|
كنت من أوائل، ربما، من انتقد فكرة إنشاء قناة " العربية " الفضائية، في مقال قد يمكن اعتباره شهيرا ً ( " بؤس العربية ومنبع ادعائي شهرة المقال، أنني دفعت ثمنه على أكثر من صعيد. ولا أدل على ذلك من حذفه من أرشيف أغلب المواقع التي نشر فيها، ومنها " إيلاف " ! ولست أذيع سرا ً إذا قلت أن ما انتقدت " العربية " عليه، ليلة انطلاق بثها، ما زال قائما ً، لكن هل هذه القناة، وحدها، من يستحق الرجم بحجر ؟ هل استطيع الزعم، بأنه ليست ثمة قناة تلفزيونية، أو بشكل أعم وسيلة إعلام، تتمتع بحيادية مطلقة، إزاء أي موضوع أو حدث أو قضية، تخرجها من إطارها التمثيلي لمصالح وغايات الجهة التي أنشأتها ؟ بكلمة أخرى أوضح : هل هنالك وسيلة إعلام نعرفها، تعبد الحياد المهني، الحـِرَفي، المطلق، ربّا ً لا شريك له، حتى لو كان هذا الشريك كناية ً عن المصالح الطبقية والطائفية والقومية والمناطقية والشخصية، للجهة الراعية أو الداعمة أو القائمة على المشروع الإعلامي ؟ لا أجيب، في العادة، على الأسئلة المثارة. ولو سمحت لنفسي بالإجابة، فقد تجاوزت على دور القارىء ووظيفته وحقه. تلخص نكتة سياسية " حياد " وسائل الإعلام الأميركية، مثلا ً، إزاء قصة ما تعرف بالحرب على الإرهاب، فتقول، ضاحكة ملء شدقيها إنه : كان ثمة رجل يتمشى في حديقة في نيويورك. رأى فجأة ً كلبا ً يهجم على فتاة صغيرة. هرع إلى الفتاة وباشر قتاله مع الكلب حتى صرعه وأفلح في إنقاذ الفتاة من براثنه. بالصدفة، كان هناك شرطي يراقب الموقف، وقد شهد ما حدث بحذافيره. جاء الشرطي إلى الرجل وأثنى على فعله الشهم قائلا ً : سلمت يداك يا بطل ! مضى الشرطي يقول : ستخرج صحف الصباح غدا ً بهذا المانشيت العريض : " رجل شجاع من نيويورك ينقذ حياة فتاة صغيرة " قال الرجل مقاطعا ً : لكنني لست من نيويورك. الشرطي واصل : حسنا ً.. سيكون المانشيت : " أميركي شجاع ينقذ حياة فتاة صغيرة " عاد الرجل إلى المقاطعة : غير أنني لست أميركيا ً. تأفف الشرطي وسأل : من تكون إذن ؟ أجاب الرجل : مجرد باكستاني. ظهرت المانشيتات العريضة، في صحف الصباح التالي، على الزي الموحد التالي : " متطرف إسلامي يقتل كلبا ً أميركيا ً بريئا "... ( النكتة مقتبسة من كتاب : النكتة السياسية، لعادل حمودة، الفرسان للنشر، القاهرة، ط 3، يناير / كانون الثاني 2003 ). وإذا كانت هذه النكتة، مجرد نكتة، فإن وكالات الأنباء الغربية، وهي المزود الرئيس بالأخبار والتقارير لمعظم القنوات التلفزيونية والإذاعات والصحف في العالم، على وضع ٍ، أنت الوحيد الذي يمكنك تحديد مدى قربه أو بعده عن الحياد، من خلال المثال التالي : لا تخصص وكالات الأنباء هذه من نشاطها اليومي سوى 20% فقط لتزويد الآخرين بأخبار مجتمعاتها الصناعية ( والمفترض أنه نشاطها الأساسي ) في حين أنها تخصص 56 % من نشاطها الإعلامي لأخبار الدول النائمة، التي توزعها بالدرجة الأساس بين أبناء هذه الدول ذاتها. ويقول الدكتور مرعي مدكور، الذي ينقل هذه الأرقام في كتابه " الصحافة الإخبارية " ( دار الشروق، القاهرة، ط1، 2002، ص 75 ) إن الوكالات الغربية للإنباء تلعب دور الوسيط الأجنبي الذي ينقل إلينا أخبار جيراننا وإخواننا، ولبيان خطورة هذا الوسيط، علينا أن نعرف ان 87% من أخبار الاضطرابات والكوارث التي تبث من وكالتي رويترز و أ.ف.ب خلال فترة معينة كانت خاصة بالدول النامية، أما الأخبار العلمية فقد حصلت الدول الكبرى على 90% منها، في ذات الفترة كما يبدو. ولتصور حجم الحيادية في وسائط الإعلام الغربية، مثلا ً أيضا ً ( ومبعث هذا التمثيل أن هذه الوسائط توصف بالمحايدة عادة ) يمكن لكل منا العودة إلى مايحتفظ به أرشيفه الشخصي ( ذاكرته ) من صور للحياة في الغرب، رسمتها تلك الوسائط عينها. فمنذ أمد بعيد رسخت تلك الوسائط في عقولنا وأذهاننا فكرة الغرب الذي لا يقهر. الغرب الشهم. الغرب المتحضر. المتطور. الجبار كشمشون، والقوي كطرزان. وكانت مجلات من مثل " الحياة في أميركا " و " المختار من ريدرز دايجست " و " هنا لندن " رائدة في التبشير المحايد والموضوعي جدا بفكرة الغرب الذي لا يقهر و لا يهزم، والمتحدي للمخاطر والخطوب والمحقق للمعجزات، من خلال قصص فردية بالغة