GMT 22:29:02 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا

رأي

المواطنة وحقوق الإنسان في سورية
غسان المفلح

GMT 13:45:00 2006 السبت 16 ديسمبر

بمناسبة ذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

إن مراجعة الفكر الإنساني لنفسه مسألة دائمة في هذا الفكر نفسه لكي يتجدد بتجدد الحياة نفسها. الحياة التي أيضا لاتقف عند فكر إنساني بعينه بل دوما هي في حالة من التجاوز والتجديد.

إن الفعل النسبي في عمل هذه المنظمات خصوصا في مجال فضح انتهاكات هذه السلطة يجب أن يجعلنا نقر بأن التربة المهمة لقيام عمل حقيقي من أجل حقوق الإنسان حرفي ومهني بالآن معا يتطلب جوا ديمقراطيا. ومجتمعا مدنيا منفتحا. وهذا غير متوفر في سورية. نتيجة لحالة تركز سلطة القمع وتفكك وجود المجتمع. لأن أي تركز شخصاني للسلطة يكون عادة على حساب تماسك المجتمع
وهذا ليس على مستوى الشعوب والدول بل على مستوى الأفراد أيضا. لكن في عالمنا هذا بات هنالك ما يمكن أن نسميه : مؤسسة هي حصيلة لتجربة البشرية قبلها وحماية للبشرية بعدها كي لاتعود لتمر في نفس التجربة السابقة عليها. وهي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وماترتب على نشوءها من عهود ومؤسسات أخرى لرعاية تطبيق ميثاق هذه المؤسسة وشرحه ونشره كثقافة لم تعد تخص المثقفين والرواد بل تخص كل مواطن فرد في هذا العالم،. والدلالة الأولى لهذا الحدث أيضا أن من أصدره هي مؤسسة كانت جديدة على تاريخ البشرية وهي الأمم المتحدة. ليحل القانون محل العرف على مستوى علاقة الفرد بالتجمع الذي ينتمي إليه أو يعيش فيه لا فرق !ولتحل الثقافة الحقوقية هذه مكان الثقافات الشعبوية سواء منها المكتوب أو الشفهي من أجل أن يحسن الفرد حياته / هذا الأمر هو الذي أنتج المواطن في العالم الغربي فهو عبر صوته الذي يصل يستطيع وبالقانون تحسين معيشته والحد من فساد القائمين عليها، لا بل إنهاء حياتهم السياسية بمجملها. ونحن إذ نتعرض لبعض المزايا من هذه الثقافة فالغاية التأكيد على أنها ثقافة لم تولد بالفطرة مع الإنسان بل هي ثقافة اكتسبتها البشرية عبر تجربتها الطويلة والمريرة في الصعود نحو النيرفانا ـ هيغل ومغامرة العقل عموما والأوروبي خصوصا ـ ويكتسبها بالتالي الأفراد أيضا في طور نموهم في مجتمع تشكل ثقافة حقوق الإنسان منهلا من المناهل التي ينهل منها الفرد في طور تكونه كمواطن داخل مجتمعه. والاجتماع بحد ذاته هو فعل عقلاني وإرادي بالدرجة الأولى وليس فعلا فطريا.


[ شكل الإعلان منذ صدوره حَدَثاً، لذلك كان مثار جدل التيارات والاتجاهات الفكرية والأيديولوجية المختلفة، إذ لأول مرة يتم وضع نصٍ كوني أو عالمي يجعل الإنسان مرجعيةً مطلقة له، بغض النظر عن جنسه وإقليمه ودينه وعرقه. وعلى رغم غياب الصفة الإلزامية لهذا الإعلان فإنه استمدَّ قوته من صبغته الأخلاقية وهو ما ترك أثره على الكثير من الدساتير الوطنية والقوانين الداخلية. واعتُبر الإعلان ومنذ صدوره بمثابة الأساس وليس كل البناء، وهو ما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة الى الطلب بأن يعقب هذا الإعلان ميثاق أو اتفاقية تحدد تفصيلاً وبصورةٍ ملزمة الحدود التي يجب على الدول أن تتقيد بها في مجال تطبيق الحقوق والحريات، وإنشاء نوعٍ من الإشراف الدولي أو الرقابة الدولية على هذا التطبيق، لكن هذا للأسف لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ.


