|
حاوره محمد موسى من ايلاف: قدم المخرج العراقي قاسم عبد، فيلمه الكبير "حياة ما بعد السقوط" بعد أكثر من خمس سنوات من دخول القوات الأميركية إلى بغداد والإطاحة بنظام صدام حسين. يبدو أن المخرج فضل التروي في تقديم فيلمه، الذي سجل يوميات حياة عائلته الكبيرة في بغداد وجزءًا من يوميات المدينة لفترة تقارب الأربع سنوات. لم تدفع "جاذبية" الموضوع العراقي الإخبارية والسياسية المخرج، الى تقديم شهادة مستعجلة او غير مكتملة عن تجربته عن البلد الذي تركه منذ اكثر من ثلاثين عامًا، ليعود إليه في عام 2003. الإنتظار كل هذه السنوات لفيلم قاسم عبد، يحمل معه مجازفته أيضًا، فالعراق تم تقديمه عبر شاشات مئات الكاميرات التلفزيونية والسينمائية، من مخرجين عراقيين وأجانب. وصورة العراق، استنفذتها نشرات وتقارير اخبارية تلفزيونية، بحثت عن مواد اخبارية سريعة وفي الغالب غير مكتملة البحث.
 |
| قاسم عبد مع طلبة كليته في مهرجان الخليج السينمائي في دبي |
العرض الاول للفيلم كان في مهرجان ميونخ السينمائي للافلام الوثائقية قبل اقل من شهرين، الفيلم حصل على الجائزة الكبرى في هذا المهرجان. اللغة السينمائية الصادقة والصافية والشديدة القوة للفيلم تجعله واحد من الشهادات المهمة والنادرة، لعراق ما بعد سقوط النظام السابق، وحياة العراقيين واحلامهم التي انتهت سريعًا تحت وطأة عنف غير مسبوق. عن فيلمه "حياة ما بعد السقوط"، وعن تجربة كلية بغداد للسينما والتلفزيون والتي قدمت مجموعة من الافلام التسجيلية المهمة، وفازت بعض افلامها بجوائز مهرجانات سينمائية، كان لـ "إيلاف" هذا اللقاء مع المخرج قاسم عبد. * شاهدتك في حفل توزيع جوائز مهرجان الخليج، وفوز اثنين من طلاب الكلية بجوائز في ذلك المهرجان، كنت مثل اب واستاذ فخور، كيف كان تلقيت خبر الجوائز؟ وما هي الاشياء التي فكرت بها عندها؟ كانت فرحة عظيمة، شعرت ان جهدي مع زميلتي ميسون الباجه جي، بدأ يعطي نتائج ايجابية، قبل اعلان الجوائز، فكرت ان أحد افلام الكلية، سوف يفوز باحد جوائز مسابقة افلام الطلبة، ولكن فوز فيلمين بجوائز المسابقة، شيء يدعو إلى الفخر. الفنانون العراقيون الشباب مهمشون، ومهملون، لا توجد منافذ كثيرة للتعبير لهم، نحن في كلية السينما والتلفزيون المستقلة لم نستطع تدريب الا عدد قليل من الطلبة الذين كانوا يرغبون في المشاركة في برامجنا التعليميه، وهم اضعاف ما نستطيع استيعابه، هذا يعكس شيئًا اساسيًا هو حيوية هذا الجيل الذي يملك العطاء في الظروف الصعبة، وربما سيكون هذا الجيل الوجه المشرق للسينما العراقية الحديثة. بالنسبة إلى الفوز، هذه ليست المرة الاولى التي تفوز فيه افلام الكليه بجوائز، لقد فاز فيلم هبة باسم "يوميات بغدادية" بجائزتين قبل ذلك، جائزة في مهرجان الجزيرة الوثائقي، وجائزة اخرى في مهرجان الفيلم العربي في روتردام. وسوف تفاجًا اذا قلت لك ان فيلم هبة الذي عملته قبل 3 سنوات، فاز قبل شهر بجائزة المخرجة الاكثر استحقاقًا في مهرجان "انسي" بابو ظبي. لعل الشيء الاهم من كل هذه الجوائز، هي مباردة السيد عبد الحميد جمعة رئيس مهرجان دبي والخليج السينمائيين، في مساعدة المخرج العراقي عماد علي، وادخاله الى احد مستشفيات الامارات، للعلاج من اصابة في ساقه، حدثت له اثناء تصوير فيلمه شمعه لمقهى الشابندر، عماد علي يتماثل للشفاء الآن ونحن سعداء بهذا الشيء كثيرًا.
