القبلة المنقذة في فيلم للأطفال
دلور ميقري
GMT 7:45:00 2008 الخميس 6 مارس
دلول ميقري: الأفلام الغنائية، ذات النفس الرومانسي، وجدتْ لها مكانًا أثيرًا في سينما "هوليوود"، وخصوصًا في الحقبة الكلاسيكية. آنئذٍ، كان هذا النوع من الأعمال ذا شعبيّة، غامرة، لدى المُشاهدين وعلى مختلف سوياتهم الإجتماعية كما ومدارج أعمارهم. وعلى هذا، نتفهّم حقيقة إنعدام التخصص، في ذلك الزمن، بشأن أفلام الأطفال الروائية والإستعاضة عنها بأفلام الكارتون؛ وتحديدًا، تلك المتسلسلات، المعروفة، من قبيل "ميكي ماوس"، "توم وجيري"، "باباي"... وغيرها. الفيلم الغنائيّ، إذًا، مُسْتنابُه الطفولة؛ ثمة، أينَ الحكاية البسيطة التفاصيل، والحوارات الخفيفة المَحْمَل، والمَشاهد الحالمة والمُتماهية بالألحان العذبة والأصوات الشجيّة. روح الدعابة، تطغى على ذلك النوع من الأعمال الفنية، وبالتالي تجعله أحيانًا في شبهة التنصيف، الإعتباطيّ ـ كفيلم كوميديّ. هذا الأخير، وبما أنه مفتوح الإحتمالات على المواضيع الغراميّة، الإيروتيكية غالبًا، فإنه يبقى بمنأى عن القبول بالنسبة إلى نفسيّة الطفل، وُيسبب ضررًا بالغًا لتكوينه، الطبيعيّ. فيلم المغامرة، أيضًا، كان على المستوى نفسه من الخطر، تجاه الوعي الطفوليّ ؛ بما أنّ محورَ لقطاته قائمٌ على العنف الشديد، المتهوّر ( الأكشين ).
 |
| من الفيلم |
2
الإهتمام بالطفل، في الغرب بشكل محدد، شهدَ إضطرادًا هائلاً لا سابق له، في عصرنا الراهن. وفي هذا الإتجاه، فإنّ توسّع الدراسات والتنظيرات، السيكولوجية المنحى، ما كان له إلا أن يرفدَ عالمَ الفنّ بإمكانات وخبرات جديدة، لا غنى عنها في الطريق إلى تأصيل سينما للصغار، حقيقية. التلفاز، بدوره، شكل أمثولة مهمّة للغاية، على الصعيد ذاته، ما دام قد أضحى ضيفًا كريمًا، دائمًا، على كلّ بيتٍ تقريبًا، في معمورتنا. وإعتبارًا من مبتدأ السبعينات من القرن المنصرم، دخلتْ التقنية الملونة، الأكثر حداثة، في صناعة الفيلم، علاوة على الشاشة الصغيرة. والطفل، بطبعه، ميالٌ إلى الأشياء الملوّنة، المُبهجة، فضلاً عما أثرناه، آنفًا، عن هوسه بالغناء. ولاحظنا في العقدين الأخيرين، خصوصاً، تحقق ثورة في عالم الفنّ السابع، المنذور للطفولة. فكانت أفلام الكارتون، الروائية الطويلة، من واردات تلك الثورة ؛ كما في حكايات " السندباد " و"علاء الدين"، المُستمدّة من الأساطير الشرقيّة؛ أو "عروس البحر" و "طرزان"، المُحالة للخرافات الأوروبية. سلسلة أفلام "شريك"، ضافرَت هذا التوجّه، الناجح، في أفلام الأطفال، حيث إستخدم فيها أحدث التقنيات، التي هيأت لبصر الصغير التمتع بعالم صور متحركة شبيه إلى حدّ بعيد بعالمنا، الواقعيّ، علاوة على تنمية خياله بالحكايات العجيبة عن صحبة الإنسان والحيوانات والكائنات الاخرى.
3
" المسحور "، بحسَب الترجمة السويديّة ؛ هوَ إسم الفيلم الجديد، الذي نحن بصدد دراسته، والمُلاقي اليومَ إقبالاً عظيمًا في دور العرض، على مساحة العالم كله. إنه مثالٌ، جديرٌ بالإهتمام، على ما يتصل بالتقدّم الكبير لسينما الأطفال، في الأعوام الأخيرة. الحنين للزمن الرومانسيّ، يكاد أن يكون علامة على الأعمال الفنيّة، المختلفة، المُتطبّع بها واقعنا اليوم، المبؤوس الحال، المشتغل على مشاكل الإرهاب والفقر والبيئة وعدم المساواة بين الشرق والغرب. هذا الفيلم، من ناحية اخرى، يُعدّ تتويجًا لسلسلة من الأفلام ذات المضمون الأسطوري، والمُنتجة من لدن المؤسسة الهوليوودية، العريقة، " والت ديزني ". ولعل الجديد، المُبتكر، في هذه السلسلة الأخيرة، كونَ الفيلم نسيجًا واحدًا، تتقاطع فيه خيوط الصور المتحركة بالاخرى، الواقعية. المخرج المبدع " كيفين ليما "، يقدّم لنا في عمله هذا، رؤية حداثية تشمل النصّ، أيضًا. ولكن، قبل كل شيء، لنرَ ما تقوله لنا الحكاية، المُشوّقة.