الإثارة والتشويق والسلاسة لأناس أبطال يواجهون الصعاب وينتصرون عليها، فضلا ً عن استعراضات لإنجازات علمية و اقتصادية وإلخ... وظلت هذه الفكرة يتم ترسيخها حتى من خلال أفلام مثل عالم عجيب وقصص غريبة وعمليات إنقاذ قطة وغيرها كثير. وعلى أساس هذه العملية الإعلامية المعقدة والمركبة والتي نذرت لها افضل العقول، صار عند ناسنا شعور بأنه لا يمكن أن يصمد – مثلا ً – أي مرض أمام العلاج في لندن ؛ لندن ذاتها التي بترت فيها قبل أسابيع ساقا إحدى معارفنا بسبب تلوثهما أثناء عملية جراحية في مستشفى لندني، ورغم ذلك، فحينما يقول من لم يرزق بطفل مثلي إنه جرّب العلاج في لندن الجبارة هذه ولم ينجح، يقال له وكيف لا يمكن للندن أن تعالج مريضا ً ! ذكرت الإعلام الغربي ولندن و... لأن الزميل القديم ياسين مجيد، جار رئيس الوزراء نوري المالكي في عمارة " مطهري " بطهران سابقا ً ومستشاره الصحفي الحالي، والذي قيل أنه السبب وراء إغلاق مكتب" العربية " ببغداد، كان يدافع على الدوام، في مكتبنا بطهران، عن حيادية وأسلوبية ومهنية هذا الإعلام، قبل أن تنقضي أيام " المزَبـَّن " في " الجهاد " و " الأحداث " و " الوحدة الإسلامية " ويشق طريقه عبر مذيع طهران الأردني علي أسعد و دعم المخابرات الإيرانية إلى أروقة البي بي سي. وبالمناسبة وما لكم يمين علي ّّ : لا يمكن لأي مراسل صحفي ( خاصة إذا كان عراقيا ً و حتى لو حمل الجنسية الإيرانية كالزميل مجيد ) أن يعمل يوما ً واحدا ً في طهران، دون " تنسيق " مع المخابرات الإيرانية. ويعني هذا التنسيق المرور بالفلاتر المتعددة التي تصنع من الإنسان آخر. يستوي في هذا الذين يعلمون والذين لايعلمون. وكل الأمثلة التي عندك مرت وتحولت واستحالت، من المنظـِّر النحرير محمد صادق الحسيني، إلى نسيبه غسان بن جدو، إلى الزميل المظلوم فيما بعد نجاح محمد علي، إلى جميع اللبنانيين والبحرينيين والعراقييين ومن سائر الملل والنـِحـَل.. الله كفيلك ومحمد وكيلك ! إنه " الحياد " لكن بشكله الإيجابي المزعوم، على طريقة المرحوم عبد الناصر وزميليه تيتو ونهرو ! و ليست " العربية " بدعا ً، في السوق الإعلامية العربية أيضا. ووسائل الإعلام العربية تستأهل حقا، أن يضحك منها المرء حتى " تؤلمه عظام صدره "، على حد وصف الأديب الراحل نجيب محفوظ لما كان يجري في سهرة " الحرافيش " التاريخية من ضحك متواصل إزاء الفن والسياسة ( النكتة السياسية، ص 212 ). فقناة " الجزيرة " التي تبث من قطر، مثلا ً، أيضا ً وأيضا ً، على اعتبارها المنافس الأول لـ " العربية "، أو على اعتبار " العربية " المنافس الأول لها، والمنشأ لمواجهتها أصلا ً، محايدة تماما ً وباحتراف مذهل إزاء الشأن القطري الداخلي. ذلك لأنها لاتتناوله أساسا ً. وهي لا تتعب المشاهدين بأخبار قطر الداخلية، على خلاف جميع القنوات العربية التي تبدأ نشراتها بأخبار الرئيس أو الملك أو الأمير، التي تستغرق ساعة أو ساعتين فقط، من أصل النشرة التي تستغرق نصف ساعة ! والبادي، أن القناة التي تبث من الدوحة لا تجد في أخبار الصراعات على السلطة، بين أمير سابق و أمير حالي، ونساء سابقات ونساء حاليات، وأبناء عاقين وأبناء بارين و إلخ... في شبه جزيرة صغيرة، أمورا ً تهم المتلقي العربي في الحواضر والبوادي الكبرى من قريب أو بعيد، فالذي فيه مكفـّيه... وفي الشأن العراقي، تعتبر حيادية الجزيرة مضربا للأمثال. فهي إذا استضافت عراقيين مناوئين للوضع الحالي، لم تفرض عليهم أية قيود – حتى الأخلاقية منها - تحد من حرية التعبير. فالواضح أن الحرية لا تتجزأ، وكما أن من حق الإنسان أن يتحدث بحسن أدب، كذلك من حقه أن يتحدث بسوء أدب، ماداما تعبيرين مختلفين عن حرية واحدة... يصف " معجم وسائل الإعلام وبحوث الإتصال " ( Dictionary of Media and Communication Studies، J Watson & A Hill، Hodder Arnold، London، 7th edition، 2006، p 7 ) قناة " الجزيرة " بأنها صاحبة الرؤى والتحليلات المختلفة التي تتحدى الرقابة إذا ما تم تهديدها، لكنه لا يستدرك بالقول، إن الرقابة المعنية ليست القطرية ولا البريطانية.. بكل تأكيد...
عيون الكلام : أمسك لسانك عمـّن إذا شاء أطلق عليك لسانه.
alaalzeidi@hotmail.com
|