* هل من الممكن ان تحدثنا عن الافلام المشاركة؟ كيف بدأت الافكار مثلا، وكيف كان التنفيذ، وكيف كان اتصالكم بالطلاب، في تلك الظروف الامنية البالغة الصعوبة؟ الحديث عن الافلام المشاركة، يجرنا للحديث عن الكلية، وماذا قدمت الكلية، ما الهدف من تأسيسها، واين عرضت الأفلام ؟ الكلية تأسست عام 2004، لتكون مركزًا لتدريس فنون السينما والتلفزيون، هذا المركز الصغير، كان الاول من نوعه في العراق. الكلية مشروع خيري وغير ربحي. الهدف من انشاء الكلية، هو تقديم برامج تدريبية مجانية في مجالات السينما والتلفزيون للطلبة الشباب العراقيين، ومحاولة مساندتهم وتشجيعهم في اعمالهم السينمائية، وتوفير الاجهزة اللازمة لتنفيذ مشاريعهم، وتزويدهم بالمعلومات التي تخص تمويل افلامهم السينمائيه. الكلية انشات من قبل سينمائيين عراقيين،هما انا وزميلتي ميسون الباجه جي. الدورات التي تقوم فيها الكلية تتراوح من شهر الى 3 اشهر وهي دورات مكثفة ولكن بسبب الوضع الامني تستغرق كل دوره الان اكثر من سنه، في كل دورة يكون هناك من 20 الى 25 طالبة وطالب. تشمل دورات الكلية، الاخراج، التصوير، والمونتاج للافلام الوثائقية، ما تم انجازه الى حد الآن هو 3 دورات: دورة في التصوير والاضاءة، ودورتين للفيلم الوثائقي القصير. وانتجت الكليه حتى الان احد عشر فيلمًا وثائقيًا قصيرًا. والذي يريد ان يعرف المزيد عن الكلية، يستطيع زيارة موقع (iftvc.org). العمل مقسم بيني وبين ميسون، انا اشتغل مع الطلبه في اعداد وتصوير واخراج الافلام، وميسون تدرس المونتاج على اجهزه (Avid) الرقمية وتكمل مع الطلبة منتجة افلامهم، ادارة الكلية من الالف الى الياء تقع على عاتقنا. وأهم المشاكل التي تعرقل عملنا هي، شحة التمويل، والوضع الامني. نحن كلية مستقلة نمول الدورات، من تبرعات مؤسسات اعلام مستقلة، نقابات فنانين وبعض مؤسسات التعليم الموجودة في اوروبا، اضافة الى فنانين اجانب يتعاطفون معنا. نتمنى ان تنتبه الينا مؤسسات الدعم الثقافي العربي والعراقي لمساعدتنا في الاستمرار في مشروعنا، نفكر في شهر أيلول/سبتمبر القادم بدورة جديدة خارج العراق، ممكن ان تكون في دمشق بالتعاون مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. افلامنا عرضت في مهرجانات عديده، في هذه السنة فقط، عرضت الافلام في بيت الثقافات العالمية في مدينة برلين الالمانية، كجزء من برنامج ثقافي عن الشرق الاوسط كما عرضت في مدينة دمشق وعمان ضمن نشاطات معهد كوته الالماني، في شهر نيسان/أبريل، عرض فيلم هبة باسم في لندن في مهرجان اسمه (مخرجات من الشرق الاوسط) وعرض ايضًا في مدينة فاس المغربية، في شهر ابريل ايضًا، عرض فيلم الدكتور نبيل في مهرجان لندن للافلام الوثائقية. وفي الشهر نفسه عرض فيلم عماد علي (شمعة لمقهى الشاهبندر) في مهرجان الفيلم الفلسطيني في مدينه "هيستون" الاميركية وفي شهر اذار جائتنا دعوة انا وميسون لعرض افلام الكلية في Montalvo Art Centre في ولاية كاليفورنيا بالاضافه لعرض مقاطع من فيلمي الجديد (حياة ما بعد السقوط ) وبعد ذلك ذهبنا الى مدينة نيويورك وعملنا 4 