|
تنبيه: هنا النص الكامل للديوان الذي صدر في باريس عام 2002 (عن دار باريس ميديتيراني) باللغتين العربية والى جانبها الترجمة الفرنسية التي قام بها انطوان جوكي. والديوان يضم قصائد كتبت ما بين 1996 و2001، ومعظمها نشر في الجرائد العربية.
ما كان أبدا لن يكون
عبدالقادر الجنابي
|
أربع قراءات بقلم عبده وازن، جمانة حداد، عقل العويط وسعد الله خليل
1- عبده وازن: زرقة الليل تسطع في سماء الحلم وجحيم اللغة
قد يشي العنوان الذي اختاره الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي لديوانه الجديد "ما كان أبداً لن يكون" (دار باريس مديترانيه، بالعربية مع ترجمة فرنسية أنجزها أنطوان جوكي) بجو مأسوي يرين على قصائد الديوان كلّها، لغة وصوراً وأحوالاً ومعاني. فما كان في الماضي البعيد (أو القريب) لن يكون في المستقبل "الغامض" الذي تؤكّده نفياً أداة النصب المستقبلية "لن". كلّ شيء "زوال في زوال" يعبّر الشاعر: البيت، الهواجس الطفولية، زوايا الرفاق، الكتب... و"مياه الذكريات" تغرق العالم المترجرج على حافة الهاوية المطلقة: هاوية الواقع أو الحاضر، هاوية الحياة، هاوية القصيدة، هاوية اللغة. ويسأل الشاعر نفسه إن كان لم يحن له أن يحوم "حول البيت" مذكّراً بهاجس الشاعر الألماني هلدرلن المتمثل في فكرة "العودة الى البيت". فالبيت هنا لا ينحصر في معناه المادي أو الاجتماعي بل هو ينمّ عن معنى وجودي يطاول الإنسان ككائن لا يكتمل إلا عبر تحقيق فعل العودة، أياً تكن هذه العودة: عودة الى الطفولة، عودة الى الشعر، عودة الى الموت... و"البيت" لدى الجنابي الذي يقابل مفهوم "المنفى" سيكون بيت "اللغة" أو "سكناها"، اللغة التي تجمع بين الحياة والموت، لأنّ "الكلمات بقايا حياة ولّت". الكلمات إذاً هي بقايا حياة ولكن أي حياة: حياة ولّت. هكذا أيضاً تجمع الكلمات في وقت واحد بين استمرار الحياة وإدبارها، بين بقائها واندثارها. غير أن الشاعر الذي يعي مأساة التناقض الأزلي عندما يكون "الأبدي رغبة" دائمة و"الجوع الروحي ظلاماً"، سيجعل من الحلم سبيل خلاص: "عليك الآن أن تنام لكي يدوم الحلم". وليس ربطه بين الحلم والنوم إلا تشديداً على أن الحلم هو وجه من وجوه النوم أو نافذة من نوافذه. والنوم سيعني النعاس مثلما سيعني الرقاد أو الموت، ما دام الحلم مدعواً الى الديمومة، فلا يقطعه صحو ولا تمحوه يقظة. والحلم أصلاً ليس غريباً عن سلوك عبدالقادر الجنابي الذي بلغت حماسته السوريالية أوجها في بعض مراحله الشعرية السابقة، وقد أعلن في إحدى قصائده القديمة جهاراً: "أنا حلمي". فالحلم لديه يحمل معنى التحرّر، ليس من وطأة الواقع والعالم والتاريخ فحسب، بل من نير العقل والمنطق والحياة والوجود أيضاً. والشاعر هو الإنسان الذي وصفه اندريه بروتون في "بيان السوريالية" بـ"الحالم القطعي"، لكنّ حلمه متلألئ بالنجوم كما حلا للشاعر بول ايلوار أن يعبّر، فـ"حلم بلا نجوم هو حلم منسي". وحلم عبدالقادر الجنابي صاخب بالصور والألوان والكوابيس والغرائب والوجود... حلمه كما تفيد قصيدته البديعة والمختصرة "رؤيا" قادر على ممارسة فعل السحر، مازجاً الزرقة بالعتمة مزج الماء بالحبر: "كم هو أزرق هذا الليل/ الأرض وكأنّها كأس ماء/ سقطت فيه قطرة حبر". وقد يكون استخدامه الحرف المشبّه بالفعل (كأنّ) هو بمثابة استخدام بول أيلوار حرف التشبيه في صورته الشعرية الرائعة التي باتت أشبه بالمثل السائر: "الأرض زرقاء مثل برتقالة". فالتشبيه في كلتا القصيدة والصورة يمنحهما مزيداً من الشعريّة من خلال الجمع "الحقيقي" بين المشبه والمشبّه به الخاضعين لحالين من التباعد المادي.
توالى الصور والألوان في قصائد عبدالقادر الجنابي، مثلما تتوالى الكوابيس (وكأنّها تستنبط مأساة العراق الوشيكة). "هاك الليل آنية زهور/ لنافذتك/ والحبر سيكتب اسمك"، يقول الشاعر. وفي قصيدة أخرى يقول أيضاً: "عندما تشربك المياه/ في شفوف الليل الزرقاء...". وليس الإصرار على زرقة الليل إلا إصراراً على محو الظلام أو تحويله الى "ذهب أزرق"، الظلام الذي "ليس له وجود"، كما يعبّر الجنابي. لكن الظلام الذي ينتمي الى "الحقل المعرفي" للّيل سيطغى كثيراً، سواء بحضوره "الغائب" أم بأثره "الممحّو" بحسب ما تقول أمثولة الشعر عن الغاء المتناقضات أو الثنائيات. وقبل الخوض في موضوعة (تيمة) الليل، لا بدّ من الإشارة الى الصور الكابوسيّة التي يحفل بها شعر الجنابي، وبعضها يغدو امتداداً لحال الزرقة التي أصابت الليل. فالمياه التي تشرب الشاعر في "شفوف الليل الزرقاء" (كما ورد سابقاً) ستجعل الموتى "يخلدون الى النوم" في "قبرك المفتوح" كما يخاطب الشاعر نفسه. وفي قصيدة "ليل أشقر" تتفتح القبور ويتنفس النبات هواء العالم و"يضيء القمر القتلة الى الضحية". ويستخدم الشاعر هنا، في هذه الصورة الكابوسية فعل "يضيء" في معنى "يقود" كاسراً المعنى القاموسي لفعل "أضاء" أو مسبغاً عليه صفة اضافية.
تسيطر موضوعة الليل إذاً على الكثير من قصائد الديوان حتى ليغدو الليل (كمفردة ومعنى) هو الوجه الآخر للحلم. ولا يستغرب القارئ ورود مفردة الليل (وما يضاهيها في حقلها) كثيراً، فهي مفتاح من المفاتيح القليلة القادرة على تشريع أبواب العالم الشعري. فالليل الذي ينفيه الشاعر في احدى القصائد هو توأم الوجود، ليس لأنّه وجهه القاتم أو الآخر أو الغائب، وإنّما لأنّه حقيقته أو "لبّ النهار". وما يميّز العالم الشعري، العالم الصامت الذي "لا أبجدية له" والذي لا يتخطى "حجم اليد" أنّ "نهاره ليل/ وليله نهار" كما تفيد إحدى القصائد المهمّة في الديوان، التي تفترض أن الشعراء أحرقوا كلّ ما كتبوه، "تاركين القلم والمداد/ لعميان الأرض". أما "عميان الأرض" فهم في معنى ما الشعراء الذين تعلّموا كيف يتكلّمون "من دون كلمات" وكيف يصفون ما حدث لهم "ببياض" وفق ما تقول قصيدة أخرى يخاطب الشاعر فيها نفسه كشاعر. وفي العودة الى موضوعة "الليل" ومشتقاته يلحظ القارئ طغيان حال الظلمة، ولو اختلفت دلالاتها أو معانيها: ظلمة الذات أو الروح (تغوّر إذاً، في سواد مياه البؤبؤ)، ظلمة الليل الأزرق، ظلمة الخارج (إبكِ على الظلمة المتراكمة/ في فضاء السكون)، ظلمة القبر، ظلمة "الجوع والأمل"، ظلمة اللغة (حيث تولد الكلمات/ ثلج بطلعة سوداء)، ظلمة العين (حيث تولد الكلمات/ عين ترى صمتها)... ويختتم الشاعر القصيدة الأخيرة في الديوان عبر مشهد ليلي متذكراً ليل نوفاليس، الشاعر الألماني الذي كان "أوّل من رتل الليل/ لبّ النهار". ونوفاليس هو شاعر الليل بامتياز ولا سيّما في كتابه "أناشيد الى الليل" الذي وضعه غداة وفاة حبيبته صوفي ابنة الخمسة عشر عاماً وفيه غنّى ليلها الحافل بـ"الغبطات اللامتناهية" و"النوم الأزلي"، طاوياً صفحة النهار الذي يعني الموت الحقيقي. وإن كان ليل عبدالقادر الجنابي بعيداً من "ليل" الشاعر والقديس الاسباني يوحنا الصليب فلأنه "ليل المادّة"، و"في ليل المادة تتفتح أزهار سود" كما قال غاستون باشلار في كتابه "الماء والأحلام". إلا أنّ الجنابي سيجعل الأزهار السود مضيئة و"فحمة الليل" مشعّة كالجمر، كما يعبّر. حتى "جثة الشاعر" التي يراها "شفافة" وطافية "في نهر سكوتها الأبدي" ستتأرجح "قصائدَ منفرجةً في وهج الشمس". ليل الشعر "يلقي ضياءه" ليمحو الظلام وليخلق من العتمة الدامسة زرقة ساطعة وشفيفة، هي زرقة الحلم والكينونة والمطلق... إنّه ليل الشاعر الذي كما قال فرنسيس بونج "يجب عدم التوقف عن الغوص فيه حتى ينبثق الضوء فجأة".
