إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3185 الثلائاء 9 فبراير 2010 آخر تحديث  GMT 5:49:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
    

تجاوزنا الإحباط إلى أسوأ وتماهينا مع القبح فاطمة ناعوت: أدباء مكرسون لا يكتبون جملة سليمة

GMT 1:07:54 2004 الثلائاء 15 يونيو

السفير اللبنانية


عناية جابر: فاطمة ناعوت شاعرة مصرية شابة، تتبلور بصمتها الشعرية مجموعة إثر اخرى. وهي كما تبدو، مشاركة فعالة في الحياة الثقافية تمتلك رأيها ووجهات نظرها كما تخوض في الترجمة، وصدر لها مؤخرا <<مشجوج بفأس>> انطولوجيا مترجمة الى العربية من الشعر الانكليزي والاميركي المعاصر، ويضم ما يقرب من خمس وعشرين قصيدة لشعراء معاصرين. عن هموم في الشعر والترجمة والثقافة وإصدارها الجديد، كان هذا الحوار:
ما هي الملامح التي حددت اختيارك لترجمة هذا الكتاب؟
 <<مشجوج بفأس>>، أنطولوجي مترجم إلى العربية من الشعر الإنجليزي والأميركي المعاصر، ويضمُّ ما يقرب من خمس وعشرين قصيدة لشعراء معاصرين. وأظنُّ أن ملمحاً أو ملامحَ بعينها قد حددّت اختياراتي، ولا أزعم أنني تعمدت التعمد كلّه تكريس منهج اختيار محدد، لكن على ما يبدو أن تفضيلاتي الشعرية قد تدخلت في الأمر، فاخترت القصائد التي تتفق ورؤاي في الوجود. ولعلّ الرؤية النقدية التي تمثلّت في مقدمة الكتاب الجميلة التي كتبها الشاعر حلمي سالم قد فنّدت هذا الأمر على نحوٍ أكثر تحليلا فجاء فيها: <<إن ثلاثة ملامح فكرية فنية تربط بين هذه النصوص: أولها هو الطابع الكوزموبوليتاني (...)، والثاني هو الالتزام الفكري والسياسي والاجتماعي (...)، والثالث هو اصطياد الشعر مما لا شعر فيه (...)>>. وربما إذا تبنيّنا تلك الرؤية يتضّح أنني أميل للكتابة عن الإنسان ذاته، بغير التوقّف كثيرا عند نوعه ولونه وعِرْقه وطبقته ودوغماه الفكريّة السياسية والعقائدية، الإنسان والوجود وعلائقهما معاً هو ما يشغلني في واقع الأمر. لأن هموم الإنسان مع الوجود واحدة مهما تباينت جغرافيته وتاريخه. وربما هذا ما جعل <<ديريك والكوت>> شاعري المفضّل الذي أميل إلى ترجمته وكذلك الزنجيّة <<آليس ووكر>>.
ثم ما هي الغاية منه؟
 حين شرعت في ترجمة تلك القصائد لم أكن أحمل هدفاً معيّناً من وراء ذلك. فالترجمة بالنسبة لي طريق وهدف في ذاتِها، قد تندهشين إذا عرفتِ أن الترجمة بالنسبة إليّ هي لون من العلاج أستعيض به أحيانا عن أدوية الاكتئاب. حين أنخرط في الحزن نتيجة أية مؤثرات خارجية أجد نفسي في الترجمة الأدبية، فأنا أتجنب القراءة والكتابة الثقافية وكتابة الشعر وأنا في تلك الحال، لأنها فضلاً عن كونها تحتاج إلى مزاج خاص وصفاء ذهن لإنتاجها، لكنها أيضا لا تحقق لي حال الانخراط التي أنشدها لأنجو من كآبتي. وأجد في الترجمة الأدبية الحل الناجع، لأن بوسعها استلاب تركيزي تماما وإدخالي في شَرَك الضلوع، فلا أستطيع أن أترك مكتبي قبل أن أنتهي من العمل، بما يعني سبع أو ثماني ساعات متواصلة من العزلة التامة عن العالم والآخر، وعادة ما أخرج بعدها طفلا يطلب مزيداً من الحياة.
لهذا كنت أترجم وحسب، إلى أن فاجأني طلعت الشايب بسؤال مباغت: هل لديكِ قصائد مترجمة تكفي لعمل كتاب ويجمعها خيط واحد؟ فأجبتُ: نعم، وصدر الكتاب. طلعت الشايب هو رئيس تحرير <<آفاق عالمية>> التي صدر عنها الكتاب. وهذا الرجل نموذج فريد لمحبٍّ حقيقيٍّ للثقافة يفني نفسه من أجلها، وهذا ليس رأيي وحدي على كل حال.