عروض هناك. في جامعة نيويوك، ثم في جامعة كولومبيا. وعرض في معهد المجتمع المفتوح Open Society، وعرض في كاليري "زهر الرمان". الشيء الاهم في نيويورك هو لقاؤنا مع قسم السينما في جامعة نيويوك وعمل علاقه تعاون لمساعده كليتنا، اهدونا كتب وكاميرا فيديو ووعدونا انهم سوف يدعون سنويًا طالبًا من كليتنا للالتحاق باحدى الدورات السينمائية التي تنظمها الجامعة. كما كان لنا لقاء مع مديرة "مركز كندي الثقافي"، في مدينة واشنطن لعرض افلام الطلبه وفيلمي في مهرجان للافلام العربية سيقام السنه القادمه.هذا النشاط كله يحتاج الى وقت وجهد وقدره على الحركة وهو ليس بالامر الهين ابدًا. بالنسبة الى الافكار، نحن في الدورات الوثائقية نطلب من الطلاب اختيار مجموعة من الافكار، نختار بعدها فكرة واحده لكل طالب لكي يطورها لعمل فيلم قصير، نحن نساعدهم في تهذيب الافكار واختيار الشخصيات وبناء القصة الوثائقية، في درس الاخراج نجلس يوميًا لنناقش افكار الطلبه , واختيار الفكرة التي تناسب امكانيتنا والوضع الامني، دائما انصح الطلبة بالابتعاد عن اماكن الخطر. على الرغم من اننا نتجنب الاماكن الخطره الا ان احد مخرجينا اصيب اصابة خطرة جدًا وهو الطالب عماد علي،في النهايه كل طالب يأخذ جانب معين من العمل، والفيلم يكون ثمرة تعاون مشترك بين المصور والمخرج والمونتير.
 |
| من فيلم حياة ما بعد السقوط |
* الافلام نفسها، وجودتها، يدل على مجهود كبير في عمليات المونتاج، انا اعرف ان المونتاج تم بمشاركتك، ومشاركة المخرجة ميسون الباجه جي في سوريا، هل من الممكن ان تحدثنا عن هذه المرحلة من عملية الانتاج؟ الدورة الثانية للفيلم الوثائقي 2006، بدات في الوقت نفسه الذي حدثت فيه تفجيرات الاماميين في سامراء، الوضع الامني انهار في بغداد، واصبح مخيفًا جدًا، انا كنت محتارًا، لأني كنت احس بالخطر يقترب منا جميعًا، اتصلت وقتها بالطلبة وقلت لهم هل تريديون الاستمرار. الجميع كان ردهم بنعم، حماسهم هذا هو الذي شجعني على الاستمرار في الدوره. الانفجارات في بغداد غالبًا ما تحدث في الصباح الباكر وهو الوقت الذي كان يحضر فيه الطلاب للكلية. عانينا في تلك الايام من مشاكل منها تاخر الطلاب عن موعد الدوام، بالطبع لم نعاتبهم او نناقشهم لأننا نعرف الثمن الذي يدفعونه يوميًا للوصول الى مكان الكلية. انا بقيت في بغداد لايماني بالشيء الذي اقوم به، انه جزء من مشروعي الحياتي والفني، الخطر في كل مكان لكننا حاولنا ان نكون حذرين، بعد انجازنا القسم الاول من الدورة، بدأنا القسم الثاني من العمل وهو مرحلة تصوير مشاريع الطلبه، رجعت انا الى لندن، لكني كنت على اتصال يومي بالطلاب. بعد ان انهى الطلاب مرحلة التصوير في العراق فكرت انا وميسون بالذهاب الى دمشق والعمل مع الطلاب لانجاز مرحلة المونتاج. في بداية عام 2007 حملنا اجهزة المونتاج وذهبنا الى دمشق , اجرنا غرفتين ووضعنا اجهزتنا هناك وجلبنا الطلبة من بغداد وبدئنا العمل. طبعًا بعضهم كان موجودًا اصلاً في سوريا. نحن طبعًا تكلفنا بكل مصاريف الطلبة من سفرهم الى اقامتهم وانجزنا خمسة افلام وثائقية.
