ملك يبكي من قلة حيلته
هل المصريون لا يعرفون الملك فاروق؟
سلوى اللوباني من القاهرة: دفعتني الكاتبة د. لميس جابر الى التفكير ب ما معنى التاريخ بعد كتابتها الرائعة لمسلسل الملك فاروق.. أو ما هو التاريخ بالاصح؟ هل التاريخ هو الذي يروي الاحداث؟ ولكن رواية أو كتابة هذه
الاحداث قد تتم بطريقة تتوافق مع أهواء وتوجهات الكاتب أو الراوي أو حتى توجهات السلطة الحاكمة..فاذا ما هو التاريخ أو أين هي الحقيقة؟ فكثير من الحقائق قد يتم تحريفها أو دفنها..بعد 43 عاما على وفاة الملك فاروق-1965- أتت الكاتبة د. لميس جابر لتكتب الاحداث والحقائق من وجهة نظر تختلف عما كتب عنه سابقاً...أعادت النظر في الاحداث.. أحييت سيرة ملك لم ينصفه التاريخ ولم ينصفه شعبه أيضاً..بات الملك حديث الناس..كما أصبح هدف القراء.. فارتفعت نسبة بيع الكتب التي تناولت حياة الملك فاروق بالرغم من أن هذه الكتب صدرت قبل سنوات وكأن أحداً لم يسمع عنها من قبل أو يراها..أو قد تمت قراءتها بطريقة مختلفة أو بفكر موجه والان تريد الناس إعادة قراءتها بعد أن شاهدت سيرته بعين مختلفة.. تجد هذه الكتب تتصدر واجهات المكتبات ودور النشر..اضافة الى ذلك أن هناك نسخاً قد نفذت...كما بدأ الحديث عن انتاج فيلم سينمائي عن الملك فاروق.. وحتى المقابلة التي اجريت مع ابنته الكبرى الاميرة فريال على محطة MBC لم تلقى الاهتمام الكبير قبل عرض المسلسل ولكن بعد عرضه تم اعادة بث المقابلة التي اجراها الاعلامي اللبناني "ريكاردو كرم" فكانت الناس تتناقل الرسائل على الموبيل للتذكير بمشاهدة المقابلة..الناس لديها شغف بمعرفة أخبار العائلة المالكة الان.. وكيف تم ترحيلهم في ذلك الوقت؟؟ وكيف عاشوا في المنفى؟؟ فهل بالفعل كما قال الكاتب "أنيس منصور" في أحد مقالاته أن 80% من المصريين لا يعرفون الملك فاروق "عندما قامت ثورة يوليو سنة 1952 كان عدد سكان مصر 17 مليونا، والآن عددنا
77 مليوناً. ستون مليوناً لا يعرفون من هم الملوك: فؤاد ونازلي وفريدة وناريمان. و99% من الشعب المصري وكل العرب لم يدخلوا القصور الملكية ولا عرفوا لها شكلا ولا لونا ولا أبهة. والذين يتابعون مسلسل «الملك فاروق» يرون شيئاً جديداً سمعوا عنه ولم يروه.. ولكن أحداً من كل هؤلاء لم يعرف كيف كانت الأحاديث تجري في القصور الملكية: بالفرنسية والتركية والايطالية والانجليزية واللهجة المصرية"!.
كتب عن الملك فاروق
من أكثر الكتب رواجاً حالياً كتاب "سنوات مع الملك فاروق شهادة للحقيقة"، للكاتب د. حسن حسني-دار الشروق- والمؤلف هو شاهد عيان على ما جرى في القصر الملكي لمدة 22 سنة منها مدة تولى الملك فاروق كلها من عام 1937 حتى عام 1952، وكان في كل هذه المدة الأخيرة هو السكرتير الخاص للملك، وأنعم عليه أثناءها بالبكوية ثم الباشوية..كتب هذه المذكرات أو أتمها في عام 1985... وفي خضم ما نشر وما ينشر عن الملك فاروق وسياسات القصر الملكي، وعن حياته من مساوئ وسلبيات، تجئ هذه المذكرات لتكشف للقارئ أن القصر الملكي في ذلك العهد، لم يكن كل رجاله من أمثال أحمد حسنين، ولا من أمثال كريم ثابت وعدلي أندراوس، ولا من أمثال الشماشرجية وأنطوان بوللي وغيرهم، ولكن كان فيه رجال وطنيون وشرفاء وعلماء كانوا قلة ولم يتح لهم التأثير الفعال، ولكن كانوا موجودين وحافظوا على نقائهم حتى النهاية. ونذكر هنا ان المؤلف حاصل على درجة الدكتوراة في التاريخ عن قناة السويس عام 1923 من فرنسا، وتولى عدة مناصب الى ان نقل الى القصر الملكي عام 1930 في عهد الملك فؤاد ليعمل مع كبير الامناء. وبقى بالقصر الملكي حتى تنازل الملك فاروق عن العرش في عام 1952. وكتاب "مذكرات ناريمان زوجة الملك فاروق" مذكرات ناريمان التي املتها على الصحفي الاوروبي "كلاوس بلومر" نقرأ عن حقيقة الرجل أو الملك الذي تعلم من الشاعر الإنكليزي رديارد كيبلنغ كيف يجب على الملك أن يساير الشعب، ولكنه عجز عن أن ينفذ عملياً ما تعلم، وسمح لرغائبه المتنوعة أن تقف حاجزاً بينه وبين الواجب فسقط. وعن دار شرقيات كتاب "الملك فاروق في الادب المصري" لمصطفى بيومي نجد دراسة لما احتله الملك فاروق في الادب المصري من خلال مجموعة من الكتاب المتميزين منهم نجيب محفوظ، يوسف السباعي،
احسان عبد القدوس، جميل عطية ابراهيم، صنع الله ابراهيم، بهاء طاهر وغيرهم. وفي كتاب آخر " كيف سقطت الملكية في مصر" لمحمد عودة-دار الخيال- يتناول المؤلف الاسباب التي ادت الى سقوط الملكية والكوارث التي حلت على مصر في تلك الفترة. وكتاب آخر يتناول سقوط الملكية بعنوان فاروق وسقوط الملكية في مصر ل لطيفة محمد سالم عن دار مدبولي، وكتاب بقلم كريم ثابت مستشار الملك الصحفي بعنوان " نهاية الملكية..مذكرات كريم ثابت" عن دار الشروق، وفيه يتناول السيرة الذاتية للملك فاروق من واقع ذكرياته متناولا ابرز الاحداث والاحوال السياسية في تلك الفترة وانعكاسات تكوين شخصية الملك فاروق عليها، وكيف كان الملك فاروق يتخلص من خصومه في كتاب "الحرس الحديدي" لسيد جاد عن الدار المصرية اللبنانية.. وغيرها الكثير من الكتب.
