناصري النظام ومن الضالعين في منظومته واجهزته ومؤسساته المعلنة والخفية.. وماتت العوائل القديمة الممتدة في ازمان عميقة. اما الطبقة الفقيرة والمعدمة فازدادت فقرا واذلالا وانسحاقا تحت وطأة الثورة الجائرة باستثناء من بدأ يزحف نحو النظام ليصبح فجأة سيدا من سادة المجتمع ومن دون اي تأهيل! تقول هاديا : " واذا ما جاءت الثورة لتصحح اوضاعا وتنشر الخيرات لأهلها كما في اعلاناتها وأبواقها، فان ما شهدته، تلك الفترة التي عشتها في العراق ( على الاقل ) يناقض المعلن. خلال فترة الجبهة، كان يمكن القول ان المال متوفر، لكن الحاجات التي تشترى بالمال غائبة.. ومع ذلك كانت هناك محاولات مستميتة في البيوت للحصول على ما يسمّى بالمجمدات ( = ثلاجات الطرح )، اي.. التي يمكن خزن المواد الغذائية فيها لعدة اشهر، بالاضافة الى الثلاجة العادية.. " ( ص 167 ).
 لقد الغيت كل تقاليد ومواريث العراق الاقتصادية، مثل المصانع والمتاجر والمغازات والمخازن.. واصبح اورزدي باك مثال السوق العراقي السوبر سابقا بمثابة جمعية كريهة جدا يتدافع فيها العراقيون عن بكرة ابيهم ويتخاصمون ويتشاتمون للحصول على سلعة تافهة! الجمعيات الاستهلاكية والتعاونية التي تقّطر فيها المواد التموينية تقطيرا اصبحت لا تطاق بوساختها وقذارتها ودهونها السوداء التي تصبغ الارض.. اصبحت بؤرا لا تنتج الا الدلالات الشريرات والقذرات اللواتي يتهافتن منذ ساعات الفجر ليسيطرن على البضاعة المحلية والمستوردة، فيخرجن الى الطرقات والارصفة ليفترشنها ويعرضن ما استولوا عليه للبيع بالاسعار السوداء! " سوف نجد هناك البيض والحليب والزبدة والجبنة والزيت والارز، كما يمكن الحصول على اللحم المثلج والسمك المثلج ولكن بالقطارة كما تقول القريبات والجارات. اما اسواق اللحوم الطازجة فكثيرا ما ترتفع اسعارها الى درجة تحرج او تخجل امهات البيوت فيبتعدن بائسات ومذعورات او يجدن اصحاب هذه المحلات انفسهم يجلسون على ابواب محلاتهم يكشون الذباب بمراوح يدوية من القش، لأنهم حرموا من تسلم حصصهم لبيعها، لاسباب لا يعرفها أحد " ( ص 168 ).
 لقد خرّبت السياسة الاقتصادية التي اتبعها كل من الحزب والدولة نفوس البشر من العراقيين، وكّونت عندهم الطمع والجشع وزادت من غريزة الجوع، ورّبت فيهم هواجس ظاهرة ( الماكو )! وغدا جيل كامل لا يجيب على سائله الا بـ ( ماكو )!! اصبح ان حصل المرء على حاجة غذائية معينة بشرى يزّفها الى عائلته او جيرانه او اقربائه! غدت طوابير الناس نسوة ورجالا امام كل فرع من فروع المخازن الحكومية بانتظار ما يجود به عليهم وهي حالة مقززة لآدمية البشر! دولة غنية جدا مثل العراق يحاول ان يتبّع اساليب ما كانت عليه افقر الدول الاشتراكية ابان عقدي الستينيات والسبعينيات! بلد زراعي مثل العراق من الدرجة الاولى يمكنه ان يغذي عشرات الملايين من البشر تحل به ازمة الطماطم فتوّزع بعفونتها بالكيلو على الناس! واهل العراق اهل رز العنبر في الجنوب ورز عقرة في الشمال.. احتكرته الحكومة ولم يوّزع الا بالكيلو ومن اسوأ البضاعة لكي يقف الناس طوابير لأخذ حصتهم بذل ومسكنة ومن دون اي تذّمر! وقد يحصلون على ما يريدون او لا يحصلون! العقلاء يعتقدون بأن هناك خططا مبرمجة ومنظمة لمثل هذا التدمير النفسي للمجتمع ولاتباع هكذا سياسة من اجل اشغال الناس والهائهم وجعلهم يعيشون دوما في دوامة معيشية صعبة حول ما يمكن الحصول عليه، وهم لا ينفكون من ازمة واحدة حتى يدخلون في ازمة اخرى! وهكذا دواليك، خصوصا اذا علمنا بأن المجتمع العراقي واي عضو فيه لا يعرف القناعة ابدا على غرار غيره من الشعوب، اذ ان فقدان الغذاء عند العراقيين يوّلد حالة رعب قاتل، كونهم اعتادوا على شراء ما يريدون بكميات كبيرة.. وتأتي هكذا سياسة منظمة ضد العراقيين لتسحقهم وتغدو ظاهرة يومية لا ينفكون عنها وهي تقهرون لما تسبّبه لهم من تلف في الزمن ومتاعب في التفكير وسوء في العلاقات وتحطيم للاعصاب..