* اريد ان اتحدث عن فيلمك الرائع، "حياة ما بعد السقوط"، انا شاهدت الفيلم قبل فترة، الفيلم فاز بمهرجان ميونخ الدولي للافلام الوثائقية قبل اكثر من شهر والاسبوع الماضي فاز بجائزة الفيلم العربي في روتردام، ويستعد للعرض في مجموعة من المهرجانات السينمائية، هل تشعر بانجاز هذا الفيلم الطويل، ان عبء سنوات من العمل والمتابعة في العراق، قد ازيح عن ظهرك؟ كيف تنظر للفيلم الآن؟ حياة ما بعد السقوط هو فيلم وثائقي طويل، حوالى 155 دقيقة، يتكون من جزءين ويغطي ما يقارب 5 سنوات. الفيلم يدور عن حياة عائلة عراقية تسعى جاهدة للتعامل مع المتغييرات الهائلة في حياتنا الخاصة وفي المجتمع. احداث الفيلم تجري بتتابع منطقي، تتداخل تفاصيل هذه العائلة مع الاحداث التاريخية لهذه المرحلة. انه صورة صادقة للحياة والتغيير الذي حدث بعد سقوط النظام العراقي السابق... هذه العائلة هي عالئتي انا في مدينة بغداد، وقصة ثلاثة اجيال من التجارب والقصص والاحداث. مركز الاحداث هما التؤمين زينب وفاطمة، ثم بعد ذلك الاخوال والاعمام، لكل شخصية حكايتها الخاصة ومصيرها المختلف. مع استمرار الاحداث يتغير المزاج من الفرح والتفاول الى الحزن والخيبه، بعد ان يخيم العنف على المدينه، ليصل الفيلم في النهاية الى تمزق وحدة هذه العائلة بين الهجرة والقتل.
 |
| حياة ما بعد السقوط |
قصة الفيلم هي عينة صغيرة للحياة في العراق، قصة كل عائله عراقيه كانت تحلم بالتغيير لكنها لم تكن تعرف ان هذا التغيير سوف يحمل لها كل هذا الخراب والمرارة. ما اردت ان اقوله في فيلمي ان العراقيين مثل بقية شعوب الارض، بشر احياء لهم افراحهم واحزانهم، نجاحاتهم واخفاقاتهم، انتصاراتهم وهزائمهم، احلامهم وكوابيسهم، وما كان يهمني هو عكس التجارب الانسانية لهؤلاء البشر، لاجل فهم حقيقه ما يجري في العراق، وماذا يعني ان تكون عراقي وتعيش في هذا الزمن الصعب. ما هو الثمن الذي يدفعه الانسان العراقي يوميًا بسبب الحرب والاحتلال والعهد الجديد لجمهورية رامسفيلد الاسلامية. كيف انظر للفيلم الآن ؟ الفيلم يعكس شخصية الفنان فهمه للحياة موقفه الاخلاقي والانساني لما يجري حوله،يعكس ثقافته، ذوقه ومعاناته. الفيلم عرض مرتين واحدة في مهرجان ميوينخ ومنح جائزة افضل فيلم وثائقي طويل، ومره اخرى في مهرجان الفيلم العربي في روتردام قبل اسبوعين، وفاز بجائزه الصقر الذهبي والشهر القادم سيشارك في مسابقة احسن عشرة افلام بريطانية لهذه العام في مهرجان الفيلم الوثائقي البريطاني في مدينه اكسفور. وهناك العديد من الطلبات على الفيلم من مختلف انحاء العالم. بالطبع انا فخور بما انجزته.
