علي البزاز من امستردام:مشاهدة التلفزيون تختلف عن مشاهدة السينما، يومية وتكاد أن تكون رتيبة دون طقوس أو عناء، يتكفل الزر الكهربائي بنقل المشاهد إلى متعة اللّجة وهي ممارسة فردية أو جماعية / عائلية. التلفزيون عالم مطواع له قدرة هائلة على التكيّف تقنياً وثقافيا وبقدر ما يستقطب جمهوراً متحمسا وعريضا ينشغل دائما بتنويع برامجه وطرق تواصله ( أخبار، أفلام، مسلسلات --- الخ ) بخلاف أحادية موضوعة السينما (فقط أفلام ) التي لا يستعطفها في ابتكار الصورة بل يتكبر عليها في شروطه التي يفرضها على الإنتاج عبر ما يسمى الفيلم التلفزيوني. التلفزيون هو بحق حرباء العصر. كثير من المفكرين والمخرجين من بينهم المخرج -غودار - وقفوا ضد التلفزيون بوصفه مُروّجا للدعاية ومستسهلاً صناعة الصورة وبالتالي ربحوا الخسارة في حين أشتد تحكم التلفزيون بالصورة وبالمشاهد. ورغم هذا لا يمل المرء من العلاقة مع التلفزيون التي تشبه في رتابتها الارتباط العائلي. فقد أصبح التلفزيون أنيساً ومواطنا من أفراد المجتمع. مشاهدة السينما ممارسة إرادية سحرية فيها الكثير من الطقوس والمشقة؛ عناء الذهاب إلى صالة السينما واختيار الفيلم المفضل. يذكر الناقد أ. فوغل ( ان المتفرج يدخل دار السينما برغبة منه ودون ضغط من احد - هذا إذا لم يكن بلهفة - مهيئا نفسه للاستسلام والقبول بما يحدث، وإذا اكتشف ان الفيلم ( سيء ) وان الوهم لم يحقق غرضه فإنه يستاء كثيرا يثور ويلعن، إن المشاهدة تقتضي إظلاما تاما، إذ لا ينبغي إلهاء المتفرج وصرفه عن المستطيل البراق ( الشاشة ) من كتاب quot; السينما التدميرية ترجمة أمين صالح quot;). الأمر برمته هو عكس التلفزيون إذ يلتجأ المرء إليه بسبب ضغط الفراغ أو الشعور بالوحدة أو الحاجة للاتصال بشيء ما ويبقى واعيا بمحيطه ومتحكما ببداية ونهاية المشاهدة من الزر الكهربائي.

استطاع التلفزيون تلافي النواقص والعيوب التي تهدد شخصيته مستعملاً التقنية المتطورة، الكاميرات الرقمية، سهولة عمل المونتاج مقارنة بالماضي إلى البث الحيّ الذي هو محفزنا في هذه المقاربة.
دأبت قناة العربية قبل الأخبار ببث مشاهد تحت عنوان quot; العالم هذه اللحظة quot; يصور بلداناً مختلفة في ثقافاتها، مناخاتها وفي تضاريسها، أماكن تتبرج أمام المشاهد وتعرض نفسها عليه، مناخات إستوائية أو باردة جبال وأراض منبسطة تستعرض زينتها وتتدفق فجأة مما يجعل المتفرج يحس الثلج والدفء الليل والنهار في آن، أبهة تحاكي المرأة في أنوثتها وعطفها على محيطها. هذا الاندماج مع العالم الخارجي وبتلقائية يُراد منه قدر المستطاع القضاء على فكرة من إن التلفزيون صندوق مغلق يتعفن ما بداخله ويطمح كذلك بتصويره في ذهن المشاهد على هيأة كتاب مفتوح يتصفحه متى يشاء، يفزع إليه لتخفيف ضغط نشرات الأخبار أو البرامج المسببة للقلق والصدمة، هذا المشهد ترويحي يستهدف سعادة العين وتلهية الحواس عن الوقوع في بؤرة التوتر، وله غاية أخرى يستطيع التأويل إفشاءها غير بعيدة عن التلويح بالجبروت وبالقوة. فمن غير القوي المسيطر يستطيع أن يجرجر العالم ويضعه أمام المشاهد وبدفعة واحدة ؟. ولعل الكثير من الاشياء تنطوي ضمن مفهوم القوة، منها القدرة المالية التي تسخر هنا من أجل معاشرة البهجة وإشاعة ملامح السيطرة حتى اختيار العنوان quot; العالم في هذه اللحظة quot; لا يفلت من هذه القوة التي تراقب العالم وتقتنص آنيته، تضاريسه وناس ثم تخضعه لمتطلباتها ومآربها. التحكم بصيرورة المكان تتجلى بالصور الملتقطة من علٍ المصاحب للسيطرة والجبروت. العلو المكتسب هيمنته من سيطرة السماء على الأرض وخضوعها لها فيزياويا وعاطفيا.
بعض الصور تتكرر للأسف وتفسد متعة المباغتة والدهشة مما يجعلها تندرج ضمن الروتين اليومي الرؤيوي للعين مثل لقطة الجسر المشهور في أمستردام التي تتكرر دائما بينما مقصد quot; العالم هذه اللحظة quot; هو الإطاحة بالمألوف والرتابة، الجمال كالأنثى لا يكرر نفسه ومثلها في ولادة مستمرة. اللافت للانتباه عدم وجود لقطات من العالم العربي الذي فيه الكثير من المواقع الأثرية والمناطق الخلابة التي تستحق الاهتمام والمتابعة وكأن عالمنا العربي خارج جاذبية الجمال وغير مشارك بفتنته سوى الخراب عالم منفِ عن الحياة وخاضع بكل شيء للهاجس الامني والذي ربما يحول دون هذه اللقطات ويحرم المشاهد العربي من التمتع ببلده فالمانع الامني يفرض السكوت والكلام حتى على التضاريس. القنوات الفضائية مما لديها من قدرات مالية كبيرة وإعتمادها التلفزيون كواسطة ينقاد لمشيئتها دون اي أعتراض مع جرأة طرح المواضيع على خلفية محاباة هذا والنيل من ذاك ستصبح هذه القنوات مستقبلاً كالدول لها طموحاتها، أحلافها وخصوماتها والمشاهدين هم رعاياها

[email protected]