الأنبا ماكسيموس رجل الدين الأكثر إثارة للجدل في مصر لـ " إيلاف ": أنا داعية إصلاح وبديل شنودة فكريا ولاهوتيا
لا أحارب الكنيسة القبطية.. وإنما الجمود والظلم ومصادرة حرية الإنسان القبطي
اتهامي برجل أمريكا وإسرائيل ابتزاز وإرهاب فكري.. فلا شأن لرجل الدين بالسياسة
حاوره محمود عبد الرحيم من القاهرة: الأنبا ماكسيموس واحد من الشخصيات التي أثارت جدلا واسعا في الشارع المصري، فبينما اعتبروه البعض متمردا على جمود الكنيسة القبطية وداعية إصلاح خاصة في الملف الاجتماعي للأقباط، وما يتعلق بمسائل الزواج والطلاق تحديدا التي أشبه بكابوس يؤرق مسيحي مصر، رأي آخرون انه رجل أمريكا وإسرائيل، وانه جاء ليشق وحدة الكنيسة القبطية ويقف في وجه البابا شنودة كعقاب له على مواقفه الوطنية والعروبية، بل ذهبوا إلي اتهامه بأنه رجل أجهزة الأمن في مصر لاستخدام كفزاعة للبابا شنودة الذي، أحيانا، ما يتخذ مواقف تزعج الحكومة.
" إيلاف " التقت الأنبا ماكسيموس في مقره الكنسي بضاحية المقطم بالقاهرة لأكثر من الساعة ونصف الساعة، وبدا منفتحا وذكيا في ردوده على كل التساؤلات حتى لو كانت في صيغة اتهامات، وان غلب على حديثه النقد اللاذع للبابا شنودة والتهرب من الأسئلة التي تتعلق بالحكومة أو الرد بدبلوماسية شديدة.
هنا نص الحوار:
بداية، دعنا نتعرض على السياق الذي جاء فيه انشقاقك عن الكنيسة الأرثوذكسية، وصراعك مع البابا شنودة؟
السياق أو الأسباب يمكن تلخيصها في جملة واحدة وهي أن هذا الرجل لا مرجعية له، وانه مرجعية نفسه، بينما الأرثوذكسية تعلم بمرجعية الآباء. واصدق
دليل على ذلك انه ظل طوال 36 عاما يحرم الأقباط من التطليق تحت زعم أن الإنجيل يقول: " لا طلاق إلا لعلة الزنا "، في حين قدمنا الأدلة على أن الطلاق غير التطليق، وأخيرا نراه يتراجع ويبيح أسباب أخرى لانفصال الزوجين غير الزنا، ما يعنى انه يسن قواعد وفق رأيه هو. وهذه عينة من الخلافات اللاهوتية، فضلا عن تصرفات تسلطية من قبيل حرمان الأساقفة والرهبان وأساتذة اللاهوت وعلى رأسهم الدكتور جورج بابوي من غير محاكمة، فأي مرجعية لهذا الرجل غير نفسه، من هنا بحثت عن كنيسة أرثوذكسية أخرى.
ولماذا تأسست كنيستك في أمريكا وليس في مصر.. هل ثمة مغزى ما وراء مكان التأسيس؟
هل تتصور أننا كنا نستطيع أن ننشئها في مصر ولم نفعل؟!. فقد جاء اختيارنا لنيفادا الأمريكية لسهولة الإجراءات هناك، وقد كانت بين الأقباط المهاجرين.
هل افهم من كلامك أن ثمة عراقيل كانت تقف وراء تأسيس كنيستك في مصر؟
بالطبع، فالبابا شنودة هدد إذا حصلت على ترخيص بإنشاء كنيسة سيسير مظاهرات في الشوارع، وقد قام بتسيس الموضوع وورط الدولة وزايد عليها.
هل معنى ذلك أن الدولة جاملت أو انحازت للبابا شنودة على حسابك؟
الموضوع له شقان.. الأول أن الدولة احترمت حريتي ولم أتعرض لمضايقات من احد، أما الشق الآخر فيتمثل في الإعلام الحكومي الذي جري تجنيده ضدي، ما عرضني لكم رهيب من التشويه ما انزل الله به من سلطان.