 

حقيقة العراقيين السخية
 بعد كل هذا العرض من المعلومات المبتسرة لأن ما خفي وما لم يذكر كان اعظم، عن اوضاع مزرية عاشها العراقيون ايام العهد السابق، وهي بحاجة الى المزيد من التحليلات والمعلومات الاخرى. تتوقف هاديا لتكتب عن حقيقة العراقيين كما عرفتهم، ولأدعها تتحدث عن ذلك اذ لا اريد وانا العراقي ان اتحدث في ذلك الا معلقا. كتبت تقول : " ومع ذلك ففي كل البيوت خيرات ويظل العراقيون من اكرم الشعوب التي عرفتها، فالضيافة ليست فنجانا من القهوة او قطعة حلوى كما هو سائد في كثير من المجتمعات العصرية ومنها العربية، وليست موعدا يحدد مسبقا او وليمة تقام بمناسبة. انها جزء من الترحيب، وسواء طرقت الباب في الثانية عشرة ظهرا فهو موعد غذاء، أو طرقته في الثانية بعد الظهر فهو ايضا موعد غذاء، وسواء مررت في زيارة عابرة في السادسة مساء فهو موعد عشاء، ويمكن ان يمتد حتى الى الثانية عشرة بعد منتصف الليل " ( ص 170).
 وتستطرد قائلة : " ومهما يكن وضع العائلة متعسرا او هناك شحة في مطبخ المضيفة، فالمرأة العراقية لا يمكنها الا ان تشعر ضيفها بالتأهيل والترحاب ولم ار طيلة السنوات التي عشتها في العراق، وفي مختلف البيوت التي زرتها، ومن مختلف الطبقات التي عرفتها، صينية طعام فقيرة او بخيلة، فهناك حتى في اقسى الظروف المعيشية احتيالات طريفة كثيرة منها خلط اللحم المفروم القليل بلباب الخبز او الطحين لتكون طبقات من الكباب، وهناك حباب الباقلاء التي تنقع وتتبل وتغطى ببيض مقلي لتكون طبق فاخر للفطور، وهناك اقراص البطاطا المقلية التي يمكن ان تسند طبقا من التمن والمرق. ولا تتردد سيدة البيت في تقديم اخر بيضة او قطعة جبن للضيف القادم، فليس اقسى عليها من عدم اكرام الضيف. وفي اشرس حالات العوز تظل قطع الكليجة ( = الكعك العراقي المحشو بالجوز او التمر ) المخبأة في الخزانة فرصة لاكرام الضيف العابر مع استكان ( = قدح ) شاي وقطعة صمون و " لحسة " زبدة. وقد تفضّل المرأة ان تنام بدون عشاء على ان تكرم ضيفا اتى بدون موعد او مر مرورا عابرا " ( ص 171 ).
 تقول هاديا : " لقد شهدت فترة السبعينيات التي عشتها في العراق حكايات مأساوية للحصول على اهم المواد الغذائية وظلت جزءا من الذاكرة الشعبية، خاصة عندما اكتشفت الحنطة المسمومة واللحوم المسمومة التي استعيض عنها بنبات الكمأة لتعويض الجسم بالبروتينات وقد ظلت اسباب تلك الشحة في بلد الخيرات ومحطات المواد الغذائية المسمومة لغزا يرتبط بالسياسة العليا، وطالته شائعات كثيرة، حتى بات العراقيون يتندرون دائما بالمثل السائد : " جّوع كلبك يتبعك "، لكنهم يدركون ان الشعوب ليست كلابا... خاصة عندما يكشف المرء ان الجوع ليس جوع معدة، فحسب، بل جوع فكر وروح واحتياج اساسي والى تأكيد الوجود والحرية " ( ص 171 – 172).
 وتقول : " ليس الاكل طقس تطمين او ارضاء غريزة فحسب لدى العراقيين، انه ايضا نوع من التعبير عن عهد صداقة او ذكرى شجن.. " ( ص 172). وتستطرد : " لقد عايشت تعلق العراقيين بطعامهم ولم اكن أره تعبيرا عن التمتع بلذة حسّية، قدر ما كنت أجده بوابة اخرى من بوابات الدخول الى الحنين العراقي النازف دوما " ( ص 172). وتقول : " كثيرون وكثيرات ممن عرفتهم او التقيت بهم في المنافي كانوا مغمسين بذلك الولع او الوله.. " ( ص 173 ).