لم يخلُ ديوان عبدالقادر الجنابي ممّا يشبه "البيان" الشعري الذي باحت به بعض القصائد ولكنّ بوحاً غير مفتعل. فالكلام عن الشعر لن يطغى لديه على الشعر، لكنّه سيرافقه في أحيان كاشفاً غوره من حميم الفعل الشعري. وفي هذا السياق لا يطلق الجنابي عبر شعره نظرية للشعر، فالشعر لديه أصلاً مغامرة في سديم اللغة والعالم والعناصر، كأن يقول: "الكلمات وأنا/ كلّ يتشبث بسراب". غير أن هذا السراب لن يحول دون تدفق الكلمات والشاعر معاً وانصبابهما "في المنبع". والشاعر الذي اعتاد أن يصغي الى "خرير الكلمات" (كما لو كانت ماء) "في برك الفراغ الباردة" قد يحسن له أن يدع القصيدة "نائمة في بئر"، بئر الروح والمخيلة والذاكرة والموت: "من جسم هذا الموت/ ينزلق الكلام". وعلى غرار ريلكه الذي استعاد أسطورة أورفيوس ليبعث روح الغناء في العالم يعرب الجنابي عن أنّ "أشعارنا لم تعد تغنّي/ والنثر لم يأتِ/ ليروي في أرض الحكاية/ جذور الغناء". لعلّه الانتصار للنثر شعراً وقصيدة، يسجّله الشاعر مذ يجعل النثر مستقبل الغناء. فالنثر في كونه "شعر" المستقبل سيظلّ حتماً في طليعة التمرّد الحلمي الذي لا يبغي الوصول الى غاية نهائية أو هدف ثابت، مقدار ما يسعى الى البقاء في حالٍ من المواجهة والمغامرة والتحوّل. (عن "الحياة" اللندنية)
***
2- جمانة حداد: عبد القادر الجنابي في لغتين حتى أمكنة التذكّر نسيانية
اخترت مجيئا الى الديوان الاخير للشاعر عبد القادر الجنابي "ما كان ابدا لن يكون" (*) كقارئة شعر ومترجمة في آن واحد. فالكتاب الثنائي اللغة، شبيه بجنين يولد مرتين، بنبع يتفجر من صخرتين، بنشوة تتصاعد في صرختين. ولكل ولادة وانفجار وصرخة بروقها وصعقاتها. انهما هويتان للوطن نفسه، بل اكاد اقول شقيقين توأمين من أم واحدة، مخيلة الشاعر وتجربته وافكاره، ولكن من رحمين - لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تماما لولا حبل السرة - نار الشعر التي تربط بينهما. هكذا اقرأ عبد القادر الجنابي بالفرنسية غير ما أقرأه بالعربية، بما ان لكل لغة ادواتها ونبرتها ووجدانها وفضاء حريتها التي تضفيها على القول. يهمني ان اتوقف قليلا امام ترجمة انطوان جوكيه، وهي ترجمة تقدم الينا شعر الجنابي كما لو انه مكتوب للتو بالفرنسية. كأن لا تاريخ سابقا له في العربية. وهذه صفة نادراً ما عثرنا عليها في "متاهة" الترجمات السيئة التي نعلق فيها احيانا. اما هنا فشعرية القصيدة الفرنسية تنتمي الى اللغة بقدر ما تنتمي الى شعرية القصيدة التي كتبها الشاعر في العربية. واكاد اقول ان سهم المترجم لا يستطيع اصابة الهدف في صميمه الا اذا كان الوتر مشدودا بيد الشاعر نفسه. وهذا ما تحقق في لقاء الجنابي وجوكيه. اقرأ الجنابي اذن بالعربية اكثر نزفا، وبالفرنسية اكثر التئاما على جروحه. بالعربية اشد ضراوة وسطوعا، وبالفرنسية اكثر حلمية وشفافية. هنا ليل يهلوس وهناك كلمات تسيل كمثل شمعة تنتحر. هذا صفعات موجعة وهناك عتاب خفيض. يتحقق الشعر عند الضفة الاولى بالحمم، اما عند الضفة الثانية فباللمسات الحارقة. هكذا توجه كل لغة طعناتها على طريقتها، وتتدفق كل قصيدة على ايقاع خاص بها. والمجموعة الصادرة بالعربية والفرنسية عن سلسلة "المكتبة العربية الصغيرة" التي يشرف عليها الجنابي في دار باري - ميديتيرانيه تدعونا الى الدخول اليها من ابواب كثيرة: باب الشعر ابجدية لاختراع العالم، باب النسيان منارة لبلوغ مرافئ الذاكرة، باب اللغة اسلوبا للفظ الصمت، باب الموت طريقا الى تدجين الحياة، وباب ثنائية الصوت، مثلما ذكرنا، وسيلة للولادة مرتين، واكثر. الشعر لدى الجنابي روزنامة الذكريات الغارقة في بئر عمياء، وما من سبيل لكي ترى نفسها بالكلمات الا بتطويع التضادات. وهذا تخريب لذيذ للمنطق الذي يتأسس عليه فهم العلاقة بين اللغة واللغة، بين النسيان والتذكر، بين اللفظ والكتمان، بين الماضي والحاضر. وهي تارة علاقة تنافس واحتلال: "ما ان يموت الماضي غرقا/ في مياه الذكريات/ حتى يستولي الحاضر على ملك يمينه"، وطورا علاقة تجاذب واسر والتصاق. فالماضي هو اللغة التي علينا ان "نربطها بسريرنا" كي لا تهرب. ولكن الجنابي لن يتذكر ماضيه، سيعيشه. لن يستعيد كلماته، سيقتلها. لن يعود طفلا، سينجب نفسه من جديد بلغتين. لن ينام في فراش تاريخه بل في "حلقوم اله". بذلك يتراءى الديوان مقاربة شعرية لمنطق يقوم على اللامنطق. تولد القصيدة من لا شيء، من النوم، من الحلم الصرف. وعبر هذا النوم تتحقق الكلمات: "لم يتبقَّ سوى السرير هذا/ المجبول من اشرطة الامس/ وعليك الان ان تنام لكي يستمر الحلم". انه نسل الكلمات التي عليها ان تنسى لتكون. ويظهر كم ان تجربة الشعر لدى الجنابي موصولة بهواجس السورياليين الذين ينتمي اليهم انتماء كيانيا. حتى ماضيه هو ماض سوريالي. حتى امكنة التذكر هي امكنة نسيانية. ومن دون ذلك لا "تنفقع اضوية الذاكرة البعيدة". انه اللهو بالحياة والذاكرة والغربة وحتى بالموت الحاضر بكل تهديده ومفرداته في مناخ القصائد، قبورا وجثثا وانتحارا وموتى. وهذا ما يخترع رعب الكلمات ودهشتها وومضاتها، بل يتقمصها ويصيرها، وآنذاك تلتمع القصيدة بوجهيها ولغتيها وتناقضاتها وكل ثنائياتها، اللاواعية والواعية على حد سواء. "الكلمات وانا/كل يتشبث بسراب"، يقول الجنابي في ديوانه. يتحدث ايضا عن سراب الحد الفاصل بين اللغات، التي مهما تعددت ستعود الى حضن الكلمة الواحدة، كلمة الشعر الحاسمة. وهذا الامتداد من لغة الى لغة، هذا الشعر التوأمي يزيد اقتناعي بأن لعبة الانقسام والالتحام بين اللغات مهجّنة مثل حياة بين حبيبين، وبأن هذين المد والجزر ما هما في آخر المطاف، حين يصفو الصوت ويتبلور الجوهر، سوى بحر واحد، بحر الشعر المغرق والمنجّي. (عن "النهار" اللبنانية)
***
3- عـقـل الـعويـط: كتابة الحياة فـي أعماق النوم
