GMT 12:30 2007 الأحد 9 ديسمبر GMT 12:44 2007 الأحد 9 ديسمبر  :آخر تحديث

ماذا حلّ بالفلسفة في العالم العربي

عبد القادر الجنابي

نص الملف الذي نشرته إيلاف في موقعها القديم في كانون الثاني 2004،


اعداد وتقديم عبدالقادر الجنابي:  صحيحٌ أن مشاكل العرب عديدة ومتشعبة الأبعاد في هيكلية معقدة ما إن تتجلى حلول لها، حتى تتناسل مشاكل أخرى أكبر تعقيدا... وهذا يعني في العمق بون شاسع بين الرأي والرأي الآخر، بين الثقافة والسياسة، بين الوجدان العاطفي والوجدان المنطقي، بين الواقع وصورته الذهنية... بينما في الجانب الآخر من المرآة حيث اليائسون والحالمون يعتقدون أن مشاكل العرب مجرد مشاكل وهمية تنقشع بمجرد تغيير الحكومات، فلا حاجة للتساؤل ولا للجواب... ويكفي انقلاب سياسي، حرب على الأنظمة... ليكون العرب متحررين من هذه المشاكل!
نحن هنا في "إيلاف"، لا ندعي حل أي مشكلة بقدر ما نريد أن نخلق باستطلاع فكري مناسبةً للتأمل المثمر: يهمنا فتح مجال أكبر للتفكير الحر في مطارحة كل المسائل، مهما عظمت وصغرت. فكل مسألة، سواء كانت سياسية، فكرية، أدبية، فلسفية، فنية، غذائية، هي مسألة المجتمع بعينه: وأي مناقشة لها هي بالضرورة لحظة تماس مع جوهر بنية هذا المجتمع الذهنية، وبالتالي طريقة نظر أفراده إلى جل الأمور...
إن إحدى الخسائر الكبرى التي مني به العقل العربي في كل حروبه الإيديولوجية، هي فقدان حاسة التأمل الفردي؛ الإجماع عبر الأخذ والرد، التمحيص والنقد.. باختصار: التفلسف بالمعنى الكانتي للكلمة: "ماذا يمكنني أن أعرف، ماذا يجب أن أفعل، ماذا يمكنني أن آمل، ما الإنسان". أسئلة تتطلب أجوبة انثروبولوجية، دينية، أخلاقية وميتافيزيقية... انها جوهر أسئلة الحياة. ألم يقل ديكارت، عن حق، بأن "حضارة الأمة وثقافتها تُقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها". من هنا جاءت فكرة أن يكون لنا ملف مخصص لهذا السؤال الذي ليس له جواب قاطع بل شهادات مختلفة يماط بمجموعها اللثامُ عن كل الأسئلة الكامنة:

ماذا حل بالفلسفة في العالم العربي؟
لِمَ لم تحظ الفلسفة في العصر الحديث، بمسار فكري مثمر عرفته الحضارة العربية في عهود تكونها فكرا وصراعا في لب مشاريعها الكلامية؟ كانت لنا بارقة أمل عندما انطلقت في أربعينات القرن الماضي حتى مطلع سبعيناته، حمى فلسفية تجلت بالشرح والتأويل والترجمة الدقيقة... كان هناك زكي نجيب محمود، توفيق الطويل، ابو العلا عفيفي، يوسف كرم، عثمان أمين، جميل صليبا، عبدالرحمن بدوي، زكريا إبراهيم، كمال يوسف الحاج والخ... أقلام سهرت ليالينا لخلق فكر يدأب على معاناة التفكير... مفكرون امتازوا بالتواضع وسمو المعرفة، اختاروا ان يعيشوا للفلسفة توغلا في مجاهل إنجاز الآخر الفلسفي للإتيان برؤيا جديدة. كم هي لحظة إنسانية ومثيرة للذهن والحواس، عندما لفت انتباهنا الدكتور الراحل زكريا إبراهيم بأن الحب مثلا مشكلة فلسفية... فأصدر عدة أجزاء تتناول الفن، الحياة، البنية... تحت عنوان "مشكلات فلسفية"... لكن، فجأة حل ليل بهيم لم تعد ثمة فرصة لـ"بومة منيرفا" الطيران فيه ( إشارة إلى مقولة هيجل: "بومة منيرفا لا تطير إلا عند حلول الليل"). سُدّت الأبواب وغابت الأسماء النبيلة وضاع كل إهتمام بهذه "المعرفة العقلية"، ولم يعد لمشروع الفلسفة، اليوم، سوى "نساخ ومنافقين" أغرقونا بتخريجاتهم الماضوية لا يرون شيئا جديدا أبعد من أرنبة أنوفهم إذ كل شيء موجود في ذاك التراث الذي يتغذى منه الظلاميون... وإن تجرأ أحدهم على نقل الآخر فليس لغاية معرفية وإنما لاجتثاثه وتشويهه تعريبا وتخريبا.

ماذا حلَّ بالفلسفة في العالم العربي؟ هل لدينا فلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة: أين هي اليوم؟ ما هي انجازاتها اليوم؟ غائبة - حاضرة... أم ان لغوا قائما على مجرد لحظات عرف ماضينا السحيق بعض إشكالياتها، نعتبرها فلسفة.

الفلسفة وما ادراك مالفلسفة... إنها مصطلح العقل بامتياز يعبر عن أفضل ما يعيشه المجتمع من حركة طبيعية تنافضاتها تاريخية. أين هي هذه الحركة وأين فكرها؟ لكي ندخل التاريخ علينا أن نشعر فكرا وممارسة بهذا المصطلح الذي غالبا ما يُطلق جزافا في الأدبيات العربية السائدة.
ماذا حلَّ بالفلسفة في العالم العربي؟ سؤال كبير تتفرع منه كل الأسئلة المتلهفة لأجوبة تشفي الغليل... ومع هذا فليس هناك أجوبة نهائية.. بل مجاذبات تأمّلية علها تجعل العينَ ترى أبعد، والأذن تلتقط أبعد من الإصغاء...أن تستحث العربي إلى استجلاء معنى مجيئه إلى هذا العالم؛ قيمة فرديته الخلاقة: أن يخرج من تراب الأسطورة الى فضاء التفكير..

 

********

عبد الرحمن طهمازي 
محاولات في خدمة الفلسفة وفي الاستهلاك اللا فلسفي

من الممكن رصد الفارق الثقافي بين الاجيال العربية عبر اتجاهات الاستهلاك في الثقافة المتمثلة نسبيا في القراءة، او في اعاده الانتاج، كما هو الحال في الترجمة والعرض والاعداد، او في الانتاج، أي في التأليف المبتكر او التأليف المجاور.
وليس من الصعب على المراقب ان يقر بان وضع الفلسفة ضمن هذه الاتجاهات هو وضع ذو دلالات مزدوجة ولا يخرج ايضا عن مجمل الاتجاهات المذكورة، فمن جهة، لم تتمتع الفلسفة بالحرية والاستقلال التام، وتشاطرها حقول المعرفة الاخرى في ذلك على نحو اقل  تشددا، كما ان الفلسفة عانت من العزلة عن بقية الحقول، وبقي العاملون فيها مؤلفين لكتب تعريفية او مترجمين اكاديميين، او ناشرين تنويريين اما ان يكونوا فلاسفه بالمعنى الاصطلاحي، فذلك جهد لم يتضح الا منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي وبشكل محدود اكتسب شيئا فشيئا حق الاعتراف من المؤسسات  التعليمية ودور النشر وفي عدد قليل من البلدان العربية، وفي كل الاحوال، فأن الخدمة الفلسفية هي اكثر ما يميز عمل الذين يعنيهم الامر، وهي خدمة ضرورية ولها الاولوية في مجتمعات يتفاوت فيها تقدير الثقافة والعلم ويختلط بالحاجات المباشرة والهيبة وليس لها حاجات معلنة الى العمل النوعي الحر والمستقل والذي توضع الفلسفة عادة في صدره.
بدأ احمد لطفي السيد بترجمة ارسطو الذي كان متداولا في ترجمات ومؤلفات اسلامية وتجهز المصريون والسوريون والعراقيون واللبنانيون بالتعلم الفلسفي فترجموا وعرضوا واعدوا وألفوا، ولا بد ان القارئ العربي، الذي بدأ تعطشه الادبي المشبوب الى الفلسفة في ستينيات القرن العشرين، كان يتطلع  الى تراث فلسفي مستقل فلما لم يجده جاهزا لجأ الى الترجمات وكتب التعريفات وبعض الجهود الاصيلة، وقد سد الحاجة مترجمون ومؤلفون شكل بعضهم تراثا منذ الاربعينيات  : عبد الرحمن بدوي، يوسف كرم، جميل صليبا، عبد العزيز البسام، سامي الدروبي، كمال الحاج، محمد عزيز الحبابي، بديع الكسم اضافة الى : زكريا ابراهيم، فؤاد زكريا، ماجد فخري، واخرين لا يقل اثرهم في التنوير والاثارة والترويج.
وقد كان من الواضح ان القارئ العربي صار اكثر استهلاكا للفلسفة انطلاقا من حاجات عميقة وملحة تحدوها تطلعات متعدده : سياسية، وفردية، وادبية.. الخ.. وكان يتجه الى الشذرات الشعريه والمسكوكات اللغوية ذات القابلية على اختزال الوعود النفسية والانسانية العامة، وكان نيتشه وبرغسون وسارتر بين الاسماء المتداوله، وقد اثارت بعض عبارات هيغل وماركس شيئا من الفضول الثقافي وترجم عدد من مؤلفات رسل، ووايتهيد، ونشر فؤاد زكريا كتابه عن سبينوزا، وصار من الممكن ان يفهم القارئ تاريخ الفلسفة على نحو ما، وان كانت خلفيات الفهم متقطعة، وفي حقيقه الامر، كان الترويج للفلسفة يمر غالبا الى عموم القراء بشئ من الاستغفال  او بشئ من  التبسيط المسيئ، خاصة اذا جرى ذلك باقلام لا تراعي تماما دوافع الفلاسفة المعنيين او مبادئ الاستقلال التي يتحلون بها.
 كانت هناك حلقات اوسع للاهتمام بالفلاسفة الفرنسيين اذا كانت اهتماماتهم عامة ولغتهم تشجع على التداول العام، كذلك ببعض الفلاسفه الالمان المتجهمين، اما الحلقات الاضيق فقد انصرفت الى الاخرين الذين وجدت مؤلفاتهم صعوبة في التلقي.كان سارتر يشيع ادبيا، ولم يكن جذابا من الوجهة الفلسفيه، اما ميرلوبونتي، او جان فال او الن..الخ.. فأنهم تمتعوا بحصانه لم يستطع القارئ تخطيها الا لماما وفي الدوائر المتخصصة او المجاورة. وهذه هي حال البقية.
ومن الملاحظ ايضا، ان الفلسفة الانكلوسكسونية، والتحليلية منها على وجه الخصوص، لم تأخذ حصتها لدى القارئ العربي وهكذا فأن رسل اووايتهيد او مور او بيرس او اير او فيجنشتين  لم يستطيعوا ان يخرجوا  بعيدا عن الحلقات شديدة الضيق، وهذا امر قد يبدو ملائما وهذا هو ايضا شأن بعض الفلاسفة الالمان والفرنسيين و الاسبان والاميركيين.
فلا بد من التساؤل عن الاسباب غير الفلسفية التي لم تساعد هيوم، او يبنتز، او كانط،او  ديكارت، او هوسيرل، في ان يكونوا في مجمل التداول الثقافي العربي وهل هي شبيهة بالتاريخ الخاص لكل منهم ؟. علما ان فلسفات مشتقة من افكارهم تتدفق في العبارات الثقافية العامة، وان كان الاستهلاك يحمل طابع المودات في معظم الحالات، التي ما ان تروج حتى تنحسر.
ومن المهم، في ما ارى، ملاحظة حجم الانجذاب نحو فلسفة العلوم، ونحو المنطق، فثقافتنا بعيدة الى حد بعيد، بسبب المؤ سسات او لاسباب اوسع واخطر، عن القواعد التي  يعمل عليها فلاسفه العلوم الطبيعية و الانسانية كما انها متأثرة بالسياقات غير المنطقية في الحقول  التي تحتاج الى المنطق احتياجا لا زبا، مع انه قد ظهرت ترجمات وتعريفات، فقد ترجم توماس كون وكارل بوبر واشياء اخرى ذات اهميه، ونشرت استعراضات وتواريخ ذات فائدة، ولا بد من التذكير انه لا يكفي التطلع والفضول مالم تولد حاجات للتلقي وحاجات للانتاج وميكانيزماته.
اذا كان للمرء ان يقول كلمة هنا، فأن ادارة الدفة، في الثقافة الفلسفية العربية، مازال يقع في منطقة المنعطفات الحرجة، وهذه الثقافة، على حاجتها، تعاني ايضا من عدم الاكتراث بانتاج فلسفة، كما ان تلقيها محكوم بظروف ملتبسة، ومع كل ذلك، نحن العرب اللذين اشتهرنا بتبديد التراكمات وبالتالي لم نقبض تعويضاتها، اقول: مع ذلك.. هناك الذين عملوا، ولا يزالون يعملون.. والتجدد يلوح هنا وهناك مصارعا، ومكتسبا بعض قواه.. الم يقل غرامشي عن الفلسفه، في مقابلته بين العقل و الارادة :انها تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة ؟. انها ليست التشاؤم المعزول بل المقرون بأرادة متفائلة، وليست ايضا الارادة المتفائلة في عزلتها.. واعتقد اننا بحاجة الى الفهم المزدوج، او المضاعف او المجادل  الذي يحمله كل فيلسوف على حدة، وتحمله الفلسفة من حيث كونها تاريخا للفلاسفة انفسهم، كما هو الدرس المنقول عن نيتشه.

 

***************

د. شاكر النابلسي: بؤس "الفلسفة" العربية الحديثة
 

كلمة فلسفة Philosophy  في اللغة يونانية تعني المحب للحكمة. فمعنى Philo  هو المحب أو المفتون وكلمة Sophy تعني الحكمة. وفي القرآن الكريم اشارات كثيرة إلى الحكمة بلغت عشرين اشارة. فمهمة الرسول في الإسلام ليس أن يتلو الكتاب ويعلّم المسلمين ما في هذا الكتاب ولكن ليعلمهم أيضاً الحكمة (يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة) (سورة البقرة، آية 151). واعتبر القرآن أن الحكمة مصدراً كبيراً من مصادر الخير ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) (سورة البقرة، الآية 269) ووضع القرآن الحكمة بمقام الكتب السماوية من حيث ضرورتها للرسل لاستقامة الحياة ونشر المعرفة والخير (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) (سورة آل عمران، الآية 48) مما يعني أن الله قد أمرنا بالتفلسف أي في البحث والنظر وإعمال العقل في أمور مختلفة. ولكن هذا الأمر الإلهي بالتفلسف لم نعمل به نحن الأمة العربية كما لم نعمل في أمور كثيرة أمرنا بها الله، فكنا من البؤساء وضُرب على فلسفتنا  - إن وُجدت - البؤس والضحالة وقلة المعرفة، وغلب عليها التجميع وكتابة تاريخها فقط كما سنرى بعد قليل. وازدريت الفلسفة عند العرب في العصر الحديث ومنع تدريسها في معظم المدارس العربية وحرمت بعض الدول العربية تدريسها في جامعاتها والغت فروع الفلسفة من هذه الجامعات، واحتقرت الأنظمة الديكتاتورية الفلسفة واطلقت على كل عامل بالفلسفة ألقاباً لا تليق به، واعتبرتها سفسطة وكلام العاطلين عن العمل وزبائن مقاهي الرصيف. كما احتقرت المؤسسة الدينية العربية الفلسفة واعتبرتها من تراث الغرب الكافر، ومن أسباب الغزو الثقافي للعالم العربي، وأطلقت على من يعمل بها بالزندقة، وقالوا قولتهم الشهيرة "من تمنطق فقد تزندق". واختفى من حياتنا العربية الحديثة الحكيم الفيلسوف في كافة مجالات الحياة. وأصبحت الفلسفة العربية في البؤس الذي هي فيه الآن.

فما هي مظاهر بؤس “الفلسفة” العربية الحديثة – إن وُجدت -  وما هي أسبابه؟

***

مظاهر هذا البؤس تتركز فيما يلي:

 

1-   أن العمل العربي في مجال الفلسفة ما زال حتى الآن وبعد مضي أكثر من مائة سنة في المرحلة المبكرة للتفلسف. فما زال في مرحلة الجمع والتقميش والتوليف والتأريخ. ولم يصل بعد إلى مرحلة انتاج فلاسفة لأن انتاج الفلاسفة له شروطه التي سوف نشرحها من خلال بيان مظاهر بؤس الفلسفة العربية الحديثة.

2-   انحصار الفلسفة الإسلامية في علم الكلام "الحذر" وفي التصوف "الحذر". ونقول هنا "الحذر" لأن علم الكلام علم مرفوض في بعض الدول العربية ولا مجال لتدريسه كما أن التصوف وكلمة صوفية من الموبقات، ومن الكبائر في بعض البلدان العربية. فحتى ما يُسمى بالفلسفة الإسلامية مرفوض في هذه الدولة، ولا مجال لتدريسه أو الكتابة فيه، أو السماح بدخول كتبه إلى تلك البلاد العربية. وكان أبرز من عملوا في مجال "الفلسفة" الإسلامية و"فلسفة" التصوف جمعاً وتوليفاً وتاريخاً، دون اضافة الجديد، هم من المثقفين المصريين أمثال  أبو العلا عفيفي، ومصطفى حلمي، وعبد الحليم محمود، وغيرهم.

3-    انحصار العمل في مجال الفلسفة في مجال تاريخ الفلسفة، سواء كان هذا التاريخ عربياً أم غربياً. فقد انتجنا كماً لا بأس به من تاريخ الفلسفة تقميشاً وتوليفاً، ولم ننتج فكراً فلسفياً جديداً. وكان أهم من كتبوا في تاريخ الفلسفة العربية والغربية، يوسف كرم اللبناني، ومصطفى عبد الرازق المصري وغيرهما.

4-   اطلاق كلمة فيلسوف على كل داعية متواضع من دعاة الاصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الديني. فنطلق على شبلي شميّل مثلاً لقب فيلسوف، لأنه اقتنع بمبدأ النشوء والارتقاء وتوسّع فيه، ونشره في العالم العربي. ونطلق على فرح أنطون لقب فيلسوف، لأنه دعا إلى اقامة المجتمع على أساس العلم الاجتماعي المبني على فلسفة النشوء والارتقاء. ونطلق لقب فيلسوف على اسماعيل مظهر الذي ترجم كتاب "أصل الأنواع" لدارون.

5-   نحسب أن كل داعية ديني حاول أن يستعمل العقل في تطوير نظرة الدين إلى الحياة من الفلاسفة. فالشيخ محمد عبده يعتبر في رأي البعض من الفلاسفة، ومحمد فريد وجدي من الفلاسفة، والشيخان علي عبد الرازق وخالد محمد خالد من الفلاسفة. وكل من دعا دعوة اصلاحية اعتُبر من الفلاسفة. في حين أن الفيلسوف في الميزان القويم هو المحب لرؤيا الحقيقة كما قال أفلاطون في (الجمهورية).

6-   نحسب أن كل من كتب في الفلسفة وأعلامها ومدارسها واتجاهاتها، أو درّسها في الجامعات أصبح فيلسوفاً. فنحن نطلق على عبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وغيرهم فلاسفة، من حيث أن هؤلاء كانوا مدرسين للفلسفة. فلكي تكون فيلسوفاً لا يكفي أن تملك افكاراً نيرة وأن تتعلم في مدرسة أو تُعلّم الفلسفة في مدرسة. فالمدارس لا تُخرّج أدباء، ولا فنانين، ولا فلاسفة كذلك.

7-    عملت مجموعة من الباحثين العرب في مجال الروحانيات إما من باب الدرس، أو من باب التصوف والتوليف والتوفيق. وقرأنا الاتجاه الروحي من قبل مُدرسي الفلسفة والعاملين في تاريخها كرينه حبشي وعثمان أمين وعباس العقاد وغيرهم. وهؤلاء لم يأتوا لنا بانجازات فلسفية جديدة بقدر ما كان لهم شذرات فلسفية متفرقة، لا تتعدى أن تكون خواطر تأملية وجدانية في الحياة والكون، أسرعنا فتلقفناها، وأطلقنا عليها فلسفة وعلى من جاءوا بها فلاسفة، كعادتنا في اطلاق مثل هذه الأحكام على أبسط الأفكار، وأكثرها سذاجة.

8-   لعل أبرز العاملين وأنشطهم وأغزرهم انتاجاً في مجال التأليف التاريخي الفلسفي كان عبد الرحمن بدوي. ولعل بدوي - في رأي كثيرين وخاصة في مصر - كان من أكثر من عملوا في البحث الفلسفي اقتراباً من أن يكون فيلسوفاً وجودياً من خلال كتبه المختلفة: "الزمان الوجودي"، و "هل يمكن قيام أخلاق وجودية؟"، و "دراسات في الفلسفة الوجودية"، و "الإنسانية والوجودية في الفكر العربي". ونرى من خلال هذه الكتب أن بدوي لم يقدم لنا اضافة جديدة عما قام به فلاسفة الوجودية في الغرب، بقدر ما قدم لنا ما قاله وما فكر فيه هؤلاء الفلاسفة وما ابتدعوه من جديد على الفكر الفلسفي الانساني. 

***

وإذا كانت هذه هي مظاهر بؤس "الفلسفة" العربية الحديثة، فما هي أسباب هذا البؤس؟

للبؤس أسباب كثيرة منها:

1-   أن الدماغ العربي الآن في مرحلة الدماغ الانفعالى والغريزي، وهما مرحلتان من مراحل تطور الدماغ، يشترك فيهما الانسان مع الحيوان، ولم يرقَ الدماغ العربي بعد إلى الدماغ العاقل الراشد المدرك الذي يميز الانسان عن الحيوان. فنحن نتعامل مع حياتنا في معظم المجالات تعاملاً عاطفياً غرائزياً بعيداً عن إعمال العقل فيها. نحن لسنا أمة التحليل، والبحث، والدرس. نحن أمة الحب أو الكراهية، الدفاع أو الهجوم، الإيمان أو التكفير، اليمين أو اليسار. حركة الفكر لدينا هي حركة اجترار الماضي فقط، وليس استنطاق المستقبل. نحن سجناء الماضي بقوة قاهرة عابرة للتاريخ. تراثنا فقط هو ملجأنا الوحيد ضد الأخطار التي تحدق بنا، وحين تعصف بنا العواصف، وتشتد علينا الأعاصير.