نبدأ من أفيش الفيلم، الذي شكلَ، للحقيقة، مَعقِدَ مُشكلةٍ بين طفليّ، مذ لحظة إجتيازنا عتبة صالة العرض. إذ جادلَ إبني شقيقته، التي تصغره سناً، بكون العمل فيلماً للصور المتحركة، مُفضلاً أن نختار غيره ؛ فيلمًا روائيًا للأطفال، على الأقل. الصورة الواقعية، على ذاك الأفيش، والمُقدِّمة أبطاله بشخوصهم، الإنسانية، ربما حسَمَتْ موضوع المجادلة ولصالح وجهة نظر إبنتي، بطبيعة الحال. وحسناً فعلَ إختيارُنا، ما دامت وجهات نظرنا قد أجمعتْ، في نهاية العرض، بأنّ " المسحور " كان أكثر من رائع، وبكل المقاييس. وكانت اللقطة الأولى، المُستهل بها الفيلم، توحي بأنّ للصور المتحركة دورًا مهمًا، مفتاحًا، في الولوج للحكاية عبرَ أبوابها السحريّة، العصيّة. ها هيَ الفتاة الفاتنة، " جيزيل "، تلمّ الحيوانات والطيور من حولها، بفضل صوتها الرخيم. السنجاب، سيكون من اللحظة هذه، صديقاً وفياً لفتاتنا، يقدّم لها العون في أحرج المواقف. ولكنّ " البرنس "، الشاب، هوَ من سينقذها في نهاية هذا المشهد من مفتتح الحكاية. شعورٌ من الحبّ، متبادل، يجمعُ بينهما، يُباركه من كان متواجداً حولهما، من حيوان وطير، بأغنيات فرح وحبور. بيْدَ أنّ " الساحرة " / زوجة الأبّ، الشريرة، كانت تراقب الأمور عن كثب، قلقة ً من إحتمال أن يتزوج " البرنس " من فتاة أحلامه، فينجب وليّ عهدٍ يهدد سلطتها في هذه المملكة ؛ المُسماة " أندلسيا ". وهكذا تدبّر للفتاة شركاً، يودي بها إلى هوّةٍ، سحيقة.
المشاهد الواقعيّة للفيلم، تبتئدَهُ مذ لحظة تمكن " جيزيلا " ( الممثلة آمي آدامز ) من الخروج، سالمة ً، من أغوار تلك الهوّة. إنها الآن في " نيويورك " ؛ الحاضرة الكبرى، والمُتبدّية هنا كما لو أنها العالم بأسره. ما تفتأ الفتاة في ملبَسها، المُستلّ من حكايات القرون الوسيطة، مثيرة ً العجبَ أينما تولت بوجهها، فيما هيَ سائرة خلل أحدث الطرق والعربات وبين بشر القرن الواحد والعشرين ! على الطرف الآخر من الحكاية، ثمة أسرة صغيرة، قوامها أبٌ شاب نوعاً ما، أرمل ؛ إسمه " باتريك "، وإبنته الوحيدة ؛ " كارمن "، ذات السنوات السبع. هذا الأب ( الممثل باتريك ديمبسي )، كان يُحاول إقناع الصغيرة بحاجته إلى إمرأة في حياته، واعداً إياها بأن تكون بمثابة الأمّ لها. إشارة الإبنة إلى أنّ زوجة الأب، بحسب الخرافات المرويّة، ما هيَ سوى " ساحرة شريرة " ؛ هذه الإشارة، ربما شاءَ لها المُخرج أن تكون كخلفيّة، واقعيّة، لتلك الحكاية، الأسطورية، المُستهلّ بها الفيلم بصوره المتحركة. وعلى كلّ حال، فإنّ فتاة الحكاية، بنفسها، كانت في تلك الليلة، تقطع طريقَ كلّ من الأب وإبنته. هذه المصادفة، تحتم عليهما إصطحاب " جيزيل "، الغريبة، إلى المنزل للإعتناء بها وإيوائها حتى الصباح. يقظة اليوم التالي، ستحمل للأب وصغيرته مفاجأة اخرى : كرنفال من طيور ودويبات، مختلفة، كان يخطر في الشقة، وكلّ يصدح بصوته على أنغام الموسيقى تأثرًا بالصوت الأجمل للفتاة، الضيفة : ألا يذكرنا هذا بأسطورة "أورفيوس"، الإغريقية ؟