ماذا اعلق على ما قالته هاديا؟

 

مشروع قتل الخصوصية العراقية
 اقول ان كل ما ساقته لنا في اعلاه حول هذه العادات العراقية هي جزء لا يتجزأ من ثقافتهم وخصوصيتهم التي يشتركون فيها جميعا.. وثمة حالات لا يمكنني وصفها في هذا الجانب كيلا تفّسر كضرب من ضروب الخيال! ان تعّلق المجتمع العراقي بمثل هذه العادات هي دليل راسخ على ارتباطهم الحقيقي والقوي بثقافتهم التي توارثوها ابا عن جد.. ولقد عرف النظام السابق في جملة محاولاته وسياساته الاقتصادية ضد معيشة العراقيين كيف يمكنه ان يضرب العراقيين في الصميم.. ويجعلهم يتراكضون على هذه البضاعة وتلك.. حدّثنى احد الاخوة العراقيين وهو من غربي العراق قائلا ان هناك مدن عديدة لا تجد فيها مطعما للمسافرين ولا فندقا للنزلاء والمقيمين.. سألته : اذن كيف يأكل وينام من له مصلحة وزيارة الى تلك المدن؟ قال: باستطاعته طرق اي باب ويدخل ليبقى ما يشاء من الايام يأكل وينام في مضيف البيت ثم يخرج بلا جزاء ولا شكورا.. وعليه، فان مثل هذه العادات قد سحقت على عهد البعثيين وخصوصا ايام الحصار وتحديد الحصص! ان الضيافة اسلوب حياة في عادات العراقيين ولا تقتصر على العرب العراقيين وحدهم، بل يجد المرء ذلك لدى الاكراد والتركمان ايضا باستثناء اليزيدية الذين يعتبرون مجتمعا مقفلا على غيرهم!
السؤال الاخر الذي يمكننا اثارته : لماذا كان نظام الحكم السابق قد اتبع مثل هذه السياسة البليدة والجائرة بحق المجتمع العراقي؟
 قد يكون تجويع الناس سببا في تبعيتهم للنظام، ولكنها نظرية ربما لا تصمد كثيرا ازاء سياسة من نوع آخر اتبعها الانكليز في العراق وهي تتمثل باشباع الرغبات وتوزيع المال على الناس وقد كسبوا بهذه الوسيلة ليس عواطف الناس بقدر ما كسبوا ولاءهم.. وبالرغم من صحة كل من هذين الاسلوبين اللذين اتبعا ازاء العراقيين، لكنني اعتقد بأن الامر يتعّلق بمشكلات نفسية ومريضة كان يعاني منها جل اعضاء القيادة السياسية العراقية من البعثيين، فهم في اغلبهم من اصول مسحوقة وقد تربوا معّقدين نفسيا ضد الغنى والاغنياء او حتى المتمكنين من الموظفين والطبقة الوسطى.. بمعنى ان القادة العراقيين وبضمنهم كل من البكر وصدام ارادا ان يشفيا غليلهما من اتباع هكذا سياسات خبيثة ضد العراقيين عموما.. وان تكون الطبقة الحاكمة تعيش كالاباطرة! كما لا ننسي ان ثمة اسباب اساسية وراء احداث الازمات المعيشية وهي تهدف اشغال الناس عن السياسة ومتابعة اسلوب الحكم وقراراته. ان مجرد التفكير في زرع الاشاعات واصدار البيانات التي تؤيد ما يجعلونه يسري في الشارع بشأن الحنطة المسمومة او اللحم المسموم.. يجعل الناس يمتنعون عنها ويبحثون عن مصادر اخرى للغذاء ويكفي ان يكون ذلك هما عراقيا حقيقيا اذا ما علمنا ماهية الثقافة العراقية في هذا الباب واسلوب حياة العراقيين الذين اعتادوا منذ مئات السنين على ان يأكلوا ثلاث وجبات اساسية غنية جدا.. ومحال على اي عراقي ان يأتي الى داره ظهرا من دون ان يجد مائدة عامرة بالرز والمرق وقطع اللحم امامه والسلاطة.. او ان يخرج للعشاء من دون لحوم مشوية وتوابعها!!
 وثمة ظاهرة لاحظها البعض من الغرباء عندما نسوة فقيرات في المدن لابد ان يذهبن الى قصاب قريب منهن ليشترين قطعة حتى لو كانت صغيرة من اللحم الضان كونهن لا يستطعن ان يركبن ( الجدر = القدر ) يوميا من دون هذه القطعة الصغيرة!! وربما كان المجتمع الريفي العراقي هو غير مجتمع المدن من هذه الناحية، حيث يكتفي البيت الريفي بما هو قليل وزاهد من المأكولات عند الفقراء.. ولكنها تكون سخية بل وبلهاء وفوضوية في التبذير عند الاغنياء منهم باعتبار ذلك مدعاة للتفاخر على الاخرين!!
 هذا شاهد واحد او اكثر من ممارسات قيادة البعث على امتداد الخمس والثلاثين سنة من حياة العراق على قتل خصوصياته الثقافية والاجتماعية التي امتدت اليه وتوارثها المجتمع منذ مئات السنين. وربما كانت العقد النفسية التي حملها القادة البعثيون بتأثير رواسبهم واحقادهم على عموم المجتمع كونهم عاشوا في بيئات مسحوقة ومهمشّة قد جعلت منهم وحوشا ضد مجتمعهم.. بحيث كان صدام حسين لا ينفك ان يذّكر نفسه ومستمعيه بأن العراقيين لم يعرفوا الاحذية قبل ان يأتي الى الحكم!! او كما يتذكر شقائه وهو طفل صغير معتبرا كل العراقيين مثله يبحث في القمامة عن بقايا علب فارغة لمعلبات يستخدمها الانكليز في الاي بي سي!! ولا ينسى يذّكر مستمعيه من الطفيليين والاشقياء انه هو مانحهم الخير وهو الذي اوصلهم الى تلك المكانة التي غدوا عليها!! وكأن كل الشعب العراقي مجموعة قطاع طرق ولصوص واشقياء واولاد شوارع كانوا منسحقين وقد صنعهم بنفسه.. وربما صدق في كلامه على مجاميع وزرائه واعضاء قيادته من اولئك الاغبياء والساقطين الذين صاروا يحكمون العراق لخمس وثلاثين سنة!