2-   انتشار الأميّة في العالم العربي الذي وصلت حتى الآن إلى خمسين بالمائة بين الذكور وستين بالمائة بين الإناث حسب تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة في 2002. وأمة تنتشر فيها الأميّة بهذه النسبة الكبيرة، وينحطُّ فيها التعليم، وتنحطُّ فيها التربية نتيجة لقلة المال المصروف على التعليم وسوء المناهج التعليمية، لا بُدَّ أن تعاني فيها الفلسفة من بؤس كبير.

3-   يقوم الازدهار الفلسفي في أمة من الأمم على ازدهار حركة الترجمة. ولقد كان لازدهار حركة الترجمة في العصر العباسي وفي عهد المأمون بشكل خاص أثر كبير على الفلسفة الإسلامية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. وكون الأمة العربية الآن هي من أقل الأمم على وجه الأرض حركة ونشاطاً في مجال الترجمة حسب تقرير التنمية البشرية للأم المتحدة لعام 2002، فإن النشاط الفلسفي العربي قد تأثر بضعف وبؤس حركة الترجمة. فيما لو علمنا أن الفلسفة لا تزدهر إلا في ظل تلاقح الثقافات الناتج عن الترجمة المتبادلة.

4-   معظم الذين يعملون في مجال الفلسفة من مدرسين وباحثين في تاريخ الفلسفة، هم من موظفي الدولة العربية التي تنظر إلى هؤلاء نظرة ريبة وشك، باعتبارهم مصدر القلق الرئيسي للسلطة. ومن هنا قامت معظم السلطات العربية بمنع تدريس الفلسفة في مدارسها وجامعاتها. وقالت بأن "الباب الذي تأتي منه الريح لنغلقه ونستريح." وهؤلاء الباقون في مجال الفلسفة وتدريسها موظفون يتجنبون حبَّ الحكمة التي هي لبُّ الفلسفة، ويعتنون فقط بتاريخ الفلسفة دون ابداعها، وبالمدارس الفلسفية دون ايجاد مدارس جديدة، خوفاً من بطش السلطة المحكومة في معظم العالم العربي للمؤسسة الدينية التي تعادي الفلسفة عداءاً كبيراً، وتعتبر الفلاسفة – إن وُجدوا – هم من الملاحدة والمارقين من الدين، وهم بالتالي من المنافسين لها في الامتيازات السياسية والمادية والاجتماعية والإعلامية. ولم تفطن المؤسسات الدينية إلى مقولة فرانسيس بيكون (1561-1626) وهي أن قليل من الفلسفة ينحدر بالانسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق في الفلسفة يرفع الانسان إلى قيم الدين. ومن هنا رمت المؤسسة الدينية الفلاسفة بأنهم اليساريون الانقلابيون، وأن الدراسات الدينية وحدها هي الجديرة بالعناية والرعاية والدعم.

5-   الثقافة العربية الحديثة هي أشبه بالثقافة العربية في العهد العثماني. ومن يقرأ كتابنا (عصر التكايا والرعايا – وصف المشهد الثقافي في بلاد الشام في العهد العثماني 1517-1918) سوف يجد أننا ما زلنا نعيش ثقافياً في العهد العثماني من حيث أن ثقافتنا ثقافة تعتمد على السحر والشعوذة والخرافة والتقديس، والانفعالية والغريزية والشعارات، والأحكام المُسبقة. والفلسفة هي التي تعلمنا كيف نجيب على كل سؤال بعقل منفتح وخالٍ من النظريات المسبقة، اجابة تعتمد على المعلومة والتجربة الحية.

6-   انتشار الفلسفة في مجتمع ما يعني انتشار الحرية وعلامة من علامات انفتاح المجتمع على العالم القريب والبعيد. قال برتراند راسل (1872-1970) إن الفلسفة منذ القدم لها هدفان: الأول، فهم تركيب هذا الكون. والثاني، اكتشاف انجع الوسائل الممكنة للحياة الأفضل. وهذا يتطلب حرية كبيرة في التفكير والسلوك.

7-   إن بؤس التربية والتعليم العربي قادا إلى بؤس الفلسفة. فالتعليم العربي الذي يُوصف بالانغلاق والتقوقع وتكفير الآخر ومعاداته قاد إلى إلغاء الفلسفة من كثير من المناهج العربية، مما أدى تشويه العملية التربوية وافسادها، وقاد ايضاً إلى تخريج أجيال الاجترار والتلقين، لا أجيال التفكير والابداع التي تعرف كيف تصل بين نقطتين من أقرب المسافات، وهي مهمة الفلسفة في أن تعلمنا اياه، كما قال جبران خليل جبران (1883-1931).

8-   انتشار مفهوم أن الفيلسوف هو الحكيم في الثقافة العربية في حين أن الفيلسوف هو محب الحكمة والباحث عنها كما أسلفنا. ومن خلال هذا المنظور المغلوط للفيلسوف اصبحت الفلسفة من الترهات حيناً ومن المعارف المترفات حيناً آخر، من حيث هي تجريدية ومثالية.

9-   ان علاقة الفلسفة بالسياسة علاقة وثيقة منذ أيام الإغريق، مما جعل السلطات العربية والمؤسسات الدينية تضع حظراً كبيراً على الفكر الفلسفي كما أنها تضع الحظر نفسه على الفكر السياسي. فهدف الفلسفة هو اخضاع السلطة السياسية من أجل مصلحة الفرد كما قال ألن بلوم (1930-1992). فكما أن السياسة نجاسة كما تقول العامة فإن الفلسفة سفسطة وضياع الوقت، كما تقول الامة نفسها.

وأخيراً، يقول سقراط (470-399 ق. م) إن الفلسفة تبدأ من الشك والسؤال، وليس من اليقين والجواب الجاهز. والثقافة العربية في ماضيها وحاضرها هي ثقافة الأجوبة الجاهزة واليقينات التامة. فلكل سؤال في الثقافة العربية جواب جاهز، لا يدع مجالاً للسؤال لكي يزوغ أو يفلت يمنة ويسرة. وتلك احدى عوائق تقدم العقل العربي الذي تآكل بفعل الصدأ الناجم عن عدم البحث عن أجوبة جديدة للأسئلة القديمة والجديدة. فالعقل كالضرع، إذ لم تحلبه كل يوم، جفَّّ وتيبّس، وأصبح كحبة جوز الهند الفارغة.

 

*******


د. سّيار الجميل: هل للعرب المعاصرين فلسفة وفلاسفة؟ ام انهم انتجوا كلام اللواغيا؟

 

مدخل
 الفلسفة كما يعّرفها المعرفيون منذ القدم انها – باختصار -: " البحث عن حقائق الاشياء ". والفلسفة – في معاجم اللغة العربية – هي " الحكمة "، فهل انتج العرب المعاصرون والمحدثون " حكمة " من نوع ما وكشفوا عن حقائق اشيائهم ومعانيها على امتداد أكثر من قرن كامل مضى من الزمن؟؟ وهل ابدعوا معرفيا: نظريا وتطبيقيا في البحث والخلق لنظريات وافكار شغل العالم كله بها؟؟ يقال: احكم الامر من الحكمة، اي: اتقّنه ومن تنسب اليه الحكمة قد احكمته التجارب على المثل: ويقال لمن كان حكيما قد احكمته التجارب، واحكمت الشيىء فاستحكم: صار محكما. قال ذو الرمة:
لمستحكم جزل المروءة مؤمــــن من القوم، لا يهوى الكلام اللواغيا
ونعود لنسأل: هل انتج العرب فلسفة وحكمة على امتداد قرن كامل، أم انهم عشقوا الكلام اللواغيا، بكل ما فيه من اطناب واسهاب وثرثرة وتهويل ولغو وحشو وتكرار وهذر وانشاء خاو من المعاني.. الخ
العرب اليوم: بعيدا عن استنارة فكر وعن فاعلية تفكير
 كنت قبل ثلاثة اسابيع ضيفا خفيف الظل على قناة الشارقة الفضائية في برنامج حيوي اسمه ( اوراق )، وفي حوار مبسّط مع صاحبته ومقدمته السيدة باريهان كمق عن حاجة العرب الى منهج فكر! قلت منذ البداية: بأن ليس عند العرب المعاصرين فكرا محدثا فهم في مرحلة طالت نهضويتهم فيها من الركود وهم ما زالوا في دوامة من التفكير الباحث عن نقاط البدء بعد لا الفكر المستنير الراسخ القائم بذاته! ومن المضحك المبكي ان يطلق البعض على انفسهم بـ " المفكرّين "!
 قالت محاورتي وهي مثقفة ومتابعة: لماذا؟
 قلت: لأن ليس هناك أي مجتمع في الدنيا اليوم يحترم نفسه ويتقّبل مثل هذا المصطلح او التعبير عن بعض ابناء نخبه. هذا مصطلح بليد اشاعه العرب بقولهم " هذا مفكّر.. " وهذه " نخبة من المفكرين ".. فالاصح – عندي - ان يطلق على كل واحد منهم اختصاصه الجامعي او المهني او النظري فيقال: الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي والاكاديمي والمؤرخ والكاتب.. الخ أما ان يقال عن هذا " مفّكر " وذاك " فيلسوف " فهذا ما يضحك حقا.. فكل انسان مهما كان حجمه في هذا الوجود انما يفّكر في الاشياء ومعاني وما حوله من الامور ليسكن الى معتقداته ويتخذ عنها مواقفه وقناعاته وثوابته. وربما تختلف من احدهم الى الاخر جراء تباين عواطفهم ومشاعرهم وانسياقهم وراء مؤثرات واحداث وخطابات وانساق لا حصر لها ابدا.
قالت: وماذا بعد؟
قلت: ليس من واجب كل من هّب ودبّ ان يتطفل على تخصص الاخرين، واذا قبلنا بالمصطلح على مضض، فأنني أسأل: هل استطاع ( الفكر العربي المعاصر ) ان يفرض نفسه في مساحة معينة ومضيئة وضيئة في الفكر الانساني الحديث اليوم بكل ما وصل اليه هذا الاخير من التطور والعمق؟؟ هل نجح اي ( مفكر ) عربي بفرض نظرية معينة او فلسفة متميزة وشغل مساحة كبرى ومعتبرة من القراء والمهتمين والدارسين في العالم؟؟ الجواب: كلا.. واستطردت متسائلا: هل نجح العرب بكل جحافلهم من المثقفين والمختصين بعد مضي قرنين من الزمن على ما يسّمى بنهضتهم الحديثة ان يفرضوا موسوعتهم العربية العالمية – مثلا – وبأكثر من لغة على الثقافة البشرية؟ انهم ان كانوا قد فشلوا فشلا ذريعا حتى في الاتفاق على مبادىء معرفية وخطوط منهاجية عامة فكيف يا ترى ستكون لهم فلسفاتهم وفلاسفتهم؟ ربما هم يقولون ويتنطعون بأن لهم ما ليس للاخرين من فلسفة وفلاسفة.. دعوهم يقولون ويزايدون ما يشاؤون بينهم وبين انفسهم، ولكن من مصلحة اجيالنا القادمة ان لا ندعهم في غيّهم يعمهون! وساعرض في ادناه صورة نموذج من هذا الغثاء الذي يجتاح ثقافتنا العربية المعاصرة تحت طائلة شعارات تدعمها شهادات ورقية ( اكاديمية ) يغلّف بها بعض الجاهلين بها انفسهم!


حوار بيزنطي
 نعم، بعد لأي من ذلك الحوار التلفزيوني، طلع على الشاشة ضيف من الاردن قدّم تعقيبا بائسا على كلامي كونه لم يفهم الصح من الخطأ وقال كلاما عاطفيا بما يشبه لغو من الكلام.. وكان المسكين لا يدرك الف " التفكير " من يائه! كان على اسوة اقرانه من الوعاظين الذين تربوا في صحراء قاحلة لا تعرف فيها المعرفة ولا شطآن العقل ولا لغة الاخر ولا فلسفة العالم.. كان مهذارا ثرثارا وكأنه لم يدرك ولم يكتب ما يقوله الحكماء والعقلاء على امتداد قرن كامل من الزمن؟؟ وهو الذي لم يعلموه الا كيل المديح والاجترار والاستطراد وقلة العقل وهذه مصيبة ابتليت بها ثقافتنا العربية اليوم وخصوصا عندما تخرج في اروقة جامعاتنا العربية البائسة ركاما من الجهلة الذين لا يصلحون ان يكونوا في اسفل سلم المجتمع لا في اعاليه! نعم، قال: كيف لا ونحن لدينا فلسفة وفلاسفة جهابذة عرب من المحدثين المعاصرين امثال ذاك وذاك.. فلاسفة كتبوا كما كبيرا من الكتب التي خدمت ثقافتنا العربية وقلت في نفسي: يا لسخرية القدر ان تغدو مؤلفات مسردة ومترجمة وكتابات لنصوص اعاد انتاجها اصحابها من جديد ونشروها في حياتنا الثقافية بثياب رثة.. فصّدق العرب ان لديهم فلسفة وفلاسفة!
 اجبت هذا المتدخل بما يستحق بكل هدوء، اذ ادرك انه وأمثاله قد نكبهم الجهل ورفعهم الزمن فاصبحوا من السفهاء الذين لا يمكن الحوار معهم، ولّم ينفع معهم الا الاهمال والترفع فهم بمثابة لجام يعضلهم حتى يموتوا!!
 عاد ليهذر من جديد ثانية مستخفا بتكنولوجيا العصر ومجّملا كلامه بترديد ما كان قد تلقّنه من عبارات سياسية في المجد والجهاد والسؤدد وكال المديح لتقاليده البدوية المجيدة التي اعتبرتها مجتمعاتنا المدينية العربية في الامس القريب تقاليد بالية لا تنفع المجتمع المعاصر! وعاد ليردد بكل وقاحة بأن للعرب اليوم مدارس فلسفية وفلاسفة عظام ومناهج راقية في الفلسفة! واراد تحويل النقاش الى قضية سياسية كالعادة العربية الفاشلة عندما تنضب آلية المعرفة ومن اجل ان يتبجح ضد العراق فاسكته بعد ان سألتني محاورتي بكل ذكاء: هل تتفق مع هذا الذي يطرحه ( الدكتور )؟ قلت لها: كلا لا اوافق ما يقوله هذا الرجل! فالامور ليست بمثل هذه السذاجة.. فأي فلاسفة عظام هؤلاء؟ وأي مناهج راقية في الفلسفة عند العربان المحدثين؟ وأي مدارس بها يتميزون؟ ان كل من كتب في الفلسفة من ادباء واكاديميين وشعراء ومثقفين عرب لا يعدو ان يكون مجرد انشاء كلام او تجميع نصوص او توصيف حال او ترجمات كتب او شرح قواعد او كتابة مقالات او ابيات شعر فلسفية.. الخ


اين الفلسفة والفلاسفة؟
 انني اتحّدى ثقافتنا العربية (الحديثة) الاتيان بفيلسوف عربي واحد اليوم عند مطلع القرن العشرين او حتى من مثقفي القرن العشرين.. قدّم نظرية فلسفية عرفها العالم كله؟ او انه قدّم ابداعا فلسفيا في موضوع حيوي معين على الارض العربية وليس جزءا من انتاج معرفي في جامعات غربية؟؟ ولقد طالبت الجيل الجديد الذي اتمنى عليه ان يوظف طاقاته وخبراته بعد عشر سنوات من اليوم بعد رحيل جيلنا نحن هذا المخضرم بين قرنين.. طالبته بأن يؤسس ثورة نقدية عارمة لمنتجات آبائه في القرن العشرين ليقف على حقائق مذهلة وعلى اسماء كتاب مشهورين في ادبياتنا العربية كتبت في الفلسفة وغيرها، لكنه سيكتشف انها اسماء مخادعة ومهزوزة ومخاتلة ومستلبة لم يكن ذلك الكم الوفير الذي كتبته تلك الاسماء ونشرته الا مجرد ترجمات خفية عن لغات اجنبية ويا للاسف الشديد! خصوصا وان ابرز هؤلاء عاشوا في بيئة محلية لا تعرف الا لغة التهويل والمديح والتعظيم لأناس وصفوهم بالمفكرين والفلاسفة والعمالقة الكبار وهم لا يصلحون حتى لكتابة عرضحالات لدوائر رسمية او على اكثر تقدير اعتبارهم كتبة مقالات او مؤلفي كتب لا حياة فيها ولا فكر لها ولا ابداعات مثمرة عنها!
 لقد اشتغل العرب من المسلمين وغير المسلمين القدماء بالفلسفة بعد ان تأثروا بالفلسفة الاغريقية فابدعوا واثمرت جهودهم اثر اعظم حركة للترجمة قامت في بغداد وبرغم كل ما قدمّه حنين بن اسحق والكندي والفارابي ومسكويه وابن رشد وابن طفيل وابن باجه والبيروني وابن ميمون وابن سينا وابن خلدون وغيرهم من اقوى الفلاسفة واصحاب المناهج والمدارس من علماء الكلام والاشاعرة والمعتزلة.. الخ الا ان حربا ضارية لا هوادة فيها مورست ضدّهم تحت مسمّيات واتهامات شّتى فوصف بعضهم بالتهافت ووصف بعضهم الاخر بالانعزال والبعض الاخر بالزندقة والالحاد.. نعم، كل ذلك جرى في دواخلنا العربية علما بأنهم ابدعوا واثمرت جهودهم عن براعة فكر حقيقي استفاد العالم كله منهم.. ولكن عصرنا الحالي لم يشهد ولادة فلاسفة عمالقة ولا حتى اقزام صغار يتفلسفون او حتى يهذرون عن عشق للفلسفة او عن جنون بها..
 لقد عجز الفكر العربي المعاصر عن الفلسفة بسبب عوامل عديدة لا يمكنني اغفالها في مثل هذه المداخلة! فالعرب على امتداد تاريخهم الحديث قد غلبوا الافكار السياسية والمعتقدات الايديولوجية المتنوعة على تفكيرهم المعرفي فحادوا عن طرائق العقل، وكانوا وما زالوا يتغّلب الايديولوجي عندهم على المعرفي. والمعاصرون اليوم كانوا وما زالوا يختنقون في اقفاص حديدية سجنهم فيها حكامهم واباطرتهم.. او انهم وجدوا انفسهم في مجتمعاتهم يتشربون من ترسبات عقيمة وبقايا التخلف وهم في شرانق تحزهم خيوطها ولا تسمح لعقولهم بالتفكير الحر والتعامل النقدي المباشر مع الحياة.. والمعاصرون اليوم عندنا قد فتحت الاجيال الاولى منهم عيونها واسماعها ومشاعرها وكل جوارحها على ما يسّمى بـ " النهضة " و " التقدم "، وبعد ان اخذها هذا شمالا وسحبها الاخر يمينا وجدت الاجيال الجديدة نفسها وقد افترستها مشروعات مؤدلجة ومواعظ وممنوعات ومحرمات وخطب سياسية رنانة عدة ازحمت بالشعارات والمقدسات والتعليمات، فصمّت الاذان وتعطلت لغة العقل وقفل على الالسنة واضطهدت المشاعر وكممت الافواه واختنقت الانفاس..


العرب: خطايا واقع متعفّن
 اي فلسفة عربية معاصرة يمكننا ان نقف ولو لمرة واحدة مع نظرية فلسفية واحدة؟ اي اثراء معرفي عربي حقيقي جرى في حياتنا الفكرية الحديثة لنظريات فلسفية حديثة عاشت في القرنين السابقين؟؟ هل كانت الكتابة وحتى التأليف من قبل بعض الكتبة والكتاب للنصوص في موضوعات كالداروينية او الماركسية او الوجودية او النسبية او البنيوية.. الخ هي التي تعتبرها جوقات من الجهلة والمداحين العرب فلسفة؟ هل نجح العرب المعاصرون في اثراء المعرفة الانسانية بالعمل جماعات وفرق عمل نظريا وميدانيا لانتاج اعمال مميزة يلتفت اليها العالم؟ هل ساهم العرب المعاصرون الذين يهوون الندوات والمؤتمرات والشعارات والخطابات الرنانة ان يعتنوا قليلا بتربية المبدعين من اولادهم وبناتهم كي يكون لهم مستقبل وشأن كبير؟؟ اي فلسفة عربية معاصرة هذه التي يتبجحون بها ونخبة المثقفين منهم تجتر المقولات وتردد النصوص وتستلب الافكار ولا تحترم الاخر وليس لها الا الاوهام والاخيلة والتشبب وذكر الامجاد وتكرار الاقوال والامثال وتدجن الكوارث وتشيد بالسلطات والدكتاتوريات..؟؟ اي فلسفة عربية معاصرة هذه التي لم تزل هذه النخبة من الكتاب العرب الذين لا يعرفون الا الكتابة ولا اتخّيل كيف انهم يكتبون وماذا يكتبون من دون ان يقرأون ولا يتدارسون ولا يتابعون!؟؟ كيف يمكنني ان أصف اوضاع حياتنا العربية المعاصرة التي لم تشهد حتى الان اي ثورة نقدية وفكرية حقيقية او اكاديمية منهاجية لدراسة تراثنا ونقده وكشف مستوراته وفضح عوارضه وتعرية مفاسده وتقويم اعوجاجاته الى جانب احترام رجالاته وثمار ابداعاته بعيدا عن النرجسية وعن التقديسية وعن التكفيرية وعن سحق الموضوعات الحية باسم عدم سحق الذات والذات منسحقة من عصر بعيد وقد غدت في اسفل سافلين!!