ببراءة تصرفاتها، تنقل " جيزيل " مُضيفها من موقف محرج إلى آخر. وها هيَ خطيبته هنا، في الشقة، تضبطهما في الحمّام معًا، فلا تلبث ان تخرج ساخطة، مغضبة. إلا أن " باتريك " يقرر أن يطرد الضيفة هذه، الثقيلة. ولكنّ الإبنة، المتعلقة بها بشدّة، تقف بالمرصاد لتلك المحاولة. موقفٌ أكثر جدّة، قدّرَ له، أخيراً، أن يُفتح قلب الأب على حقيقة هيامه بهذه الفتاة الفاتنة، الطارئة على حياته. إذ يكون معها في مكتب المحاماة، حيث يعمل، فيشهد هناك كيف تقنع هيَ إحدى الزبائن بضرورة الغض عن طلب الطلاق والعودة إلى عش الزوجيّة، مجددًا. في هذه الأثناء، تدخل خالة الأب، " الساحرة "، الحدثَ مرة اخرى. إنها هنا، بشخصيتها الواقعية، الإنسانية ( النجمة سوزان ساراندون )، تستقرئ مرآتها عما يدور من أمور إبن زوجها. ولا تلبث أن تعلم بأنّ حبيبته ثمة، بين الأحياء في مدينة نيويورك، فتقرر أن ترسل أحد أتباعها المخلصين لكي يهلكها. وها هوَ الأمير الشاب بذاته، يلج أيضًا أجواء الحكاية ـ كإنسان حقيقيّ (الممثل جيمس مارسدين). وكما كانه حال "جيزيل"، يظهر الأمير على الملأ بشكله الغريب، المنتمي للأساطير القروسطية. ثمّ يتمكن من لقاء تلك الفتاة، ولكنه يُصدم المرة تلو الاخرى بما كان من تغيّر عواطفها تجاهه. حفلة الباليه، الكبرى، في قصر المدينة، سيكون بمثابة المكان المُحتبي مختتم الحكاية، والمُتعيّن عليه أن يمازج جانبها الخرافيّ، المُصوّر ـ كفيلم كرتون، بالجانب الواقعي، المهيمن على معظم مساحة العرض. وهذا ما يعيدنا، ثانيةً، إلى تلك النقطة التي توقفنا عندها؛ والمتعلقة بأسلوب المخرج، الحداثي، في تعامله مع النص.
لدينا هنا، في فيلم "المسحور"، أكثر من مرجع أسطوريّ للنصّ. إنّ حكاية "البيضاء كالثلج"، الشهيرة في الآداب الأوروبية، كانت محورَ الفيلم ؛ وخصوصًا في شقه الآخر ـ كصور متحركة. ولكنّ المخرج، المبدع، أدخل تحويرًا على تلك الأسطورة، حينما جعلَ " الساحرة الشريرة " زوجة أبٍ للإبن الشاب ( " البرنس " )، بدلاً عن الإبنة الشابّة، المفترضة. كما أنّ مساعد تلك الساحرة، والمكلف المرة تلو المرة بمحاولة قتل الفتاة، سينقلب في الفيلم إلى رجل يُعاني من عذاب الضمير، وما عتم أن وقف إلى الأخير بصفّ العشاق المحبين. وكانت الساحرة قد نجحت في حمل الفتاة على قضم جانب من التفاحة، المسمومة، فما لبثت أن وقعت دونما حراك. ثمة طريقة وحيدة، مقترحة، لإعادتها للحياة ؛ وهيَ قيام الحبيب بتقبيلها من شفتيها. هنا، يتقدّم " البرنس " من تلك التي ظنّ، دومًا، أنها حبيبته، المختارة. إلا أنّ نأمة ما، من حياة، لا تبدر عن الفتاة. نغمة نغمة، تتصاعد الموسيقى الكرنفالية مع تقدّم " باتريك " من حبّ عمره، الحقيقيّ. وما هيَ إلا ثانية حسب، والقبلة تلك، المُنقذة، توافي الحبيبة حقها في الحياة. ثمّ يأتي هنا دورُ أسطورة اخرى، كيما يكتمل مشهد النهاية، الفذ، الرومانسيّ. إنها أسطورة " سندريلا "، المعروفة بدورها في الآداب القروسطية لأوروبة، والتي إجتزأ منها المقطع الأهمّ، ليضافرَ تلك النهاية المقترحة للفيلم : تترك " جيزيل " فردة حذائها، في مستهل الحدث، فيحتفظ به " البرنس ". ولكنّ المفارقة هنا، أنّ خطيبة " باتريك " هيَ من تعيّن عليها، أخيرًا، تجربة فردة الحذاء تلك، ومن ثمّ نجاحها بحيازة قلب الأمير !
Dilor7@hotmail.com