 

الحرب على التقاليد الشيعية العراقية وضد كل الطقوس الدينية
 اتذّكر في العام 1967 وبعد هزيمة حزيران / يونيو، قال لي والدي وقبل وفاته بسنة واحدة وكان قاضيا ورجل قانون عراقي معروف – رحمه الله – وكنت يافعا لم اتجاوز الرابعة عشرة من العمر : أسمع يا بني، الدولة كالانسان لابد ان تتصرف باخلاقيات عالية جدا ولابد ان تراعي كل ميول المجتمع واتجاهات ابنائه وفصائله وشرائحه من خلال القانون.. ولا يمكن للدولة ان تفرض سطوتها على حرمان المجتمع من تقاليده الاجتماعية وموروثاته الدينية. ثم قال – كما اذكر دوما – ان على رئيس الدولة وقائدها او ملكها وصانع قراراتها ان يكون فوق الجميع وفوق كل الميول والطوائف والاحزاب والعصبيات والاقليات والاتجاهات.. ليكسب ولاء الجميع لا ان يلتزم اتجاها واحدا ويفقد كل شعبه.
 نعم، ان هكذا مبادىء كان قد اتبعها بعض الحكام في العراق لم يتبعها القادة البعثيون على امتداد خمس وثلاثين سنة من حكمهم، اذ كانت لهم سياستهم القاسية في حرمان طائفة على حساب اخرى وتأليه حزب على آخر، وافناء قومية على حساب اخرى مع عمليات التطهير العرقي والمحو الاجتماعي والقتل الثقافي والتشويه التربوي.. لقد حرم الشيعة العراقيون من طقوسهم وتقاليدهم العريقة التي يعتز بها كل العراقيين! لقد حرموا على عهد البعثيين من المواكب الدينية الحسينية ومن تأدية الزيارات كما يجب وحلت الرقابة والتجسس وحصي الانفاس.. فخلقت هذه السياسة توترات غاية في السوء والمذلة والشعور بالضعة في تأدية اجمل ما يعتز به الانسان..
 لست شيعيا ولكنني كنت المح كم كانت القسوة مسّببة لالام نفسية مبرحة لدى البعض من اصدقائي الشيعة العراقيين حتى صيّروني اشاركهم الامهم واشرب المر بمعيتهم منذ بواكير شبابي.. وكم وجدت من آثار مدّمرة خلقها منع الناس من ترديد الاناشيد الدينية والقراءات المعروفة في الجوامع والحسينيات!؟ ويكفي ما حدث في العام 1977 في مناسبة مصرع الامام الحسين (ع) عندما هاجم اللواء المّدرع السادس للجيش العراقي والمعزز بالمروحيات موكبا دينيا شعائريا كان يضم حوال 30 الف شخص تخللته شعارات مناهضة لحزب البعث العربي الاشتراكي!! وقد مرّت 48 ساعة سوداء قتل فيها من قتل واعتقل آخرون وأعدم بعضهم عشوائيا، وأختفى آخرون في زنازين قصر النهاية.. وكانت هي المرة الاخيرة التي احتفل بها الشيعة العراقيون بمصرع الامام الحسين، والذي له مكانة سامية في نفوس كل المسلمين.
 لقد ولدت هذه " السياسة " الخرقاء حنقا واحقادا لا يمكن وصفها، خصوصا عندما يمنع ابناء العراق من الشيعة عموما مغادرة مدنهم الى حيث المسيرة والمواكب من النجف الاشرف الى كربلاء المطهرة.. لقد منع الناس من " الزيارة ". واسلوب " الزيارة " عند الجعفرية الاثني عشرية : تقليد اجتماعي قديم له سموه واحترامه لا يختص به شيعة العراق فقط، بل أنه معروف لدى كل شيعة العالم الاسلامي الكبير. وعليه، فلقد حرم هذا العرف والتقليد عليهم كلهم لأسباب واهية.. حرمت النسوة من نذورهن ومن تأدية واجباتهن ودعواتهن وصدقاتهن.. وحرم الرجال من تأدية متطلباتهم ودعواتهم وتقاليدهم الراسخة التي حتى ان اختلف الحاكم معها، بضرب انفسهم " على الصدور بضربات صاخبة، قوية منفعلة. لعلها ليست عقابا كما كنت أظن، بل حاجة، ربما، للخلاص والانعتاق من تراكم عذاب او حزن ومعاناة شخصية " ( ص 183 ).