ما الكتابة لدى عبد القادر الجنّابي؟ أن تجمّع عناصر القوة السرية للبداهة. أن تعرضها تحت الشمس وبسرعة البرق، ومن دون العبور في مناطق نصف باردة نصف ساخنة. أن تلتقط البرق الصاعق وتمنعه من التشظي. أن تكون الكلمات غيم السراب وماءه الراشح. أن تكون القارىء من دون أن يدري. ومن دون أن تفكّر فيه. أن تكون الذكريات وقد صارت حاضراً ومستقبلاً، ومن دون أن تتذكر نفسها أو أن تكرّر نفسها. أن تسترجع الكلمات طفولتها الباهرة بدون التأثر بنار الحكمة والنضج. أن تعيش هذه الكلمات بذهول الماضي الأرعن، لكن بنهم الكبار وبإحساسهم أن الأشياء ستزول من أيديهم . لتعود تزهر في البستان الإنساني متحوّلةً علاماتٍ تدلّ على الضوء عندما يصير الليل لبّ النهار وشمسه الساطعة. ما الكتابة إذاً لدى عبد القادر؟ هي نقطة حبر في كأس من الماء. كلمات في كأس من الليلَين الأزرق والأبيض. هي نقطة حبر تلوذ بالصمت الذي يعقب الألم. وتستجمع شتات الومضات الغافلة عن نفسها لتقول ما تعتقد أن زمنه قد ولّى ولن يعود أبداً. الكتابة إذاً تتسلل الى الدهاليز. الى المتاهات. الى الأروقة التي في الباطن. حيث هناك المسرح الفعلي للصور التي تنعكس على صفحات الأيام الماضية ولياليها الغرقى لتسيل في بحيرات المرايا. حيث هناك تنام الكلمات نومها المختبىء من الضوء كي تحافظ على الألق الكيميائي الذي تكوّنت منه، وكي تتفادى امتحان سؤال العمر. بهذه الطريقة من الاختباء، تصبح الكتابة لا استرجاعاً بل إشعاراً بأن الزمن الشعري المقصود يتدرج داخل ذاته وضمنها، لا على عقارب الساعة. لذا سيكون زمناً آخر مختلفاً عن التداول المنثور الذي تصنعه بورصة اللغة في الحياة اليومية. أهي حياة أخرى؟ لا أعرف. لكنها الحياة موصوفةً حيث يربط الشاعر اللغة بسريره ويغلق عليها الأبواب فلا يجعلها تهرب لأنها ماضيه وكثبانه السائلة. تُرى، لماذا يربط الشاعر لغته بالسرير؟ ألكي ترتاح وتتمدد على سرير من الصمت، على قول روبير ساباتييه، استعداداً لكي تحلّق وتطير؟ نعم، ولهذا السبب هي حالة لانهائية. لأن سرير الصمت، هو شرطها وبرهانها تحقيقاً لصمتها الآخر الجديد، الصمت الذي هو مصنع اللغة، وهو موجود في حالة الطيران، أي "في هذا اللانهائي". فلا عجب إذا كانت الكلمات "أبداً لن تعود". وإذا عادت فشرطها الوحيد و"المستحيل" أن يتعلّم الشاعر التكلم بدون كلمات. غرابة؟ صحيح. إرهاب؟ حقاً، ولكن! بمعنى أن الغرابة الإرهابية هي وحدها التي ترفع عن اللغة الغبن اللاحق بها وتحقق لها المساواة وتعيد إليها الاعتبار. هي مسألة ارتقاء الى الحقيقة الافتراضية التي لا يطّلع عليها الشاعر ويمتلكها إلاّ عندما تسيل حياته كأمطار صامتة في شجن الضباب الذي يتحوّل صوتاً. الكتابة هي إذاً لأجل أن يصنع الشاعر ــ لاسيما ــ حياةً من هذا النوع. لأجل أن يتعلم المرء ــ أن تتعلم أنت ــ "كيف تتكلم بدون كلمات/ كيف تصف ما حدث لكَ/ ببياض" (صفحة 18). "أربط اللغة بسريرك"، يقول عبد القادر. إذاً، ثمة ديكتاتورية يمارسها الشاعر على لغته كي تبقى معه والى جانبه أو فوق رأسه في الليل، في ليل النوم، وذلك ليس للحؤول دون هربها وفرارها في غمرة انشغاله بأحلامه وأسفاره. فهذا التقييد للغة هو، على العكس من افتراض الديكتاتورية، الشاهد الوحيد الذي يرى بصمت ماذا يحصل منذ ليلة الرحم الأولى مروراً بالليالي جميعها، وصولاً الى الفجر والى كل فجر. هو يدعو الى ربط اللغة بالسرير لا لمنعها من الهرب وإنما لكي تقوم بتسجيل الحياة التي تحدث وقائعها في أعماق النوم، ولكي تكتب تلك الحياة بلغتها الليلية لا بلغة مستعارة يتم تذكّرها في ما بعد. يربطها لتتمدد وترتاح من أجل أن تحظى بطيرانها. وهذا هو برهانها الشعري الأوحد. لن تكون الكتابة فعل تذكّر. فهي الشاهد الحاضر في طيّات النوم العميق والذي يُبرز البرهان الليلي الفريد من نوعه. برهان الحلم الذي تتولى الأوراق في ما بعد رواية انكتابه حارّاً ومحفوظاً من التغيّر... وذلك من دون تذكر. الكتابة في هذا المعنى لا علاقة لها بهذا التذكر. إنها ما يجعل الشمس تفتح "فجركَ المنتفش بالحركة" (صفحة 16). هل هذا النوع من الكتابة يشكل عودة الى السوريالية في زمن رجوع الجنود من الحروب كلها؟ ليست عودة حنينية ولا هي نقيضها. إنها سياق من ذهول الإحساس المتواصل داخل طفولة مفتوحة على لغة تشهد لاستمرارها الديناميكي الحيّ. لأجل ذلك هي تكريم للأروقة والدهاليز التي تحتضن الكلمات فتمنعها من الشيخوخة ومن الاهتراء والتحلل والعفونة. فما ان يمسح الشاعر عنها عتمة النوم حتى تنزل الى الأرض كطفلة متراقصة، أو تسيل فتصير لغة. هذا النوع هو بالأحرى من فصيلة كتابة الكتابة. من نوع كتابة كلمات الكلمات. حيث المنسيّ الخافت. حيث القصيدة متروكة للنوم في بئر. حيث على الشاعر أن يسرد "ما ينطوي عليه النسيان" لا التذكر، وحيث "الكلمات (هي) بقايا حياة ولّت" (صفحة 12). إذاً، تنشأ القصيدة من النسيان. والنسيان موجود فقط في النوم واللاوعي. في مناطق هروب العقل والذاكرة والوعي. وهي مناطق عدم التذكر بتفوّق. إنها المناطق التي كانت اللغة شاهدةً لها عندما تمّ ربط تلك اللغة بسرير النوم. لذا هي قصيدة لا تحتاج الى أن تتذكر أحلامها ونومها ووقائعها وكلماتها. إنها قصيدة تُكتَب بلغة شاهدة، طائرة ومحلِّقة ومتحرّرة من الاستعادات لأنها غير زمنية. أو هي تنتمي الى زمنية مناطق النوم واللاوعي، المحررة من هرب الزمن ومن الإحساس بالزوال والتآكل. على هذا الفهم تنوجد اللغة فتجعل الكتابة في اللازمنية. أليس ما قاله جيل دولوز يصب في هذا المعنى، عندما رأى أن الكتابة لا تنفصل عن الصيرورة. عندما يكتب المرء، يقول دولوز، يصير امرأة، حيواناً، ذرّة، جزيئة، الى أن يصير غير مدرَكٍ بالحواس. هذا اللامحسوس يشبه الصيرورة السرابية، هنا، في الديوان: "الكلمات وأنا/ كلٌّ يتشبث بسراب" (ص 64)، يقول عبد القادر. هذا التشبث بسرابَين: سراب الانوجاد في مكان ما من الشمس (الكلمات)، وسراب الرقاد في سحب النسيان (الشاعر)، يمنحهما معاً أن يتدفقا وأن يصبّا في النبع، لا أن يذهبا في هاوية الإهدار المرير. ويمنحهما خصوصاً أن يكونا شاهدين من مكانين مختلفين: هو لدى منضدة الشهود، وهي في منزل شاهق فوق البحر. كلاهما يشهد. وشهادتهما ستكون "على موعد ملء الزمن" (ص 64). هذا السراب، لولاه، أي لولا الشعر والكلمات والشعراء، لكان العالم بلا أبجدية، متروكاً القلم والمداد فيه لعميان الأرض. والسراب خلاص لأنه نسيان ولأنه ليس تذكراً بل صيرورة وحقيقة افتراضية غير محسوسة وغير واقعة تحت سلطة الحواس. وإذا كان عبد القادر يعنون ديوانه بالآتي: "ما كان أبداً لن يكون"، فهذا يعني فقط أن التذكر لم يكن. وأن اللغة، وأن الكلمات، لغة التذكر وكلماتها، لم تكن. وهذا يعني، استنتاجاً وتأويلاً دلالياً، أنها ستكون بالشهادة للنسيان. لأنها لم تكن. وفي إمكاني أن أقترح عليه العنوان الآتي: "ما لم يكن أبداً سيكون". (عن "ملحق النهار الثقافي")
*****
4- سعد الله خليل: قراءة كلاسيكية لباقة شعر سوريالية
توضيح لا بد منه لعل أكثر ما يهم الشعراء والأدباء هو رأي النقاد في أعمالهم، لا رأي القراء، وقد تتفق آراء الطرفين حينا، وآخر يتمايزان. لذلك لا بد من التوضيح والتأكيد أني لست ناقدا أدبيا أو فنيا، ولا أعرف أن أكون. بل قارئا عاديا يتابع بين الحين والآخر بعض الفنون الأدبية. لذا فإن ما أكتبه رؤية قارئ عادي "ذي خلفية تراثية" لباقة شعر سوريالية بعنوان (ما كان لن يكون)للشاعر عبد القادر الجنابي.