وجرى الإعداد لاحقاً لاستصدار العهدين الدوليين وتمت تجزئتهما في شكل ميثاقين انطلاقاً من الاختلاف في طبيعة الحقوق، فالحقوق المدنية والسياسية لصيقةٌ بالإنسان، بينما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ظهرت بعد ذلك استجابةً لمطالب الحركات العمالية والتيارات الاجتماعية، ودخل العهدان حيز التنفيذ عام 1976
ما يهمنا في هذا الاستعراض السريع هو أن المواطنة وحقوق الإنسان إنما هي بشكل لم يعد يقبل الجدل محايثا ثقافيا وقانونيا من جهة ومحايثا لوجود الدول و المجتمعات المعاصرة. وهذا يقودنا في المؤدى ألخير للبحث في قضية طالما أن المتتبعين للشأن الحقوقي وحتى السياسي لا يعيرونها الأهمية الكافية وهي إرادة السلطة في هذه المجتمعات والدول وقضية حقوق الإنسان وهذا هو ما سنركز الجهد عليه في هذا المقال. تبدد السلطة وتذررها وتماسك المجتمعات على عقدها الاجتماعي وحقوق المواطنة. هذا هو العنوان الأكيد لما تقتضيه ثقافة حقوق الإنسان وما تسعى إليه بشكل أو بآخر. تركز السلطة وتذرير المجتمع جهويا / لدرجة أن وحدة هذا المجتمع مرهونة بوحدة هذه السلطة المركزة وديمومتها.


وانطلاقا من هذه المقدمة نجد أن القائمين على قضايا حقوق الإنسان في سورية رغم نشاطهم الدائم وما يتعرضون له من اضطهاد وسجون ومنع سفر وحصار له أول ما له آخر، فإنهم على العموم ينطلقون من مصادرة يعتبرونها قائمة في سورية وهي أن هنالك مجتمع ودولة ومواطن له حقوق ! ولكنها منتقصة أو تتعرض للانتهاك بين الفينة والأخرى كما يحدث في أي مجتمع ديمقراطي غربي أو غير غربي. وبالتالي وجود هذه المنظمات يجعل المطالبة بهذه الحقوق المنتهكة وإرجاع الحق لصاحبه أمر ممكنا في سورية !؟ ــ سبق أن قدمت دراسة صغيرة حول هذا الأمر ومنشورة في العدد الثالث من مجلة إمارجي التي كانت تصدر عن لجان الدفاع عن الديمقراطية والحريات في سورية بعد خروجي من السجن بأشهر في العام 2000 على ما أعتقد. نفس هذا السؤال أعيده الآن؟


إن الفعل النسبي في عمل هذه المنظمات خصوصا في مجال فضح انتهاكات هذه السلطة يجب أن يجعلنا نقر بأن التربة المهمة لقيام عمل حقيقي من أجل حقوق الإنسان حرفي ومهني بالآن معا يتطلب جوا ديمقراطيا. ومجتمعا مدنيا منفتحا. وهذا غير متوفر في سورية. نتيجة لحالة تركز سلطة القمع وتفكك وجود المجتمع. لأن أي تركز شخصاني للسلطة يكون عادة على حساب تماسك المجتمع.


في حالتنا السورية لكون الإنسان المرادف للمواطن غير موجود من زاوية الحق في السلوك العملي لأجهزة السلطة. بالتالي يصبح الهم الحقوقي الإنساني متركز على الحقوق السياسية بالدرجة الأولى. والدليل أن كل نشاطات منظمات حقوق الإنسان تنحصر في زوايا هذا الهم أو طبيعة السلطة هذه هي التي تبقيها في هذه المنطقة. لأنها مجرد أن تكون سلطة مركزة فهي تصادر الحق السياسي. أليس وجود معارضة علنية تنزل إلى الشارع ولها حق التظاهر والتحزب وحرية الرأي هو سلطة مذررة ؟ والتي هي عكس السلطة المركزة التي تكون عادة على حساب كامل النشاط السياسي في المجتمع والذي يهدف في غايته النهائية إلى استلام السلطة من أجل تطبيق برامجه السياسية والتنموية. فحتى البعثي في سورية عندما يصادر حق من حقوقه البسيطة لا يستطيع أن يطالب به علنا!

لهذا علينا إيجاد الديمقراطية في سورية كي نوجد الإنسان بما هو فعل مكتسب وعندها يصبح العمل في مجال حقوق الإنسان عملا حقيقيا بالمعنى الحرفي والقانوني للكلمة.

*عودة لدراسة مهمة لمجموعة من الناشطين العرب في مجال حقوق الإنسان. السادة اليازمي وحسن وزيادة والجندوبي في موقع إعلان دمشق.


غسان المفلح