* الفيلم هو اطول فيلم تسجيلي عراقي لحد الآن، هل شغلتك قضية الطول ؟ ام ان الفترة التي يغطيها الفيلم كانت تستوجب هكذا طول؟ الزمن في الفيلم هو مشكلة تقلق كل سينمائي، الزمن في السينما هو زمن نسبي، هو زمن قابل للصيرورة واعادة التشكيل وفقا لافكار المخرج. تستطيع في الفيلم ان تبطيء او تسرع، توقف الزمن، تعود للماضي او تذهب الى المستقبل , احداث قرن كامل ممكن ان تختصره في ثواني، ثواني ممكن ان تعمل منها ساعه ونصف عرض. هذه القدرة على التحكم بالزمن لا تجدها في غير السينما. الشيء المهم، انه كيف تتخلص من مشكلة الممل والرتابة، ببساطة هو ان يكون هناك صراع بين قوتين او قوى متناقضة، تملك رغابات وافكار تكافح من اجلها. وما أكثر القوى المتناقضة في العراق، هذه الصراع يحمل عنصر الاثاره والتشويق الذي يجعل يجعل الزمن في السينما نسبي وغير محسوس. الصراع يحتاج الى شخصيات يتعايش ويتعاطف معها الجمهور وخاصة عندما تقف هذه الشخصيات في وجه قوى اكبر واقوى منها. في فيلمي هناك اكثر من شخصية تعيش في دائرة واسعة ومتنوعة من الصراع غير المتكافئ. ناس عاديون ليست لهم مصلحة لا بالحرب ولا بالسياسية يدفعون ثمن الخراب يوميًا. بعد الانتهاء من التصوير، كنت اتوقع ان يكون طول الفيلم 90 دقيقة فقط، ولكن اثناء المعالجة المونتاجية، ادركت ان الفيلم سوف يكون اطول من ذلك بكثير، لأن الفيلم ليس قصة شخصية عن عائلتي فقط، وانما قصة الاحداث التاريخية لاكثر من اربع سنوات من عمر العراق. خاصة ان هدف الفيلم هو ايضاح العلاقة بين الاحداث الكبرى ومصائر العراقيين داخل الوطن، لقد شعرت بالمسؤولية التاريخية تجاه ما اعمل. التقطيع الاول للفيلم كان 4 ساعات بعد شهر من العمل مع ميسون وصلنا الى 3 ساعات ن بعد شهر آخر وصلنا الى 155 دقيقة
 |
| حياة ما بعدالسقوط |
* الفيلم خاص كثيرًا، هو عن اهلك، والحياة في بغداد بعد سقوط النظام العراقي السابق، العائلة والمدينة مرت بفترات صعبة كثيرًا، هل شعرت لفترات بعبث التصوير او انجاز فيلم؟ ما الذي كان يدفع للمضي في هذه التجربة، التي ليست سهلة على الاطلاق؟
في الفترة التي كنت اصور فيها وادرب الطلبة، تحولت بغداد الى واحدة من اخطر المدن في العالم، وثالث اسوء عاصمة من ناحية الخدمات ومقومات الحياة، احياء كاملة منها كانت تسيطر عليها مليشيات شيعية او سنية، ويمارسون انواع متعددة من العنف. في هذه الاجواء الكافكويه، كنت اتمسك ببصيص من الامل، ربما امل مبني على امنيات، اكثر من كونه مبنيًا على حقائق الواقع، استمراري في العمل وقتها كان يجعل حياتي اقل وحشة وكآبة. السوال هو كيف تتأقلم مع جو الرعب والخوف عندما لا تعرف من يقف معك ومن يقف ضدك، لا تعرف الذنب او التهمة التي توجه اليك عندما تحمل الكاميرا وتسجل شيئًا عن مرحلة الجنون المنظم. وبين بصيص الامل والخيبة كنت اسجل شهادتي بهدوء من خلال ما اراه واسمعه شهادة ربما ستكون لها قيمة للاجيال القادمة. كان اهلي واقاربي يقلقون علي كثيرًا، ويستغربون من بقائي في بغداد ويتسائلون هل من المعقول ان يترك شخص مدينة مثل لندن ويفضل البقاء في بغداد التي لا تملك الحد الادني لمقومات العيش فيها. الشيء الاساسي انه لم يكن هناك شيء يستطيع اقناعي لان اترك بغداد، لان بقائي لم يكون نزوة او حنين وانما كان شئ له علاقة بمصير وطن، هذا ما جعلني متوازنًا الى حد ما في تلك الفتره , لانني كنت اعرف الى اين اسير , واعرف ان ما اعمله صحيح. والا ما قيمة وجود الانسان اذا كان لا يدافع عما يراه صحيحًا.