 

من الجيش الشعبي الى فدائيي صدام
 اعتمد كل من الحزب والدولة في العراق سابقا وعلى امتداد خمس وثلاثين سنة نظاما شرسا في عسكرة المجتمع. وهذا يذّكرني بما استحدثه البعثيون في العام 1963، اذا طبّق هذا النظام منذ مجيئهم للسلطة لأول مرة في ذاك العام وأسسوا ميليشيات " الحرس القومي " التي كانت لها صفحات سوداء في تاريخ الاشهر التي حكم فيها البعثيون العراق على عهد المشير الركن عبد السلام عارف الذي ركب موجتهم والبسوه ملابس الحرس القومي ودفعوه الى الشوارع، ثم ما لبث ان انقلب عليهم وادانهم في بيانه الاول الذي اصدره يوم 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963. ولما عاد البعثيون الى السلطة من جديد اثر انقلابهم يوم 17 تموز / يوليو 1968، اعادوا تأسيس الميليشيات البعثية من جديد ولكن تحت اسم " الجيش الشعبي " الذي كانت تجربته، هو الاخر، تجربة مريرة وطويلة وسيئة للغاية منذ مطلع السبعينيات مبتدئة بالطلائع! وأود - هنا – ان استرسل لتحليل معلومات فاتت على السيدة هاديا ولم تسجلها اذ لا يمكن لأي جماعة ان تغّطي اي تجربة سيئة من تجارب العهد السابق نظرا لتشعباتها وامتداداتها وثقل محتوياتها الصعبة! واتمنى ان يأتي غيري من بعدي ان يضفي معلومات اخرى وتحليلات من نوع آخر عن تجربة مريرة وطويلة للبعثيين في حكمهم لحياة العراقيين ومصيرهم!
 فالطلائع : هم عشرات المجموعات من الفتيان اليافعين والمراهقين الذين كانوا يلبسونهم بدلاء زرقاء مرقّطة وتلبسها ايضا اليافعات والمراهقات ويطلق عليهن بالزهرات.. وتغطي ساعات وحصص التربية الوطنية الاسبوعية لتدريب هذه الجحافل اليانعة عن الحزب والثورة والرسالة الخالدة واقتران تقديس القيادة السياسية بالبطولات العربية في التاريخ.. وتربية هذا النشىء على التفكير الاحادي والممارسات الشوفينية وزرع الاحقاد عنده ضد الاخرين من دون البعثيين.. اما الشباب فيلبسون اللباس العسكري بخضرته الزيتونية الداكنة التي غدت بعد ذلك لونا رسميا لعسكرة البعثيين جميعا اذ ارتداها كل المدنيين البعثيين، ليس من اجل عسكرة المجتمع فحسب، بل من اجل ارهابه! وشهد الجيش الشعبي زهرة حياته على عهد صدام حسين وخصوصا ايام الحرب العراقية – الايرانية.. اذا كان لذلك الجيش بقيادة طه ياسين رمضان ( = طه الجزراوي ) دوره السيىء في اشاعة الخوف واضطهاد الناس وقمع الاصوات وسحب الرجال من بيوتهم ومن الشوارع والمقاهي واماكن العمل لزجهم في الحرب.. واستئصال كل ما يرونه حتى وان كان موظفا!
 كان الجيش الشعبي مجموعات ميليشيات بعثية تسيطر على المدن والبلدات والقرى والارياف.. وايضا متابعة كل من يهرب من ساحة الحرب وميادين المعارك المهلكة. ولقد استخدم الجيش الشعبي كل قسوته وفظاظته ازاء المجتمع بفرض عقوبات آنية مباشرة سواء ببتر الاعضاء او قص اللسان او ضرب الوشم على الجباه.. او الدخول الى البيوت من دون اي شرطة ولا اي قرار قضائي! وعقب حرب عاصفة الصحراء صدرت قوانين وتعليمات بقطع الاذان وجدع الانوف وختم الجباه لكل من تسّول نفسه الهروب من الخدمة العسكرية.. ووصل الامر بالجيش الشعبي ان يقوم بمهمة تدريب كوادر المدنيين في العطل الرسمية وفرض العقوبات على من لم يشارك في ماراثوان الحروب القذرة ومهرجانات الدم الحمراء!
 وكانت سنوات الحرب العراقية – الايرانية مرحلة اشتدت وطأتها جدا على ابناء المجتمع العراقي.. والتي تعّلم فيها الحزبيون كل الموبقات، وكان من اسرار ما يرسمه صدام حسين، تربية ما اسمي بـ " الاشبال " او " الشبيبة " التي تعتبر موطنا تفرز منه عناصر أمنية وعناصر المخابرات والطوارىء والامن الخاص.. ثم ابتدع تأسيس منظومة جهنمية باسم " فدائيو صدام " التي كانت لها قواعدها وركائزها في التدريب.. ووقف على رأس هذه المنظومة عدي صدام حسين.