وفي مجال الترجمة أيضا، انتهيت من ترجمة وإعداد كتاب عن فرجينيا وولف، يصدر قريبا عن المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر، بعنوان <<جيوبٌ مُثقّلة بالحجارة>>. ويضم ترجمةً لقصتها الطويلة <<رواية لم تُكتب بعد>>، وكذا حواراً (تخيّلياً) مع وولف، حوار لم يتم، إذ انتُخب عدد من الأسئلة التي وجهها شباب إنكليزي معاصر لفرجينيا وولف، وقام نخبة من النقاد والخبراء والمحللين النفسيين بالرد عليها اتكاءً على كتابات وولف ورؤاها في الحياة ومن منطلق مرضها العقليّ الذي أدى إلى انتحارها. حوار فانتازي يكسر منطق الزمن والأحداث حيث تجيب وولف عن أشياء لم ترها ولم تعاصرها وهكذا. يضم الكتاب أيضا مقدمة مطوّلة حاولت فيها الاقتراب نقدياً من عوالم وولف الإبداعية وكذلك حياتها ومرضها، وولف الإنسان المعذّب الذي أمتع الملايين. ويراجع الكتاب ويقدمه الدكتور ماهر شفيق فريد، المترجم الأشهر وأستاذ الأدب الإنكليزي بكلية الآداب في جامعة القاهرة.
من يقرأ؟
الأزمة الثقافية وموت القارئ، ما هو موقفك منهما؟
 لا شك في أن الأزمة الثقافية التي يعيشها العالمُ العربي هذه الآونة، ستكون مناخاً خصباً لاستشراء أزمة إبداعية أو لنقلْ أزمة يحياها المبدعون الحقيقيون. فالكتّابُ الجدد يواجهون مشكلةً في إيصال أصواتهم إلى القارئ. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن طبيعة القارئ الحالي ومدى استحقاقه لقلب القارئ. ففي تلك الظروف الدقيقة التي تحياها الأمة، نجد أن نوعا جديدا من القراء قد غَيّبَ النموذجَ الصحيّ للقارئ التقليدي القديم الذي كان يُعدُّ الكتاب أحد أهم مصادر ثقافته ومتعته في آن. ولم يكن يقتصر الأمر على ذوي الدرجات العلمية الرفيعة وحسب، تجدين أجدادنا، ومنهم من يحمل شهادة البكالوريا فقط وربما أقل وقد كوّنوا ثقافةً موسوعيةً رفيعةً حصلّوها من الكتاب، الذي لم تزاحمه آنذاك ميديات أخرى أكثر جذبا وأكثر ضحالة أيضا مثل الفضائيات وسوق الكاسيت الرخيص. ولم يكن من الصعب وقتها انتخاب كتابٍ جيد للقراءة لأن معظم الكتّاب وقتها كانوا على درجة من الرقي وسموق الفكر تجعل معظم ما يكتبون جديرا بأن يُقرأ. اختلف الحال الآن، مات القارئ الحقيقي أو كاد، أو لنقل تحوّل إلى قارئ مؤقت أو غير مدرَّب ولا يحفل إلا بالكتاب الاستهلاكي السريع الهضم. ولهذا أسباب عديدة ليس أولها انهيار النظم التعليمية والتثقيفية في البلاد، واختلاف مفهوم الثقافة وأهميتها بالنسبة للنشء الجديد. لكن أخطر الأسباب هو اختلاف الكاتب ذاته، ولا أنكر أن في الوطن العربيّ الآن رموزا أدبية وفكرية رفيعة، ولكن وجودهم إلى جوار آلاف الكتّاب المتوسطين جعل الحصول على كتاب جيد بسهولة أمراً مشكوكاً فيه. ولن أعزو هذه المشكلة إلى سهولة النشر الآن، فتلك ميزة بالطبع لا يجب تحميلها تبعات المشكلة، لأن الاستراتيجي المدروس إذا نُفِّذ عبر تكتيكٍ خاطئ لا ينتج إلا نتائج سلبيّة. لكن الشاهدَ أن غيابَ حركة نقدية صحيّة، تفرز الغثَّ من السمين، زاد الأمر ارتباكا.
تجدين على صدر كل كتاب صادر عن مؤسسات الدولة أسماء كثيرٍ من الكتّاب المفترض أنهم لجنةٌ استشارية قرّرت أن هذا الكتاب يستحقُ النشر، لكن أحداً من هذه اللجنة لم يقرأ المخطوطة قبل أن تصير كتابا، وأنا أتكلم من واقع تجربة، فقد صدر لي كتابان عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ورحت بنفسي أهدي كتابي لبعض الأسماء المكتوبة على ترويسته وانتبهت إلى أن أحدا منهم لم يقرأ بل لم ير المخطوطة من قبل. إذاً غياب لجان القراءة ومن بعدها غياب الحركة النقدية جعلا سوق الكتب عامرا بإصدارات لا تستحق الورق والمال الذي تكلفته فضلا عن استحقاقها عناء القراءة. من هنا بدأ القارئ ينسحب ويُستقطب نحو مجالات أسهل لا تكبّده عناء البحث عن الجيد لكنها من جهة أخرى تستلب من جوهر مكوّنه المعرفيّ فكانت الأزمة الثقافية المروّعة التي نحياها.