* هناك اهتمام جميل بالصورة السينمائية، كانت مشاهد جميلة مفاجاة، هل كنت تصور هذه الاشياء فقط لتأثرك بجمالها او قوتها، ام كانت هناك خطة لاستعمالها في فيلم سوف ينتج؟ انا بالاساس مصور ودراستي في معهد موسكو السينمائي كانت التصوير الروائي، لذلك املك الخبرة المهنية والاكاديمية للتعبير عن مختلف الافكار والاحساس من خلال الصورة السينمائية. الأمكنة التي تم التصوير فيها،الحي الشوراع، البيت , الغرف هذه كلها جزء من تاريخي الشخصي، وهي الامكنة نفسها التي درست وعشت فيها طفولتي وشبابي قبل ان اترك العراق، لذلك كنت احمل الكثير من مشاعر الحنين لتلك الامكنة اثناء تصويري لها. ولأني تركت العراق لفترة طويلة من الزمن، فإن الاشياء في الحياة العادية في مدينه بغداد تتحول بنظري في بعض الاحيان الى اشياء استثنائية تملك طاقة وتوهج وسحر خاص عصيًا على التفسير والفهم. ربما المثال الواضح لما اقوله هو نخلة بيتنا القديم، النخلة ليست شجرة عادية موجودة في حديقة البيت، انها شخصية لا تقل اهمية عن الشخصيات الاخرى في الفيلم , تشارك في الاحداث وتؤثر بشكل حسي على المجرى العام للفيلم. تكنيك واسلوب التصوير في الفيلم يعتمد على قضيتين اساسيتين، هما البساطة والوضوح. حاولت ان انقل الواقع بطريقه بحيث يشعر المتفرج وكأنه جزء من هذا الواقع ان يثق ان ما يراه على الشاشه هو حقيقي وصادق وغير مفبرك. لهذا ابتعد عن كل شيء ينتهك وحدة هذا الاحساس، مثلا انك لا تسمع اي موسيقى تصويرية في الفيلم، لكن هذا لا يعني انه لا توجد موسيقى في الفيلم،انها موسيقى الموثرات الصوتيه القادمة من الحياة اليومية. انك ايضا لا تجد تعليقًا في الفيلم، لان ما تقوله الشخصيات وبناء القصة لا يحتاج الى تعليق، ما عدا المقدمة والتي استغرقت دقيقتين، عبرت فيها عن مشاعري للرجوع الى العراق بعد 30 عاما. الفيلم ايضا مصور كله بالضوء الطبيعي، اي ضور النهار الطبيعي، وضوء المصابيح في المساء، كل هذه الاشياء ساعدت على الغاء الحدود بين الشاشة والمتفرج، اردت ان يشعر المتفرج انه جزء من هذا الواقع، لا ادري اذا كنت وفقت في هذا ام لا. فريق العمل اثناء التصوير كان من شخص واحد هو انا، هذه احدى فوائد تكنولوجيا التصوير الحديثة، كاميرا صغيرة مع مسجل للصوت، وحامل خفيف تحمله على كتفيك وتسطيع ان تصل به الى ابعد منطقة بالكون. هذا الاسلوب اصبح شائع في عالم الافلام الوثائقية اليوم والذي يطلق عليه one man crew.ايجابيات وسلبيات هذا الاسلوب سيكون في لقاء اخر.