مدخل إلى الديوان يضم الديوان باقتين من الشعر الحي المضمخ بألوان البنفسج وعبق الأزهار البرية الجميلة شكلا، والعميقة مضمونا. لهذا من العسير جدا، بل من شبه المستحيل أن تحيط دفعة واحدة بكل مقاصد الشاعر التي اختزنتها قصائد الديوان. يمنعك أو يمنعني من ذلك أنها قصائد غير تقليدية، فهي من قصائد النثر التي يتزعم صاحبها تيارا شعريا متمردا- ولا أقول انقلابيا- على الأنماط الشعرية المألوفة، غايته إحلال بنية شعرية موازية- إن لم نقل بديلة- للبنى الشعرية الشائعة، التي اعتدنا ونشأنا عليها. في قصائد الديوان الكثير من الصور والرموز والدلالات الخفية. فالشاعر يكتب كلماته، ويرسم لوحاته ورؤاه، وهو في حالة من انعدام الوزن والتوتر والانفعال وتداخل الحواس، مطلقا العنان لعقله الباطن الذي اختزن ذكريات وهموم وتجارب متراكمة، ليوحي بالكلمات ويتنبأ بالقادم، مثيرا حالة ثقافية وحياتية وعاطفية ووجدانية، عايشها وأحسها وتنفسها وتذوق حلوها ومرها، وقد يكون صارعها، فصرعته حينا، وصرعها أحيانا. أو أحبها، فعاكسته وخذلته، وربما بادلته الحب ووفرت له السكينة والاطمئنان. ليس حزن الشاعر على ما يراه ويستشفه ويتوقعه هو الرابط الوحيد بين قصائد الديوان بل أيضا الهمُّ العام للشاعر، ونسيجه الفكري، وعلامته الفارقة في الصنعة. وقد يُظن للوهلة الأولى أن همَّ الشاعر يتركز فقط في اصطياد الصور الشعرية الجديدة الجميلة. لكن الشاعر بما اختزنه من ثقافات وهموم إنسانية عامة وشخصية، يعطي هذه الصور دلالات أعمق وأبعد، لترى في الصورة صورا. أما عبارات هذه القصائد وصورها، فهي كسر تام وحاد للغة والصور الشعرية التقليدية، وتشكيل للغة شعرية جديدة، تأخذ فيها الكلمات أبعادا ومعاني ودلالات جديدة بعيدة. إن كان من السهل ملاحظة جمالية التعابير والصور المستحدثة المبتكرة في هذا الديوان، وهي كثيرة، منها: (الدمعة في العشب، فضاء السكون، ضباب الصوت، الكلمة صورتك، ضع أضواء الصباح على المنضدة، الأرض النامية جمالا تبتعد وتخلد للنوم، الليل آنية زهور لنافذتك، اربط اللغة بسريرك، حلقوم إله، برك الفراغ،الإرهابيون براعم تتلاشى، الحياة حيوان أليف، تجثوا النجوم ببابك، خرير الكلمات، القمر يضيء القتلة إلى الضحية، معدة الزمن، فحمة الليل تتجمر...الخ). أقول أن كان من السهل اكتشاف هذا الجمال في الصور، فمن الصعب من خلال القراءة الأولى أو الثانية اكتشاف أطروحاتها ومراميها بالكامل، بل لا بد من قراءتها مرات ومرات كي تمسك بعض خيوطها، ومهما أمسكت من خيوط فستكون تلك قراءتك الخاصة للقصيدة، لآن الشاعر ضنين بأسراره لا يبوح بها، ومع ذلك- وهذه إحدى الميزات الهامة للشاعر عبد القادر الجنابي- لا يقيد القارئ ولا يثبته في نقطة محددة، أو يوجهه باتجاه معين، بل يفسح له المجال كي يرى الصورة من زوايا عدة، مما يسمح بعدة تفسيرات وتأويلات، أحيانا تكون متباينة، وأحيانا أخرى تكمل بعضها بعضا. ولكن لا بد لنا من الاعتراف أن هذا الشاعر الذي يتقن عدة لغات عالمية (إنكليزية، فرنسية، عربية) يترجم الشعر منها وإليها، يعرف جيدا كيف يختار ويلتقط الألفاظ والصور، لتكون شعرية متألقة في جميع اللغات.
عنوان الديوان يقول المثل الشعبي: "المكتوب يُقرأ من عنوانه" وعنوان الديوان (ما كان لن يكون) جزل موسيقي، وسهل رشيق، يعبر عن فلسفةٌ عميقة، ويختزل قانونا كونيا أُثبِتَ علميا: كل شيء في الحياة والطبيعة في تغير وتبدل مستمر، ولا شيء يبقى على حاله ولو للحظة واحدة. فأنت في هذه اللحظة، لست أنت في اللحظة التي تلتها، فعلى الأقل هناك خلايا ماتت في جسدك، وأخرى تجددت. ومياه النهر التي تفقدت في لحظة ما، غير المياه التي تدفقت في لحظة أخرى.
الباقة الأولى وتضم اثنتا عشر قصيدة بعضها زخات من العطر الناعم، وبعضها الآخر زخات عبقة من العطر القوي. أذكر من عناوينها (ومضة، تأهب، ضباب الصوت، الكلمة صورتك، آخر الخريف، صورة رمل، تدرجات، ..) أول ما يجذبك في الباقة الشعرية الأولى هو عنوانها المبتكر(ما إن يكتمل القمر، حتى يتنفس النهار) لا بل الساحر الجميل، الموظف بتقنية عالية في خدمة الغرض الشعري والفكري. فمن جهة فإن (اكتمال القمر) يعني أنه قد أصبح بدرا مما يُنذر بانتهاء الشهر. و(اكتمال القمر) يعني أيضا اكتمال دورته اليومية، وأن الليل بدأ بالتلاشي، مفسحا المجال للنهار كي يستيقظ ويتنفس ويبدأ حياته ودورته أيضا. ودلالات (القمر) كثيرة، منها أنه كان إلها يُعبد، وكان أساس حساب السنة للشعوب القديمة، ولا يزال لبعض الشعوب الحالية، أي أنه يرمز للزمن ودورة الحياة.. كما كان ملهم الشعراء، وهو مذكر في لغتنا العربية، بمعنى أنه الأقوى. والقمر يرمز أيضا للدورة الشهرية عند المرأة، وكما أنه يمر بعدة أطوار خلال الشهر، كذلك هي حال المرأة قبل وأثناء وبعد الدورة الشهرية. كذلك فالقمر مرتبط بالليل الذي يرمز في مفهومنا إلى كل ما هو أسود وظالم وقبيح، بعكس النهار الذي يرمز للدفء والضوء والتفاؤل والحياة، والذي سيتنفس ما أن تكتمل دورة القمر ويغيب. لهذا نحن لا ندري على وجه اليقين إن كان الشاعر قد أراد أن يعبر عن وطأة هذا الليل الذي يجثم على صدر النهار، أم أنه يتنبأ بانتصاره عليه، أم أنه أراد أن يساوي بينهما، أم أن الشاعر استخدم هذا اللفظ (القمر) كناية عن المرأة، أو عن دورة الحياة؟ إنه يتركنا في حيرة، ويفسح المجال لتفسيرات وقراءات وتأويلات عدة.
ومضة إنها رغبة قوية ومضت في ذهن الشاعر السوريالي وألحت عليه (ألم يئن لك) نلمح في هذا التعبير حبا وحنينا ورغبة في القيام بأحد فعلين، وربما كليهما معا: فإما رغبة في التسكع باعتباره تعبير عن الاستقلالية والحرية الفردية التي تريد أن تتحرر من جميع القيود والمعوقات التي تفرض على الإنسان، وكرد فعل على الظلم والطغيان الفكري والاجتماعي. وإما رغبة في العزلة، والابتعاد عما يعكر الصفو، وخاصة أولئك الذين يسميهم الشاعرُ قطط الليل (ألم يئن لك أن تنام بمنأى عنهم في...). ولكن أين يريد الشاعر أن ينام؟ لا شك أنه سيختار مكانا عصيا على الغير، وفي قمة التحدي، منسجما مع تطلعاته ورغباته وأطروحاته، وهو (حلقوم إله)- وبكل ما يعنيه هذا الاختيار للمكان من أنفة ومواجهة- ليكون شوكة في حلق ثقافة التخلف والخرافات والعادات الموروثة البالية. زاده (لا زاد لك سوى تفاحة وهواء) الهواء الذي يعني الفضاء الواسع- الحرية اللا محدودة. والتفاحة التي ترمز إلى العصيان ومخالفة الأوامر والتعليمات، تلك الثمرة التي أخرجت آدم من الجنة، من عالم الجهل والكسل والتواكل إلى عالم المعرفة والعمل والبناء. علما أن قضم التفاحة يحتاج لأسنان قوية، بمعنى أن العصيان والتمرد يحتاجان للقوة والصلابة والعناد.
تأهب في هذه القصيدة صور شعرية جميلة أخّاذة (خذ أضواء الصباح ضعها على المنضدة- الأرض النامية جمالا تبتعد وتخلد إلى النوم- هاك الليل آنية زهور لنافذتك) لكن علائم الحزن والأسى على مصير العالم، بادية على كلمات الشاعر (الحبر سيكتب اسمك). إنه يدعوك في البداية إلى التمسك بالفرح والحياة (خذ أضواء الصباح...) لكنه يحذرك أن هذه الأضواء ستقذف بها الريح، لأن نهايتها اقتربت (نهاية اليوم على الحافة) ولذلك (ابك على الظلمة المتراكمة) التي ستلف العالم، ظلمة الجهل والخوف والظلم والتطاحن والحروب، مع أن الأرض العامرة بالخيرات، والمتألقة جمالا، تتسع الجميع، لكنها للأسف تبتعد شيئا فشيئا، ولذلك ليس لك إلا أن تجعل من الليل- الذي هو مستقبلك- آنية زهور لنافذتك التي لن ترى من خلالها بعد الآن سوى الظلام.