 

صدام.. البعث ولعبة الدين
 من سمة البعث عند صدام حسين أساليب ديماغوجية لا اول لها ولا آخر.. اذ اشارك السيدة هاديا ما قالته انها عاشت في العراق ثماني سنوات لم ترد فيها لفظة الجهاد على لسان الناس، ولم أر العراقي يتعّصب ويتحّزب دينيا ولا طائفيا. كل التطرف كان ينحو نحو السياسة، اما الناس، خارج دوائر المثقفين فلم يكونوا يظهرون نعرات او يتجمعون في شبه غيتوات.. " ( ص 189 ) كما هو الحال في لبنان او مصر! ان الذي خبرته من دراستي التاريخية للعراق والعراقيين انهم لم يتعّصبوا للدين ابدا، ولم تنتشر عندهم اية حركات او احزاب دينية مالتي ظهرت وانتشرت في بيئات عربية اخرى. والعراقيون لا يحفلون الا للسياسة التي كانوا يأكلونها ويشربونها خبزا لهم! وقد نشأت عندهم واينعت أولى الاحزاب العلمانية سواء كانت ليبرالية ام راديكالية.. وحتى البعثيون كانوا يعدون انفسهم علمانيين، لا يدخلون الدين لا في الشأن السياسي ولا في شؤون الدولة الا ما يخشون منه فكانوا على مدى سنوات طوال من حكمهم يحاربون الدين باعتباره ( تراثا فاسدا ) ويعتبرون ذكرى الرسول العربي ورسالة الاسلام مجرد رموز تاريخية في حياة الامة العربية المجيدة!
 لقد كانت لهم في هذا الصدد او ذاك الامر ادبياتهم ومنشوراتهم وقد جاء ذلك على لسان صدام حسين نفسه عندما كان نائبا للرئيس ونشر خطابه المشهور الذي اعتبر فيه الدين تراثا عربيا، بل وردّد عدة مرات بأن الدين لا يمكن ان يكون عائقا او حجر عثرة في سبيل البعث! ويبدو ان الثورة الايرانية التي انتجت انتصارا اسلاميا في ايران العام 1979 قد جعلت صدام والبعثيين يحاولون استخدام الدين لعبة لهم باستخدام الجهاد ضد الفرس المجوس، واستخدم لفظ الجلالة ( الله اكبر ) بخط ذلك بيده على علم العراق! وزاد من ذلك على ايام التسعينات بالدعوة الى اسماها بـ " الحملة الايمانية "، فانتقل ليلعب دور رجل الدين المارق فسمى نفسه بـ " القائد المؤمن " و " عبد الله المؤمن " وغير ذلك من الصفات التي كان يبتدعها من اجل خداع العالم!
 لقد كانت تجارة رابحة بالنسبة اليه، ففرض ان يكون البعثيون قدوة متدينين في المجتمع، وقام بالغاء محّلات شرب الخمور لكنه لم يغلق محلات بيعها اذ حصرها في البيوت بدل النوادي والحانات! وقام صدام حسين بتوظيف الاسلام من اجل خلق كوادر متنوعة اغلبها من العراقيين يبشّرون بايديولوجية البعث بوسائل دينية ومن خلال قيام صدام بتأسيس كليات ومدارس دينية تتبنى ( الاسلام البعثي ) الذي تخّرج فيها العشرات والمئات من المعمّمين الذين يرون في صدام مجاهدا وقائدا بطلا وفذا للامة! من جانب آخر، اشارك السيدة هاديا قولها : " الاحظ ان علاقة العراقيين، باداء فروض دينهم، علاقة شخصية بحتة، لا تفرض ولا يشحن نفسه بها ويشهرها للهداية او التكفير، ففي العائلة نفسها افراد يصلون ويصومون وآخرون لا يلتزمون بهذه الفرائض " ( ص 190).
 لقد فشل صدام حسين في سياسته الديماغوجية باستخدام الدين اداة للتناقضات او سلاحا ذو حدّين، ووظّف الدين لكي يساوم به شعبه او اظهار نفسه وحزبه وعصابته بمظهر المخادع او الممثل الفاشل الذي يمثل دورا سمجا لا يؤمن به.. لقد كان متلونا في تمثيل ادواره الدينية، فهو من طرف يذبح رجال الدين ومن طرف يزور العتبات المقدسة! وهو من طرف يظهر وبيده القرآن الكريم يقرأ فيه ومن طرف آخر لا يسعى الى صلاة الجمعة ليصلي بين الناس من عباد الله العراقيين! وهو من طرف يبني الجوامع الفخمة وبدأ بتنفيذ بناء اعظم جامع في العالم على ارض مطار المثنى ببغداد ومن طرف آخر يأمر بأن يكتب القرآن بدمه وهو غير جائز شرعا عند المسلمين! وهناك المزيد من التناقضات التي لا حصر لها ابدا لا يمكن ان يمر عليها اي انسان له افقه ومداركه الواسعة سيدين صدام حسين على سياساته الجوفاء والخرقاء.. ويعلم اي مراقب ان استخدام صدام حسين للدين كان استخداما ميكافيليا فالغاية تبرر الوسيلة عنده مهما كانت الاثمان.

