نجد أنفسنا دوما نعود للوضع العراقي. فما يسمى المقاومة هو بالضرورة كان استثمارا خاسرا سياسيا لو أن هنالك طبقة سياسية ديمقراطية وتؤمن فعلا بدولة مدنية ! لأن الخلل الأمني والعنف المتفشي كان يمكن إيجاد حلا له لو أن من مصلحة الطبقة السياسية الحاكمة إيجاد مثل هذا الحل، ولكنها هي نفسها تعتاش على هذا الاستثمار الذي له وجهين: ديني ـ إسلامي ـ وطائفي شيعي سني.
إن إيران والإسلام السياسي العربي ليس لديه حقلا يستثمر فيه سوى الحقل الديني والطائفي ! وهذا الحقل يستتبع مباشرة تأمين وسائل القوى المادية ـ السلاح ومنه المشروع النووي الإيراني الذي يشبه كثيرا دوافع المشروع النووي الإسرائيلي ـ بعد كل هذه التوظيفات الرمزية للبعدين الديني والطائفي في محاولة هذه القوى الإستيلاء على السلطة في المنطقة.
اللغة الإيرانية يمكن اختصار ترميزتها الأساس بالشعار التالي: في فلسطين نحن مسلمون وفي العراق ولبنان نحن شيعة. حول هذه الدائرة تدور الدوائر ـ الحرب ـ فالحرب هنا استثمار طويل المدى. سواء أخذت وجها دينيا ـ مسلمين وصليبين ـ أو وجها طائفيا شيعة وسنة. وهذه الحرب في الأولى مع الغرب وفي الثانية داخل المجتمعات العربية نفسها. لهذا الإسلام السياسي العربي يجد نفسه دوما في مأزق: هو يناضل في دوله ضد الديكتاتورية ويقوم بنفس الوقت بترميز صدام حسين والأنظمة التي على شاكلته ! كيف هذا السؤال يجد حجته الأكثر حضورا في أن الأولوية هي ضد المشروع الغربي الصهيوني ! وهذا يذكرني ببيان لجماعة الأخوان المسلمين في سورية والذي عنوانه الأمة في خطر بين المشروعين الفارسي والأمريكي. في تعليقهم على ما يجري في لبنان. فتنظيمات الأخوان المسلمين في العالم العربي موقفها عجيب من هذه القضايا: تناصر حزب الله وتتحالف مع إيران وسورية من جهة ومن جهة أخرى ترمز المقاومة العراقية وصدام حسين من جهة أخرى. فهي بحاجة لاستثمار رأس مالها الوحيد وهو: الرأسمال الديني فهي ليس لها برنامج دولة لادينية مطلقا مهما حاولت حتى هذه اللحظة أن تقنعنا بعكس ذلك. يستثنى نسبيا جماعة الأخوان المسلمين في سورية ـ فهؤلاء لهم بحثهم الخاص لكونهم لازالوا خارج التنظيم العلني من جهة ـ كالمغاربة واليمنيين وحماس والخليجيين..الخ وعملهم المعارض الطويل نسبيا جعلهم أقرب لتبني طرحات حقيقية حول الدولة المدنية من جهة أخرى. ويبقى السؤال مشروعا:
إلى أي حد تجذر مفهوم الدولة المدنية عند جماعة الأخوان المسلمين في سورية ؟
أما بالنسبة لإيران: فوضعها مختلف عن البقية لأنها كتنظيم ديني هي في السلطة وفي السلطة المطلقة. وهي تستثمر رساميلها الطائفية والدينية من أجل مشروعها السلطوي سواء أخذ وجها دينيا طائفيا أو أخذ وجها فارسيا المسألة سيان. لأنه بالمؤدى الأخير يتحرك وفق أجندة هي في مضمونها عنصري. لأن أي استثمار ديني أو طائفي في المنطقة وفي حقلها السياسي سيأخذ بالضرورة بعدا عنصريا وعنفيا في الآن معا. فهي في قاعدتها الشعبية مبنية على استمرار الإزدحام الشعبي حول مرقد ولاية الفقيه. أو ولاية التيار القومي الفارسي المتداخل الآن مع التيار الديني هناك.
في لبنان إيران لها مطالب حول المحكمة الدولية ! وفي فلسطين لها مطالب عن كيفية تشكيل حكومة وحدة وطنية هناك ! في العراق مطالبها محققة بشكل كبير لهذا هي في حالة مساومة ضمنية مع الأمريكان في العراق. بعد هذا يتضح أن لإيران استثماراتها الأساسية:
الصراع العربي الإسرائيلي بوجهه الديني وداخل المجتمعات التي تبحصث فيها عن نفوذ ولا يوجد فيها أقلية شيعية، أما في المجتمعات التي يوجد فيها أقلية أو أكثرية شيعية فاستثمارها يأخذ بعدا طائفيا. وقبل أن نختم هذا القسم يبقى سؤال: أين موقف القوى العلمانية من هذا الأمر ؟
غسان المفلح