إلى الخافت فينا والخافت فينا قد يكون صوت العقل والتنوير، وقد تكون الشجاعة على نقد الذات ومواجهة النصوص والتوهم والخرافات، وقد يكون الضمير، وقد يكون الحب الإنساني، وقد يكون العلم والمعرفة، وقد يكون القدرة على التطور، والقدرة على التمييز بين الصالح والطالح. ومها كان، ففي (..الخافت فينا) توثيق لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي هذه القصيدة صور شعرية رائعة، وتعابير مبتكرة (برق يمتحن باطنك- خط الأفق يباغت طفولته- الكلمات بقايا حياة ولت- الوقت قصير في سالف الأيام ...) وحزن يتدفق على هذه الأمة الغارقة في أوحال ماضيها وأطروحاتها، ولم تر النور حتى الآن. وعلى الفتية الأغرار الذين ينتحرون قبل دخول الحياة (الإرهابيون براعم تتلاشى مع تفتح الزهرة).
ضباب الصوت أكثر ما يميز هذه القصيدة بلاغتها، ومقولاتها الواضحة القاطعة التي لا تحتمل التأويل. عباراتها وجملها شديدة التكثيف، جامعة مانعة، لكنها غاية في التألق والجمال، يرفض فيها الشاعر لغة الماضي السقيمة، لغة القحط العقيمة، ويبتكر أبجدية جديدة تولّد لغة مسموعة غير منطوقة، وحروفا مكتوبة غير مرئية (تعلم كيف تتكلم بدون كلمات/ كيف تصف ما حدث ببياض) فما هي هذه اللغة؟ أهي لغة الصمت؟ أم لغة الإيحاء والنظرات؟ أم أنها لغة الشعر، وسر الشاعر، وروعة الخيال.
الكلمة، صورتك في العنوان (الكلمة، صورتك) أكثر من معنى وأكثر من دلالة. والفاصلة التي بينهما للفصل والتمييز بين الأصل والصورة. فمن جهة نستطيع أن نقول أن الشاعر أراد الإنسان- الإنسان الذي يتخيله ويريده- أن يكون على صورة الإله في أفعاله وأعماله وسلوكه وعلاقاته وقدراته، انطلاقا من " في البدء كان الكلمة، والكلمة هو الله، والله خلق الإنسان على صورته" إذن اعرف نفسك يقول الشاعر عبد القادر الجنابي: فأنت صورة عن الكلمة أيها الإنسان. ومن جهة أخرى نستطيع القول أن الشاعر يبين رأيه بشكل قاطع في العلاقة التي يراها وثيقة بين الإنسان وأقواله وكتاباته، وكأن أحدهما انعكاس للآخر. ويقول لا لازدواج الشخصية، ولا للذين بألف وجه، وألف لسان. ثم يعود ليؤكد رؤيته لهذا الإنسان الذي ابتغاه وأحبه وأراده، فإضافة للكلام بدون كلمات، والوصف ببياض، يريد منه أيضا أن يتعلم كيف يضيء بلا فانوس، وكيف يتألق كما المرجان في أعماق البحار. وكأني به يريد أن يقول أن قدر الإنسان المعطاء أن يحترق لينير درب الآخرين، دون أن يكون له مطمعا أو مغنما (لا تسأل أين خبزي). ليس هذا فحسب، بل أن يذهب آخر النهار بعد أن ينهي مهامه اليومية في تشذيب وسقاية حدائق وحقول الآخرين، لينام وحيدا (في أعماق الظلمة المتربصة خلف الباب). من الصعب أن تعبر قصيدة من قصائد هذه الباقة، دون أن تقف عند كل واحدة مندهشا تفكر وتتأمل. ففي قصيدة (آخر الخريف) يقول لك الشاعر: (العالم يشرق فوقك/ انفجر في العشب بين حصى الممرات وعلى رصيف الدروب). وفي قصيدة (أن تولد من لا شيء) يقول لك بلهجة العالم الواثق: احلمْ واستمر في الحلم، فهو خير لك من هذا الواقع المر (زوال في زوال: بيتك هواجسك زوايا الرفاق كتبك/ لم يتبق سوى هذا السرير المجبول من أشرطة الأمس/ وعليك الآن أن تنام لكي يدوم الحلم). وفي قصيدة (المصير) يحدثك عن خرير الكلمات، ويقدم لك نصيحة فيقول(ففي الحياة/ سواء كنت فرحا أو مغموما/ عليك أن تلهو) فاللهو خير دواء لفقدان الذاكرة والنسيان.
صورة رمل في هذه القصيدة يطلق الشاعر رصاصة الرحمة على حاضرنا الأليم الذي ساهم الكتبة وأدعياء الشعر- من خلال كتاباتهم وأشعارهم البائسة- في صنعه. والذي لا هم لنا ولهم فيه سوى تكريس هذا الواقع باجترار الماضي بكل ما يمثله من قحط وقيظ وبؤس. فيقول: دع الأموات تدفن موتاها. (ذرْ الصحراء تدفن كلماتها/ أشعارنا لم تعد تغني/ والنثر لم يأتِ بعد/ ليروي في أرض الحكاية جذور الغناء) " ذرْ من فعل وَذَرَ = ترَكَ، ولا يستعمل منه بهذا المعنى سوى المضارع والأمر، فتقول: ذرهُ أي دعهُ واتركه، و يذرهُ أي يدعهُ ويتركهُ- القاموس". صحيح أن القصيدة عبارة عن كلمات، وأحيانا بضع كلمات لا غير. إلا أنك قد تدفع رأسك ثمنا لها، ويجوع أطفالك بسببها. عدا عن أن الشاعر الحقيقي سيجوع ويعرى ويتشرد، لأن الشعر لا يطعم خبزا. هذا ما يقوله الشاعر عبد القادر الجنابي في قصيدة "القطيعة" (القصيدة تكلفك/ إنها كلمات/ قد يجوع الأطفال بسببها/ الشعر لا يؤكل) ولكن قد يأتي زمان كما يأمل الشاعر، وربما يتوقع. القصيدة الأخيرة في هذه الباقة هي قصيدة (تدرجات) وهي أشبه ما تكون بزخة عطر مكثف (لا تلق الضوء على الظلام فليس له وجود/ بل القه على ظلك الهاجع فترى نير حياتك) فالظلام لا وجود له إلا في خوفك وجهلك وضعفك وعبوديتك، وهذه العطالات هي التي يجب أن توجه الضوء نحوها، لتكتشفها وتدرك جسامتها، علك تتمرد عليها وتتخلص منها.
الباقة الثانية بالرغم من بساطة عنوانها وسهولة ألفاظه ونطقه، ووقعه المريح على الأذن (غيوم الصيف النائمة) إلا أنه عنوان يدعوك للتفكير بمرامي الشاعر، والتأمل بين السطور وخلف الكلمات. تتوزع تحت العنوان سبع عشرة قصيدة، بعضها ذات عناوين مختزلة، لكنها مكثفة ودلالاتها مفتوحة. أذكر منها (رؤيا، مستقبل، الثابت، أفق، المساومة، ألفاظ الرماد، براءة، عهد) وبعضها أكثر طولا وحدة مثل (الوقت غير مناسب للانتحار، الموت في جنوب العزلة). لا أهمية مطلقا لعدد كلمات القصيدة عند شاعرنا الجنابي. فالقصيدة كما يترآى لي رأيه، أو كما بدت لي في بعض قصائده التي ضمتها باقته الثانية: ومضة مبهرة، علامة فارقة، لقطة ساحرة، همسة رمية في بركة ماء راكد، قفزة في عالم بكر، أو محظور أو مجهول. لكنها ومضة أو نغمة أو قفزة أو صورة تدهشك وتفاجئك في جدتها وشكلها وشجاعتها وأبعادها، تختلط فيها الحقيقة الساطعة بالخيال الجامح، فتحسبها نبوءة، وغيرك يحسبها وهم، لكنها من واقع الأحوال (كم هو أزرق هذا الليل/ الأرض وكأنها كأس ماء/ سقطت فيه قطرة حبر.- قصيدة رؤيا).
ليل أشقر أما اللافت والخارج عن المألوف فهو في قصيدة "ليل أشقر" حيث (القمر يضيء القتلة إلى الضحية) وهو قول يكشف بسخرية مرّةٍ عمق المأساة التي سقطنا في هوتها، إذ أصبح القاتل بريئا، والضحية البريء مجرما. وفي الوقت نفسه وصف واقعي، فالحاكم بأمره، هو الذي يختطف الأضواء، وتلهج بذكره الأغنيات والإذاعات والفضائيات، بينما يلف النسيان الضحايا والفقراء.
مفعم هو الوسط قلت وأقول أنه لا يمكنك أن تعبر في هذا الديوان من قصيدة إلى أخرى دون أن تتوقف وتفغر فاك. فعند كل منعطف تنتظرك مفاجأة جديدة، قد تكون سارة، وقد تكون مفجعة أليمة كما في قصيدة "مفعم هم الوسط" التي يتحدث فيها الشاعر بسخرية ومرارة عن الذين صرفوا طاقاتهم في اجترار السوالف العقيمة، والعزوف عن اللب، والاهتمام بالقشور، ظناً منهم أن ما يفعلونه حماية للثوابت وعظائم الأمور. فأغلقوا الأبواب، وجمدوا الحياة والزمن، وسدوا منافذ الهواء والضوء، فحلَّ الظلام وساد الملوث (الظلام مثل الستارة/ عندما تحجب الشمس/ يحمي كتلة الوقت/ من الذوبان). السهل الممتنع ضرب من ضروب البلاغة، ويعرّفه اللغويون بأنه: ما يظن المرء- واهما- أنه قادر على الإتيان بمثله. وهذا هو حال قصائد مثل (الثابت، أفق، براءة، مساومة، الوقت غير مناسب للانتحار) التي يكمن جمالها في بساطتها وعفويتها، وسهولة ألفاظها وتناغمها. في قصيدة (الغابة المفتوحة)- أي هذا العالم الذي نعيش- التي لا يحكمها سوى قانون الحياة للأقوى، وحيث القوي يأكل الضعيف، يتحدث الشاعر عن (الطير الجارح) ولعله يقصد العولمة، أو أولئك الذين ينهبون الشعوب، ويحركون العالم- الصامت حيالهم- من خلف الكواليس. وفي هذا القصيدة تشبيه رائع بليغ صنعه الشاعر، إذ جعل الصمت الساكن الجامد، أداة تتحرك بقوة وعنف وتشق مسرعة طريقها في نهر من الأحياء- الموتى (الصمت الممتد كالمجذاف/ في نهر من الأحياء).