 

وأخيرا : البراعة في تصوير الحقائق
 ان براعة هاديا في اسلوبها الروائي قد أوصلت معلوماتها كما لو انها مجسّدة على ارض الواقع. أقرأ فصول كتابها الخمسة وقد ادهشتني قدرتها في فهم العراق والعراقيين، ولن يفهمه ويفهمهم الا النوادر من البشر! وانا اقرأ في كتابها مذ انطلقت مع المقدمة التي كتبها لها الاخ امير الطاهري على اجود ما يكون التقديم وخصوصا عندما وصف وصولها عروس لبنانية في مطلع العشرينيات الى بغداد التي كان العالم كله يتطلع الى ان تكون حاضرة للدنيا مع امكانات العراق الهائلة وثقافة المجتمع المتميزة.. وأنا أقرأ الفصل الاول، عرفت مأساة الانسان في العراق منذ الاسطر الاولى عندما اطبق الرعب من جراء تبعيث العراقيين وجعلهم ارقاما في حساب لعبة شطرنج بالية يتلاعب به لاعبون سخفاء ومتخلفون وبدائيون ومتوحشون.. ليغدو العراقيين بعد ذلك مجرد وقود حروب دموية مرعبة مع تصفيق غير مبرر لسياسات غبية من قبل اعلاميات عربية مأجورة! وأنا أقرأ كيف ارجعتني هاديا الى سنواتي الاولى وبدأت تحفر في ذاكرتي اشرطة تاريخ مخضب بالعنف والدم.. ورجعت اهتز من رعب تلك الايام السوداء عندما حّلت حفلات الاعدامات في الشوارع وذابت اجسدة عشرات من خيرة رجال العراق في احواض الاسيد.. وافتعلت جرائم ابو طبر كمشروع مدبلج مبيّت من قبل السلطة في تأسيس الخوف!
 كم تمنيت على هاديا ان تصف لنا ما الذي كان يفعله ابو طبر عندما يهاجم عائلات العراقيين الامنين في بيوتهم ويقطع اوصالهم وهم احياء ثم يختفي! وماذا عن خلق الازمات الاقتصادية الخانقة وطوابير تقف على قارعة الطريق من اجل كارتونة بيض او دجاجة مذبوحة فاسدة او قنينة غاز او اطار لعجلة سيارة..!! من الذي خلق ازمة اللحوم المسمومة؟ من الذي رّوع الناس بمظاهر لم يألفوها؟ كل ذلك جرى في عهد احمد حسن البكر.. ان هاديا سعيد تحكي عن نفسها المعذبّة وتجربتها المريرة ولكنها بنفس الوقت كانت تعّبر في حكاياها عن آلام كل عراقي عاش مأساة وطن وعهد أسود في عهد رئيس بليد ونائب متوحش! ولقد اثبتت الايام الماضية وستثبت الازمان في قابل تفاهة ما كانوا يسمونه بمنجزات ثورية وقومية عندما وصلت الانتاجية العراقية الى الحضيض وعندما ولدت جبهة وطنية مخادعة لا ثوابت مبدئية فيها، ولا علاقات وطنية راسخة تجمعها سرعان ما قضي عليها وعندما تم التوقيع على حكم ذاتي مزّيف للاكراد، سرعان ما اضعفته المركزية الطاغية، وعندما تم التأميم من خلال صفقة مؤامرة سياسية خبيثة ستكشف الايام قذارتها! التأميم الذي صفق واهتاج له الجميع من دون وعي بأن دولا نفطية اخرى حصلت على حقوقها من دون هيجانات اعلامية.
رسم اعماق الخوف وسايكلوجيته
 الحق يقال ان هاديا سعيد كانت فنانة بارعة في رسم اعماق معينة من طبيعة الخوف وسايكلوجيته القاسية عند العراقيين والذين لهم جميعا أعماقهم الاخرى من احزان اخرى ومخاوف اخرى ستكشف عنها مذكرات اناس آخرين من عراقيين وغير عراقيين. واقول : صحيح ان الكاتبة كانت تعيش اجواء الجبهة الوطنية التي انبثقت ايام البكر بين البعثيين الحاكمين والشيوعيين والاكراد.. الا ان هاديا لم تكتب لنا عن قطاعات وفصائل سياسية عراقية اخرى سواء كانت قومية ( حركية وعارفية وناصرية وبعثية يسارية.. ) وليبرالية من انصار الحكم الملكي واسلامية ( سواء كانت اخوانية او شيعية ) وما كانت تعانيه من اشرس الجلادين.. ربما لا تعرفها هاديا ولكن أشد ما اعجبني في كتابها تصويرها البارع لعالم الخوف وصفحات الرعب الذي اكتشفت فيه امكانات بارعة وربما متوارثة للعراقيين عندما يتكلمون قصة كاملة بعيونهم، او عندما يتبادلون قصة كاملة برموز واشارات لا يفهمها في هذا الكون غيرهم! او عندما تصل قدراتهم في الاختفاء والتسلل او الهرب الى خارج الحدود.. او عندما تصل درجة اظهارهم عكس ما يبطنون!
 نعم، كتبت هاديا أنواعا مأساوية من الخوف، ولكنها بالوقت الذي أعلنت للعرب وابناء العروبة ان البعث في العراق هو الاستثناء المرعب عن كل تجارب الحكم في العالم، فقد كانت صادقة على اشد ما يكون الصدق. دعونا نقرأ ما كتبته بمصداقية لا يحس طعمها الا العراقيون.. تقول : " لقد كنت أحد الذين عاشوا نوعا ( مخففا ) من الخوف داخل الجمهورية وخارجها، مع اني لست عراقية، فهل هو الشعار الخفي بأنها أمة عربية واحدة، في الخوف والقهر؟ لكن من يقول لي ان ما حدث في العراق يحدث في كثير من البلدان العربية، سأظل اقول له : لا وأكررها : لا. لا. لا. فقد عشت في أكثر من بلد عربي.. وعرفت ووعيت معنى الحدود والرقابة والتضييق، لكن عهود العراق دموية وفجة ومريعة، فليس هناك بلد عاش كل من فيه خراب النفس والذرية والارث كما عاشته بيوت بغداد، وليس هناك بلد ابيحت فيه كميات من الدماء وعدد من الرقاب والاوصال المقطوعة كما حدث في العراق، وليس هناك بلد عرف قهر الخوف وذل الصمت مثل العراق.. " ( ص 68-69 ).
 ولكن هاديا راحت تدافع عن صديقاتها العراقيات : صحفيات وكاتبات كن قد اشتركن في ماراثون الرعب والمخابرات من خلالهن وازواجهن.. او ان واحدة منهن على الاقل كانت تمثّل تمثيلا بارعا دور المظلومة! واشارك هاديا انها ذكرت أسماء عراقيين اعرف كم كانوا نظيفين وقد دفعوا ثمنا باهضا في الدواخل العصيبة من وجودهم.. وعندما تتكلم هاديا وهي ابنة ميدان الصحافة، فأنني ادرك تماما كم في هذا الميدان من موبقات وخطايا هي تدركها أكثر مني بحكم المهنة وضغوطاتها المؤلمة.. وقد نجحت بنقد الرقابة وتصنيف الكاتبات العراقيات اللواتي كن اغلبهن تابعات للسلطة، بل مواليات ومصفقات لها. لقد دخلت هاديا في مسامات العراقيين وتعاطفت مع آلامهم وخبرت الوانهم وقيمهم الانسانية وكرمهم وسخائهم وطقوسهم الاجتماعية والدينية من دون ان تعطي مثالا واحدا على سيئاتهم التي يصمهم بها بعض خصومهم العرب.. وهي بين هذا وذاك، لم تدهش بخصوماتهم وتنوع ثقافاتهم وذكائهم وخصب اساليبهم وطبيعة علاقاتهم.