وكيف تفسر هذا الموقف الملتبس تجاهك من جانب الحكومة.. هل أرادت أن تستخدمك كفزاعة لشنودة دون اعتراف رسمي بك؟
لا انظر إلي الموضوع هكذا، أو بالأحرى، لا أريد أن اظلم أحدا هنا، ومسالة الاعتراف أو غيره لم تعد ذات بال لي، فلا انتظر من احد أن يحسن إلي أو يزايد علي أيضا، فانا صاحب حق، إذا صدقوني سآخذه، وإذا لم يكن ساحل مشكلتي بنفسي، اقصد سأدير شئون كنيستي من أمريكا، صحيح أني كنت ارغب في أن تكون كنيسة أمريكا فرعا، وهنا الأم، لكن تغيير المواقع مشكلة بسيطة.
بالمناسبة، أريد أن أتعرف على موقفك من التعاطي مع الأقباط كملف امني وإبقاء شؤونهم بيد وزارة الداخلية.. هل يزعجك هذا الأمر؟
هذه مسألة تخص طريقة هيكلة الدولة، وأظن انه في عهد الرئيس مبارك وضع ملف الأقباط بيد الأمن كان وراء حل الكثير من المشاكل، فقرار الرئيس دائما هو الانحياز للسلام الاجتماعي.
وماذا عن الفتن الطائفية المتتابعة والتي كان ابرز " أحداث الكشح "، واعتبر كثيرون أن اعتماد المعالجة الأمنية وراء تكرر مثل هذه الأحداث المؤسفة؟
" الكشح " كان مأساة مخجلة تحسب على صغار رجال الأمن، لكن هذه حادثة ضمن عشرات جرى حلها لصالح الأقباط وبشكل مرض.
وماذا عن شكوى الأقباط المستمرة من التمثيل الشكلي لهم في المناصب العليا للدولة والتمييز ضدهم؟
لو الأقباط اشعروا الدولة أن لهم رئيس واحد، وليس رئيسين.. مدني وديني، سيجرى التعاطي مع مشاكلهم بشكل مختلف. أما إذا أرادوا تشكيل كتلة دينية تطالب بحقوق منفصلة.. فماذا تنتظر؟
هل تريد القول إن البابا شنودة صنع دولة داخل دولة مستغلا الكتلة القبطية التي يتزعمها؟
للحق أن النظام الطائفي البغيض متواجد في مصر منذ حقبة العثمانيين، لكن ما حدث ان شنودة استفاد منه.
وماذا كنت ستفعل أنت لو كنت مكانه.. هل كنت ستكرس للنظام الطائفي كذلك؟
على العكس، أول شئ كنت سأفعله إصلاح علاقة الكنيسة بالدولة، وعلاقة الكنيسة بالمسلمين الذين يمثلون الغالبية في مصر.
وكيف يتم ذلك برأيك.. هل لديك مشروع محدد أم مجرد رؤى؟
في اعتقادي أن العلاقة بين الكنيسة والدولة غير مريحة وثمة خلل من المنبع. فالدولة ترى أن الأقباط تحولوا إلي كيان منغلق على ذاته داخل نسق الدولة، ثم يأتون ويطالبون بحقوق.. فكيف تتصرف تجاههم؟ هذه الحالة التي بها توجس جعلتنا نعيش في مناورات لا تنتهي. أما إذا أزلنا الحواجز وقمنا ببناء الثقة فستبنى العلاقة على أسس سليمة وسينال الأقباط حقوقهم بسلاسة.