 |
| ملصق الفيلم |
* مونتاج المخرجة العراقية ميسون الباجه جي ممتاز حقا، كيف كان التعاون معها ؟ هل كان الموضوع عاطفي كثيرا لك، حتى احتجت الى عين ثانية من اجل الفيلم؟ ميسون الباجه جي، فنانه جيدة ومرهفة الحس، وهي مونتيرة من الطراز الاول، المونتير الجيد هو مخرج ثاني للفيلم. فبعد ان ينهي المخرج مرحلة التصوير، العين الاولى التي تشاهد المادة المصورة هو المونتير، والذي يبدا بتسجيل الملاحظات، يعزل المشاهد حسب مسار القصه، يقترح الحلول المونتاجية لبناء ايقاع الفيلم، انا لست مونتيرا ولا افهم بالتكنولجيا الحديثة للمونتاج وعملي يختلف في مرحله المونتاج كمخرج فانا اركزعلى تطوراحداث القصه والشخصيات والصراع والحوار الخ , بينما المونتير يحدد طول اللقطات ويبني المشاهد ويعالج الانتقالات بين المشاهد، يحافظ على استمرارية الصوت والصورة ويخلق الايقاع العام للفيلم. من الصعب للمخرج ان يفكر بالجانب الابداعي والفني للفيلم وفي نفس الوقت يفكر بالجاتب التكنيكي لعملية المونناج، لان ذلك كمن يريد ان يركض على حصانين في وقت واحد. علاقتي مع ميسون مبنية على مبدا الأحترام، لان كل منا يعرف حدود عمله وميسون كان عندها الحماس والاستعداد الكبير للعمل في هذا الفيلم، كان عندها حب كبير للمادة المصورة، للشخصيات والموضوع نفسه. حتى اني كنت اشعر ان الفيلم يؤثر عليها بنفس الطريقة التي يؤثر علي. وعند فوز الفيلم في مهرجان ميونخ قالت لي ميسون ( بالرغم من اني منتجت كل مشاهد الفيلم، واعرفه لقطة لقطة، لكني عندما شاهدته اليوم على الشاشه شعرت وكانني اشاهده لاول مرة واثر بي كثيرا).
* اهلك موضوع الفيلم وابطاله، هل شاهدوا الفيلم ؟ وما هي انطباعتهم عنه؟ لحد الآن لم يشاهدوا الفيلم، ولا اعرف الطريقة المناسبة لعرضه عليهم، لان الفيلم يحتوي مادة عن اخي الشهيد علي وعملية اختطافة وقتله من قبل مليشيا احدى الاحزاب الدينيه، لقد مضى على استشاهده ما يقارب العامين، ونحن ما زلنا نعاني من هول الصدمة ولا يمكن ان نقتنع بان ما حدث له علاقة بالسياسة او الدين.المجرمون الذين قتلوا اخي يجب ان يحاكموا على جريمة قتل انسان بريء، هناك بعض المعلومات عن القتله، نحن ننتظر الشاهد الذي يعرف القتلة، هذا الشاهد الذي يملك ضميرًا عراقيًا حيًا واصيلاً ولا يرضى بالظلم، ان ياتي الينا ويؤكد لنا الاسماء التي شاركت في تلك العملية، لان مكان القتلة يجب ان يكون السجن.
* ماذا ينتظر المخرج قاسم عبد الآن؟ اكمال الفيلم هو نصف العمل، النصف الآخر هو عرضه في المهرجانات السينمائية وتوزيعه على المحطات التلفزيونية، بالنسبه إلى الكلية، نفكر انا وزميلتي ميسون بأن نبدأ بدورة جديدة في الفيلم الوثائقي، لتدريب مجموعة جديدة من الشباب العراقي على الاخراج والتصوير والمونتاج، ربما تكون الدورة في بغداد، اذا هدأ الوضع الامني او في دمشق اذا حصلنا على موافقه لاقامة الدورة هناك، نامل ان تتقدم للدراسة في دورتنا الجديدة، مجموعة من الشابات العراقيات، لان موضوع المراة بالنسبة لنا مهم وحيوي، واقول لهن انظروا الى زميلتكم هبة باسم والجوائز التي حققتها. كل واحده ممكن ان تكون مثل هبة اذا كانت تملك الرغبة في التعلم وتنفيذ ما تفكر به. واخيرا اقول لقد حاول الارهاب تعطيل الحياة في العراق، وما نسعى اليه هو استمرار الحياة من خلال التعليم والتحدي والابداع.
cinema@elaph.com
|