دمشق بدأت تقتنع بتغيير تعاملها مع بيروت
العلاقات الدبلوماسية حلم يتحقق بين لبنان وسورية
إيلي الحاج من بيروت: يستكمل مسار العلاقات بين لبنان وسورية من خلال تبادل التمثيل الديبلوماسي والسفارات، تحقيق مطلب منذ زمن لدى اللبنانيين الذين طالموا شكوا من عدم إعتراف الأنظمة السورية المتعاقبة والعهود بإستقلال لبنان وكيانه من خلال إقامة علاقات معه كما بين أي دولة ودولة أخرى، وإن كان العذر الدائم الذي كان يلجأ إليه النظام السوري هو شعار مطاط يقول بأن "لبنان وسورية شعب واحد في دولتين".
ومع زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم لبيروت الإثنين، تأكد أن دمشق تتجه إلى تغيير في أسلوب تعاملها مع لبنان، إذ كانت غاية الزيارة توجيه دعوة رسمية إلى رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان لزيارة سورية، وكانت الزيارات الرئاسية أشبه بالإستدعاء أو الطلب بـ "المونة"، تتم في خلال اتصال هاتفي خارج الطرق والأقنية الرسمية. ولم يحدد حتى اليوم موعد زيارة الرئيس سليمان المرجحة أواخر هذا الشهر والمتوقع ان تليها زيارة للرئيس السوري بشار الاسد الى لبنان، وهي تندرج في اطار المرحلة الجديدة التي تتأهب العلاقات اللبنانية السورية لدخولها والتي ستنطلق من نقطة محددة هي مسألة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ويشكل هذا التطور أول "انعطافة ايجابية" في مسار العلاقات اللبنانية السورية منذ أربع سنوات عندما حدث تصدع ضخم بعد سلسلة تطورات دراماتيكية، بدءًا بالتمديد للرئيس السابق اميل لحود على وقع القرار الدولي ١٥٥٩ مرورًا بالاغتيال المدوي للرئيس رفيق الحريري، وصولاً الى الانسحاب السريع والقسري للقوات السورية في ظل انقطاع العلاقات والاتصالات بين مسؤولي البلدين وبروز اللغة الاتهامية من الجهة اللبنانية في مقابل بروز السياسة السلبية من الجهة السورية.
ويعني ذلك ان العلاقات اللبناني- السورية في صدد الانتقال من مرحلة التوتر والانقطاع الى مرحلة الانفراج واعادة التواصل. وقد حددت سوريا طريقة وآلية استئناف الاتصالات مع لبنان. هي اعتمدت الطريقة الثنائية المباشرة بعيدًا عن أدوار تدخل أو رعاية من جانب طرف، كان أكثرها ازعاجًا لها المحاولة التي جرت عشية القمة العربية وبناء على طلب حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك كي تضطلع جامعة الدول العربية بدور في ملف العلاقات اللبنانية السورية وتضع يدها عليه.
وتبدي سورية رغبة واضحة في ان يتولى الرئيس سليمان شخصيًا هذا الملف في ظل حكومة الوحدة الوطنية التي كانت تنتظر قيامها وتشترطها لفتح ملف العلاقات، أما انها تظهر رغبة في اقصاء الرئيس السنيورة، أقله في المرحلة الراهنة، عن هذا الملف، فيتولاه على المستوى السياسي الرئيسان سليمان والاسد، وعلى المستوى التنفيذي وزيرا خارجية البلدين.
ويستلزم"تطبيع" العلاقات أو عودتها الى طبيعتها بين البلدين مناخات وعوامل مستجدة أبرزها فك الارتباط بين العلاقة اللبنانية السورية ومسألة المحكمة الدولية، بمعنى ان مسار العلاقة غير مرتبط بمسار المحكمة، وان ملف العلاقات لم يعد ينتظر انتهاء المحكمة وجلاء نتائجها. وثمة من يربط مجددًا بين المسارين اللبناني والسوري في مفاوضات السلام التي بدأتها سورية في شكل غير مباشر مع اسرائيل وتحث لبنان لأن يفعل الشيء نفسه، ليصار لاحقًا الى طرح وحل المسائل العالقة والمشتركة وفي مقدمتها مسألة مزارع شبعا في نطاق المثلث التفاوضي الاسرائيلي السوري اللبناني.
وظهر تبدل في طريقة التعاطي السوري مع لبنان في الأشهر والأسابيع الأخيرة، وترجم في مساعدة لولادة اتفاق الدوحة وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وفي التعهد بإرساء علاقات دبلوماسية. وهذا التبدل في السلوك السوري قوبل باهتمام وثناء المجتمع الدولي الذي بات ينظر في شكل جدي الى تحسن العلاقات اللبنانية السورية. ويرى ان دمشق قررت أو بدأت أخيرًا معاملة لبنان في شكل أفضل. ولكن النظرة الدولية تجاه السياسة السورية في لبنان ما زال يغلب عليها الحذر والتحفظ، خصوصًا في ضوء ما يظهره السوريون من تردد وتباطؤ وعدم وضوح في بعض الأحيان.
وعلى الرغم من أن الموقف الدولي والأوروبي تحديدًا بات أكثر ايجابية وانفتاحًا على سورية، ظل مشروطًا بأن تقدم دمشق أفعالاً وان تنفذ تعهداتها وأولها ما يتعلق بالتعهد الذي قطعه الاسد باجراء تبادل دبلوماسي بين بلاده ولبنان. ومن هنا يمكن تفسير الاهتمام الذي يبديه الجانب السوري في مسألة العلاقات الدبلوماسية والبدء باتخاذ اجراءات سياسية في هذا الاتجاه قبل زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدمشق أيلول/ سبتمبر المقبل، على ان تتخذ الاجراءات القانونية والادارية والتنفيذية لاحقا مع وجود عدد من النقاط والمسائل التي يلزمها توضيح، مثل الاتفاقات ومعاهدة الأخوة، أو تتعارض مع واقع العلاقات الدبلوماسية مثل المجلس الأعلى اللبناني- السوري.
شدد وزير الخارجية السوري وليد المعلم على أن موضوع العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا قيد البحث الجدي، معرباً عن أمله في "تفعيل عمل اللجنة اللبنانية السورية للتسريع في موضوع المفقودين اللبنانيين والسوريين وان تصل الى نتيجة في النهاية". وتوجه الى أهالي المفقودين والمعتقلين في سوريا بالقول: "إن من صبر أكثر من ثلاثين عاماً يستطيع أن يصبر ثلاثة أسابيع".
وتزامناً مع وصول الوزير المعلم الى بيروت، نظّم ذوو المعتقلين في السجون السورية والمفقودين تجمعاً في الحازمية، وانطلقوا في مسيرة الى القصر الجمهوري في بعبدا حيث سلموا مذكرة الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان موقعة من 16 جمعية تطالب بحل قضية المعتقلين.