أفلام عن الملك فاروق:
تناولت السينما المصرية في كثير من أفلامها فترة الحكم الملكي من خلال رصد الاوضاع الاجتماعية والسياسية وعلاقة الانسان الفقير بمجتمعه ودوره المهمش كسائر الطبقة الفقيرة في العهد الملكي..ومعظم هذه الافلام انتجت في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر وكانت تؤكد في رسالتها الفنية على أهمية حدوث ثورة 1952 التي خلعت فاروق عن عرشه ونفته الى ايطاليا.. ومن الافلام التي انتجت في السنوات الاخيرة "إمرأة هزت عرش مصر" من اخراج نادر جلال وبطولة ناديا الجندي التي قامت بدور ناهد رشاد وهي زوجة الطبيب يوسف رشاد والتي استطاعت ان تصبح كبيرة وصيفات القصر الملكي وعضو في تنظيم الحرس الحديدي. وقد قام بدور الملك فاروق الفنان فاروق الفيشاوي. قدم الفيلم كغيره من الافلام الملك فاروق بصورة سلبية..فهل سيتم انتاج فيلمجديد يقدم صورة مختلفة للملك فاروق عما شاهدناه في هذه الافلام مثلما قدمت د. لميس جابر صورة مختلفة للملك فاروق في مسلسلها... ونذكر هنا ان المؤلف وحيد حامد قد كتب فيلم "فاروق الاول والاخير" منذ عامين ولم يتم انتاجه حتى الان بالرغم من حصوله على موافقة الرقابة.
ملك يبكي من قلة حيلته
لا بد أن نشير أن عمل مسلسل الملك فاروق لاقى نجاحاً كبيراً.. من حيث التأليف "لميس جابر" والمراجعة التاريخية "د. يونان لبيب رزق" والاخراج لحاتم
علي، التأليف الموسيقي لطارق الناصر، والانتاج لشركة الصدف، والبطولة لوفاء عامر بدور الملكة نازلي وتيم حسن بدور الملك فاروق وغيرهم الكثير من الفنانين مثل عزت أبو عوف الذي أدى أجمل أدوار مشواره الفني.. وأرى بأن الفنان "تيم حسن" كان له دوراً كبيراً في جذب المشاهدين لمتابعة المسلسل باسلوبه التلقائي في التمثيل..وبراعته في تقديم الكثير من المشاهد المؤثرة وبالاخص التي كانت تجمع بينه وبين والدته الملكة نازلي.. هذه العلاقة بين الام وابنها التي أثرت على شخصيته كملك وعلى نظرته للامور..حبه وكرهه لوالدته في نفس الوقت..فهي الام التي عملت المستحيل ليتولي ابنها العرش..ساندته بكل ما تملك.. وعلى الجانب الاخر اتعبته بعلاقاتها الغرامية التي كانت ترى انها حق لها بعد أن قضت سنوات عمرها مع رجل "الملك فؤاد" ظلمها وظلم انوثتها..وحرمها من الاحساس بمشاعرها وبكيانها طيلة 17 عاما..كان المشهد مؤثراً ورائعاً عندما اعترفت الملكة نازلي لابنها الملك فاروق بحبها لحسنين باشا- الرائد والامين الاول للملك فاروق- ورغبتها بالزواج منه..ليثور الابن الملك قائلا "أنت ملكة مصر التي فتحت عيني على حبها ولم أحب أحداً مثلها.. أمي التي لم أرفض لها طلباً في حياتي.. كرهت والدي لاجلها بسبب قسوته عليها.. لا أشعر بالراحة إلا عندما أضع رأسي على صدرها.. لا أنسى انني رأيتها مع شخص من الحاشية في سهرة غير بريئة ولم يكتمل على وفاة والدي 40 يوماً.. بكيت يومها مثل الاطفال.. بكيت من قلة حيلتي.. لا أدري ماذا أفعل؟ قد نتفق أو نختلف مع ما قدمته لميس جابر من صورة للملك فاروق في المسلسل الا انها أجادت وفريق العمل في نبش التاريخ من جديد وإعادة النظر في الاحداث وإثارة فضول الناس للتعرف على ملك حكم مصر وهو يبلغ من العمر 17 عاماً ورحل عنها بهدوء دون إراقة الدماء.. تاركاً وراءه عرشاً ملكياً وهو يبلغ من العمر 32 عاماً..بعد أن واجه الكثير من الصعوبات أثناء فترة حكمه جعلته غير قادرا على الحكم على الامور بطريقة صحيحة..مشتت بين عدة أشخاص وأطياف..ليموت في المنفى عام 1965 وهو يبلغ من العمر 45 عاما...
salwalubani@hotmail.com