ألفاظ الرماد في هذه القصيدة التي تتداخل الحواس، ترى الصور تتوالد وتتلاحق وتتشابك، ولا تعود تعرف أن كانت هذه الحاسة تخبرك عن الطعم، أم عن الرائحة، أم عن المنظر، أم عن الصوت، أم الملمس. (حيث تولد الكلمات ثلج بطلعة سوداء/ حيث تولد الكلمات عينٌ ترى صمتها أمل مزينا بالنياشين يشرب من سحابة جثث، يتصبب منه توق دنيوي الرذاذ دنيوي الرائحة وكأنه يبحث بين الهشيم عن عزلة الآخر السامية). أما في قصيدة (عهد) نضع يدنا على العلاقة الوثيقة بين الشاعر عبد القادر الجنابي والكلمة.هو يحتاجها لأنها بمثابة الدم والهواء والغذاء لعقله وجسمه وروحه. وهي تحتاجه لينقذها من براثن المتطفلين والمحتالين والقتلة، ويعيد لها ألقها وحركتها وحياتها (الكلمات وأنا/ كلانا يتدفق/ يصب في المنبع) والمنبع هو الحياة (الكلمات وأنا/ على موعد ملء الزمن). أخيرا إن كان ثمة خاتمة فإني أقتطف من شاعرنا الجنابي وأقول: إنها (قصائد منفرجة في وهج الشمس/ حيث الغيم يتبدد) وإنك صدقت إذ قلت (الجوع الروحي ظلام). ولا شك أن هناك قراءات أخرى كثيرة مختلفة للديوان، فكلٌٌّّ حسب رؤيته وتفسيراته وخلفيته الثقافية. ولكن مهما حاولنا سبر غور الكلمات والصور الشعرية، تبقى القصيدة سر صاحبها، والمعنى- كما يقال- في قلب الشاعر، و"وفي قلب القارئ" أيضا.
|
ما إن يكتمل القمر، حتى يتنفس النهار
ومضة
ألَمْ يَئنْ لكَ أن تحومَ حول البيت في ساعة متأخرة أن تلقيَ بظلكَ إلى قطط الليل أن تنامَ بمنأى عنهم في حلقوم اله... لا زادَ لك سوى تفاحةٍ وهواء. تأهب
خذ أضواء الصباح، ضعها على المنضدة
ظلالها الحمراء نصف النائمة، في الساعات المظلمة، تحرّكها الريح
نهاية اليوم على الحافة، الدمعةُ في العشب مقطعٌ بين الأسنان
ابكِ على الظلمة المتراكمة في فضاء السكون
الأرضُ النامية جمالا للجميع تبتعد بهدوء تخلد إلى النوم في غابة الآباء الغريبة
هاكَ الليلَ آنيةَ زهورٍ لنافذتكَ، والحبرُ سيكتب اسمكَ. إلى الخافت فينا كتبت 17 سبتمبر 2001، ونشرت في الحياة اللندنية يوم 19 سبتمبر 2001
حدِّدْ الضربة، في مكان ما بين موجٍ مُلتطِم وبَرقٍ يَمتحنُ باطنَكَ.
تاريخٌ ثمّة يموتُ تحت الصفصاف تتعقبه الذكريات. خط الأفق يباغتُ طفولتَه، يجعلها تلمع في ذرى الأعوام.
لا شيء يأتي مع الشمس. الكائنات كنبات الفِطر مرئية من أبعد نجمة، من أبعد ضربة. الإرهابيون براعم تتلاشى مع تفتُّح الزهرة!
اتركْ القصيدة نائمةً في بئر، اسردْ لنا ما ينطوي عليه النسيان. الكلمات بقايا حياة ولّت.
ما جدوى دفتركَ؟ أنتَ، الآنَ، بأجنحةٍ منثورة تتمزَّقُ في الآصال، رملاً بلا وميض.
تذكّر هذا: إنك ميتٌ، مرَّ عليك قرنٌ، وهذا آخرُ يمرٌّ. لكن قد تصحو فيه طفولتك، متألقةً في ضوء أول كوارثه، بين طيّات الرياح؛ فوق أعشابه اللامعة. النهضة ساعةٌ متأخرةٌ من الليل!
اهربْ! الشبكة مفعمة بالمعلومات. اخرجْ إلى دنيا الحصاد حيث نظرتك خيال مكين. وفّر عليك دموعك. الوقت قصيرٌ في سالف الأيام.
انتشل الحربَ من بُركِها المزوقة بالأزهار والنجوم. اِمتلكْها! فلها أرداف جميلة، شعرٌ أشقر وعين زرقاء ترسل إشعاعات.
ضاجعها، ذرها تنتشي حد أن تبول دما إذا أردت صداقة الجميع! فالحياة حيوانٌ أليف! مآثر
ستروي الأوراقُ نزولَكَ إلى الأرض ستفتح الشمسُ فجرَك المنتفش بالحركة وتجري الرياحُ بأشرعتِك إلى اللُّجّةُ الأولى فيطوف بك البشر حول الرخام الأبيض وتجثوا النجومُ ببابك وعندما تشربك المياهُ في شفوف الليل الزرقاء سيخلد الموتى إلى النوم في قبرك المفتوح. ضباب الصوت
تعلم كيف تتكلم بدون كلمات كيف تصف ما حدث لك ببياضٍ
اربط اللغة بسريرك اغلق عليها الأبوابَ لا تجعلها تهرب إنها ماضيك، كثبانك السائلة...
في هذا اللانهائي يكمن صمتُك الجديد
من جسم هذا الموت ينزلق الكلامُ ذهابا وإيابا... الكلمةُ، صورتك
لا تسأل: "أين خبزي" نجمُك الطالع أنْ تتأمل وجه الصخرة أن تعكس السماء العاطلة أن تتخلص من شحناتهم العاطفية أن تتعلم الخروج بدون فانوس إلى الحقل أن تتألق كالمرجان في الحدائق المجاورة وتنهي مهامك اليومية في أعماق الظلمة المتربصة خلف الباب.
أخر الخريف
العالم يشرق فوقك
اِنفجرْ في العشب بين حصى الممرات وعلى رصيف الدروب
وكلُّ ما يأتيك من الشمال اتركه جانب السرير.
ستقاوم الكلمة صروفَ الإحساس طالقةً الرؤية من قيد الإلهام.
أن تولد من لا شيء
زوال في زوال بيتك هواجسك الطفولية زوايا الرفاق كتبك بل حتى نساؤك المترائيات أطيافا
لم يتبق سوى السريرٍ هذا المجبول من أشرطة الأمس
وعليك الآن أن تنام لكي يدوم الحلم...
المصير
إنك الآن على الأرض صاغيا إلى خرير الكلمات في برك الفراغ الباردة
ففي الحياة سواءَ كنت فرحا أو مغموما عليك أن تلهو وكأنك عازف على لحن حتى أوائل ساعات الخليقة حتى تنفقع أضوية ذاكرتك البعيدة صورة رمل
ذرِ الصحراء تدفن كلماتها:
أشعارنا لم تعد تغني والنثر لم يأت بعد ليروي في أرض الحكاية جذور الغناء. القطيعة
القصيدة تكلّفك إنها كلمات قد يجوع الأطفال بسببها الشعر لا يؤكل ربما في المستقبل عندما يترك السكارى الشوارعَ إلى محطات الراحة والجرافات المنازلَ إلى ورش البناء.
لا تخَف سيجيءُ صباحٌ تجلس البهيمة فيه القرفصاء.
تذكّر، في أنيابك أصابعُ الزناد، دمُ معابدك، وأحزمة الخراطيش الزرقاء.
تغوّر إذن في سواد مياه البؤبؤ إلى أن تعثرَ على عظام أسلافك المتكلسة وعندها سيكون لك مكان في الشمس وأسم على كل شفة.
تدرّجات
لا تلقِ الضوء على الظلام فليس له وجود بل القه على ظلك الهاجع فترى نِيرَ حياتِك.
غيوم الصيف النائمة
رؤيا
كم هو أزرقُ هذا الليل الأرضُ وكأنها كأسُ ماءٍ سقطت فيه قطرةُ حبر.
مستقبل
ما إن يموت الماضي غرقاً في مياه الذكريات، حتى يستولي الحاضر على ملكِ يمينه.
الثابت
العمر يتصدع في الأنهار، في التضاريس الساحرة
ويتأصل في الزجاج.