واخيرا: ما الذي يمكنني قوله؟
 متى يتخلص العرب من صناعة الكلام اللاغي؟ متى يفكرون الف مرة قبل ان يهتاجوا ويقولوا ويكتبوا ويقدموا النصائح البليدة؟؟ متى يتخلصون من الوعظية وتوزيع الاحكام المجانية والقاء الاتهامات القاصمة على الاحرار والمفكرين والنقاد الحقيقيين؟ متى تفرز الحياة العربية النقاوة من المفاسد والبياض من العتمة والنظافة من الاوساخ والعقل من الجهالة والحداثة بعيدا عن اقانيم التخلف..؟؟
 وتعالوا نسأل: اين العرب اليوم من بحثهم عن حقائق الاشياء وتوليد المعاني وخصب التفكير وابداعات الروح والعقل؟ اين هم من الحكمة؟ حتى لو كانت شعرا " وان من الشعر لحكمة " – كما يقول الرسول الاعظم -؟ اين هم الان من نظريات العصر الفلسفية الحديثة؟ لماذا يتقبلون كل شيىء مادي وتكنولوجي ينتجه الغربيون ببساطة وسذاجة باعتباره تحصيل حاصل مشروع وشرعي، ولكنهم يحجمون ويتبلدون عن قبول فلسفات الغرب ونظريات المعرفة الحقيقية المعاصرة؟ لو كان لديهم فقط حركة نقدية وفكرية وفقهية اجتهادية جريئة وحرة لنفضوا عنهم وعن انفسهم وعقولهم غبار الاختناقات وترسبات الماضويات وعفونة الواقع واحترموا تراثهم الحضاري الزاهر بعيدا عن تقديسه بغثه وسمينه، واحيوا مقاصدهم النظيفة التي لا تتقاطع او تتناقض مع ثوابتهم الراسخة.
 نعم، لو بدأت مشروعات تجديدية وتحديثية في التفكير العربي والاسلامي الحديث وعالج العرب زمنهم لشاركوا مشاركة حقيقية في حياة العصر، ولكنهم ويا للاسف الشديد كانوا وما زالوا بعيدون جدا عن اللحاق حتى بفهم ذيوله وقوة صعقاته! لو تيسّرت الامور عندهم وغدت الحياة العربية بأيدي عقلائها ورجالاتها الحقيقيين لأنتجت بعد اجيال واجيال من ( نهضتها ) حكماء يتدبرون امرها وستحل مشكلات ومعضلات لا حصر لها بأيديهم باعتبارهم من اهل الحل والعقد.. ولتغير وجه حياتنا العربية واسرعت خطاها نحو ركب التحولات في العالم كله! وأخيرا ليس لي الا ان أسأل: هل ما زال هناك بشر سوي يقول بأن لدينا فلسفة حديثة وبعض فلاسفة كبار من المعاصرين؟؟

 

***********

بُـرهـان شـاوي: هل هناك فـلاسـفة عـرب معاصرون؟

 

* لدينا كليات للفلسفة، ولدينا باحثون في الفكر الفلسفي، ولدينا شراح نصوص ومؤرخون، لكـن أين مشـرعـنا الفلسـفي؟

* هل صـار عرض فلسفات الآخرين، والتعليق على نصوصهم، هو فلسفتنا؟

* كم كتابا في الفلسفة يصدر عن دور النشر العربية سنويا؟

* لماذا يؤرخ عبد الرحمن بدوي لنفسه فقط في الموسوعة الفلسفية، وهل ننتظر مفاجئات في الانتاج الفلسفي من العراق بعد سقوط الحكم الدموي فيه؟
 
* هـل الواقــع العربي المعاصـر معـاد للفلسفة ولإعمال الفكـر بشكل عام؟


 قـد يبدو غريبا أن نحـاول هنـا مناقشـة قضية شـائكة وعميقة، كانت، ولاتزال،ابعد ما تكون عن وسـائل الاعـلام العربيـة، بكل أشكالها المقروئة والمسموعة والمكتوبة. قضية كان تراثنا القديم يطلق عليها لفظ (الحكـــمة)، وأسس لها علوما سميت (علوم الحكمــة) رغم أن بعضهم أطلق عليها أنذاك ايضا نفس الاسم الذي يطلق عليها اليوم في في الفكر المعاصر، ونقـصد هنــا (الفلســـفة)!!.

للفـلسـفـة في جامعاتنا العربية، وفي جامعات العالم العريقة، كليات وأساتذة مختصصون، حيث تُدرس على مدى أربع او خمس سنوات، كما تُمنح فيها الشهادات الجامعية والشهادات العليا، بل ان أعلى شهادة الدكتوراه في مجال الدراسات الانسانية تمنح تحت لقب(دكتورفلسفة)، ثم يعلن عن مجال التخصص الدراسي والأكاديمي!!. لكن الفلسفة ليست مهنة أو حرفة، أو وظيفـة إدارية، أوإجتماعية، فلماذا تُدرس إذن؟ وهـل هناك وظيفة لفيلسوف؟ بل وهل هناك مهنة أسمها: التفلسف؟ ثم، أكل من درس الفلسفة وتخرج من كلية الفلسفة هو فيلسوف بالضرورة؟ وهل ان دراسة الفلسفة هي حكر على الجامعات؟

من الواضح، من عنوان المقال، اننا لا نريد هنا أن نخوض في حوار حول تراثنا الفلسفي،  لنرد على طروحات البعض الذين ينفون وجود فلسفة عربية إسلامية، من حيث ان مؤلفات  الكندي، والرازي، والفارابي، وان سينا، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، والطوسي، وصدر الدين الشيرازي، والطباطبائي، وغيرهم، خير شاهد على حضور هذه الفلسفة، حتى وان كانت  أسئلتها غير صافية فلسفيا، من وجهة النظر الفلسفية المعاصرة، إذ كان السؤال الفلسفي فيها يتداخل مع المنطق من جهة ومع اللاهوت من جهة اخرى، لكننـا نسعى هنا الى ان نقرب الفلسفة من الواقع العربي المعاصر، من خلال تفحص السؤال التالي: لقد كانت لدينا فلسفة عربية إسلامية،( سواء كان هؤلاء الفلاسفة عربا ام من الأعاجم، فالبلاد كانت بلاد الاسلام، فالاسلام كان هو الهوية، وليست القومية، كما هو الحال اليوم..!!) فهل لدينا اليوم فلسفة عربية إسلامية؟ أو بدقة أكبر: هل لدينا فلاسفة عرب معاصرون؟ رغم ان غير المسلمين من العرب، والذين يعشيون في البلاد العربية مع العرب المسلمين، لا يمكنهم الخروج بسهولة من فضاء  الاسلام، إذا ما اعتكفوا على السؤال الفلسفي، أو غيره من أسئلة الفكر!!

 فيما يخص الشعوب الاسلامية غير العربية مثل الايرانيين والهنود والبنغال، والباكستان، و شعوب أقاصي آسيا المسلمة، يمكن الأجابة على هذا السؤال بنعم، إذ لديهم فلاسفة ومتفلسفون، ونتاج فلسفي مرموق. فحسب علمي ان مؤلفات الفلاسفة الايرانيين المعاصرون امثال (داريوش شايغان) و(سروش) و(مطهري) و(حسين الطباطبائي) والبنغالي الهندي (محمد اسد) تدرس في بعض الجامعات الاوربية والآميركية،لا سيما في أقسام الإستشراق، وما كشفه المفكر الالماني (يورغن هابرماس) في الاعلام الالماني، واثار ضجة في الاوساط الفكرية الألمانية والاوربية، عندما تحدث عن حواراته مع المفكرين الشباب المعممين في ايران، واتجاهات الفكر الاسلامي. هناك، بغض النظرعن تقييمه الشخصي لها، تؤكد وجود تاسيس فلسفي واثق الخطى هناك.!!  وكدلك تحدثت مرارا، بل وكتبت المستشرقة الألمانية الراحلة (آناماري شيميل) مرات عديدة عن مثل هذا النشاط في اللغات التركية والأوردية والبنغالية التي كانت تجيدها،( بينما نتعالى نحن على هذه اللغات ونلهث وراء اللغات الاوربية فقط؟ مجسدين بكل وضوح عقدة النقص فينا امام الفكر الاوربي، رغم اننا لو نظرنا، وامعنا النظر، وبحثنا قليلا في الثقافات الاسلامية الشرقية،لازدادت حدة هذه العقدة!!)، لكن السؤال المهم هنا هو: هل لدينا، نحن في البلدان العربية، مسلمين ومسيحيين، فلسفة عربية، وهل لدينا فلاسفة عرب معاصرون؟

 صحيح ان لدينا كليات للفلسفة في معظم جامعاتنا، الا أن معظم دراساتنا وبحوثنا، ومعظم الاسماء التي كتبت، ولازالت تكتب، في مجال الفلسفة، سواء من داخل الحرم الجامعي أو من خارجه، تشرح النصوص الفلسفة، وتبين إتجاهات الفكر الفلسفي، وتؤرخ لفلسفات الاخرين، وتبحث فيها، لكن دون أن تطرح هي مشروعها الفلسفي، ودون ان تنتج فكرا فلسفيا خاصا بها، او تؤسس مقدمات نظرية فلسفية، سواء في رحاب الفلسفة الاسلامية السابقة، او على أعتاب الأسئلة الفلسفية التي أنجزها الفلاسفة الغربيون!! فهل صار الاشتغال على تاريخ الفلسفة هو الفلسفة؟

 ربما سيجيب البعض بنعم، أي ان الاشتغال على تاريخ الفلسفة صار جزءا من الفلسفة والعمل الفلسفي، وربما سيجيب آخرون بانه منذ( ماركس)، الذي اعلن في رده على(فويرباخ) بان الفلاسفة سابقا إكتفوا بتفسير العالم بينما المهم هو تغيره، تحولت الفلسفة الى وسيلة فكرية جبارة للتغيير الاجتماعي والتاريخي، ونزلت من عليائها الى أرض الواقع الانساني المرعب. وبالتالي صار الأعتكاف على السؤال الفلسفي الوجودي والكوني يفهم كشكل من الترف الذهني، ولأُتهم صاحبه بالنزوع البرجوازي الصغير، وبانه دليل على أزمة الفكر البرجوازي في العالم  الراسمالي في صراعه مع الماركسية، آيديولوجية الطبقة العاملة. رغم ان فجاجة هذا الطرح إختفت منذ الانهيار المذهل للاتحاد السوفياتي، الذي كان حامل لواء الماركسية الللينينية، والذي  قدم بسقوطه خدمة جليلة للفلسفة الماركسية، وذلك برفع الوصايا الأبوية والعقائدية عنها من جهة، وفتح الأفاق أمام المفكرين في روسيا وبلدان الطوق الاشتراكي سابقا ان يعيدو طرح الاسئلة الفلسفية القديمة والجديدة التي توقفت منذ هيمنة الحزب الواحد على السلطة، وصار رقيبا  ووصيا على الفكر الحر، كما حرر المفكرين الاوربيين من عقدة التطبيق الفج للحلم اليوتوبي بالخلاص ومن تحمل آثام القمع الفكري والسياسي في البلدان التي حكمها الشيوعيون،.  وربما من المفيد هنا ان نذكر، وهذا ما لا يعرفه الكثيرون، بانه كانت في روسيا وحدها قبل الثورة الاشتراكية تيارات فلسفية مهمة، كانت تمزج بين الفلسفات الاوربية والروح الشرقية، وكان هناك فلاسفة مرموقون امثال: سولوفيوف، ستراخوف، دانيليفسكي، ليونتف، رزانوف، شيستوف، برديايف، وغيرهم!

وعودة للدرس الاكاديمي الجامعي للفلسفة، تُرى ماهو شعور الطلبة الذين يدرسونها لسنوات ثم يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل، يبحثون عن أية وظيفة فلايجدون، بل نجد ان دراستهم تصير أحيانا بابا للتندر عليهم كان يقولون: جاء الفيلسوف، وذهب الفيلسوف، وقال الفيلسوف.

 ولو بقينا في الحرم الجامعي وواصلنا الأسئلة: تُرى أين هي مؤلفات وكتب هؤلاء الاساتذة والعاملين في مجال الفلسفة؟ اين مجلاتهم الفلسفية؟ أين مؤتمراتهم الفكرية؟ ولو خرجنا من  الجامعة وواصلنا الأسئلة، لكن في نفس المجال،: تُرى كم كتابا في الفلسفة ينشر سنويا؟ وما هي عدد النسخ عن الطبع؟ ومن يقرأه هذه الكتب؟

 إننا كلما توغلنا في الأسئلة سنجد انفسنا أمام السؤال الفلسفي نفسه: تُرى اين هي حدود الفلسفة؟ وما هي علاقتها بواقعنا السياسي الرسمي المباشر؟ واين هي من حياة الناس اليومية؟  ولو تجرأنا أكثر لنبش مثل هذه الأسئلة لما ترددنا في السؤال: أين أختفت ياتُرى الحركة الفكرية الفلسفية التي بدأت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في القاهرة، وبيروت والمغرب العربي؟ لماذا توقفت حركة ترجمة للتراث الفلسفي العالمي الى العربية؟ ولماذا إختفت الاسماء العديدة التي إنهمكت في الفكر الفلسفي ترجمة وشرحا وتعليقا؟ ولماذا يؤرخ  المرحوم (عبد الرحمن بدوي) بشكل موسع، في (الموسوعة الفلسفية)، لنفسه فقط؟ أتُرى هل يستطيع ( مطاع صفدي) ومن معه في مجلة (الفكر الفلسفي) و(عبد السلام بن عبدلعالي) في مجلة ( فكر ونقد) ان يؤسسا لفلسفة عربية معاصرة حاليا؟ ولماذا ياتُرى توقف الفكر الاسلامي في رفد الثقافة العربية الاسلامية بفلاسفة؟ وهل هناك أعمال فلسفية غير منشورة للمفكر الاسلامي الشهيد (محمد باقر الصدر) تواصل جهده المرموق في تأصيل فلسفة اسلامية
معاصرة، غير رده الشهيرعلى الماركسية في كتاب (فلسفتنا)؟ وهل ستكشف لنا الأيام والأشهر والسنوات القادمة مفاجئات تأتي من النجف وكربلاء في مجال الفلسفة، سواء في الكشف عن  اعمال فكرية وفلسفية لم تنشر بسبب الحكم الدموي الفاشي البعثي في العراق، أو من خلال الحرية التي ستتيح للكثير من العلماء ان يقتحموا الحقول الفلسفية التي كانت اية خطوة فيها تكلفهم حياتهم وحياة أقاربهم سابقا؟ بل وهل ستعيد كليات الفلسفة في الجامعات العراقية النظر في برامجها، وتنفض عن نفسها غبار الأيام السوداء، لتكون ورشة للفكر وللوهج الفلسفي؟

 إنها أسئلة جريحة، وليس اكثر..! أسئلة تقودنا الى أسئلة أخرى أشد إيلاما ووجعا، فياتُرى، هل ان الواقع العربي المعاصر معاد للفلسفة ولإعمال الفكر بشكل عام؟ هل لا زال واقعنا  العربي، كما كان في بعض مراحل تاريخنا الماضي، يعادي التفكير الحر، ويعادي كل علم فلسفي ومنطقي، كما ذهب الى ذلك الغزالي، وابن تيمية، والذهبي، وابن الصلاح، والصنعاني، وغيرهم، من الذين وقفوا بكل قوتهم ضد الفلسفة والتفكير الفلسفي، بل وحرضوا الحكام على معاقبة كل من يمتهن التفكير الفلسفي، ويطرح أسئلة فلسفية مقلقة، مثلما حرضوا العامة من الناس لإيذاء كل من يتهمونه بالهرطقة الفلسفية، وبالزندقة؟
 
 ولو لم يكن واقعنا العربي المعاصر كما كان سابقا، فلماذا أغُتيل العلامة الشيخ الجليل صبحي الصالح، وهو صاحب البحوث المهمة في علوم القرآن وفقه اللغة العربية! ولماذا ياتُرى لم ترحم المسدسات، الكاتمة للصوت، شيخوخة المؤرخ الفلسفي والمفكرالاسلامي الشيخ حسين مروة، ولم لم تتردد طلقات القتلة وهي تخترق جمجمة المفكر اللبناني حسن حمدان المعروف ب( مهدي عامل )، الذي رحبت به كل الاوساط الفكرية، النخبوية، العربية في بداية السبعينيات باعتباره مشروعا لفيلسوف عربي جديد، ولم توجهت رصاصات القتلة الى رأس فرج فودة الحر؟
 
 ألا يشبه يومنا المخضب بدماء مفكرينا، أمسنا الذي فيه زُج بالأمام ابوحنيفة في أقبية سجون أبي جعفر المنصور مؤسس بغداد، وقُتل فيه الأمام موسى الكاظم في سجون الرشيد، وألقي فيه أبن المقفع في التنور الملتهب وهو حي يرزق، ولوحق فيه الامام الرضا الى مشهد ليقتل بالسم من قبل المأمون صاحب العلم والمجالس الثقافية، وُجر فيه ابن حنبل مثقلا بالسلاسل ليقف أمام المتوكل، وخوزق فيه العشرات من المفكرين في ظل الحواضر والامصار تحت رايات الخلفاء العثمانيين؟ بلى والله، لقد صار يومنا اشد لعنة من أمسنا،لا سيما بعد إعتمادنا على وسائل القتل المتطورة، وتوفر وسائل الاغواء الأشد سحرا، وسهولة الرصد، والتنصت، والقتل اذا اقتضى الأمر..!!

 ولو إبتعدنا عن هذا السؤال المعذب، ودخلنا الى صلب الفكر الفلسفي، وتطبيقاته النظرية في الفكر العربي، فسوف نواجه بإشكالية (المصطلح الفلسفي) على مستوى الفكر العالمي، وتحديد دلالاته، ونحت مصطلح رديف له في الفلسفة العربية الاسلامية، قديمها وحديثها؟ ولواجهنا ايضا إشكالية اخرى مرتبطة بامكانياتنا الحضارية لانتاج فكر فلسفي أصيل نستطيع من خلاله مواجهة  واقع التبعية الفكرية والفلسفية للآخر!!

 إن وسائل الاعلام الجماهيرية،العربية، من صحافة وتلفزيون وراديو وسينما، كلها ساهمت في تقديم صورة مشوهة عن الانسان المثقف عموما، والانسان المفكر خصوصا، وكأنه انسان خيالي، غير واقعي، ليس له علاقة بالواقع أو بما يدور حوله، وقدمت له الفلسفة وكأنها نوع من  الثرثرة، والتشدق اللفظي، واللغو الفارغ، واختلاق مشاكل وهموم لا يفكر الانسان العادي فيها، وهو في غنى عنها، لذلك فهي وجع رأس وليس اكثر..!!

 ومن هنا فان هذا المقال يعتز بانه يلقي حجرا في بركة راكدة، ومن خلال احدى وسائل الاعلام الجماهيري، ليثير السؤال من جديد: هل هناك فلاسفة عرب معاصرون، أم لدينا مشتغلون في الحقل الفلسفي؟ لدينا مفكرون، فلماذا لا نستطيع ان نطلق عليهم لقب( فلاسفة)؟ أليس لدينا نجيب محفوظ، وهو أديب يقف عند أقانيم الفلسفة بمعناها الدلالي الحقيقي والمباشر؟  واذا ما ذهبنا مع بعض الطروحات التي تؤكد بان الفلسفة العربية الاسلامية نشأت في عصر كان العرب، والمسلمون عموما، أقوياء، واثقين من انفسهم، لا يخافون الانفتاح على الاخر، ولا تقلقهم إشكالية فقدان وضياع الهوية، واننا اليوم نعيش واقعا على عكس كل ما تقدم وصفه، فهل هذا يعني باننا عاجزون ولا فائدة ترجى منا، لاننا لا نملك الا ان نكون هامشا لمتن ينتجه غيرنا، وصدى ضعيف لصوت عميق واثق القرار ياتينا من آفاق رحبة يبعدنا عنها شرط الحرية؟
إنها مجــرد أسـئلة بريئة..بريئـة جدا..!

 

*******************


جورج طرابيشي: ليس لدينا فلاسفة وإنما تراجمة فلسفة

 

لهذا السؤال عدة أجوبة ممكنة، وفي مقدمتها غلبة الخطاب الايديولوجي الذي شكل في الستينات جائحة وبائية حقيقية.
ولكن إذا اردنا أن نحفر في المزيد من العمق، فلا بد أن نبحث عن جواب آخر يتمثل في ما لا أتردد أن أسميه "استحالة الموقف الفلسفي في الثقافة العربية المعاصرة".
ذلك أن الفلسفة نبتة لا تُنْبت ولا تزهر إلا في تربة العقل واستقلالية العقل. وبدون أن أدخل في تفاصيل لا تتسع لها هذه الاجابة المختصرة، فسألاحظ أن العقلانية كشرط لتمخض الفلسفة ما زالت بعيدة عن أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في الثقافة العربية المعاصرة. وأنا لا أعني بالعقلانية شيئا آخر سوى هذا المبدأ البسيط والثوري معا: إنه لا يجوز ان تعلو فوق سلطة العقل أية سلطة أخرى. والحال ان سُلطان الثقافة العربية ما زال يعتّم بعمامة الدين – وهذا أنكى – الدين المؤدلج. ولئن أمكن في العصور الوسطى الاسلامية أن تتطور أشكال لاهوتية من الفلسفة، فإن اللاهوت نفسه، كشكل معقلن من الدين، ما زال منفيا من الثقافة العربية منذ ان طرد علم الكلام خارج أسوار المدينة الاسلامية ومنذ ان تقلصت الحضارة العربية الاسلامية، من حيث الدينامية الفكرية، إلى محض حضارة فقه.
وإذا حددنا الموقف الفلسفي بأنه التسليم بسؤدد العقل وتعالي سلطته على كل سلطة عداها، فلنا أن نقرر في شبه يقين ان امكانية الموقف الفلسفي معدومة في الثقافة العربية المعاصرة أو مصادرة لحساب الدين المؤدلج، أو الايديولوجيا المتدينة. وإذا كان هناك  في الستينات من مارس الفاعلية الفلسفية، وإذا كان هناك اليوم من لا يزال يمارسها بقدر أكبر من الحياء، فإن هذه الممارسة تقتصر في غالب الأحيان على الجوانب غير المحرجة من الموقف الفلسفي. فاكثر الممارسات العربية للفلسفة قد اقتصرت على فلسفة اللغة، كما في مثال كمال يوسف الحاج أو زكي الأرسوزي، أو كانت ترجمة بالوكالة كما في فلسفة عبدالرحمن بدوي الوجودية أو فلسفة يوسف كرم التوماوية أو فلسفة عبدالعزيز الحبابي الشخصانية أو فلسفة حسن حنفي الفينومينولوجيا. ففي جميع هذه الحالات، نحن لا نجد انفسنا أمام فلاسفة بل أمام تراجمة فلسفة.

 

****************


حوار مع د. فتحي التريكي: "التفلسف نضال يومي ومقاومة مستمرة  ضد الاستبداد واللامعقول في العالم..."

 

حكمت الحاج من تونس: هل لدينا فلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة: أين هي اليوم؟ ما هي إنجازاتها؟ إشكالياتها؟ ماذا حل بالفلسفة في العالم العربي؟ سؤال كبير تتفرع منه كل الأسئلة المتلهفة لأجوبة تشفي الغليل... ومع هذا فليس هناك أجوبة نهائية.. بل مجاذبات تأمّلية لعلها أن تجعل العينَ ترى أبعد، والأذن تلتقط أبعد من الإصغاء...أن تستحث العربي إلى استجلاء معنى مجيئه إلى هذا العالم؛ قيمة فرديته الخلاقة: أن يخرج من تراب الأسطورة الى فضاء التفكير.