على الجانب الآخر، ثمة مواهب حقيقية تجد عناءً في الوصول لدائرة القارئ إن كان ثمة قارئ وهنا يلعبُ الحظُّ لعبته، وأنا أكره هذه المفردة التي لا أجد لها مدلولاً منطقياً. وأعيد الكرةَ مجدداً لفقر وتكاسل الحركة النقدية التي من أول واجباتها التنقيب والبحث عن المواهب الحقيقية والعمل من أجلها ومن أجل القارئ معاً. الحركة النقدية الواعية التي من المفروض أن تلمَّ بكل كلمة تكتب في كل صحيفة وكل كتاب، ثم تعمل كمصفاة تفرز التبر من التراب وتوقف نزف الترهات والعبث الذي نقرأ كلّ يوم. يمكنك بسهولة أن تجد أدباء مكرسة أسماؤهم يفشلون في إقامة جملة عربية سليمة (ومبررهم أن الإبداع لا علاقة له باللغة)، ومع هذا تفرد لهم الصفحات لأن لهم علاقات وعلائق مع القائمين على دورية ثقافية ما، وفي المقابل أعرف كتّاباً حقيقيين قطعوا ويقطعون آلاف الكيلومترات الأوديسيوسية من أجل نشر قصيدة أو قصة في منبر ما.
اسوأ من الاحباط
عدا عن العموميات، ما هي همومك الثقافية الخاصة؟
 عن همومي الثقافية الخاصة فهي خيبة أمل ضخمة اعتمرتني بعد دخولي عالم النشر، فأنا، كما تعلمين، أكتب منذ أمد بعيد على هامش العمل الهندسي لكنني لم أفكر في النشر إلا منذ سنوات قليلة، تلك السنوات التي اكتشفت فيها كمَّ الأمراض الثقافية التي نحياها والتي جزء كبير منها، المثقفون ذواتهم مسؤولون عنها، وليس فقط الأحوال السياسية والمناخ العام الآخذ في التحلل، وكأن المثقف يسهم بمعول في الهدم. كنتُ قديما أتصور الكاتب نصف إله، لأنه من ينظّر للبشر ويكتب لهم حياتهم، ويصحّح مساراتهم. فهو كائن لا يخطئ ولا ينبغي له الخطأ. أعلم أن تلك النظرة المثالية هي نتاج لفقرٍ ما في المعرفة أو الخبرة، ولا أدعي العكس، لكنني أعترف بأن اتساع معرفتي وخبرتي قد جلب لي الحزن، وكم أحلم بأن أعود للجهل الذي هو عمود الطمأنينة، حسب النفري، فصدمتي في المثقفين والكتّاب لم تجلب لي إلا الألم. الكلام حول هذا الأمر يحتاج إلى صفحات وصفحات ولكنني أوجزه في قشرة بندق كما يقول الإنكليز بقولي إن همَّ المثقف لم يعد الثقافة والكتابة والارتقاء وحسب كما ينبغي له، لكن شغلته أمورٌ قشرية كثيرة ألهته عن الحراك الحقيقي الذي هو منوط به، وقد نقول إن تلك ردّة فعل مباشرة لحال الإحباط والتأزم التي يحياها، ولكنني لا أعفيه من غفلة الوقوع في الشرك. قال لي مرة أحد الشباب مبررا كونه لا يقرأ، <<نحن محبطون!>>، لكنني أرى أننا تجاوزنا مرحلة الإحباط إلى ما هو أسوأ، نحن في مرحلة تشبه التماهي مع القبح. الإحباط مرحلة مهمّة لأنها تسبق الثورة، وهذا استنادا إلى عجلة الحراك التاريخي، فكل ثورة حقيقية ساهمت في تغيير شامل سبقتها مرحلة من الإحباط والانكسار، لكن تخطي تلك المرحلة إلى نقطة الالتقاء والتماهي يخلق المحنة الحقيقية وينتج درجة من السعادة والاتساق مع واقعٍ مأزوم، وأحسبُنا وصلنا تلك النقطة، وأرجو أن أكون مخطئةً في تلك التصورات العدميّة.
لكننا نكتب، لنا في الكتابة حياة يا أولي القلم، إن جاز القول. فلا حيلة أخرى لنا سوى الكتابة التي قد تكون في بعض الأحيان معادلاً للحياة أو الموت.

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By