ليل أشقر
القبور تتفتح، النبات يتنفس هواء العالم
القمرُ يضيءُ القتلة إلى الضحية. مفعم هو الوسط
لا بدّ وأنهم صرفوا بعد غسقٍ كلَّ ما كان عندهم من أحاسيس حاجاتٍ للمعرفة، مِرفَق، نحلة بحجم أجاص،
في الكهوف المجوفة حيث نجمة المساء كانت تسقط فوق أسلافنا
الظلام مثل الستارة، عندما تحجب الشمس يحمي كتلة الوقت من الذوبان. الغابة مفتوحة
طيرٌ جارح يحملُ الفراءَ والريش إلى شجرةٍ بعيدة عينُه تلمعُ الأغصانُ تتنفس تحت قوسها
طيرٌ جارح يقضمُ في أمعائه فِراخَ المنظر
لا أحدَ يراه سوى الصمت الممتد كالمجذاف في نهرٍ من الأحياء. أفق
عند شفير الهاوية رجلٌ شجرةٌ ريحٌ في مدى البصر وفكرةٌ تتوجس الكلْ!
المساومة
باسم الليل والجوع والأمل باسم المكان والمبدأ باسم كلّ من مات دون الأربعين باسم الحدود وهذه الأسلاك الشائكة في اللحم باسم الحلم الذي تجلّى عندما كانت الأرض.
بين هدير الوقت وطلقات المخيّم بين ثمار الصيف وانفراط الشتاء بين ملاحم القرار وحدقة التطبيع
للموت أيضا مَرفَعهُ: شوارعُ مشتعلة كُرْمانَ شعراء يهدرُ بهم الانحلال.
ألفاظ الرماد
حيثُ تولدُ الكلمات ثلج بطلعة سوداء
حيث تولد الكلمات عينٌ ترى صمتها أملٌ - مزينا بالنياشين - يشربُ من سحابة جثث.
يتصبّبُ منه توقٌ دنيوي الرذاذ دنيوي الرائحة
وكأنه يبحث بين الهشيم عن عزلة الآخر السامية.
وظيفة الأمل
شيءٌ ما، مَرةً، يؤرْجِحُُه الأمَل ُتُسامِحُهُ الأرضُ
فَيَرفَعُ إليها عَيْنيه يَستَنْشِقُ بُثورَ سُرَّتها يَقْطَعُ كُلَّ هذه الدُّروبِ الموُحِلَةِ
شيء...ٌ مَرةً...، وها أنَّ لُغَةً أُخرى تَـظفُرُ بكلِّ هذا الذي لَمْ يُلْفَظْ بَعدَ انصِهارِ الأسوارْ.
الكتابة مطلقا إلى رؤوبين سنير
الفجرُ واقفٌ فوق الجبل. أشبه بدجاجةٍ، ينتفشُ ريشُ الليل والبُومة تفتحُ عينيها.
لن ينتظرنا أحدٌ. فنحن كالشيوخ الحكماء شاخصي البصر في قرى الجواب إلى نجم سُرعان ما يغيب. نتحدث إلى أنفسنا بذهن صاف. لبياض أعيننا صرخةٌ عشواء ضد بياض الأرض. الغدُ يطرقُ مسامعنا متهدّلاً وكأنّه لسانٌ جسيم يخرج من حلق الأفق.
لا أحد سوانا. النافذة مُلطّخة بالغبش. من محلول المشابهة ظلٌّ يسهر للحراسة.
نُساري أبراجا بعيدة ً تتعاقبُ بانتظام، ننهش في جسد الظلام حتى يداهمنا مطرٌ شديد ما يجعل الصمتَ يحمل مظلّته ويمضي إلى شقة القول. وفجأة ينشقُّ القمرُ، فتشرب السماءُ من ماء كلِّ ما أسودّ باصقةً إيّاه في مجاري الكلام.
فضاء آخر
لو أحرق الشعراءُ كلََّ ما كتبوه لو أخذوا دراهمهم وانصرفوا عُراة تاركين القلمَ والمداد لعميان الأرض
لكان لنا عالم ٌ بلا أبجدية؛
عالمٌ بحجم اليد نهارُه ليلٌ وليلُه نهارٌ. الوقت غير مناسب للانتحار
الشرفة عالية الهواء ملوّث ومجرى الموت يكرهُ الطشيش.
اِنزل حافيَ القدمين وسوسنُه يدحرجك إلى أقصى التخوم.
براءة
لم أر حوريةً
البحرُ على الشاشة له رائحة الشوارع الأولى رشيق عديم الصوت مسموع كأفعى تزحف إلى البيت.
في شسوعه تتلألأ دماملُ الشمس.
عهد
الكلمات وأنا كلٌّ يتشبّثُ بسراب
هي بمكانٍ في الشمس وأنا برقادٍ في سحب النسيان
كلانا يتدفقُ يصب في المنبع
أنا إلى منضدة الشهود وهي إلى منزلٍ شاهق فوق البحر
الكلمات وأنا على موعدٍ ملءَ الزمن في عينٍ جاحظة بين السطور.
الموت في جنوب العزلة إلى محمود البريكان
كان عليك أن تدفع بنفسك بعيداً عن الصيف أو الشاشة لم يكن أمامك مفر: كطيور الأعشاش الأولى بين الفروع العالية كمنبت للدمع كانت العزلة تتجمد مثل الدهان نقطةً في فجوة متلألئة يحتفظ بها الظلام لم يكن أمامك مفر الأبد لمحك في صمت الاستلقاء على الأرض فأضاءت لك عيناه مد البصر حزينةٌ هي الظلال "في بؤر الغياب النارية تبحث وحدها في قمامة العتمة عن غبار النجوم
سنرفع النار لإبقاء المطر على وتيرة: من أجل أن يتجول جسمك طوال الأفق المختلط بالفوضى فوق الحصى ليس هناك شيء أكثر من ذلك لم يبق شيء لرحيل السائر في نومه سوى الأغشية الناعمة التلويح بما يدور في الرأس دم ولحم طين ووحل
كالليل الدامس ستخرج التفاصيل من السيل
كم هي شفافة جثة الشاعر تسبح في نهر سكوتها الأبدي تتأرجح في راحةٍ وهدوء قصائدَ منفرجةً في وهج الشمس حيث الغيم يتبدد وكأن السماء شراشف منثنية لن يكون هناك إحساس ولا سوف ولا نشاط...
العزلة هذا الوقار القاسي تشرح ألغاز الشرارة فالأبدي رغبة والجوع الروحي ظلام والحركة الراقدة في المكان الأمين مياه يتوضأ بها المخلوق والحجر. ساعة الأصدقاء مقطع من قصيدة طويلة نشرت عام 1980 في باريس
المدينة بلا شناشل.
الليل ينتصفُ يتشقلب وعلى الأرض يلقي ضياؤه.
يلبس الستارة: إنها ساعة الأصدقاء يتوجب الكتابة فيهم، استنهاضهم صوب القصيدة حصيرة الحقب المتناقضة
إنها كذلك ساعة اللذين لم يولدوا بعد: غزّالو ضمائر سقطت من القاموس.
يتوجب الكتابة في درس الحيوان الذي تلقيناه ونحن أطفال والكراسي، أيضا، المحكوم عليها بتحمل إلية الإنسان تستأهل قصيدة يكتبها شعراء الطرقات.
ثمة توقف ينبض دون أي إشعار آخر ثمة لسان يختلج في رضاب انعقاده في هبوطه إلى القرار حيث هدوء الداخل يتصخّب ثمة هذه الصيحة المبحوحة ببكم الأمجاد التي نمتخها لوزَ قول نكسّره في الحيز الفارغ فتتزاور الأضداد
إنها ساعة الأصدقاء يتوجب الكتابة فيها، بها، ضدها بل وحتى اكتيانها علّ ليلتها الليلاء تزعق تتخالط وسبعة أضواء حمراء الموت فينطفئ الفانوس.
لكنها أيضا ساعة ارتفاع الروح ودورانها في معدة الزمن كتمانا للسر
ذا هو الليل على مرمى من حجر من ساعة الرمل هذه قاعد قرفصاء حلوله السرمدي يستطلع ضياءه، على حراب الساعة المتأخرة، درهما أن يلمع في بنطلون القرون من ذا الذي لا يتفقد، في لحظة كهذه، إغراءه القديم فينفق آخر عبارات نهوضه راقماً على الماء؟
فحمة الليل تتجمّر تتصامت وطيف تراءى لها بين أحراش العجز الموصاة تتيارى وإيّاه: إنه نوفاليس أوّل من رتّل الليلّ لب النهار
***
ملحق: هنا قصائد كتبت بعد صدور الديوان ما بين (مطلع 2003 - 2005). وقد نشرت في :السفير"، "النهار"، الحياة"، "ملحق النهار الثقافي" و"إيلاف"
بلدٌ بثياب النوم
عندما ينام ليلُ العراق يتسكع الأملُ مع الشحاذين وتباشير الحكايات تتراقص بيضاءَ إنّه ليلُ المدنِ الشفّاف حافرُ الآبار والحنين كلُّ شيءٍ مُضاء كلُّ شيءٍ مُباح كلُّ شيءٍ يبكي لأنّ مَوتاً تحت أوراقِ العالم فوق هاماتِ البشر يَتطايرُ في الهواء بأخمصِ القارات,
عندما ينام ليلُ العراق يطلع الفجرُ بَطيئاً في السماء مثل غُصنٍ يَطُفُّ حائطَ الليل في أرضٍ تَهلِكُ فيها أشواطُ الرِّياح.
