تآكل المشروع الأميركي وتضعضع مكانة وهيبة واشنطن في المنطقة. هذه هي النتيجة التي نستطيع الخروج بها عندما نتأمل في الإنقلاب الأخير الذي نفذه "حزب الله" ضد الدولة والمؤسسة والشرعية اللبنانية. بمجرد إطلاق بعض الساسة اللبنانيين لبعض الكلام حول شبكة إتصالات الحزب المخترقة لمؤسسات الدولة، حتى جاء الرد تحركاً سريعاً على الأرض قلب الأمور رأساً على عقب ووضع الكل أمام الأمر الواقع.
ثمة هنا أيضاً إشارة، وهي أن تحرك مسلحي "حزب الله" جاء سريعاً، منظماً، مباغتاً وكأنه تنفيذ لخطة موضوعة كانت تنتظر ساعة الصفر. ومهد لهذا التحرك تصريحات أدلى بها زعيم الحزب حسن نصرالله في مؤتمره الشهير ذاك، حيث كرر مراراً عبارة" الوضع هلق تغير"، ليبرر بها الوثبة الجديدة على مقاليد السلطة في البلاد ووضع الجميع أمام "المتغير" الذي احدثه بقوة السلاح.
اقتحام بيروت وتطويق معاقل اركان الحكم في اكثر من موقع وجهة، كان أيضا امراً لافتاً في الوثبة السريعة والخاطفة ل"الشباب". لقد أراد "السيد" أن يفهم كل واحد حجمه وإنه فعلاً صاحب الكلمة النهائية في البلاد والقادر على الفصل في القول والفعل، رغم "طولة البال" التي أظهرها مع جماعة الحكم، كرماً لخاطر " الديمقراطية" و"الشرعية" و"إتفاق الطائف". لكن في "ساعة الجد" ثمة كلام آخر وفعل آخر. وهذا ما حصل في التصريح غير المسبوق وفي الفعل غير المسبوق أيضاً.
التحرك الأخير وتقتيل الخصوم وحرق مراكز الفرقاء دل على تجاسر الحزب على اختراق كافة التوازنات الراهنة. دل كذلك على إستهتاره بكل من يحيط بالمنطقة ويظن نفسه لاعباً أساسياً فيها. كما دل على تنظيم قوي وقبضة أقوى تضرب أي شخص/جهة وفي أي مكان كان من مساحة لبنان.
الإستهتار هذا يطال الأميركيين قبل غيرهم. المشروع الأميركي كان لابد له ان يصطدم ب"حزب الله" قبل اي جهة اخرى، إذما بدأ فتيل الأزمة بالإشتعال. وهذا ماحدث الآن. ويبدو ان الحزب، ومن وراءه سوريا وإيران، اختار طريق التصعيد والضرب إستباقياً وبقوة وبطش لافتين، في أول "بادرة غدر" تلوح من جانب الفرقاء ومن يقف خلفهم...
تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش الأخيرة لقناة" العربية" لم تكن قوية وحازمة في مواجهة إنقلاب "حزب الله" الأخير. بوش أراد "الحوار بين اللبنانيين" وتحدث عن "الوطنية" التي كان يجب على "حزب الله" إحترامها قبل تنفيذ اجندته المكبوتة تلك. هذا الكلام لايساوي شيئاً في ميزان القوة في منطقة كمنطقة الشرق الأوسط، حيث اللعبة في الأساس إقليمية كبرى تعتمد على القوة والردع قبل أي شيء آخر. اعتقد ان كلام بوش كان إرتجالياً ومرتبكاً، وهو أربك ايضاً حكومة فؤاد السنيورة وجميع قوى الموالاة بقدر ما شجع قيادات الفريق المهاجم على متابعة المسيرة والمضي قدماً في ترسيخ سياسة الأمر الواقع وفرض "قدسية" سلاح المقاومة بقوة السلاح. لااعتقد ان اقتراب المدمرة كول من سواحل بيروت ستغير في الأمر شيئاً. التراجع الأميركي امام وثبة "حزب الله" يدل على عدم استقرار واشنطن على كلمة فصل في شأن التعامل مع طهران ودمشق وجماعتهما في "حماس" و"حزب الله". مازال البحث جارياً في أمر التعامل مع (محور الشر) في الشرق الأوسط، ولم يٌحسم في القضية بعد.
الإنقلاب الأخير جاء على شكل بروفة تحضيرية للضربة الكبرى حين اعلان اسماء المتورطين في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. حينذاك ستصدر الأوامر بضرب كل شيء وقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع، ويخطأ من يظن غير ذلك من فريق الموالاة المنهمك في تحقيق هدف التهدئة الآن عبر الجيش وبعض الوسطاء.
كل مايحدث الآن هو فقط رد فعل على بعض الكلام عن شبكة إتصالات "حزب الله" وشرعية سلاحه الذي يقاوم به إسرائيل في الجنوب واعداء النظامين السوري والإيراني في بيروت وبقية مناطق لبنان!.
المشروع الأميركي في المنطقة يمر بلحظة ضعف. ثمة وهن واضح في عزيمة واشنطن في شأن تغيير المنطقة والحد من النفوذ الإيراني. الآن سوريا وإيران تتحركان في العراق ولبنان وفلسطين وتحركان خيوطاً اخرى في اكثر من بلد عربي. فإذا كانت أميركا قد قررت المهادنة على أمل عدم التصعيد والتمدد (راهناً على الأقل...)، فهل ستسكت الدول العربية الأخرى في (محور الإعتدال) على التمدد والتصعيد الإيراني هذا، سيما وانها هي الأخرى صاحبة خبرة لابأس بها في التدخل والتحريك وتشكيل الجبهات الموالية لها على أرض الأرز؟.
طارق حمو
tariqhemo@hotmail.com