هكذا يقدم المحرر الثقافي لـ "إيلاف" الشاعر عبد القادر الجنابي لهذا الملف الهام والإشكالي، الخاص بوضعية الفلسفة في العالم العربي، ومعه نقول حقا ان أحدى الخسائر الكبرى التي مني بها العقل العربي في كل حروبه الإيديولوجية هي فقدانه لحاسة التأمل الفردي، أي التفلسف، بالمعنى الذي يورده "كانط" للكلمة، وأضيف أيضا، صفة "النقدي" لذاك التأمل المنشود. ولكن هل حقا واقع الحال كما يقال؟ أليس هناك من استثناء؟

كتبت الدكتورة منى النجار في المجلة الالكترونية "قنطرة" Qantara.de التي تصدر بالعربية والألمانية مقالا تحت عنوان "الفلسفة هي الأكثر مبيعاٌ في معرض تونس الدولي للكتاب لعام 2003" قائلة ان "ما يميز القراء التونسيين هو اهتمامهم الكبير بالفلسفة. لقد بيعت بكثرة هذه السنة أيضا كتب لهايدغر، وعنه، ولأدورنو أو هابرماس والتي تجد إقبالا متوسطا في البلدان العربية الأخرى".

وتكاد أن تكون هذه هي صورة الحقيقة، حقيقة الفلسفة في تونس. ولم يجانب الدكتورة منى النجار الصواب، ولا جانب غيرها، عندما تتم الإشارة الى تفرد ذلك النشاط العلمي البحثي النقدي الفلسفي، سواء في الصروح الأكاديمية، أم بالممارسة الحرة وتطبيقاتها، من الدين إلى الفن، في تونس، ولربما كان وسيبقى إلى أمد غير معلوم، مَعْلَمَا خاصا بتونس ودالا على ثقافتها بل ودورها الحضاري.

مثال أو مثالين نعطيهما في هذا السياق للدلالة على صدق ملاحظات المتعمق في التجربة الفكرية التونسية. فلا أعتقد أن هناك من بلد عربي أو عالم ثالثي طرح على طاولة النقاش والسجال والمُساءلة، عبر نخبته المفكرة، موضوعا كـ "العولمة" أو "الهوية" أو "الحداثة"، بمثل هذا الكم والزخم والعنفوان والجدية والمواصلة، كما هو الأمر كائن في تونس.. ولا داعي هنا لذكر كل تلك الندوات واللقاءات والمنشورات والجلسات والشخصيات التي تدور في هذه الأفلاك.. وكلها تؤكد شيوع التفلسف الصحيح في تونس، وإرادة التطبيق الفلسفي على شتى الميادين حتى تلك التي تبدو للوهلة الأولى إنها أبعد ما تكون عن الفلسفة.

من جهة أخرى، حَقَّ لنا أن نتساءل عن أهم مقومات الفكر الفلسفي في تونس، وهل هناك "فلاسفة" في تونس، أم هناك فقط أساتذة ومدرسون للفلسفة؟ ما هي أهم مميزات الفلسفة في تونس التي تعزلها عن غيرها من الاتجاهات في العالم العربي ومن ثم العالم؟ هل الفلسفة في تونس في وضعية التماس مع "الشارع" و"الناس" أم أنها ما تزال أسيرة جدران الجامعات والنخبة؟ هل ثمة مستقبل للفلسفة في تونس؟ وان كان الجواب بـ نعم، فما هي ملامح ذلك المستقبل؟

 ذهبنا بهذه المقدمات إلى فيلسوف تونسي معروف مشرقا ومغربا هو الدكتور فتحي التريكي، الذي أرشدنا مشكورا إلى أن نحقق معا الخطة التالية على أن تنشر في "إيلاف" جميعها، وتتضمن، إضافة إلى الحوار الشيق الذي ستطالعونه الآن، مقالة حول تدريس وتعريب الفلسفة في تونس حتى عام 1986، مدعمة بإحصاءات دقيقة. ثم نظرة سريعة على الفلسفة في تونس بعد العام 1986 وحتى الآن، وحوار مع الأستاذ محمد علي ألكبسي حول تيارات الفكر الفلسفي في تونس، ولقاء مع الدكتور الطاهر بن قيزة حول الفلسفة في تونس عبر تجربة "مختبر الفلسفة" التي ينشط فيها. وبعد ذلك جلسة خاصة ثانية مع الدكتور التريكي حول القضايا الفلسفية الكبرى للفكر الفلسفي في تونس في الوقت الراهن، وأخيرا، تدوينات جدّ مهمة عن حضور الفلسفة الأوروبية في تونس بلحمها وشحمها، والعنوان العريض هو "فلاسفة أوروبيون في تونس: فرانسوا شاتلييه، ميشيل فوكو، جاك دريدا.. وغيرهم.

والدكتور فتحي التريكي هو فيلسوف تونسي من مواليد 1947 بصفاقس, حاصل على الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس- وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس- أستاذ كرسي اليونسكو للفلسفة بجامعة تونس - من مؤلفاته : أفلاطون والديالكتيكية عام 1986- الفلاسفة والحرب (بالفرنسية) 1985- قراءات في فلسفة التنوع 1988- الروح التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية 1991- الفلسفة الشريدة 1988- فلسفة الحداثة 1992- مقاربات حول تاريخ العلوم العربية 1996- اسنراتيجية الهوية 1997- فلسفة العيش سويا 1998- العقل والحرية 1998. الحداثة وما بعد الحداثة 2003.

التقيناه في مكتبته العامرة، فكان هذا الحوار:

* لنسألك في البداية من حيث يمكن للفرد أن يسأل عن الفلسفة، مازجا معها السياسة بالتاريخ: هل الفلسفة في تونس هي نتيجة للاستعمار الفرنسي الذي عرفته تونس في القرن التاسع عشر أم أن لها جذورا تاريخية؟

- عرفت تونس الفلسفة منذ القدم. ومع الحضارة "القرطاجنية" كان هناك مثلا "أبوليوس" صاحب أول قصة في العالم، "الحمار الذهبي". ومن المعلوم انه كان أرسطي الاتجاه في فكره. أما بعد الفتح الإسلامي، فقد تنامى بتونس عدد كبير من المفكرين والمناطقة والفلاسفة واللغويين، انتظموا في اتجاهات ثلاث: أولها أدبي ويمثله "ابن رشيق القيرواني"، وثانيها في فلسفة الدين ويمثله "الإمام سحنون"، وثالثها في فلسفة المجتمع ويمثله العلامة "عبد الرحمن بن خلدون". في العهد الإسلامي، كما هو الشأن في العهد القرطاجني، جنحت الفلسفة إلى أن تكون عاملة أكثر في ميادين تطبيقية مثل المنطق الرياضي والدين. وهكذا أنتجت الفلسفة في تونس فلاسفة كبار من "أبوليوس" وصولا إلى "ابن خلدون" أول عالم اجتماع في العالم.

* ماذا حصل بعد ذلك؟

- ما حصل بعد ذلك هو انحسار الفلسفة داخل الميدان الديني مع توجه جديد جاء مع القرن التاسع عشر، أقصد التوجه نحو الفلسفة السياسية حيث ألف "خير الدين التونسي" كتابه الشهير "أقوم المسالك إلى معرفة الممالك" ذلك الكتاب الذي حاور فيه المفكر الأمريكي "بيرس" فيما يخص الليبرالية. ولا ننسى كذلك كتاب المصلح الكبير الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادر أوائل القرن العشرين. إذن، صار التوجه الفلسفي ينحو إلى جانب التطبيق في الدين، إلى فتح الآفاق أمام الفكر السياسي ليتقدم. وقد تأسس تحديث المجتمع التونسي على هذه التطبيقات الفلسفية المذكورة أعلاه. وبشكل دقيق نستطيع القول إن الميتافيزيقيا غابت، والتطبيقات هي التي شَرَّعت للمجتمع التونسي.

* وأي عنوان نضع للفلسفة في تونس في العصر الحديث؟

- في العصر الحديث نستطيع أن نضع عنوانا عريضا ليدل على الفعل في التاريخ ألا وهو "الفلسفة تدريسا". ولكن برغم ذلك لم تترك الفلسفة جانبا وإن ضعف تدريسها داخل جامع "الزيتونة" حيث كان ينحصر في دروس علم الكلام والمنطق. وبشكل عام بقيت الفلسفة موجودة في الدرس الجامعي، حتى جاءت الإصلاحات الكبرى للزيتونة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندها دخلت بعض القضايا الكبرى مثل القضايا الاجتماعية لاسيما في "المعهد الخلدوني"، ولكن سيلعب، على الجهة الأخرى، "المعهد الصادقي" دورا كبيرا جدا في الحركة الفلسفية إذ انه إضافة إلى المصلحين التونسيين في أوائل القرن العشرين ثم فيما بعد الحرب العالمية الأولى فالثانية، سيتخرج جيل متشبع بالأفكار الفلسفية الغربية، وعلى أيديهم ستترسخ "الحداثة" في المجتمع التونسي.

* ألم يكن المعهدان اللذان ذكرتهما، يتوجهان صوب الأفكار نفسها؟ كنت أتصور إن الصراع كان بين "الزيتونة" و"الصادقية"؟

- تستطيع أن تقول إن المعهد الخلدوني كان يمثل العصرنة المنبثقة من التراث العربي الإسلامي، أما المعهد ألصادقي فكان يمثل العصرنة والحداثة كاملتين. كما انه جدير بالذكر أن نقول إن الكثير من رواد الحداثة هم من خريجي "الزيتونة" من أمثال عبد العزيز الثعالبي ومحمد الفاضل بن عاشور والطاهر الحداد والشاعر أبو القاسم ألشابي. ولكن كلامك صحيح من جهة أخرى، فإننا نؤشر وجود رافدين فلسفيين للنهضة في تونس: "الزيتونة" مع إصلاحها وتجديدها، و"المدرسة الصادقية" بروحها العصرية. ولقد كان هناك صراع بين الاثنتين في أغلب الأحيان مما أحدث رَجَّة جعلت تونس تصبو دائما إلى الأمام ولكن وهي منشدة إلى تراثها.

*هل هذا يعني انه كان ثمة صراع ما بين "الشريعة" و"الحقيقة"؟

- نحن تحدثنا عن ملامح الجذور الفلسفية للمجتمع التونسي.. ولكن أيضا يجب أن نؤكد إن كل تلك التناقضات والاصطراعات كانت في انسجام مع الدين الإسلامي مما يعني انه لم يكن هناك صراع مطلقا بين الشريعة والحقيقة إلا فيما ندر.

* وماذا نسمي إذن موقف علماء "الزيتونة" من الطاهر الحداد وكتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"ّ؟

- عندما نادى الطاهر الحداد بتحرير المرأة لم يكن ذلك صراعا بين الفلسفة والدين بقدر ما كان صراعا بين المستنيرين وأهل الظلمات.

* حسنا.. لنأت الآن إلى مرحلة الاستقلال؟ كيف أثر ذلك على وضع الفلسفة؟ وعلى أية أسس بدأ النظام السياسي الجديد يتعامل مع الفلسفة بوصفها مَعْلما اجتماعيا، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الثقافة الفرنسية في تونس؟

- بعد الاستقلال قام "الحبيب بورقيبة" بإصلاح جذري للتدريس في تونس طال المناهج الدراسية بالتأكيد، وجعل من درس الفلسفة مادة إجبارية في كل الاختصاصات وفي جميع المعاهد، بل وأنشأ قسما للفلسفة في الجامعة التونسية، وأخيرا عمل "بورقيبة" على التفريق ما بين الفلسفة في نمط تناولها الحديث والمعاصر، وبين الفلسفة الإسلامية.. كان هم بورقيبة في ذلك دون شك هو تنوير الشباب التونسي والتوجه به نحو المعرفة والعلوم والتكنولوجيا، ولكن اللغة الفرنسية التي كانت عائقا كبيرا وحقيقيا أمام أية محاولة لربط القضايا الفلسفية الكبرى باهتمامات الشارع التونسي، لذلك صار المفكر التونسي في عزلة عما يحدث على النطاق الثقافي والفني للمجتمع. وهكذا تقرر تعريب الدرس الفلسفي في تونس عام 1975 فكانت انطلاقة جديدة للفلسفة بحيث تفاعلت كثيرا مع الفكر المعيشي اليومي والإبداعات الثقافية والأدبية والفنية، وتكاثرت المؤلفات الفلسفية باللغة العربية، وأحدثت الفلسفة نقاشات محتدمة على الساحة الفكرية والأدبية في تونس، وحتى على الساحة السياسية. هذا مع العلم إن الجامعة التونسية بتعريبها للفلسفة قد تركت المجال لتدريس الفلسفة باللغات الأجنبية كي لا تحدث قطيعة [كما حدثت في بلدان عربية أخرى] بين اهتمامات المواطن التونسي وبين ما يستجد من أفكار ومشاغل على الصعيد العالمي. وكانت تجربة فريدة من نوعها، إذ إن في تونس الآن فلاسفة يقرؤون الفلسفة باللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية والأسبانية، وهو ما جعل المدرسة الفلسفية التونسية ثرية في اهتماماتها، ومتجددة على الدوام وفي علاقة تواصل ومواصلة مع أكبر فلاسفة الغرب، طبعا من دون التخلي عن البحث في التراث ومقوماته ولكن بطريقة علمية فكرية بعيدة كل البعد عن التمجيد والاعتداد الأجوف.. أي، بطريقة نقدية. 

* وهل بقيت الفلسفة تبعا لهذا أسيرة الجدران؟

- إن من مستتبعات هذا التعريف نشوء أو تكون جمعيات غير حكومية تهتم بالفلسفة وشؤونها، مثل "الجمعية التونسية للدراسات الفلسفية"، ومثل جمعية "مدارات" و"الجمعية التونسية للإنشائية والجماليات" التي تشرف عليها الدكتورة رشيدة التريكي، وغيرها. كما تكونت في الجامعات والكليات فرق بحث متعددة في الفلسفة، منها ما هو مختص بالفلسفة السياسية، ومنها ما هو مختص بفلسفة العلوم والمنطق وفلسفة اللغة. وأخيرا تكون "مختبر الفلسفة" في جامعة تونس وهو يبحث ويعنى في قضية شديدة الراهنية ألا وهي "الثقافات والتكنولوجيات المعاصرة والمقاربات الفلسفية". وهذا المختبر هو أول مختبر من نوعه في العالم العربي. علما بأن الدولة التونسية قد رصدت له اعتمادات مالية لا يستهان بها على الإطلاق.

* هل الأمر كذلك في ميدان النشر؟

- إلى جانب الكتب والمؤلفات والدراسات الكثيرة التي صدرت عن الجامعات ودور النشر العامة والخاصة، فإن هنالك دوريات ونشريات متخصصة في الفلسفة نذكر منها:

1. مجلة الدراسات الفلسفية وهي مجلة فلسفية بحتة أي أنها لا تبحث إلا في القضايا الفلسفية الشائكة ولها توجهان، علمي وبيداغوجي تربوي.

2. مجلة "مدارات" وهي أيضا تهتم بالفلسفة إلى جانب اهتمامها بالعلوم الإنسانية بصفة عامة. والمجلتان المذكورتان أعلاه تصدران باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية.

3. دورية "إنشاء" وهي مجلة تهتم بالجماليات تحديدا وقد صدر منها لحد الآن ثلاثة أعداد فقط.

 

* بالإضافة طبعا إلى حوليات الكليات والجامعات والتي تخصص أعدادا منها للفلسفة كل عام..؟

- نعم.. ولا يفوتنا في هذا المجال ذكر الصحف والمجلات العامة مثل "الحياة الثقافية" الشهرية، حيث يتم نشر المقالات والمراجعات الفلسفية فيها بين حين وآخر. وحتى الإذاعة والتلفزة التونسية لا تخلو شبكة بث فيهما من برنامج أو أكثر يتناول الفلسفة أو أعلامها كما حصل مع "فوكو" و"دريدا"، كما قدمت بعض البرامج عن "الإنشائية"...الخ.. ومن الجدير بالذكر أن نقول إن معظم مجلات ودوريات الفكر والفلسفة في العالم العربي يساهم في رفدها ونشرها والكتابة فيها فلاسفة ومفكرون من تونس، مثل "الفكر العربي المعاصر" و"كتابات معاصرة" و"فكر ونقد" المغربية، و"أوراق فلسفية" في مصر....

* وطبعا، هنالك ترجمة أمهات الكتب الفلسفية، أليس كذلك؟

- ترجمة الفلسفة في تونس قليلة ولكنها مفيدة وعميقة ودقيقة وعلمية. لقد انتقلت الظاهرة من مصر إلى تونس.. ففي أماكن أخرى ترى ترجمات فلسفية غير دقيقة وغير أمينة إطلاقا.

* ما هي أهم الاختصاصات التي تشتغل عليها المدرسة التونسية في الفلسفة؟

- المدرسة التونسية في الفلسفة تشتمل على كل الاختصاصات الكبرى. ففي تاريخ الفلسفة تجد الاختصاص في اليونانية وفي فلسفة ديكارت وسبينوزا، وفي الفلسفة الألمانية كما عند كانط وهيغل وهايدغر، كما تجد الاختصاص في تاريخ الفلسفة الفرنسية من الوجودية إلى فلسفة فوكو ودريدا ودولوز. إضافة إلى الاختصاص في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية إذ لدينا في تونس كبار المختصين في فلسفة ابن سينا [حاتم الزغل وأحمد الحسناوي] وفي الفلسفة الاندلسية بعامة وابن عربي بخاصة [مقداد عرفة منسية]... وفي الماركسية نشير إلى د. حميد بن عزيزة [بالفرنسية كحال معظم الدراسات الأكاديمية في الماركسية حيث بقيت تكتب بتلك اللغة] وغيرهم... وفي العالم العربي الآن، في الوقت الحاضر، فإن الاتجاه الأكثر وضوحا وبروزا هو الفلسفة اللانسقية، أو ما يطلق عليه بـ "فلسفة التنوع"، هذا الاتجاه الذي انطلق مبكرا من تونس ليجوب الوطن العربي كله..\د

* كان كتابك "قراءات في فلسفة التنوع" هو البداية على ما أذكر..؟

- نعم، صحيح، ثم تتالت الأجيال، ولدينا الآن من أشهرهم على سبيل المثال لا الحصر "سليم دولة" و"فتحي المسكيني" و"محمد علي الكبسي" وغيرهم كثير... وإجمالا، ضع عنوانا عريضا للفلسفة التونسية هو "فلسفة التنوع والتنوير"..

* دعني أسألك أخيرا، هل من ضرورة لكي نتفلسف، نحن العرب، اليوم؟

- حتى نجيب على هذا السؤال، يجب أن نفهم ما هو هدف شعب ما أو أمة ما. فإذا كان الهدف يتمثل في أن نعيش فقط بين الأمم لا غير، فلا ضرورة هنا إذن للتفلسف بما إننا سنستهلك أفكار غيرنا وعلوم غيرنا وتكنولوجيا غيرنا، ونستهلك، إن شئنا، كل ما نريده مستوردا من غيرنا. أما إذا أردنا أن نكون فاعلين في عالمنا هذا وأن تكون لنا في الآن نفسه إرادة الحياة وإرادة القوة، فعلينا أن نتعلم العلوم لنحذقها، ونسيطر على التكنولوجيا لنستعملها أحسن استعمال، من ناحية، ولتكون لنا فيها إضافات، من ناحية أخرى. وكل ذلك يستدعي أن نرتقي بالفكر إلى أعلى مستواه، أعني إلى التفلسف. ولكن التفلسف يفيد التعقل، بيد أن التعقل لا يفيد الاستسلام ولا الاستكانة، بل هو نضال يومي ومقاومة مستمرة ضد الاستبداد وضد كل اللامعقول في العالم. إذن التفلسف ضرورة ملحة لنا لأنه مَجْلَى إبداعنا في ميادين العلم والفكر والمعرفة. ولما كنا في الماضي مبدعين في هذه المجالات، فقد كانت لنا فلسفة راقية ظلت إلى يومنا هذا حية معترفا بها في جميع أنحاء العالم مثل فلسفة الفارابي وابن رشد وابن خلدون وابن عربي وغيرهم.. والغرب عندما سيطر على العلوم والتكنولوجيا في القرن التاسع عشر كانت له فلسفة ظلت إلى يومنا هذا حية أيضا ومفيدة وتهيمن تقريبا على كل أنحاء الفكر في العالم.. أفيشك أحد في ضرورة أن نتفلسف نحن العرب اليوم؟

********

 

في نقد الحاجة إلى الفلسفة: محاورات بين جميل حكيم ورشيد بوطيب

 

أليست الفلسفة في موقع الملك لير في مسرحية شكسبير، الذي تخلى عن كل ممتلكاته لبناته وطرد هو نفسه إلى الشارع على أنه رجل عجوز لا فائدة منه ومثير للمتاعب؟
هكذا تساءل فيلهلم فندلباند، مؤسس مدرسة بادن الكانطية الجديدة، في زمن كثر فيه الحديث عن موت الفلسفة، خصوصا مع صعود المذهب الوضعي، الذي اعتبر أن كل مشكلات الفلسفة هي مشكلات وهمية. لكن حملة الوضعيين هذه، انتهت بهزيمة منكرة. لقد تبين أن الأسئلة التي تطرحها الفلسفة، أسئلة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للانسان.
وتاريخيا، بدأت الفلسفة كقطيعة "ابستمولوجية" و"انطولوجية" مع الفكر الأسطوري. والأسطورة، كما يرى هيغل، تعبير عن عجز الفكر وتبعيته. إن ميلاد الفلسفة مثل بداية الصراع مع الإيمان الدوغمائي والعقل التقبلي. وما صرخة كانط الشهيرة في "جواب عن السؤال: ما الأنوار؟" :!sapere aude (لتكن لديك الشجاعة على استعمال فهمك!) إلا تعبيرا عن هذه القطيعة ورفضا لوصاية الأموات على الأحياء. وفي ضوء صرخة كانط هذه، نفهم أيضا دعوته في "صراع الملكات" إلى إخضاع الملكات اللاهوتية والقانونية والطبية لسلطة العقل.
إن الانتقال من الأسطوري إلى العقلاني في الثقافة الاغريقية، مثل أنسنة أو دنيوة للفكر الانساني. واللاهوت أو الدين لم يلعبا أي دور في الفلسفة اليونانية القديمة، التي عملت في شجاعة على تجاوز التصورات الفاسدة والأحكام المبتسرة للفكر الأسطوري.
لكن أية مكانة احتلتها وتحتلها الفلسفة في الثقافة العربية ـ الاسلامية؟
انطلاقا من هذا السؤال بدأت محاوراتي الثلاث مع المفكر المغربي جميل حكيم حول الفلسفة والسلطة، الفلسفة والمرأة، والفلسفة والآخر.


