بعد التضخم وكارثة الدويقة وحكم العبارة وسقوط طلعت وسلسلة الحرائق
غليان شعبي في مصر وتكهنات بحدوث تغيير وزاري مرتقب
محمد حميدة من القاهرة: قال خبراء إن الغضب الشعبي فى مصر تجاه الحكومة وصل إلى درجة الغليان، وإن صبر الشعب تجاه الحكومة نفذ، في ظل مواصلة الإرتفاع في الأسعار والتضخم وعجز الحكومة وعدم قدرتها على التعامل مع المشكلات التي تعاني منها الفئات الأكبر من المجتمع كما حدث في الفترة الأخيرة مع حادث الدويقة والحرائق التي نشبت في مبانٍ تجسد رموز مصر الفنية والسياسية، وعدم إهتمامها بالقضايا التي تمس الصالح العام، كل ذلك أدى إلى مضاعفة خطر الإحتكاك السياسي بين الشعب والحكومة وتوقع حدوث هزة شديدة وشيكة لها.
وكانت صخور عملاقة قد سقطت فى الدويقة "حى الأكواخ والصفيح" شرق القاهرة ودفنت تحتها العشرات من المواطنين وهو ما أدى إلى إرتفاع حدة الغضب والإستفزاز لدى الشعب، فعلى الرغم من أن الحكومة لا تتحمل المسؤولية المباشرة عن الكارثة ، لكن هذا الحادث كشف عن عجزها وعدم قدرتها منذ زمن طويل على التعامل مع ظاهرة إنتشار المباني العشوائية داخل وخارج محيط القاهرة.
قال نبيل عبد الفتاح الخبير بمركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية إن "انتشار السكن غير الرسمي مشكلة طال أمدها " واضاف عبد الفتاح ان " الحادث ادى إلى زيادة غضب افقر شرائح المجتمع الذين سئموا من سياسة اللامبالاة الحكومية مع محنتهم".
ويصل عدد المحرومين من خدمات الحكومة وفقًا لـ "حمدين صباحي" مؤسس حزب الكرامة اليساري تحت التأسيس حوالى عشرة ملايين من المصريين يعيشون في احياء الصفيح مثل الدويقة. وإذا لم تحل مشاكلهم كما يضيف "ستكون النتيجة الحتمية انفجارًا شعبيًا تلقائيًا".
وكان صباحى الذي هو أيضًا عضو بارز في البرلمان قد اقترح فى أعقاب الكارثة تخصيص نصف الميزانية السنوية المخصصة للمكاتب الوزارية لبناء مساكن لمحدودى الدخل وفقراء المناطق الحضرية. لكن الحكومة تجاهلت تمامًا هذا الاقتراح وفق قوله " كما لو أنها لا تهتم بشيء يتعلق بالصالح العام".
وحادث الدويقة لم يكن فقط الحادث الوحيد الذى اثر سلبيا على شعبية الحزب الوطني الديمقراطي (الحاكم) والحكومة التي تتكون في معظمها من رجال الاعمال. ففي أوائل أغسطس برّأ القضاء واحدًا من كبار اعضاء الحزب الحاكم ورجال الاعمال وهو" ممدوح اسماعيل" من تهمة قتل أكثر من ألف شخص كانوا على متن العبارة السلام التى يمتلكها والتى غرقت في البحر الاحمر.وقد استقبل الجمهور الحكم بحزن وغضب شديد ، ولا سيما أقارب الضحايا الذين اعتبروا القرار دليلاً على أن هناك نخبة من رجال الحكومة فوق القانون. وشاهد الشعب بكل اسف النيران تندلع فى مبنى اللجان بمجلس الشورى احد رموز تاريخ مصر السياسي والحكومة عاجزة عن التعامل مع الحريق لساعات طويلة ومن بعده مبنى المسرح القومي.
اما الضربة الموجعة التي تلقتها صورة القاهرة كانت مع اتهام احد اقطاب الحزب الوطني ورجل الاعمال الكبير "هشام طلعت مصطفي" بالتورط في مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم ، التى قتلت بوحشية في دبي في أغسطس الماضى. وعلى الرغم من أن القضية لا تزال قيد القضاء، الا ان هذا الاتهام وفقًا لنبيل عبد الفتاح "ضاعف من هالة الفساد المحيطة بالحزب الحاكم. كما أعاد الى السطح قضية زواج السلطة بالثروة المثارة منذ فترة طويلة وكيف يؤدي ذلك حتما الى انتشار الفساد الحكومي".
وقد غذى فشل الحكومة في حماية الجمهور من الزيادة السريعة في معدلات التضخم الذي يواصل الارتفاع شهرًا بعد شهر من حالة الإحباط لدى فقراء الشعب. فقد وصلت اسعار المواد الغذائية الى اقصى معدلاتها في شهر رمضان وهو ما انعكس على افطار قطاع كبير من العائلات المسلمة كانت تكسر صيامها الطويل على طعام لا يغنى ولا يسمن من جوع. فالتقديرات تؤكد ان ما يقرب من 40 % من 80 مليون مصرى يعيشون بالفعل حول أو تحت خط الفقر ، اي انهم يعيشون على دولار واحد في اليوم أو أقل. "ومع ارتفاع أسعار معظم السلع الاساسية ، لم تعد أعداد هائلة من الأسر المنخفضة الدخل قادرة على الحصول عليها بقدراتها المحدودة".
وهذه العوامل مجتمعة – كما قال نبيل عبد الفتاح - غذت بشكل لم يسبق له مثيل السخط الشعبي تجاة الحكومة التى اثبتت انها غير قادرة على تقديم الرعاية العامة، ولم تتمكن من تلبية الاحتياجات الأساسية للقطاعات الكبيرة من السكان "ويبدو أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية للتعامل بفعالية مع المشاكل الخطيرة التي يعاني منها الشعب المصري".
واتفق معه "صباحي" الذي أكد أن "التضخم وحكم العبارة وإتهامات القتل، كل ذلك أدى إلى حالة ساحقة من الغضب الشعبي". وتابع صباحي قائلاً: "لكن الكثير من المصريين أيضًا سئموا من المعارضة السياسية التي تبدو عاجزة عن التصدي للوضع الراهن. فالحزب الوطني يهيمن على البرلمان ولا يشكل نواب المعارضة والمستقلون اكثر من خمس المقاعد". واضاف ان الناس ربما فقدت كل الثقة في الحكومة، ولكنها نادرًا ما تمنحها للمعارضة. لقد فشلت الحكومة في جميع المجالات والمعارضة ايضًا فشلت على الجانب الاخر في قيادة الشعب وإحداث التغيير السياسي".
ان هذه الحالة جعلت بعض المعلقين يتوقعون اقتراب هزة حكومية عنيفة. قال نبيل عبد الفتاح إن هناك ثمة تكهنات عن اجراء تعديل وزاري رئيس قبل أو بعد مؤتمر الحزب الوطني القادم المقرر عقده في نوفمبر الا ان" صباحي " لا يعتبر هذا التغيير اكثر من حل "سطحي وموقت".