ليلا، استسلمتِ النّجوم للظلام... فتَمَكّنَ كل شيء منّا 1 ماذا يحمل الغد سوى نُدبةٍ بلا أهداب سوى رحلة بلا ناس سوى هذا الشيء الذي غالبا ما يَهربُ ويتركُ علامات لا ملجأَ في ظلها سوى ثُقبةٍ نُطلُّ منها ماضيا في جدائل لغوية جديدة ماذا يَحملُ الغدُ سوى عشبٍ ينتهي دائما قشّاً سوى غبارٍ أصفرَ فوق أفكارٍ رطبةٍ وجسدٍ ينمو في أنوار أخرى.
2 كلُّ شيء يُصرّكَ على البكاء الشارع البيت الناس كلُّ شيء إلا هذه الساعة الكبيرة في برج الساحة دقاتها تُشيع الفرح فيك تأخذك إلى تلك السنوات إلى تلك الساقية إلى الأشياء التي كنت تنام فوقها إلى الشَعر الذي كنت تداعبه والوجه الذي تقبله
كلُّ شيء الا هذا الفائر في ذكرياتك تراهُ يتحرّكَ أمامك وأنت نائم. 3 كل ما يسقط هو لدْنُكِ من البياضِ الباهتِ إلى فلّين الليل من شهقةِ الاكتساح إلى زرقة الحبرِ الذي يفتحُ أدراجَ النهار الضاحكة كلُّ ما يسقطُ منكِ دبابيسٌ في سلة الندى ضوء صغير يُرجّي العيون لإنقاذ المفقود. 4 بين الفضاء ولُحاء الشجر تموتُ وحيدةً الطيورُ ينفجرُ رفيفُها في عينِ الملاك النائم طويلا في فمِ الجحيم في كهف العفن.
الموت يتضوّع فيك
من أي عشبة جِئتَ وفي أي نُصب ستحفرُ اسمك؟
كم أنت تبكي الآنَ في صميم الأيام
مخدوعٌ في بيتكَ وفي خارجه مهزومٌ
مستورٌ في ظلمتك وبداخلك مشحونٌ
خطيئتُكَ أمر لا مفر منه، فضاؤكَ يطوي أشرعتَهُ... القمر يشي بك... التراب وحده يفهمك
قرونا طويلة أزمنة بلا لون
اترك وصيتك حيث تشاء المياه فما بينك والنجوم سوى ومضة فكر وها أنت مجرد شبح يبحث عن أشباح
فلا الشمس تنزف نورها في عينيك ولا الحجر يفرغ إشراقه في المحجر
فقط الرمل يهيل سطوعه في مسارب الريح في المراثي التي تنتظرك أسفل النوم
هذه هي أبديتك لسان مقطوع في رسالة الصحراء الشفوية وهذا هو تاريخك يرميك في مزبلتِهِ وينتحرْ
وعندما ينام ليل الله ويصحو السحاب سيكون لك عهد مع الشظية أنْ تنزل منجم النور وتترك الغمر يسيل في مشهد الخراب
وإذا ثمة برد، فالحرب معطفك! وعلى قبرك ستتفتح الزهرة.
بردا وسلاما
الحرب أواه ما أحلاها الحرب وهي تنزع قنابلها في غرفتك تلعق ماضيك المنتصب ناشرة القشعريرة في جسدك وهي تبول فوق صدرك دماً
الحرب أواه ما أحلاها الحرب
تلمع في الظلام وتعتم في عز النهار وفي نسيمها تحوم الآمال
الحربُ ما أحلاها عندما تجعل من دمِكَ حبراً ومن تاريخك أطلالا تتأمّلها من وراء نافذتك.
نَمْ الآنَ، بلدُكَ في انتظار المطر
احملْ ذاكرتك إلى العراء واترك الدم الفائر في الأعماق يسيل في مشهد الظلام فلا هذا ولا ذاك بشاهدٍ. اِنطَفئْ لكي تشتعل غدا في حقل الكلمات، ما وراء المنظر حيث السباحة ضد التيّار حيث ما من فاصلة بين الأفق والمسافة... وهناك فقط هناك، افتح تاريخك وذر الطيور الآتية من بعيد تبني أعشاشَها فيه. فالأفق هنا يريدك أن تسهر على الموتى، وأن يتطاير فكرُك بين القذيفة والجناح... أنْ تصمتَ وهم يتكلمون أن تصغي وأنت تتكلم... ربما تعرفُ مَنْ تحتك لكنك لا تعرف مَنْ فوقك!
ماذا أعطوك حين جئت إلى العالم لا شيء سوى غرائز، عيون وأقدام تقطع بها الأرض...
كم من فجر بارد تركوك فيه ملبّدا بالضباب فيما السماء كانت تتشظّى فوقهم نجوما.
لا تبحث عن الحقيقة خذها من فم الحصان لا تدوّن حياتَكَ على الورق اكتبْها... لا تتوهّج إلاّ في ظلمتِكَ لا تلتفت لظل يريد أن يحميك فكلُّ شيء دبَّ فيه نومٌ فاسد: الملعب، الطريق وسكك الضوء التي تمشي فوقها.
في غموض هذا الفيضان الأزرق متهاد هو مصيرك، حيث القصفُ أنْ يوقظَ الجرحَ أنْ يولدَ فيك عالمٌ: نافذتُكَ لكي تفتحها للغريب... لكي تجعل هذا الهاجعَ فيكَ يتكلّم يضجُّ مثل مدينة. أنِلْه خريطتهُ، حدودهُ ومبانيه، شوارعه ومقاهيه...
أنِلْه شمسَهُ الضائعة,
وروحُكَ ستطفو في ينابيع الشّعاع.
بلد لن أرى
(نشرت قبل حرب اسقاط نظام صدام بأسبوعين في "ملحق النهار الثقافي")
يَنبتُ في الرأسِ تَتضخّمُ ملامِحُهُ وكأنّهُ ضوءٌ عائمٌ في الأنهارِ يحرسُه السَّوسنُ والرمادْ يكبو ويَنهضُ في أقبيةِ ماضيهِ. بَلدٌ جالسٌ على مَصْطَبةٍ يَموءُ تحتها عالمٌ أتذكّرُهُ:
كنتُ أبحثُ عنهُ فوق صواري السفرْ في مدنِ القراءةْ في مقاهي البعيدْ بين الشراشِفِ والكراسي يَطفو مع الليلِ يُولَدُ مع النورْ أشبَهُ بالأثيرْ يتلاشى وضباب الفجرِ في دياجير النظرْ.
بلدٌ يَموتُ في نَثرِه في الحبرِ الذي أسالَهُ لا وميضَ يناديهْ لا أمٌ تبكيه ولا قاربٌ له في آجِنْدةِ الماءْ.
بلدٌ... أنْ يولَدَ بالموت الذي فيه.
غداً، كان جيلي إلى جان دمو الوحيد الذي يستحق ذكرى ما فات من لحظات
أين أنتِ يا سنواتي الأولى سنوات الشارع والمقهى سنوات النهار والمشي الطويل في مجرى التمردات دون وخز ضمير أين أنت يا سنواتي الأولى يا مدينتي المحمومة في فيضانات الذكرى أين أنت في هذا الجدول المرسوم كيف سأقدرُ على أن أكتب إليكِ من الشرفة إلى المياه أن أعود بكِ إلى مواسم أبعد من النهرين إلى مكتبات غليان الأرصفة والصالات المكيـّفة بالهواء والمفاهيم.
آه يا سنواتي الأولى؛ سنوات مدينة حيث كنا نشرب المستقبل بجرعات خائفة مدينة يُصقل الآن وجهُها بالرصاص كان يأتيها الضوء مع الغروب فينشر فوق سطوحها الظلالَ والانعكاس والسماءُ كانت تتشظـّى نجما يُشعِلُ الظلام ونحن من مقهى إلى مقهى كنا نبحث في جَنوب المعلوم عن ضوء الشمال ونكتب الساعات في دفاتر الغيب العتيقة
كنا نخترع نوافذ يتسلل منها الآخرُ إلى ما وراء السياج ونحنُ إلى أمدائه لِهَـبّة هواء
أين هم، يا سنواتي المتنزهة بين التواريخ، شعراءُ الراحة المؤقتة الذين وعدوكِ بآثار الفجر والنعناع وها هي نافورة نَصّهم ماؤها إطناب وجمل مختنقة يا الهي لو كانوا مرّة في سرير المجهول لما ضنَّ الزمنُ علينا بجيل وعلى نشيدهم بحرارة الدم.
آه يا سنوات السراب الأبيض وطيف البدايات المبتكرة المدُّ يرتفعُ، والعواطفُ عارمةٌ والمقاومة عمياء وأنت غائرة في الخواطر
ماذا أصنع بذكرى لا تستطيعُ أن تكون سوى ذكرى؟*
ماذا أفعل بماض يخشى الولادات حيّ فقط في أعماق الذين ماتوا! ميّت في قعقعة الأحياء!
مرثية إلى شاعر مجهول ما أجملَكَ يا من يمر موتُه بلا إشارة، دون ضجيج، لا مراثيَ ولا كلامْ. ما أجملَ موتَك الذي اختارته سيرتُك دون ان تدري، مثلما كنت تُفسد عليهم دون قصدٍ وليمةَ البكاء، لأنك كنت تريد فقط أن تقول كلمتك بلا أذية لأي كان دون أن تَجرحَ لكنها كانت نافذةً في صميم الأعماق ما أجملَكَ اليوم في عزلة الظلام مجردَ هيكل ملقى في طبقات النسيان لا أحد يبكيك ولا تبكي على أحد لا شاهدَ لك سوى ما تركته في بحر الكتاب من نبذ وأقوال أو أشعار.
|