1
جميل: إذا ألقينا نظرة على الفلسفة العربية ـ الاسلامية، سنقف على أمرين أساسيين: أولا، انقتاح الفلاسفة المسلمين على الفلسفة اليونانية، اهتمامهم الكبير بها، ترجمة وتعليقا وإضافة. حتى أن الغرب الحديث لم يتعرف على جزء كبير من تراثه القديم إلا عن طريقهم. ثانيا، لا بد أن نشير إلى انحصار الاشتغال الفلسفي العربي في إطار ديني. قد يبتعد عنه أحيانا، دون أن يستقل عنه نهائيا. ومن هنا يفرض السؤال نفسه: هل يمكن الحديث عن الفلسفة في الثقافة العربية ـ الاسلامية، أم فقط عن تأريخ للفلسفة، لم يتجاوز إلا نادرا التفسير الفيلولوجي للمؤلفات اليونانية؟
رشيد: تريد أن تقول بأن الفلاسفة العرب والمسلمين لم يكونوا أكثر من شراح وناقلين. وأنهم لم يؤسسوا مذاهب فلسفية، وأن الفلسفة عندهم افتقدت ذلك البعد الانساني والعالمي الذي نجده عند الاغريق القدامى أو عند الأوروبيين في العصر الحديث. وبلغة أخرى: أن الفلاسفة المسلمين لم يجرؤوا على الدهشة لأنهم كانوا قد استسلموا للايمان!
جميل: أجل، لقد كانت الدهشة هي القشة التي قسمت ظهر البعير في الثقافة اليونانية. ودولوز في معرض حديثه عن الفلسفة اليونانية بكتابه "ما الفلسفة؟" يقول بأنه لا سماء للمفاهيم. إن الفلسفة في الاسلام لم تكن أكثر من حاجب في بلاط الحقيقة الدينية، إنها لم تدخل، إلا فيما ندر، في صراع مع السلطة الدينية والزمنية. لكن الفلسفة ليست شيئا آخرا غير هذا الصراع، هذا الرفض للوصاية. لا هوية للفلسفة سوى أسئلتها، والسؤال رغبة الفكر، يقول بلانشو. إنني أعتبر أنه من المضحك والمحزن في آن، الحديث عن فلسفة اسلامية أو عقل عربي، وما إلى ذلك من الشطط الميتافيزيقي حول الهوية والخصوصية.
رشيد: صدقت. فالالتقاء بالآخر كان من اللحظات المؤسسة للفلسفة. وكل ربط للفلسفة بمفاهيم الهوية القومية أو الخصوصية الدينية هو تعطيل لحركتها وحجر على طبيعتها الانسانية والنقدية. إنه فهم أعرابي لدور الفلسفة، ولا عجب أن ينتشر هذا الفهم أو هذا الربط المرضي للفكر بالهوية في زمن انتشار أنظمة قومية فاشية أو حركات اصولية تكفيرية. لكن من يتتبع رأيك حتى النهاية، يجد أنك تشك كل الشك في إمكانية قيام فلسفة بالعالم الاسلامي.
جميل: إن الفلسفة تأسست على الشك. ولا يمكن لنا أن نطالب اليوم المحلل النفساني بضرورة التشاور مع عرافة في سوق جامع لفنا بمراكش من أجل تحليل شخصية مريض نفسي، كما أنه لا يمكننا أن نتفلسف أو نتحاور مع فكر يحكم على العصر الحديث بالجاهلية. إن منطق الهوية هو منطق الشبيه exemplar إذا استعملنا لغة دريدا في "سياسات الصداقة"، أما منطق الفلسفة فهو منطق يقوم على الهدم والبناء. إن الفكر اللاهوتي يسيطر على كل مجالات الابداع عندنا، والفلسفة الغربية خرجت عن سلطة اللاهوت عن طريق التنوير. أما العالم العربي فإنه لم يعرف تنويرا، لذلك فارتباط الفلسفة بالدين وتبعيتها له يزداد استفحالا.
رشيد: إن العالم العربي اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الفلسفة. ففي زمن يسود فيه التكفير لا دواء لنا سوى التفكير. وقد تحدثنا للتو عن علاقة الفلسفة بالسلطة الدينية، ولا بأس أن ننتقل لتفكيك علاقتها بالسلطة الزمنية في العالم العربي. وكما تعرف، فإن هذه السلطة هي استمرار بشكل أو بآخر للسلطة الدينية، استغلال لرأسمالها الرمزي، تأويل أحادي البعد امبريالي المعنى للموروث. وأول ما سنقف عليه في هذه العلاقة، هي قرارات منع الفلسفة وطردها من الجامعة كما هو الشأن في المغرب. رغم أن المغرب، مقارنة ببقية الدول العربية، يظل البلد الأكثر انفتاحا على الفلسفة واشتغالا بها. ولكن، ونحن نعيش في بلد الفلسفة: المانيا، وفي أعرق المدن الفلسفية في العالم: ماربورغ، التي اشتهرت بمدرستها الفلسفية التي تحمل اسم المدينة، وبفلاسفتها الكبار أمثال فولف وكوهين وهايدغر وغادامر... نشعر بالأسى والغبن حين نتذكر حال الفلسفة في الوطن. لكأنما قدرها عندنا هو الغربة والتغرب على حد تعبير ابن باجة.
جميل: لقد كانت للمغرب بعيد الاستقلال كل الامكانيات المادية والمعنوية لتطوير خطاب فلسفي حديث. لكن وهم الاستقلال أجهز على كل تلك الإمكانيات. ففي ظل سلطنة تيوقراطية يصبح كل نقد أو تفكيك لبنية المجتمع الخرافي خطرا محدقا على الأسطورة الرسمية. لذلك أنادي بلا ـ سلطنة لتاريخ المغرب، وبلغة أخرى، بتحرير تاريخنا من قبضة الكرونيكور الرسمي. وهو عمل يجب أن تشارك فيه الفلسفة جنبا إلى جنب مع التاريخ الاجتماعي. فالتاريخ غير المدروس يطفو دائما على السطح. ومهمة الفلسفة في نظري طرح أسئلة على التاريخ. لقد علمنا اليونان القدامى أن النظر أعلى درجات البراكسيس، وكما أشار إلى ذلك جان بيير فرنان في "أصول الفكر الاغريقي":" لم يتكون العقل عند اليونان، ولم يعبر عن ذاته، ولم يتخذ شكله النهائي إلا على المستوى السياسي. لقد أمكن للتجربة الاجتماعية أن تصبح عند الاغريق موضوع تأمل وتفكير وضعي، وذلك لأنها خضعت داخل المدينة لجدال عمومي. وقد بدأ أفول الفكر الأسطوري يوم وضع الحكماء الأوائل التنظيم البشري موضع نقاش".
رشيد: إن فكرة لا ـ سلطنة التاريخ تذكرني بالعمل المهم لعبد الله حمودي "الشيخ والمريد"، الذي يفكك انتقال بنية الشيخ والمريد (الخطاطة) من المجال الديني إلى المجال السياسي، أو يفصح عن عملية اغتصاب الزمني للديني. هذا الاغتصاب أو الانتقال يعني أول ما يعني استغلال السلطة للدين وشرعنة حكمها به، أي امتدادها فيزيقيا وميتافيزيقيا: المخزن والدين. إن الرحلة الطويلة والشاقة من المريد إلى الشيخ، لا تمر إلا عبر طريق واحدة وهي الخضوع. هذا الخضوع الذي يعني تقبل الجوع والعمل الشاق وقلة النوم وما إلى ذلك من طرق الإذلال التي تصل حد اللقاء الجنسي بالمريد. والخضوع هذا، تتم ترجمته سياسيا، في إطار أكبر، إطار السلطان والرعية. فالرعية لها دور واحد وحيد وهو الخضوع. والمسلم في ظل هذا المجتمع مواطن ـ جمل على حد تعبير الصادق النيهوم. إن هيغل في فلسفة الحق يؤكد منذ مطلع كتابه على العلاقة الصميمية بين الحق والحرية، وعلى أن الإرادة الانسانية حرة، وأن الحرية بمثابة طبيعة ثانية للعقل. ولكن الحق في منطق الشيخ والمريد يدخل في علاقة صميمية مع الخضوع. الخضوع والامتثال للسلطة.

 

2

رشيد: لننتقل الآن إلى قضية العلاقة بين الفلسفة والمرأة في العالم العربي. لا غرو أنك تعرف أن المرأة لم تحتل مكانة طيبة في الفلسفة، وأنه حتى كبار الفلاسفة الألمان مثل كانط وهيغل نظرا إليها نظرة دونية، واعتبراها عاجزة عن التفلسف. وهنا تلتقي الفلسفة نهارا جهارا مع الرؤية الدينية في احتقار المرأة والشك بقدراتها العقلية. فكيف تفسر هذا الخطأ الفظيع للفلسفة؟
جميل: بل هو خطأ فظيع للفلاسفة. إن كانط وهيغل لم يستطيعا البتة رغم روحهما الثورية، التخلص من بعض رواسب التقاليد البروسية. لكن لا بد من الإشارة إلى أن ذلك لم يكن البتة بموقف الفلسفة الدائم. ولربما سوف تشعر بالدهشة لو علمت مثلا أن ابن رشد كان له رأيا مغايرا وتقدميا فيما يخص المرأة. ولربما تكون محنة المرأة في العالم العربي أشبه بمحنة الفلسفة، فكلتاهما ضحية الثقافة الأورثدكسية السنية. ففي الوقت الذي شكك فيه أفلاطون بقدرة المرأة على التفلسف، وفي الوقت الذي منحها الفارابي كل الحقوق في مدينته الفاضلة وحجب عنها حق التفلسف، يرى ابن رشد في "جوامع سياسة أفلاطون" أن طباع الرجال والنساء واحدة، وأنه فيما عدا الأعمال الشاقة، باستطاعة المرأة أن تقوم بكل الأعمال التي يقوم بها الرجل، ومن بين ذلك التفلسف، بل إنه يرى أنها قد تتفوق على الرجل في بعض المجالات، كالموسيقى مثلا.
رشيد: لربما سمعت بالدراسة المهمة للمصري منصور فهمي:"أحوال المرأة في الاسلام"، التي ظهرت سنة 1913 باللغة الفرنسية. أعلن فهمي أن قيم التقليد هي المسؤولة عن وضع المرأة الاسلامية، لكنه أشار أيضا في كتابه المتأثر بمنهجية عالم الاجتماع دوركهايم، أن بحثه يهدف إلى التأكيد على حقيقة أن عزل المرأة ليس نتيجة للعامل الديني فحسب، بل هو أساسا نتيجة السلوك الاجتماعي والفروقات الطبقية.
جميل: ولذلك أرى أن الكلام عن حقوق المرأة لا يجب أن ينسينا أن الرجل أيضا في مجتمعاتنا العربية لا يملك حقوقا. وإنني جد متأكد بأنه لو كان الرجل يملك حقوقا لما كان وضع المرأة عندنا بمثل هذا السوء. إننا جميعا ضحية ذلك التحويل المستمر للخرافة إلى تقليد، بكل ما يعنيه التقليد من عسف وتسلط.

 


3
رشيد: بقي أن نطرح قضية العلاقة بين الأنا والآخر في الفلسفة. وقد اخترت لافتتاح هذه المحاورة نصا لابن رشد اقتبسته من كتابه "فصل المقال". يقول ابن رشد:"وإذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا، إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم: فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم."
كما ترى، إن نص ابن رشد أكبر دليل على فكرة التسامح التي سادت العصر الأندلسي. وهي فكرة نفتقدها حتى في فلسفة الأنوار. فيكفي أن نلقي نظرة على كتاب فولتير حول التسامح، الفصل 18 لنتحقق من ذلك. إن فولتير يتحدث في وقاحة عن شرعية عدم التعامل بتسامح مع اليهود والأتراك (المسلمين). لقد كان ابن رشد سواء في نظرته إلى المرأة أو في فكرته عن التسامح، ونظريته عن الحقيقة المزدوجة duplex veritas التي يمكن اعتبارها التأسيس الفلسفي للعلمانية، سابقا لعصره بكثير.
جميل: إن المرء حين يقرأ نص ابن رشد يشعر بالأسى والحزن العميق. فلو قلبت الفكر العربي المعاصر فلن تجد له شبيها. إننا نعيش فعلا زمن التكفير. وهو زمن لا مكان فيه للآخر المختلف والمغاير. وحيث لا مكان للآخر لا مكان للديمقراطية. فلا ديمقراطية بدون حق في الاختلاف. وثقافة التكفير لا ترتبط بالحركات الأصولية فحسب ولكن أيضا بالطبيعة الدينية للأنظمة العربية.
رشيد: إن السؤال عن الآخر في الفلسفة عموما قد سقط لقرون طويلة في النسيان. فجان كلود فريس مثلا في كتابه الرائع Philia الصداقة في العصر اليوناني، يرى أن الفلسفة الوسيطة والحديثة لم تعرف هذا السؤال. ودريدا في سياسات الصداقة يفكك سيطرة الشبيه والواحد ad unum vertere على هذا الخطاب. ويرى أن فكرة الصداقة عند أرسطو والتي يمكن أن نلخصها في الجملة الشهيرة:"صديق هو أنت، لكنه بالشخص غيرك"، سوف تتكرر في كل الخطابات الفلسفية حول الصداقة، سيسيرو، التوحيدي، مونتين، مالبرانش، كانط الخ...
جميل: ومع ذلك فإني أرى أن قراءة دريدا لأرسطو قراءة أحادية البعد. فلا يجب أن ننسى ربط أرسطو في "أخلاق نيكوما" بين الصداقة والديمقراطية. فالمجتمعات الأبوية والدينية لا تسمح بالصداقة بل تخشاها. بل إن أرسطو يرى أنه حيث تسود الصداقة لا يحتاج المرء إلى العدالة. لكني أريد أن أشير إلى شيء آخر لفت نظري، هو غياب أي اهتمام في الثقافة العربية المعاصرة بأعمال الفيلسوف الفرنسي الكبير إمانويل ليفيناس، هذا الفيلسوف الذي بعث سؤال الآخر من جديد في الفكر الغربي.

 

********************

حسين الهنداوي: الفلسفة في تعريفها الاول والاخير ليست غير الحرية

ماذا حل بالفلسفة في العالم العربي؟ وهل لدينا فلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة: أين هي اليوم؟ ما هي انجازاتها الراهنة؟ هذه الاسئلة التي يطرحا ملف الشهر في "ايلاف"، سبق ان حاولت، كما ازعم، الاجابة عليها عام 1987 في محاضرة تحت عنوان "ظاهرة غياب الفيلسوف في الثقافة العربية"، اقيمت في قلب العاصمة البريطانية لندن ولم يحضرها سوى قلة من المهتمين، تركز جدلهم في نهايتها، وكان سجاليا بشكل غريب، حول جملة واحدة اثارت ثائرتهم سخرت فيها من عبارة كارل ماركس الشهيرة في "اطروحاته حول فيورباخ" والقائلة بأن الفلاسفة لم يفعلوا إلا تفسير العالم بطرق شتى بينما المطلوب تغييره.
فالسؤال الرومانتيكي: هل تهجر الفلسفة ثقافة من الثقافات، كما تهجر حسناء عاشقا عاثر الحظ؟ كان سلفا يراود كل من يتأمل الثقافة العربية الراهنة او المعاصرة، تأملا عميقا وحريصا وجديا. وكما الآن - وهنا اعيد الحياة لمعظم وجهة نظري في حينه - فالجواب بالايجاب ممكن ودقيق كما أعتقد في الاقل، ولابد تاليا من الاستفهام، حبا بثقافتنا وبانفسنا وبالحياة، عن اعراض هذه الهجرة، ثم عن كيفية احلال الوئام بينهما من جديد، وعن الهدايا التي ينبغي ان تحملها هذه الثقافة-كأي عاشق مهجور-لارضاء خاطر الفلسفة واقناعها بالكف عن الزعل ثم العودة الى الاحضان راضية مرضية.

بداهة، وقبل اية خطوة، ينبغي علينا ان نتعرف على الاسباب الجوهرية التي دفعت الفلسفة الى الهجران المذكور. لان لكل زعل اسبابا، وما دامت الاسباب شاخصة، فليس هناك اي امل جدي بعودة المياه الى مجاريها بشكل طبيعي ودائم بين اي عاشقين. وهذا هو قانون يعرفه كل من ابتلى بالعشق وذاق لوعة الهجران حتى المتخيل وربما هذا خاصة.

نتوقع، أن بعضا من الاحباء سيعترض على هذه المقارنة الطريفة ربما لغرابتها بين الفلسفة والحسناء على اساس انها تنطوي على كمٌ كبير من الاعتباطية والدعابة لا يليق بقدسية الموضوع. ولا نتردد-جوابا- ان نقول له بانه على ألف حق شكليا. بيد ان الجوهري يمكث قائما بعناد، طارحا نفسه بصيغة اخرى، هي الآتية: لماذا لا نجد في الثقافة العربية الراهنة رغم كل مظاهر حيويتها، البديهية او المفترضة منها، مفكرا واحدا، واحدا فقط، يستحق وناموسنا مرتاح ان نطلق عليه دون مبالغة او محاباة نعت فيلسوف بالمعنى العميق الذي نتفق على اطلاقه على افلاطون والكندي او على ارسطو والفارابي وابن سينا او على ابن عربي وكانت او على السهروردي وديكارت او على هيغل على العشرات الأخرين غيرهم من فلاسفة الشرق او الغرب؟
 
فإذا بحثنا في الثقافة العربية الحديثة شمالا وجنوبا، يمينا ويسارا، مشرقا ومغربا، لا نجد بالفعل ذلك المفكر المتميز والاصيل الذي ينتزع، عبر منظورات اصيلة، مكانة فيلسوف بجدارة واستحقاق بعيدا عن الفذلكات الصحفية والاطراءات العاطفية. وهذا في الواقع هو ما استنتجناه شخصيا عن كثب، وبعيدا عن أية نزوات مشاكسة، او رغبة بغمط حق احد، او هواية الاستفزاز العابث. فبعد تقليب، نزعم بأنه غير عجول، في مختلف الانتاجات التي تعنينا في هذا الميدان، لم نعثر على ذلك الفيلسوف الحقيقي الذي يعتبر وجوده في ثقافة ما، ضرورة مستقلة بحد ذاتها، وعلامة حيويتها الجوهرية والفعلية، ما دمنا نعرف- ونتفق مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت- بان "اعظم خير يمكن ان تقدمه ثقافة ما هو ان يكون فيها فلاسفة حقيقيون".

واذا كنا نلح اعلاه على مفهوم الهجران، فذلك بالتحديد لاننا نعتقد جازمين بان المسألة تتعلق فعلا بخراب علاقة بين اثنين، وليس مطلقا بسبب عجز عضوي في عبقريتنا التأملية او بتنافر "طبيعي" بين العقل الشرقي وفعل التفلسف كما يروج بعض مؤرخي الفلسفة الغربيين ضد الثقافة العربية الراهنة مدفوعين باغراض ايديولوجية ونوايا استعمارية وحسابات صهيونية او ما شابه. فنحن نرى، على العكس من هؤلاء، ان العقل العربي او الكردي او الفارسي او التركي والعقل الشرقي عموما، ككل العقول الانسانية الاخرى، يكتنز بالعبقرية وجدير بكل ابداع فلسفي مهما كان راقيا وساميا. ويكفينا دليلا قاطعا على ذلك ان الثقافة العربية والشرقية عموما عرفت الفلسفة في فترات سابقة من تاريخها، وعاشرتها طويلا وانجبت-باعتراف العدو والصديق- هذا الجنس من "الفلاسسفة الحقيقيين" الذين يقصدهم ديكارت والذين اصبحوا فخرا للانسانية والى الابد.

لماذا اذن توقفت الثقافة العربية منذ بضعة قرون ولحد الان عن انجاب "فلاسفة حقيقيين"؟

ان بعض التفسيرات التي سبقتنا على الرغم من أنها لم تطرح السؤال اعلاه بهذه الدرجة من الوضوح، حاولت تقديم اجاباتها عنه، وغالبا بشكل غير مباشر. واذا كنا ننعت هذه التفسيرات جميعا بالتهافت والاضطراب فذلك لانها على اختلافاتها الجوهرية تنطلق من ارضية ايديولوجية صريحة الى هذا الحد او ذاك. وكأي تفسير ايديولوجي فانها تقدم الجواب قبل طرح السؤال، وقبل اي بحث في الحيثيات الملموسة. وعندما تبحث في هذه الاخيرة فانها تقع بالضرورة، في نوع من الانتقائية والنظرة المنحازة، على مضض احيانا بالنسبة لبعضها، بحكم مشربها الايديولوجي ذاته.

وابرز هذه التفسيرات ثلاثة مختلفة جذريا هي: العنصري والماركسي والتبسيطي.

يعود التفسير العنصري بولادته الى القرن الثامن عشر، ويمد جذوره في النزعة الذاتية الغربية وخرافة التفوقية اليهودية-المسيحية. وهذا التفسير الذي ولد وتطور في اوربا الغربية ما يزال يجد ممثلين له فيها وفي الولايات المتحدة الامريكية وايضا في جميع الاوساط التابعة للثقافة الغربية بما فيها الشرقية منها.

حتى القرن السادس عشر، كان الاعتراف بالعبقرية الفلسفية للعرب والمسلمين ثابتا لدى المفكر الغربي. وقد عبر روجيه بيكون عن ذلك بوضوح قاطع عندما قال "ان المعرفة جاءت الى العالم اربع مرات: الاولى والثانية بالعبرية عبر الانبياء وعبر حكمة سليمان والثالثة بالاغريقية عبر ارسطو والرابعة بالعربية عبر ابن سينا..". وواضح هنا ان ارسطو يرمز للعبقرية الفلسفية الاغريقية باعتباره نتاجها الطبيعي، في حين يرمز ابن سينا للعبقرية الفلسفية العربية والاسلامية باعتباره نتاجها.