وأخيرا : ماذا اقول؟
 ان السبعينيات العراقية كانت مرحلة تاريخية سياسية خطيرة من حياة العراق والعراقيين والتي سطا فيها السيد النائب على اقدار العراق ومقدرات العراقيين ولم يسلم منه حتى رفاقه من البعثيين بدءا بمصرع سلسلة وزراء وقياديين بعثيين : عبد الكريم الشيخلي ومرورا بشاذل طاقه ووصولا الى مهرجان الموت الجماعي الاحمر لعدنان حسين وجماعته في العام 1979 عندما تولى صدام حسين رئاسة العراق ليكمل اشواطه المرعبة. وآخر ما يمكنني تسجيله – هنا – ان اقول بأن هذه المتابعة التحليلية ما هي الا مدخل لدراسات تاريخية في قابل الايام والسنين والقرون، وستأتي اجيال وراء اجيال لتتوقف طويلا على عهد البعثيين في العراق ابان القرن العشرين..
 نعم، ان هذه المتابعة التحليلية ازعم انها مقدمة نوعية كنت قد وعدت بها الاديبة الست هاديا سعيد، متمنيا ان يكون القارىء الكريم قد وجد في هكذا وقفة مطولة بغيته من المعلومات والشروحات والتحليلات خصوصا وانني قد سجلت اضافات نوعية على كتابها، فضلا عن تعليقاتي السياسية وشروحاتي التاريخية التي اتمنى ان اقرنها بالتوثيقات في قابل الايام.. تحية مني لهذه المذكرات وصاحبتها التي تحملّت من العراق ما لم تكن بحاجة الى حمله في حياتها.. ولكنه قدرها في ان تكون جزءا منّا ومن وجودنا نحن العراقيين لتعبر عن صفحة مؤلمة من تاريخنا المرعب وسنوات الخوف العراقي الحقيقية. كما وان ما تقّدم توضيحه وتحليله سينفع الاجيال القادمة في الوقوف على ما يريدون الوقوف عليه لتفسير حقائق ما عاشه العراقيون على امتداد خمس وثلاثين سنة من حياتهم التاريخية.. ولتكن هذه التجربة التاريخية التي تدارسناها هنا خزين له منافعه في المستقبل من اجل فهم كيفية التعامل مع بقايا العهد السابق.. وربما فات على البعثيين الشباب من الجدد الذين تأثروا بوجود صدام حسين وحكمه من دون ان يعرفوا عن ماضيه وعن ماضي عهد احمد حسن البكر الذي سبقه.. متمنيا ان نتواصل مع مذكرات تاريخية اخرى عن العراق القريب.   

 

في