أما علاقة الكنيسة بالمسيحيين، فكانت قديما على المستوى الشعبي ممتازة تحكمها المودة، فيما على المستوى الرسمي تحكمها المجاملات، وحاليا تحولت من المودة إلي الصراع شعبيا، ومن المجاملات إلي النفاق رسميا. وكلما وقعت حادثة هنا أو هناك نجمع الشيوخ والقساوسة ويقبل كل منهما لحى الآخر حتى تشتعل أزمة من جديد. أما المطلوب فحل جذري ثقافي واجتماعي يعتمد على الفهم العميق للآخر وعقد شراكة وطني بين المسيحيين والمسلمين، ينطلق من تقبل كل منا للآخر وتكريس مبدأ " الدين لله والوطن للجميع " بالاقتناع والفعل وليس بالرياء والكلام.
أما عن مشروعي، فنحن نعمل على إنشاء مركز ثقافي لإعداد الدراسات الاجتماعية والثقافية والدينية، وسنطلق قريبا جريدة الكترونية تعمل على تكريس الحوار الإسلامي المسيحي بعيدا عن التجريح والإساءة، على النحو الذي يعمق الفهم المتبادل ويزيل الالتباس والاحتقان بين الجانبين.
على ذكر دعوتك للحوار وقبول الآخر.. هل ثمة فرصة للحوار والمصالحة مع البابا شنودة؟
كنت وما زلت مستعدا للحوار مع البابا شنودة، لكنه هو الذي يرفض بإصراره على شرط التخلي عن رتبتي الكهنوتية، وهذا لا يعني مجرد الرفض، وإنما التعالي وعدم الاحترام لوضعي الكنسي كذلك، صحيح أني تلميذ من تلاميذه، وإنما لدي وضع يماثله او يقاربه منزلة.
لكن البابا شنودة ذكر أن ترسيمك كأسقف غير صحيح وتجاوز القواعد اللاهوتية لأنه تم عبر الهاتف دون طقوس كنسية صحيحة؟
لقد نشرت صور الرسامة والشهادات الموثقة، وما يقوله كذب لأنه لا تتم الرسامة عبر الهاتف إطلاقا، ومن يريد أن يكذب ويريد للآخرين أن يصدقوه عليه أن يكذب بطريقة مقنعة.
وماذا عن الدعوى القضائية التي أقامها ضدك عبر مستشاره القانوني والحكم الذي صدر بحقك؟
لا تعليق على أحكام القضاء، لكن ثمة طعن على الحكم تقدم به المحامي الخاص بي، يوضح الصورة المغلوطة، فالحكم الذي صدر تعمد اللبس والخلط بين كنيستي وكنيسة البابا شنودة رغم أنهما مختلفتان. وإذا كان لا يجوز تعين بطريرك في وجود بطريرك آخر، فانا رئيس أساقفة ولست بطريركا، كما أني خارج كنيسة شنودة، كنيستي في نيفادا.
وماذا عن اتهامك بأنك جئت لتشق صف الكنيسة القبطية وانك رجل أمريكا وإسرائيل.. وان دعمك نوعا من عقاب شنودة على مواقفه الوطنية والعروبية؟
هذا كلام لا معنى له، فانا لا أحارب الكنيسة القبطية وإنما أحارب الجمود والظلم ومصادرة حرية الإنسان. والحديث عن أني رجل أمريكا واسرئيل اعتبره ابتزازا وإرهابا فكريا.
وإذا كنت تقصد بالحديث عن مواقف شنودة الوطنية والعروبية موقفه من التطبيع ودعوته لإتباعه بعدم الذهاب للقدس، فهذا شأن سياسي لا يجوز لرجل الدين ان يتدخل فيه.
أخيرا، هل تقدم نفسك بديلا للبابا شنودة على المستويين الرسمي والشعبي، خاصة وان الرجل مريض وتقدم به العمر؟
لا أقدم نفسي بديلا له على المستوى الرسمي ولا الشعبي، وإنما على المستوى الفكري والثقافي واللاهوتي، واعتبر نفسي داعية إصلاح لأني لا أتعاطي مع هموم الأقباط من منظور ديني بحت، وإنما من منظور اجتماعي وثقافي كذلك، آخذا في الاعتبار العلاقة مع المسلمين وضرورة صياغتها على أسس صحيحة.
Email: mabdelreheem@hotmail.com