لكن ابتداء من نهاية القرن السابع عشر، وبموازاة تصاعد القوة الصناعية والاقتصادية، وخصوصا العسكرية للغرب وتحفز الاخير للسيطرة على القارات الاخرى، راح الهمٌ الاول للمؤرخ والمفكر الغربي، يتجه نحو التخلص من الاعتراف بالعبقرية الفلسفية العربية. وقد اخذ هذا التوجه، في لحظة ما، شكل صراع عنيف داخل الاوساط الفلسفية الغربية ذاتها. ففي كتابه "تاريخ الفلسفة الحديثة" المنشور في عام 1816 يشير المؤرخ الالماني بوهل الى هذا الصراع قائلا: "حتى الفترة الاخيرة جرى اعطاء العرب وحدهم شرف نشر فلسفة ارسطو في الغرب، الا ان المؤرخ الحديث هيرن يدافع اليوم عن فكرة معاكسة ترفض الاعتراف للعرب بشيء في هذا المجال".
إلا ان هذا الصراع سرعان ما حسم لصالح هيمنة الرأي الأخير بفعل تطور العنجهية الغربية التي راحت تطور تفسيرات عنصرية في هذا الميدان كما في غيره. وقد عبر المفكر الفرنسي ارنست رينان عن هذا الطابع العنصري بشكل فج، عندما كتب في مقدمة كتابه "ابن رشد والرشدية" المنشور في عام 1852 قائلا: "ان الساميين (العرب) هم اعجز من يعطينا دروسا في الفلسفة. بل ان مالديهم من فلسفة لا يمتلك اية اصالة او ثراء انما هو مجرد تقليد سيئ للفلسفة الاغريقية".
بلا شك ان هذا التفسير العنصري الذي يعتبر العقل العربي او الشرقي عاجزا عن التفلسف الاصيل لمجرد انتمائه للعرق السامي هو تفسير لم يعد يعبر عن نفسه اليوم بهذه الفجاجة الرينانية، خصوصا وان تقسيم الانسانية، وبالتالي العقول الى اعراق، والى آرية وسامية، لم يعد إلا كذبة غبية ومفضوحة. بيد ان نكران قدرة العرب على الابداع الفلسفي الاصيل لا يزال فكرة سائدة بقوة، بل مهيمنة، في اوساط واسعة من العاملين في الحقل الفلسفي في الغرب. وتبذل الاوساط الصهيونية حاليا، كل جهد من اجل تعميقه وتكريسه (كما نجد ذلك في كتابات المستشرق الامريكي برنارد لويس مثلا) في حين تسعى هذه الاوساط بكل جهد بالمقابل، لابراز المشتغلين الصهاينة في حقل الفلسفة وطرحهم كفلاسفة كما هو حال "الفيلسوف" المصطنع والصهيوني الفرنسي برنار هنري ليفي وامثاله.
 
اجمالا نستطيع القول ان التفسير العنصري لغياب الفلاسفة في الثقافة العربية الحديثة والراهنة هو تفسير ساقط موضوعيا، ولم نذكره هنا إلا لانه موجود في بعض الاوساط الاستعمارية و-بشكل مقنٌع-لدى الاوساط الصهيونية.
اما التفسير الماركسي فنجده سائدا لدى هؤلاء الذين يعتبرون الفلسفة الماركسية خاتمة الفلسفة، ويعتبرون كارل ماركس آخر الفلاسفة الحقيقيين ويعتبرون المادية الديالكتيكية فلسفة علمية مطلقة. ومن بين القائلين بهذا التفسير مفكرون عرب نحترمهم.
ان العنصر الجوهري الذي يقوم عليه هذا التفسير هو، كما يبدو، اطروحة ماركس القائلة بان الفلسفات لم تقم حتى الآن إلا بتقديم تفسيرات للعالم والمطلوب الآن تغييره. والحال اننا لا نرى ان هذه المقولة يجب ان تقود بالضرورة، الى انتفاء الحاجة الى تطوير، او ابتداع تفسيرات جديدة للعالم، ما دمنا لا نرى وجود تناقض لازم بين الدعوة لتغيير العالم، وتلك الداعية الى تقديم تفسيرات جديدة-ربما-له. اما اذا كانت الدعوة لتغيير العالم تعني بالضرورة انتفاء الحاجة الى تفسيرات جديدة على اساس مطلقية صدق وكمالية وعلمية التفسير الماركسي فاننا نجد ان اطروحة ماركس تلك، تثير اشكالية عميقة من العسير قطعا على المدافعين عنها حلٌها، لانها تتضارب جوهريا مع خصوصية الفلسفة بين العلوم، اي باعتبارها العلم الوحيد الذي يسمح بالشك ويرفض قدرية الغاية ولا يمتلك هدفا يسعى الى تحقيقه. وباعتبارها العلم الوحيد الذي يبحث عن فهم العلاقة اكثر مما يبحث عن فهم السبب. بكلمة اخرى اننا لا نستطيع التحدث عن الفلسفة كما نتحدث عن الكيمياء والرياضيات لان الشك هو العمود الفقري للفلسفة، وليس اليقين كما هو الحال بالنسبة للعلوم الاخرى.

وعلى أية حال فان تفسير انعدام الفلاسفة في الثقافة العربية الراهنة، والثقافات الاخرى، بكونه نتيجة طبيعية لتتويج المادية الديالكتيكية "خاتم" تفسيرات الوجود والعالم، هو تفسير مضطرب كما يبدو. فنحن نعتقد ان مجيء تفسيرات جديدة لاحقة هو "حتمية" ونذهب ابعد من ذلك ونقول بان العقل الانساني لن يستقر ابدا على تفسير فلسفي واحد ونهائي، مهما كان هذا الاخير "علميا" وشموليا وجميلا، بل ستظل التفسيرات الفلسفية الجديدة تتوالى الى مالا نهاية. فها نحن نشهد اصلا، وبعد قرن واحد فقط على وجود الفلسفة الماركسية بيننا، ان هذه الاخيرة ليست مطلقة الكمال والشمولية في الاجابة عن الشاغل الوجودي الانساني في البحث عن ماهيته وكيفية التحقيق التاريخي الامثل لهذه الماهية. وهذه اللاكمالية تجد تفسيرها كما يقول الماركسي الفرنسي لوي التوسر في مداخلة له في ندوة فينيسيا المنعقدة بين 11 و 13 تشرين الثاني 1977 ، في "ان مؤسسي الماركسية كانوا اناسا مثلنا يتقدمون في ميادين مجهولة لذلك كانوا هم ايضا معرضين لارتكاب الاخطاء". علاوة على ذلك كله، ان ما يجعل الأمر اكثر احراجا هو ان كبار الايديولوجيين الماركسيين، منذ مطلع هذا القرن ولحد الآن، ينزعون تلقائيا الى طرح الماركسية –وهذا ما اضر بها عمليا- كنوع من المنظومة الدوغمائية والى ايديولوجية صارمة لا ترى في المنظومات الفلسفية الاخرى المغايرة لها إلا ما يشبه الهلوسات والاوهام محرمين بذلك اي شكل من التعددية العقلية او التعددية في الموقف من تفسير الماهية الانسانية وتاريخيتها.
اننا بكلمة لا نرفض دعوة الفلسفة الماركسية الى تغيير العالم وتغييره دون توقف ولا نرفض نقدها للفلسفات السابقة عليها، لكننا نرفض بالمقابل فكرة اننا لا نحتاج بعد الماركسية الى فلسفات جديدة وجديدة في تفسير العالم.
اذا انتقلنا الآن الى التفسير الثالث، والذي أسميناه بالتفسيرالتبسيطي عجالة، فيجب ان نلاحظ ان هذا التفسير يتميز بكونه يسير في اتجاه مناقض فيما يتعلق بتفسير حالة الفلسفة في الثقافة العربية. انه بمعنى آخر لا يرى ان هذه الثقافة مهجورة من الفلسفة مطلقا، بل يؤكد بالعكس بانها بالف خير وخير بل لا يتردد ان يسمي لنا بجرة قلم عشرات الكتاب وحتى السياسيين كـ "فلاسفة عرب". وهذا التفسير نجده بشكل خاص في اوساط بعض المؤلفين العرب المتأثرين بالصرعات الفرنسية لاسيما المغاربة وبعض اللبنانيين وبعض المصريين.

ان مصدر هذه الفكرة لديهم هو تأثرهم بالتقاليد الفرنسية او دراستهم في جامعات فرنسية حيث يسمى كل استاذ في الفلسفة بالفيلسوف مجازا، والحال ان هؤلاء المؤلفين ينسون ان الاوساط الفرنسية المشتغلة بالفلسفة لا تعترف فعليا بمكانة الفيلسوف إلا لديكارت او هيغل او ماركس او من ناظرهم ممن يمتلك منظومة فلسفية خاصة ومتميزة وبالمعنى العميق الى درجة لا يسمون معها حتى فولتير ومونتسكيو وكونت وسواهم بالفلاسفة إلا بتردد.

بلا شك، استدراكا، ان الثقافة العربية الراهنة افرزت متخصصين كبارا، ومجددين لامعي الانتاج وعميقي الفكر في ميدان الفلسفة بشتى ميادينها وموضوعاتها كزكي نجيب محمود وزكريا ابراهيم والحبابي وكامل الشيبي وحسين مروة وعبد الرحمن بدوي ومحسن مهدي اذا اقتصرنا على ذكرهم وحدهم هنا. إلا اننا، هنا، حيال باحثين او مؤرخين كبار في العلم الفلسفي وليس قطعا حيال فلاسفة، نظرا لان ايا منهم لم يفلح بعد في قطع الخطوة الضرورية التي تفصل عالم الفلسفة عن الفيلسوف. بل ان معظمهم لا يجد حتى الجرأة-تواضعا ربما-على خوض مغامرة كهذه، لذلك فهم يتبنون طواعية ضرورة الحفاظ على طقوس وقيود المنهجية المدرسية وغالبا بوعي. اما البعض النادر الذي حاول الخروج-الى هذا الحد او ذاك-على تلك الطقوس فانه عجز موضوعيا عن الذهاب بعيدا ووجد نفسه مضطرا اما الى اقتفاء اثر المدارس والتيارات الفلسفية الغربية وتبني منظوراتها او تقليدها (كشأن زكي نجيب محمود مع الوضعية المنطقية وحسين مروة مع الماركسية) وبالتالي وراثة معطياتها بما فيها تناقضاتها، واما، بالمقابل، الركض وراء خصوصية واصالة غائمتين مفترضتين ما هما في الواقع سوى توليفة بين مضامين سلفية وايديولوجية مقنعة واشكال غربية جديدة (كشأن محمد اركون مع الاسلام والجابري مع القومية)، واما اختيار السفر والتنقل بين محطات فلسفية مختلفة تمتد احيانا من الصوفية الى الوجودية، دون استراحة لكن ايضا دون النجاح في بلورة هوية ملموسة او الارتكاز على دكة صلبة خاصة (كما هو حال عبد الرحمن بدوي بين إخرين).
واجمالا، فان طبيعة جميع هذه الجهود، لخصها الراحل زكي نجيب محمود بقوله بانها عبارة عن محاولات تقوم بشتل افكار فلسفية غربية مستوردة في تربة شرقية، او شتل افكار منقولة من العصر الاسلامي الوسيط في تربة ثقافة القرن العشرين. واذا كانت جميعها قد اخفقت الى هذا الحد او ذاك او لم تنجح إلا في تقديم نتائج متواضعة فلسفيا فذلك برأينا لان المنهجيات التي اعتمدتها، بفعل غياب الشروط الجوهرية لتطوير منهجيات جديدة، قولبت حيوية عطاءات هؤلاء المفكرين-المؤرخين وقلصت من حريتهم في الحركة الابداعية التأملية. وقد ادى ذلك الى تفضيل البعض كم المؤلفات المكررة (بدوي، الجابري مثلا) على حساب رصانة واصالة ومعاصرية المحتوى، في حين اغرق البعض الآخر في الخلط بين صنعتي الترجمة والتفلسف. وبين هذا وذاك ظهرت بعض الاسماء الواعدة إلا انها لم تستطع الذهاب -حتى الآن- بعيدا في تحليقها الحر بسبب وقوعها اما في قيود الوفاء لأيديولوجيا الشباب (ماركسية، وجودية، سلفية..) او في اغراءات الكتابة الادبية او التاريخية مفضلة الافراح الظاهرية لهذه وتلك، على اللذة السرية الخاصة بالفلسفة وحدها.

ان اكثر من واحد من استنتاجات هذا الجرد السريع سبق ان سجله بعض من سبقنا في فحص محنة الفلسفة في الثقافة العربية ونذكر منهم بوجه خاص ناصيف نصار في القسم الاول من كتابه "طريق الاستقلال الفلسفي". إلا أن نصار الذي افلح في طرح مشكلة عدم استقلالية المتفلسف العربي، لم يفلح هو ايضا في الافلات من فخ اللااستقلالية. ويتجسد هذا الامر بشكل جلي في الاجوبة المستعجلة التي يقدمها من جهة والتي تخلط بين مفهوم الفلسفة والايديولوجيا. وفي البدائل الوهمية من جهة اخرى التي يسعى للدفاع عنها في القسم الاعظم من كتابه المذكور حيث يجهد لاثبات ان انطون سعادة وزكي الارسوزي واضرابهما من صغار الايديولوجيين هم "فلاسفة حقيقيون".

والحال ان اعتبار هؤلاء فلاسفة دعابة مضجرة. كما هي دعابة مضجرة اعتبار شارل مالك او كمال الحاج او الحصري او عفلق او هذا او ذاك من دعائيي الايديولوجية القومية او الطائفية بالفلاسفة. ونفس الشيء يصدق بالنسبة للفقهاء ورجال الدين ممن يلفون افكارهم بقميص الفلسفة.

واذا كان لا بد من اطلاق صفة فيلسوف على بعض مفكرينا، فانا نفضل اطلاقها على الحبابي وعبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود لانهم يظلون في اخر الغربلة اكثر عمقا وحرية وشمولية وقلقا انسانيا على الصعيد الفلسفي من جميع معربي الايديولوجيات القومية واللاهوتية والطائفية المذكورين منهم هنا وغير المذكورين.

واختصارا لكل ما تقدم نقول بان الثقافة العربية الحديثة لم تستطع بعد انتاج هؤلاء "الفلاسفة الحقيقيين" بالمعنى الديكارتي المذكور. ونضيف-ولنوصم بالسوداوية-بان هذه الثقافة لن تنتج منهم لفترة طويلة اخرى طالما ظلت المعايير الحضارية التي تحكم العالم العربي حاليا، سيدة الساحة مستقبلا والتي تتجسد بغياب الحرية بمعناها الشامل وليس فقط السياسي. فمعايير الاستبداد والقسرية والردع من جانب والقدرية والكبت والتقية من جانب آخر تحكم المعادلة الملموسة والميتافيزيقية للعلاقة بين الواحد منا والآخر وحتى الواحد ونفسه. وهذا الشكل من العلاقة هو الذي يحكم بداهة علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة الدولة بالمجتمع المدني وعلاقة الجماعة بالفرد، والتي تتميز بهيمنة الاول وتدمير الاخير وتحويل الفرد الى مجرد رقم بين الارقام لا يمتلك من حريته اي من انسانيته سوى طابعها الفولوكلوري. ففي ظل معايير كهذه لا يبقى من الفلسفة إلا طابعها الفولوكلوري هي ايضا لانها تفتقر الى الشرط الموضوعي لتحققها العميق.

وهذا الشرط الموضوعي هو الحرية والحرية بالتحديد. لان الحرية هي ليست مجرد حاجة او ضرورة بالنسبة لفعل التفلسف، كفعل ابداعي، انما هي مادة وجوده الاساسية واكاد اقول الوحيدة لان الفلسفة في اسمى تعريفاتها، في تعريفها الاول والاخير ليست شيئا آخر غير الحرية. وما دامت هذه محروقا ربها في العالم العربي فما من أمل ان تشتاق الفلسفة للعيش بيننا من جديد بل انه امر طبيعي ان تهجرنا وتزعل علينا لانها-كأية حسناء-لا تحب إلا عشاقا اصحاء الحيوية ومغامرين واحرارا يجرأون على قراءة اسرارها. اما العشاق الشاحبين البكائين الباردي الاحضان فانها تهجرهم دون اسف حتى اذا كتبوا لها قصائد التوسل والاسترحام ليل نهار. وان انتفاء الفلسفة او تدهورها في ثقافة ما، ما هو في الجوهرسوى نتيجة لانعدام قدرتها على انجاز مهمتها الوحيدة وهي العودة الى الفرد والسؤال عن حريته وانسانيته. ليس بطرا اذن، او طمعا بسلطة، ان يتوصل افلاطون في جمهوريته الى يقين قاطع بان جمهورية نموذجية في حماية الحرية لا يمكن ان يوكل فيها الحكم إلا للفلسفة والفلاسفة. وليس عبثا ان يؤكد ابن رشد بان الفرد يجب ان يدرك قبل اي شيء بانه حر. وليس مجرد مزحة ان يوبخ الجاحظ العرب لانهم يخلطون بين الحر بمعنى السخي والحر بمعنى الحر. فاذا كانت الديمقراطية هي مدينة الحرية، فان الحرية هي مدينة الفلسفة. وهكذا فان التاريخ يعلمنا بان الفلسفة لم توجد ولم تزدهر في مرحلة او أخرى إلا عندما اقترنت بوجود نطام اجتماعي-سياسي يحترم المفكر كفرد ويسمح بفسحة من الحرية له فازدهار الفلسفة في بلاد الاغريق القديمة مدين بشكل كبير للنظام الديمقراطي البسيط الذي عرفته الجزر الايونية في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. وازدهار الفلسفة في الشرق الاسلامي مدين حتى الاذنين لاذكى حاكم عربي مسلم ظهر لحد الآن، ونقصد به الخليفة المأمون. كما  ان ازدهار الفلسفة في الغرب الحديث ما كان سيحصل لولا النظام الديمقراطي الدستوري التعددي-على علاته-الذي قام في الدويلات الايطالية وانجلترا وهولندا والمانيا وفرنسا وغيرها.
صحيح جدا ان الحرية التي اشاعتها هذه الانظمة هي حرية نسبية وموضعية ما دمنا نعرف ان المجتمعات الاغريقية القديمة قامت على النظام العبودي اللاانساني ونظام المأمون قام على نوع من التوسعية العسكرية والدينية وان انظمة الغرب الحديث قامت على ابادة الهنود الحمر واستعباد الافارقة السود ونهب القريب والبعيد من شعوب الارض. وصحيح بالتالي اننا نقيم هذه الاستنتاجات على الكثير من التجريد، بيد ان هذا التجريد يظل مشروعا. فهذه الانظمة بالقدر الذي اشاعت فيه بعض الحرية للفلسفة، هي، نسبيا، انظمة تحترم الذات الانسانية مهما كان هذا الاحترام محدودا او مجبرة عليه. اما الانظمة التي تعامل المواطن والافراد معاملتها للقرود فهي انظمة يقودها قرود حتى اذا اطلقوا على انفسهم لقب "الشيخ الحكيم" او "القائد المفكر" او "العقيد الفيلسوف". فقد كان ارسطو يقول للاسكندر المقدوني "اياك وتحويل الناس الذين تحكمهم الى بهائم لانك ستكون انت بهيمة ايضا. لأن من يترأس بهائم لا يمكن ان يكون إلا بهيمة".
ليس مدهشا اذن ان تنتعش الفلسفة في ظل الاسكندر المقدوني وتهجر ثقافة يحكمها شعار "من تمنطق تزندق" ومن تزندق يذهب جلده الى الدباغ. وليس مدهشا ان تزدهر الفلسفة في قرون دولة عباسية يستطيع فيها الفرد ان يتنقل من طاشقند الى قرطبة كما يشاء ودون نقاط تفتيش وان تنطفيء في عالم عربي راهن يحتاج فيه الفرد الى الف عريضة استرحام وتذلل للعريف او السركال الحاكم حتى يحصل على جواز سفر او ختم الموافقة على الانتقال من قرية الى قرية مجاورة.

 

********************

العفيف الأخضر: عبادة الأسلاف أقامت سداً لدخول العقل إلى أرض الإسلام

في مدخل كتبته لكتاب جان بوتيرو البالغ الأهمية "بابل والكتاب المقدس" الذي ترجمته ونشرته دار كنعان الدمشقية بنصيحة مني قلت التالي:" حضور رواسب الفكر الأسطوري في فكرنا المعاصر مازالت أيضاً مقروءة في رفض فكرة الزمن الدنيوي أي مفهوم الزمان المستقبلي، مما يجعله أسيراً للماضي الذي لا يفتأ يجتر نفسه عوداً على بدء كعودة الفصول الرتيبة: زمن بداية أسطورية، أو عصر ذهبي يرمز لحقبة تخييلية أو تاريخية تسامت بها الرغبة إلى مرتبة المثال المحتذي، والقابل للتكرار في عصرنا. الدستور الإيراني بنص على أن الولي الفقيه يحكم في انتظار عودة المهدي المنتظر"عودة الإمام الغائب عجل الله فرجه".
هذه العبادة الصوفية للماضي راسب من رواسب عبادة الأسلاف السحرية _ الإحيائية.تاريخ الأديان المقارن يعلمنا أن هذه العبادة قامت في المجتمع العشائري،حيث تسود الروابط الدموية بين أعضاء العشيرة، الممارسين لعبادة الأموات. كان الإحيائيون ومازالوا يتوهمون انهم يتصلون بأسلافهم الذين بانتقالهم إلى السماء وبتحولهم إلى أرواح صافية غدو يملكون قوة هائلة لا يمتلكها الأحياء، مما جعل هؤلاء في حاجة لحماية الأسلاف في حياتهم اليومية.في الصين القديمة، الإحيائية، كان كل نشاط ذا معني: خطوبة، زواج، سفر بعيد، الحصول على مهنة، يتطلب حكماً تنبيه الأسلاف إليها ليباركوها ويحموها من وراء قبورهم، وكل نشاط لا يحاط به الأسلاف علماً يفتقد معناه، أي يفقد شرعيته الأسطورية فيغدو بدعة وضلالة.
هذا الرق النفسي للأسلاف يحقق به الاحيائي القديم أو المعاصر رغبة جامحة تهزأ بحقائق الواقع. وبما هو عصاب استحواذي يدفع دفعاً ضحيته إلى تحقيقه مهما بدا عبثياً وكارثياً للوعي العقلاني المعطل. يصف مرسيا إلياد انتظار عبدة الأسلاف في جزر الأقيانوس والكنغو كالتالى:‘عبّاد سفن الشحن في جزر الاقيانوس يبررون عبادتهم لها بما تقوله أساطيرهم، من أن هذه السفن سيعود عليها قريباً أسلافهم من قبورهم حاملين معهم كل ما لذ وطاب، لتوفير المخازن الكافية التي تتسع للثروات الطائلة القادمة مع الأسلاف العائدين من قبورهم كانوا يأمرون بقتل حيواناتهم الداجنة التي لم يعودوا في حاجة إليها .. في سنة 1961 حدث في الكنغو حدث مشابه: في إحدى القرى: أزال السكان سقوف أكواخهم لتسهيل تساقط سبائك الذهب التي سيرسلها إليهم الأسلاف. وفي قرية أخرى أهملت جميع المسالك إلا المسلك الوحيد المؤدي إلى المقبرة لتسهيل عودة الموتي إليهم محملين بالخيرات" بما أن سلف الاحيائيين الصالح أعرف بمصالح الأحياء من الأحياء أنفسهم، فإن رق هؤلاء النفسي حيال موتاهم يحول أنشطتهم القابلة مبدئياً للتعقل، إلى شعائر عصابية قهرية لا يسعهم حيالها إلا أن يتمتموا: سمعنا لأسلافنا وأطعنا. يقول مرسليا إياد :" عندما كان المبشر الإنثروبولوجي "سيترابهلو" يسأل قبيلة أرنثا الإسترالية عن سبب إقامة بعض الشعائر، كان أعضاؤها يجيبونه: لأن أسلافنا أمرونا بذلك (..) في غينيا الجديدة يرفض أعضاء قبائل الكاي تغيير أنماط حياتهم قائلين: لأن الأسلاف كانوا يفعلون ذلك ونحن نتصرف مثلهم (..) كما ذبحوا كذلك يجب أن نذبح وكما فعل أسلافنا هكذا يجب علينا أن نفعل اليوم. نفس هذا الدعاء نجده عند الهندوس علينا أن نفعل ما فعلته الآلهة في البداية .. في قبائل الهنود على النساء أن يجلسن على أرجلهن القرفصاء وعلى الرجال أن يجلسوا وأرجلهم متقاطعة أمامهم لأن المرأة الأولي "حواء" والرجل قاتل الوحش "آدم" جلسا بهذه الطريقة في البدء .. تقول تقاليد قبيلة كرادجري الاسترالية : في زمن الحلم علمتنا كائنات خارقة للطبيعة طريقة طبخ الحبوب وصيد الحيوان والوضع الخاص الذي يجب اتخاذه عند التبول".
ألا تذكرنا هذه الطقوس القهرية بفرض الحجاب على المرأة أو ضرورة دخول المرحاض بالرجل اليسرى والمسجد بالرجل اليمني عند جماعة التبليغ والدعوة؟.
الرق النفسي للسلف الصالح في تراثنا الإسلامي هو استعادة لعبادة الأسلاف التي كانت شائعة في الجزيرة العربية قبل الإسلام. القرآن يخبرنا بذلك فقد احتج المشركون لرفضه بأنه مخالف لتقاليد أسلافهم،" قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا" (104 المائدة)، "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا" (28 الأعراف)، "قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا" (78 يونس) ، " بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون" (74 الشعراء) ،" ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين" (24 المؤمنون ).
هذا الوعي العربي الجاهلي الجمعي المشبع بعبادة الأسلاف أي الرافض للتهجين أي كل جديد على تقليد الأسلاف الذي واجه به العرب الإسلام الجديد على تقاليدهم هو الذي كيفوا به الإسلام بعد دخولهم فيه لكن بتغيير بسيط في هوية الأسلاف فلم يعودوا أسلافهم في الجاهلية بل غدوا أسلافهم في الإسلام . الدراسة الاثنية للقبائل البدائية كشفت أن الخاصية الأساسية لوعيها هو رفض التهجين أي التعلق الهستيري بنقاء الدين ونقاء الثقافة ونقاء اللغة ونقاء العرق، بعض القبائل البدائية كلما ألمت بها أزمة كالجفاف مثلاً تطهر القبيلة من جميع الأدوات الحديثة التي أدخلتها إليها بعض أعضائها وتقتل هؤلاء الأعضاء أنفسهم عسى أن يرضي عنها الأسلاف.
الوعي السلفي الذي ساد لدى عرب الجاهلية ثم ساد لدي عرب الإسلام هو هذا الوعي المغلق على عبادة الأسلاف الرافض لكل وافد لها لا يتفق مع تقاليد السلف الصالح أي مع أقوالهم وأفعالهم.
عملياً ساد الأثر على النظر والمنقول على المعقول في كل تاريخ الإسلام العربي. فالوعي الإسلامي صاغه رواة الحديث والوعاظ الذين كانوا على صلة يومية بالعامة أما الفكر الإعتزالي والفلسفي فلم يدخل قط إلى هذا الوعي العربي الإسلامي المغلق وظل حبيس دوائر النخبة الضيقة التي كانت تحمي المعتزلة والفلاسفة من الفقهاء والعامة الذين رفضوهم ورفضوا فكرهم الذي لم يكن في نظرهم إلا "بدعة" وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وبما أن النخبة المستنيرة نادرة في تاريخ الإسلام قد لا يتجاوز عدد الخلفاء فيها أصابع اليد الواحدة في بغداد والأندلس أو في القاهرة فقد تحالف الحكام والفقهاء طوال تاريخنا ضد العقل الوافد من اليونان.
منذ القرن الثاني عشر الميلادي الموافق للقرن السادس الهجري أصدر المنقول من الأندلس إلى بغداد فتوى بمنع المعقول من الدخول إلى أرض الإسلام. وقد ‘نظمت المحارق في بغداد لآثار ابن سينا والفارابي وفي قرطبة لآثار ابن رشد وغيره من الفلاسفة والعلماء. حتى إن الكتب الفلسفية والعلمية العربية التي ترجمتها أوربا الساعية للنهوض لم تصل إليها إلا عن طريق المسيحيين الأسبان المستعربين الذين كانوا يعيشون في الأندلس وعن طريق يهود الأندلس الذين أخفوا هذه الكتب لكي لا تصل إليها ألسنة النيران وسلموا نسخاً منها إلى جامعة طليطلة المسيحية التي كانت منكبة منذ القرن الحادي عشر على دراسة التراث الإسلامي وترجمته.
هذه الفتوى بمنع المعقول من الدخول إلى أرض الإسلام مازالت سارية المفعول حتى الآن. فتدريس الفلسفة الحديثة في التعليم الثانوي غائب في دول الخليج ربما باستثناء الإمارات التي قرأت في صحيفة تونسية أنها طلبت أساتذة للفلسفة من تونس لكن لست أدري ما إذا كان ذلك للمدارس الثانوية أم للتعليم العالي، وفي الدول العربية الأخرى ‘تدرس الفلسفة في الثانوي لكن كتلقين وهو ما ينفي الفلسفة لأن التلقين والفلسفة ضدان لا يجتمعان. وحدها تونس ترجمت البرنامج الفرنسي للفلسفة ترجمة والحق يقال فيها نظر. البرنامج الفرنسي يستبعد طبعاً كل تلقين فبرنامج الفلسفة عبارة عن نصوص لمختلف الفلاسفة من الإغريق حتى الآن يطلب من التلميذ أن يفكر فيها بنفسه بعيداً عن التلقين وغسل الأدمغة وفي تونس ‘تدرس الفلسفة في السنتين الأخيرتين من التعليم الثانوي لتدريب نخب الغد على التفكير بنفسها لا بأقوال وأفعال أسلافها .
ما العمل لرفع هذه الفتوى ضد المعقول التي عمرها ثمانية قرون إذن للتحرر من رق الأسلاف؟
لا توجد وصفة جاهزة بل فرضية متفائلة تتمثل في صياغة مشروع مجتمعي عربي الحداثة رائده والعقلانية منطلقه يطبقه كل بلد حسب خصوصياته وتجربته يستهدف أولاً تحديث التعليم والإعلام الدينيين وتحريرهما من عبادة الأسلاف لفتح الوعي الإسلامي لأول مرة في تاريخه على الوافد من الأفكار والقيم والعلوم الحديثة وخاصة الفكر النقدي.
هذا المشروع كفيل خلال عقدين بتخريج نخبة ذات وعي غير سلفي وفي العقدين التاليين تخريج نخبة ذات وعي معاصر تماماً لعصره.
ابن تيمية أدان المنطق لأنه إذا كان الإنسان حسب المنطق _ كما يقول ابن تيمية _ لا يفكر تفكيراً سليماً إلا إذا تعلم قواعد المنطق فذلك يعني أن السلف الصالح،كما يقول ابن تيمية دائما، لم يفكروا تفكيراً سليماً لأنهم لم يتعلموا المنطق. إذن السؤال ليس ما إذا كانت توجد فلسفة عربية أو لا توجد أو ستوجد بل لماذا عجزت الفلسفة قديماً وحديثاً وجميع تيارات الحداثة الفكرية والسياسية الأخرى على أن تتغلغل في الوعي الجمعي العربي الإسلامي؟ طبعاً بسبب انغلاق هذا الوعي عن كل وافد وخاصة إذا كان وافداً من الغرب أي من الذين سماهم ابن تيمية في كتابه الشهير" اقتضاء السراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم": أصحاب الجحيم.وقد استبطن الوعي الإسلامي السائد إلى الآن كراهية الآخر الرهابية وخاصة اليهود والنصارى إلى درجة أن الشهير د. عبد الصبور شاهين أشرف سنة 2000 على رسالة جامعية تطالب بتطهير تفسير الطبري من الإسرائيليات. وتبعاً لهذا المنطق الهستيري فليس مستبعداً أن يشرف د. شاهين على رسالة أخرى تطالب بتطهير القرآن نفسه من الإسرائيليات. خاصة أن القرآن نفسه يعترف بالأبوة الإبراهيمية التي تشترك فيهل الديانات التوحيدية الثلاث "إن هذا لفي الصحف الأولي صحف إبراهيم وموسى"(18 سورة الأعلى).
علينا انطلاقاً من التعليم والإعلام أن نعلّم الأجيال الطالعة أن الاسم الحقيقي لـ"أهل الجحيم" هو الشعوب المتحضرة. وأن تقليدهم في مؤسساتهم وفلسفاتهم وعلومهم وقيمهم فرض عين على كل مسلم ومسلمة.
جميع تيارات الحداثة الفلسفية والفنية والعلمية تغلغلت في الوعي الجمعي الأوربي لأنه لم يكن مغلقاً بمفتاح رق الأسلاف النفسي. لكن هذه التيارات مرت على الوعي العربي الإسلامي كما يمر المطر على ريش البط لأنه وعي سلفي مغلق وتالياً رافضاً للتهجين METESSAGE  .
المطلوب إذن ليس الثرثرة بـ"فلسفة عربية إسلامية" يسمع بها الجميع ولا يراها أحد بل فتح الوعي السلفي بمفاتيح الحداثة الغربية التي يتبارى الجميع في هجائها بكل ثراء اللغة العربية في الهجاء وفقرها المدقع في معجم الفكر النقدي الذي مازال يطرق بابها. والسلام على من استمع القول فاتبع أحسنه.

 

*******

مجدى خليل: تدمير المصطلحات والمفاهيم في العالم العربي

المتابع لما يجري في الغرب ومنطقتنا يلاحظ أتساع الفجوة إلى ما يشبه الهوة ليس فقط في العلم والتكنولوجيا وإنما أيضا في الفكر والمفاهيم والمصطلحات، وبالطبع هناك علاقة وثيقة بين الإنتاج العلمي والإنتاج الفكري كلاهما يؤثر في الآخر سلبا وإيجابا. حصيلة التفاعل بين العلم والفكر هي التي تنتج مجتمعا متقدما أو متخلفا، ومن ثم فالفجوة بين تقدم الغرب وتخلف العرب تتسع وليست في حالة سكون وإنما في حالة حركة دائمة نحو الاتساع.
الفجوة العلمية والتكنولوجية معروفة وملحوظة لأنها تعكس نفسها في واقع مادي يترجم هذه الهوة، ولكن فجوة المفاهيم لم تتناولها كتابات عربية إلا نادرا.
هناك أسباب عديدة لفجوة المفاهيم والمصطلحات بين العرب والعالم المتقدم والحضارة القائمة سأتناول هنا سببين من هذه الأسباب الكثيرة.


السبب الأول : تشويه المفاهيم والمصطلحات في العالم العربي.
 تكاد تكون أغلب المفاهيم والمصطلحات الفكرية قد تم العبث بها في العالم العربي، وتراوح هذا العبث المنظم بين التشويه ووصل في الكثير من المصطلحات إلى حد التدمير الكامل، بل وإنتاج مصطلح بديل يكرس التخلف ويعمل على إتساع الهوة. هناك بالطبع عشرات وربما مئات من المصطلحات والمفاهيم التي لحقها التشويه من الصعب حصرها منها : المواطنة، الوطنية، الديموقراطية، التنمية، العولمة، العلمانية، الحداثة، التقدم والتخلف، العنصرية، التنوير، العقلانية، التمييز، التعصب، الاضطهاد، الاقلية،الآخر، المجتمع المدني، الإبداع، التنوع، التغريب، النقد، المشاركة، التعددية، الحقوق الأساسية، الحقيقة، الحاجات، الشرف، الكرامة، الحرية، الخصوصية، الحقوق الطبيعية، الحريات الدينية، الانتخابات، السلطة، الأمن، الخيانة الوطنية، التكفير، حقوق المرأة، الطفولة، مفهوم القانون، العدالة، الحقوق السياسية، الملكية، حقوق الملكية الفكرية، الحقوق البيئية، البحث العلمي، الفلسفة والمنطق.. الخ.
لن نستطيع هنا بالطبع عرض المصطلح والتشويه الذي لحق به وابعده عن سياقه العالمي فهذا جهد يحتاج إلى مجموعة من المفكرين المتخصصين في كافة المجالات الفكرية يعملون بجد ودأب من أجل إنتاج قاموس معرفى تعريفي كامل صحيح لأهم ما أنتجه الجهد الإنساني من أفكار ومصطلحات ومفاهيم صحيحة بعيدا عن أيدي العابثين، وهي مهمة ثقيلة جدا لأن المفاهيم والمصطلحات استقرت في الوجدان الجمعي العربي عند وضعها المشوه، وأصبح هناك مستوى كامل من التفكير المشوه المعزول عن السياق الإنساني والعالمي والحضاري. وما زاد الأمور سوءا أنه كانت هناك منذ عقود بعض الكتابات والاجتهادات التي تحاول نقل التراث العالمي من منابعه إلى المجتمع العربي، ولكن في العقود الثلاثة الأخيرة حدث شبه توقف لإنتاج هؤلاء المفكرين بعضهم رحل عن عالمنا وبعضهم اصابه اليأس من مقاومة السيل الجارف من التخريب، وتراجعت حركة الترجمة بشكل كبير علاوة على انتقائية كتب رديئة لترجمتها تدين الغرب المتقدم وتكرس المفاهيم الشرقية المتخلفة عنه. والذي جعل الأمور تتراجع والهوة تتسع أن المخربين أنتجوا ما يمكن تسميته "بمصطلحات الترهيب" وكان الغرض من هذه المصطلحات القضاء على المشروع العقلاني في التنوير المرتبط والمتفاعل مع الغرب والحضارة الإنسانية. وهناك حزمة كبيرة من مصطلحات الترهيب التي أطلقت في وجه المصلحين منها : ثوابت الأمة، الأمة في خطر، الهجمة الصليبية، الغزو الاستعماري، الإسلام في خطر، التآمر على الأمة، لغتنا في خطر، الاستهداف الصهيوني، وكلاء الغرب، عملاء الغرب، الاختراق، الانبطاح، الاستهداف الأستشراقي، الهوس بالغرب، المتأمركيين، كتاب المارينز... الخ. هذا القاموس الذي يتبناه حراس الخرافات والتخلف ويشهرونه في وجه أي مشروع عقلاني ولارهاب اصحاب العقول الحرة والفكر المستقل.
قام بهذا التخريب المنظم مجموعتان من المخربين في العالم العربي تتوزعان على مساحة واسعة بين اكاديميين ومثقفيين ورجال دين وسياسيين وكتاب وصحفيين.


المجموعة الأولى: الإسلاميون.
 وقد قاموا بجهد منظم من خلال أسلمة الحداثة والفكر والمفاهيم بدلا من تحديث الإسلام، وبالتالي نجحوا في إقامة جدار عازل قوي بين المجتمعات الإسلامية والحضارة الإنسانية. وفي السنوات الأخيرة لم يكتفوا بهذا وإنما قاموا بما يشبه الغزوة البربرية لتصدير التخلف إلى المجتمعات المتقدمة،وما الجيتوهات المعزولة في الغرب من المسلمين إلا رسلا لهذا التخلف، وما الضجة التي تحدث في فرنسا حاليا إلا بأنها محاولة لتصدير التخلف والمشاكل والاضطرابات إلى مجتمعات متقدمة ومستقرة.


المجموعة الثانية: القوميون
وقد قاموا بجهد تخريبي منظم أيضا بدوافع قومية شوفينية ساعدت على عزلهم بنفس القدر عن السياق الإنساني، ولا أنسي وأنا في كلية الاقتصاد جامعة القاهرة أنه فرض علينا خرافات مثل الاشتراكية العربية وفي كتب أكاديمية قيمة مثل كتب بطرس بطرس غالي، بل وصل الأمر إلى اعتبار الاشتراكية هي رسالة الأنبياء من السيد المسيح إلى نبي الإسلام.
تشويه المفاهيم ادى الى خروج العرب والمسلمين عن المعيارية الدولية كأن يقول العالم مثلا ان المتر مائة سنتيمتر ونحن نقول خمسون فقط، العالم يقول عمليات انتحارية ونحن نصر على انها استشهاد وحوريات وغلمان كمكافأة للقاتل. الغرب هو الذى انتج المصطلحات الفكرية ونحن نشوهها وندمرها ونتبجح بأن هذا هو التعريف الصحيح وندرسه فى مدارسنا وجامعاتنا وننشره فى كتبنا ووسائل اعلامنا.


السبب الثاني لفجوة المفاهيم هو التطور الهائل الذي لحق بالمفاهيم في الغرب.
 ففى حين كانت المجتمعات العربية قد استقرت عند المستوى المشوه للتعريفات ومن ثم لم تلحقها ثورة التطور في المفاهيم الذى حدث في الغرب، فالمنطقي أن المصطلح استقر عند مستوي مشوه فكيف يمكن تطويره ؟ ومن هنا أصبحنا إزاء عالمين مختلفين ومنفصلين بل ومتضادين. كل عالم يحاول أن يصدر مفاهيمه، فالغرب يحاول تسيير المجتمع الدولي وفقا لهذه المفاهيم، ولأن النظام الدولي هو إنتاج غربي في الأساس فهو يحاول فرض هذه المفاهيم عبر النظام الدولي، والعالم العربي لا يملك القوة لفرض مفاهيمه المتخلفة وبالتالي يحاول تصديرها عبر جحافل الجراد الذي يصدره للغرب لكي يأكل الأخضر واليابس ويعطل انتشار المفاهيم الغربية عبر عملية مضادة. بل ويحاول تدمير الحضارة ذاتها كما حدث في 11 سبتمبر فى محاولة لبث الذعر في مجتمعات قائمة أساسا على الانفتاح من استهداف الطائرات إلى استهداف الأبراج السكنية.
التطوير الذي حدث للمفاهيم في الغرب كانت عملية طبيعية وتابعةومتفاعلة مع طبيعة التطورات التي وقعت فى المجتمعات الغربية ذاتها والتطور التكنولوجي الهائل الذي حدث في العقدين المنصرمين.
عملية التطوير لم تأت من المجتمعات الأكاديمية في الغرب فحسب وإنما جاءت من المجتمع المدني ومن الحقوق على الأرض التي فرضها التقدم التكنولوجي، أي أن الواقع كان أسرع من البحث العلمي الاكاديمي ودفعه وأثر فيه تجاه التطوير إلى الأفضل. وقد أدي ذلك إلى تأخر حتى الأمم المتحدة عن اللحاق بهذا التطور، فالأمم المتحدة أصبحت متخلفة عن التطور الذي حدث في المجتمعات الغربية وخاصة في أمريكا ويعود ذلك بالاساس الى الركود البيروقراطى الذى اصابها من تاثير اعضائها من دول العالم الثالث،وهي تلهث ولكن هناك فجوة بالفعل بين المفاهيم التي تتبناها الأمم المتحدة والمفاهيم التي فرضها مجتمع العولمة على الوجدان الجمعي في الغرب.
لقد تفاعل التطور التكنولوجي الهائل مع آليات العولمة مع المجتمع المدني العالمي مع التطور والحقوق المكتسبة على أرض الواقع مع مراكز الأبحاث مع الجامعات في خلق هذا التطور الهائل في المفاهيم في المجتمعات الغربية.
ولا أستطيع أن اشرح في مقالة صغيرة التطور الهائل بالفعل الذي لحق مثلا بما يسمي " بحقوق المواطنة" فهذا يحتاج إلى مقال مستقل. خذ مثلا أيضا مفهوم الحاجات الأساسية كانت أبحاث البنك الدولي سابقا تركز على حاجات أساسية أربعة في دراساتها تسمى" الحاجات الاربعة الاساسية" 4 needs وهي :المأكل والملبس، والصحة، والسكن، التعليم.ولكن بعد 11 سبتمبر وما ثبت من قيام شباب غني ومترف باقتراف جرائم بشعة ضد الإنسانية أضيف إلى مفهوم الحاجات الأساسية حاجتان وهما المشاركة السياسية وحق العمل،فالبطالة والفراغ السياسي قادتا شبابا غنيا من الخليج إلى هذه الجرائم ومن ثم أصبحت المشاركة السياسية وحق العمل ليس ترفا وإنما احتياجا أساسيا للإنسان مثل الحاجات البيولوجية الإهمال فيها يؤدي إلى كوارث.
بالطبع لا يمكن هنا أن نشرح في سطور التطور الهائل الذي لحق بعشرات المفاهيم وجعل الكثيرين من المتابعين لهذه التطورات ينظرون للعالم العربي وهم يحملون قدرا كبيرا من اليأس والحزن والألم لما آلت إليه مجتمعاتنا في الشرق، ولكن ليس لنا خيار آخر إلا محاولة إضاءة ولو شمعة صغيرة وسط هذا الظلام الحالك.

 

*******************

د. الطاهر بن قيزة: الخصوصية التونسية في مجال الفلسفة تتمثل في غلبة توجهها العقلاني على التوجه الايماني الطاغي في العالم العربي...


حكمت الحاج من تونس: الطاهر بن قيزة أستاذ محاضر بقسم الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. مختص في الفلسفة الغربية الحديثة. قام بالإعداد العلمي لمجموعة من الندوات الدولية بالمعهد الأعلى لأصول الدين (الهوية والتقدم, البيولوجيا والقيم رهانات التأويل, التسامح). باحث بالمعهد القومي لعلوم التربية سابقا. منسق وحدة البحث " الفلسفة في تونس" ضمن مخبر الفلسفة " فيلاب" الذي يديره د. فتحي التريكي. عضو بجمعية الدراسات الفلسفية وعضو هيئتها الإدراية لمدة عشر سنوات, وعضو جمعية غاستون باشلار بفرنسا.  أصدر كتبا عديدة منها: "العقلانية التوفيقية في فلسفة لايبنتز" (بالفرنسية، منشورات كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. 2001.)، "دراسات في العقلانية التوفيقية" (مركز النشر الجامعي بتونس, 2002.)، "لايبنتز" (المجلس الأعلى للثقافة بمصر. 2002)، تقبل فلسفة لايبنتز في الفكر العربي (لايبنتز أرشيف. برلين, 2001.) و"نقد لايبنتز لقاعدة الوضوح الديكارتية" (منشورات كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. 1996). التقيناه بتونس استكمالا لإعداد ملف "إيلاف" الحاص بالفلسفة في العالم العربي، فكان هذا الحوار:

* هل هناك "فلسفة تونسية" حقا أم أننا يجب أن نقول "الفلسفة في تونس؟

- سؤالك الأول يكتسي طابع الإثارة ولم يحدث حسب علمي أن أحدا تحدث عن فلسفة تونسية. صحيح أنه ثمة مَن درَس الأدب التونسي والشعر التونسي وأرخ لهما ومن تفنن في رسم معالم اتجاه تونسي في السينما أو في الرسم أو المسرح, فقد تكون التَوْنسة في هذه الحالة ذات دلالة ومعنى, ولكن لم نجد أحدا تحدث عن فلسفة تونسيّة كما يحدث إن نتحدث عن فلسفة ألمانيّة وفلسفة أنقلوساكسونيّة. وضعُ الفلسفة مختلف إذن عن وضع الأدب أو الفن. صحيح أن مؤرخيّ الفلسفة قد وضعوا في تصنيفاتهم التقليديّة بابا سُمّي بالفلسفة العربية أو العربية الإسلاميّة ولكن تصنيف فلسفة تونسيّة وأخرى مغربيّة ومصريّة تصنيف لم يظهر بعد. يجدر بنا أن نتحدث إذن عن الفلسفة في تونس وليس عن فلسفة تونسيّة.

* هل هناك "فلاسفة" في تونس، أم هناك فقط أساتذة ومدرسون للفلسفة؟

- هذا السؤال مرتبط بالأول وهو يستوجب في البداية بعض التوضيحات الضروريّة التي ستخوّل لي أن أجيب عن سؤالك. إنّ السبب الذي يجعل من العسير علينا إن نتحدث عن فلسفة تونسيّة يكمن في الحقيقة في عدم وجود فلاسفة تونسيين. لا بد أن ألاحظ لك في هذا الصدد أن عسر وجود فلاسفة تونسيين لا يعني أن التونسيين عاجزون عن خوض غمار الفكر الفلسفيّ. والحقيقة أنّه نادرا ما تجد في العالم اليوم مَن يعتبر نفسه فيلسوفا أي منتجا لنسق فكريّ متماسك ومغلق يمثل رؤية للعالم كما كان حال أفلاطون والفارابي وديكارت. فقد تطوّرت الفلسفة, بما هي خطاب فكريّ ونقديّ, لتتخلى عن كل أشكال التعابير النسقيّة بحيث لم يعد من الممكن إن يدعي المفكر أنّه صاحب مذهب وزعيم اتجاه وضع أسسه بنفسه. فالفلسفة الحديثة منذ "نيتشه" قد تخلت عن طموح تكوين الأنساق ولم يعد الفيلسوف مفكرا يدعو إلى تيار فكري يظهر من خلال منظومة عقليّة ذات مبادئ ثابتة وقواعد مضبوطة. هذا التحوّل في الفلسفة ليس بالطبع غريبا عما حدث في مجال العلم والمعرفة le savoir بمعناها الواسع. فالتقدم العلمي وتعدد الاختصاصات في مجالاته المختلفة جعل أمر الجمع بين الفلسفة والعلم أمرا عسيرا بل ومستحيلا في غالب الأحيان. ولكن لو كان من المسحيل على الفيسلوف أن يكون عالما كذلك, فإن الوضع الجديد اليوم قد جعل من المستحيل أيضا على العالم أن يكون عالما لو لم يكن فيلسوفا أو مفكرا. فمنذ بداية القرن العشرين تقلص عدد العلماء وتنامى عدد الباحثين في مجال العلم.

* وهل هناك فرق بين العالم والباحث العلمي؟

- ثمة بالطبع فرق هام بين العالم والباحث العلمي. فإذا كان الباحث العلمي موظفا يشتغل في صلب مؤسسة ليس مطالبا بمعرفة كل تفاصيل سيرها, فإن العالم لا يكون كذلك إلا إذا كانت له رؤية عامة على وضع المعرفة وموقف من القضايا الإنسانية وبخاصة موقف نقدي من العلم نفسه ومن وسائله ونتائجه. وقد أصبح هذا الأمر صعبا لذلك فإنك تلاحظ أن من مظاهر الحداثة اليوم انقراض الفلاسفة والعلماء وولادة المفكرين والباحثين في المجال العلمي. لم يعد بوسعنا إذن أن نتحدث اليوم عن فلاسفة أكان ذلك في الغرب أو في الشرق. يمكننا فقط أن نقول بوجود مفكرين. ففوكو مفكر والجابري مفكر وبول ريكور مفكر أيضا. بعد هذا التوضيح يمكنني إذن أن أجيب على سؤالك: هل هناك "فلاسفة" في تونس، أم هناك فقط أساتذة ومدرسون للفلسفة؟

* نعم، فلتتفضل بالإجابة لو تكرمت؟

- لو اعتبرنا ما سلف قوله, يتضح أن السؤال رغم براءته يتضمن موقفا تقزيميّا للمفكرين في تونس. صحيح أنّ التونسيّين لا يكتبون كثيرا. فأكبر الفلاسفة سقراط لم يكتب شيئا وليس على المفكر أن يماري الذوق السائد. ندرة الكتابة الفلسفية لا تعني انعدام وجود مفكرين في المجال الفلسفي في تونس, ولا يجوز بأي حال من الأحوال اعتبار هؤلاء من جهة كونهم أساتذة ومدرسون للفلسفة وحسب. فمحجوب بن ميلاد مفكر وعبد الوهاب بوحديبة مفكر وحمادي بن جاء بالله مفكر وفتحي التريكي مفكر ومحمد محجوب مفكر وغيرهم كثيرون.

* ما هي من وجهة نظرك، أهم مقومات الفكر الفلسفي في تونس؟

- تستوجب الإجابة على هذا السؤال بعض الملاحظات الأولية والتوضيحية حتى تكون الإجابة مممكنة. فلا بد في الفلسفة أن نتأكد أننا فهمنا السؤال -وهو أمر غير متيسر دائما- لكي نزعم أننا نقدم عنه إجابة وجيهة. إن أول ملاحظة تتعلق بوجود الفلسفة في العالم العربي بصورة عامة. فمعلوم أن عودة الفكر الفلسفي إلى سياق الثقافة العربية الإسلامية لم يتم إلا منذ خمسين سنة تقريبا, أي منذ الخمسينات في القرن الماضي, وهذا أمر كثيرا ما يغيب عن الأذهان. ويكفي أن نذكر به حتى نقيس مدى الخطوة الحاسمة التي خطاها العالم العربي وهي خطوة نحو استأناف الحوار بين الشرق والغرب الذي بدأ مع ابن سينا وابن رشد والذي علينا اعادة فتحه تقليصا لاختلاط معايير التمييز وتخفيفا لحدّة الصراع المعلَن أو المضمَر بين هذين القُطبين بالعودة إلى التُّراثِ الثقافيِّ المشتركِ بينهما, تراثِ الفلسفةِ والعلمِ والفنِّ الذي وفّرَ شروط تَبنّي الفكرِ الغربيِّ فلسفةَ ابن رشدٍ وعلمَ ابنِ الهيثمِ والخوارزمي وغيرهم من المبدعين المسلمين والعربِ، وجعل الفكرَ العربيَّ ينخرطُ - في الماضي - في سياق الفكر الإغريقيّ، ويتبنَّى اليوم تياراتِ الوجوديّةِ والوضعيّةِ المنطقيّةِ والفلسفةِ الهرمونوطيقيّةِ. ومع ذلك, فإنّ هذه العودة إلى التأمل الفلسفيّ لم تتم في جميع البلدان العربيّة ولم تحصل في مختلف هذه البلدان بنفس الطريقة. فاللافت للانتباه في هذا الشأن, هو نجاح تيارين فكريين غالبين في معظم الجامعات العربية وهما تيار فكر الفلسفة العربيّة الإسلاميّة بمختلف اتجاهاتها وتيار الفكر الوضعيّ. وقد كان منزع الفلسفة الإسلاميّة سلفيّا في معظم توجهاته ومنزع الفكر الوضعيّ تحديثيّا في معظم توجهاته. ففي الحالة الأولى تبقى الإشكاليّات المطروحة حبيسة المسائل الميتافيزيقيّة التقليديّة ( قدم العالم وخلق الله للكون ومسألة القضاء والقدر وعلاقة العقل الانساني بالعقل الالهي, الخ...) وكأن الفلسفة قد توقفت في تفكريها وطرحها للمسائل عند مرحلة الغزالي وابن رشد. أمّا في الحالة الثانية, أي في حالة طغيان التوجه الوضعيّ فقد عمد الموقف الفلسفي إلى القول بوجود قطيعة كليّة بين نمطيّة الفلسفة الحديثة ونمطيّة الفلسفة التقليديّة. فمعلوم أنّ الوضعيّة تنطلق من أطروحة دحضها للميتافيزيقيا باعتبارها شكلا من أشكال التفكير "الوهميّ". لذلك كان الوضعيّون يرون أنّه من الضروريّ القطع كليّا مع ترهات الفلسفة التقليديّة وطروحاتها الميتافيزيقيّة الوهميّة للانطلاق في البحث الموضعيّ للفكر العلميّ وأضافاته العقليّة والعمليّة.  

* وما هو التوضيح الثاني ضمن هذا السياق؟

- التوضيح الثاني الذي أود أن أقوم به، له طابع تاريخي كذلك وهو يتعلق بوضع تونس. لم تكن عودة الفلسفة في تونس عن طريق البحوث في الفلسفة الإسلاميّة أو في الفكر الوضعيّ كما حدث ذلك في جل الأقطار العربيّة. بالطبع ثمّة لهذين التوجهين ممثلين لهما عندنا في تونس, فقد كان هاجس مؤسسي الجامعة التونسية الأساسي هاجس تأهيل وليس هاجس تأصيل, بل قل إنّ إرادة التأهيل كانت سابقة على إرادة التأصيل. لذلك فقد كانت عودة التونسيين إلى الفلسفة عن طريق الأساتذة الفرنسيين وليس عن طريق الأساتذة المصريين الذين درسوا بدورهم في الجامعات الأوروبية وتكفلوا بترويج الفلسفة في جل الأقطار العربية. لقد لعب الأساتذة الفرنسيون دورا أساسيّا في تكوين الأجيال الأولى في مجال الفلسفة تكوينا جعلهم قادرين على فهم قضايا الفكر الإنساني وإدراك تفاصيله دون عناء ولا معوقات. والطريف في هذا الأمر, أن هذا الجيل الأوّل من التونسيين الذين تتلمذوا على الفرنسيين قد كان مسكونا بدوره -من جهة ارتباطه بثقافته المحليّة ومعرفته الدقيقة للثقافة الفرنسيّة- بهاجس التأصيل. لذلك, فقد كان تعريب الفلسفة سنة 1976 عمليّة صعبة وخطرة, كان من بين نتائجها الممكنة السقوط في الثنائية القاتمة المسيطرة الثقافة العربية الإسلامية وعلى التدريس الفلسفيّ, وهي ثنائية الأصيل والدخيل. إن طرح المشاكل الفكريّة انطلاقا من موقع المعارضة بين الأصيل والدخيل مسألة لا يمكن أن تؤدي بنا إلى غير موقف ارتداديّ يغبن الإبداع ويدفع به إلى غياهب جمود تأمّل الذات لنفسها مختزلا إياها في شكل واحد من أشكالها وفي بعد واحد من أبعادها، وهو بعد كثيرا ما انحصر في البعد الدّينيّ. لم يكن تعريب الفلسفة في تونس إذن أسلمة لهذه المادة كما أن تعريب الفلسفة في تونس لم يكن كذلك وضعنة لها (من وضعية). الموقف الذي اختاره التونسيون كان موقفا آخر.

يمكنني الآن إذن أن أحدثك عن مقومات الفكر الفسلفي في تونس. إنها مقومات حددتها البحوث والدراسات والرسائل الجامعية والمنتديات الفكرية في هذه البلاد. وقد بدأتُ بعمل في نطاق مخبر الفلسفة الذي يشرف عليه الأستاذ فتحي التريكي أبيّن فيه خصوصيّة البحوث الفلسفيّة في تنس وسينشر في كتاب يعطي فكرة عما يمكن اعتباره ا"لإستثناء الفلسفي في تونس".

* ما هي برأيكم أهم مميزات الفلسفة في تونس التي تعزلها عن غيرها من الاتجاهات في العالم العربي ومن ثم العالم؟

- إن ما يميز الفلسفة في تونس لا "يعزلها" عما هو موجود في العالم بصورة عامة وفي العالم العربي بصورة خاصة. فالفكر الفلسفي في جوهره فكر حواري, يربط القنوات ويفتح الآفاق ويوسع من دائرة إدراكنا للمشاكل ولأبعادها. يُسهم الحوار في تداولِ المعرفة وفي تحويل لغة الصراع إلى جدلِ الإتِّفاق والتعاقدِ. فالصراعُ والعنفُ لا يستقران إلاَّ حينما يُكبَتُ الكلامُ ويُلجم اللِّسانُ عن القول والبيان.

* كنت أقصد بكلمة "يعزلها.." معنى الخصوصية ليس إلا...

- خصوصية الفكر الفلسفي في تونس مرتبطة بتاريخه الجامعي وبالزموز الذين كان لهم فضل كبير في تكوين أجيال من الأساتذة عملوا بدورهم على توفير شروط الاستفهام الفلسفي وترسيخ الروح النقدية في سياق الثقافة المحلية. وفي هذا الصدد, لا يسعني إلا أن أثمن العمل الجبار الذي قامت به أستاذتي السيدة فاطمة حداد الشامخ وهي أوّل امرأة عربيّة تتحصل على شهادة التبريز في الفلسفة من جامعة باريس، وأوّل امرأة تتولى مهمّة إدارة قسم الفلسفة على امتداد أكثر من عشر سنوات بكلية العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس. لقد كان لهذه السيدة فضل كبير في التشجيع على تطوير التوجّه الديكارتيّ في تونس وفي الحث على إعداد بحوث أكاديمية في ذلك الاتجاه. ولكن لا يوجد في تونس مختصون في الديكارتية وحسب فثمة ما لا يقل عن ستة مختصين في الفكر الكانطي ومثلهم في الفكر الهيغلي مما يجعل الفلسفة في تونس استثناءا لا بد أن نلفت إليه النظر ونفهم وجاهة توجهه. بالنسبة لي, ثمة خصوصية تونسية في مجال الفلسفة تتمثل في غلبة توجهها العقلاني على التوجه الايماني الطاغي في العالم العربي. وليس هذا الاختيار العقلاني نتيجة لاختيارات قام بها أفراد عينيون بل هو حصيلة تراكمات تاريخية ارتبطت بخير الدين باشا وبمشروعه الإصلاحي وبالمدرسة الصادقية التي أسسها, وبالزعماء السياسيين الذين خرجوا من تلك المدرسة, وبميل التونسيين إلى تعليم بناتهم واحترامهم للمرأة بصورة عامة وهو أمر يلاحظه كل زائر لهذا البلد.

* هل الفلسفة في تونس في وضعية التماس مع "الشارع" و"الناس" أم أنها ما تزال أسيرة جدران الجامعات والنخبة؟

- لقد أوضحت لك أن الفلسفة قامت على موروث ثقافي بدأ بخير الدين باشا وهو يتواصل إلى حد اليوم, لذلك فإن وجودها مرتبط بما وفّرته الثقافة المحليّة. صحيح أن العمل الفلسفيّ قد بقي "حبيس" جدران الجامعة كما أنّه من الصحيح أن الفلسفة لا تستطيع أن تتحول إلى ممارسة "شعبية" فطابع الصرامة والجدية المميّزين للبحث الفلسفي يجعل الفلسفة كثيرا ما تكون نخبويّة لا يفهمها إلا من كان على استعداد لإجهاد نفسه بشتى التمارين العقلية المضنية. وحتى يكون للفلسفة وجود خارج الجامعة فلا بد أن تتخطى أزمة الاعتراف التي لا نزال نعاني منها إلى اليوم. وليكون لنا مفكرون في مجال الفلسفة وفي غيرها من المجالات لا بد أن نقر أنّه من الضروري للفكر أن يعيش وأن ونعمل على صيانة الفكر وعلى حماية حرية أهله. لا يمكن للفكر أن ينشأ ويترعرع في أحضان من لا يؤمنون بالثقافة وبوجاهة العمل الإنساني ومن يعتبرون أن الإيمان بالله يغنينا عن طلب العلى. قيام الفلسفة مشروط بقناعة مبدئية, يا حبذا لو كانت منتشرة انتشارا شعبيا, وهي الإيمان بفائدة الفكر. قد لا نتفق مع مفكر وقد لا تعجبنا بعض مواقفه لكن الإيمان بجدوى يقتضي منا ذاك الموقف البطولي المتمثل في الدفاع عن حق الفكر في الوجود حتى وان بدا لنا غير ملائم لقناعاتنا ولمصالحنا. يظهر الإيمان بالفكر من خلال ممارسات بسيطة ودالة. ففي كلمة واحدة, أقول لك, مثلما يقاس تقدم الشعوب للدور الذي يوكل للمرأة وللسلطة والمكانة التي تحوزها داخل الأسرة والمجتمع, تقاس مكانة الثقافة والفكر في مجتمع من المجتمعات بعدد قراء الكتب والمجلات والصحف المطبوعة والألكترونية. فالتعبير عن الإيمان بالثقافة يظهر من خلال تثميننا لما يقوم به المثقفون, ومن خلال إقبالنا على ملتقياتهم الفكرية وعروضهم المسرحية وأمسياتهم الشعرية ومعارضهم الزيتية وعروضهم الموسيقية. إيماننا بالثقافة يظهر كذلك من خلال تحويل مواطن سكنى المثقفين القديمة إلى متاحف ومراكز أعمالهم إلى مراكز بحث ومن خلال التعريف بأعمالهم من خلال الندوات المحلية والدولية. فالثقافة كل لا يتجزأ لذلك لا يعقل أن نطالب المتفلسفة بأن يرتبطوا بـ "الشارع" في الوقت الذي ينمو العداء للثقافة في الشارع العربي كمقدمة ضرورية لتصحير العقول ولتهيئة النفوس لتقبل أحلك المعتقدات الدوغمائية وأكثرها تحفيزا على العصيان المدني، تهيئة لسلطان الكهنوت الجديد.

 

************


عاطف أحمد: تحولات الفلسفة: من بناء المذهب إلى العقل النقدي

ما الذي حل بالفلسفة في الوطن العربي؟ سؤال ينطوي على فرضين على الأقل:الأول هو أن الفلسفة قد ساء حالها في الوطن العربي ( بعد أن كان يوما ما مزدهرا) والثاني هو أن ثمة تعريفا متفق عليه للفلسفة (وهو غالبا ما يعرفه الجميع من أن الفلسفة هي حب الحكمة وبالتالي توصيف للعالم بأكمله الطبيعي والإنساني على السواء).
  فأما بالنسبة للفرض الأول، فإذا كنا نتحدث عن العصر الحديث فما يمكن قوله هنا هو أن التفلسف، بوصفه تفكيرا عقليا مستقلا لفرد إنساني مستقل، يعتبر شيئا غريبا على عقل مثقل بموروث ثقافي تقليدي ضاغط وعلى مجتمع ما زالت بنيته العميقة ما قبل حداثية رغم أن بعض مفردات الحداثة قد اقتحمت سطحه الخارجي ومزقت تماسكه التقليدي.
 ففي مثل ذلك المجتمع، لو حاول بعض الأفراد إنشاء مذهب فلسفي ما، فسيكون ذلك أقرب إلى المحاكاة المصطنعة لبعض النتاج الفلسفي الغربي في عصر مختلف عن عصرنا الراهن( مثل "جوانية" عثمان أمين البرجسونية) أو يكون نقلا صريحا لبعض المقولات الفلسفية الغربية المنتزعة من سياقاتها الأصلية والمترجمة إلى اللغة العربية ترجمة حرفية في كثير من الأحيان( مثل الوضعية المنطقية لدى زكي نجيب محمود).
  أما إذا كنا نعني بالفلسفة الاهتمام العام بالدراسات الفلسفية وبالتعليم الفلسفي، فبالإضافة إلى المعوقات السالفة الذكر،سنجد معوقات أخرى اكثر مباشرة في تأثيرها لعل أهمها افتقاد مناخ الحرية الفكرية وقيم التعددية و تقبل الاختلاف في الرأي خاصة حينما يتماس الفكر مع النطاق الديني الشديد الاتساع أصلا.فضلا عن الطبيعة التلقينية المتجذرة في تعلمنا للأشياء والتي أوجدت لدينا ذاكرة حافظة متميزة أصبحنا نقيس عليها ومن خلالها مدي جدارتنا فيما تعلمناه.


 **

  هذا بالنسبة للفرض الأول، أما بالنسبة للفرض الثاني، فأتصور أن علينا أن نطرح على أنفسنا التساؤل التالي:
  إذا كانت الفلسفة تعني لغة حب الحكمة فهل تظل الحكمة ذات مدلول ثابت واحد متجاوز لتغيرات الأزمان وتطورات العصور؟
وبالنسبة لي فإنني أعتقد أن مثل هذا التساؤل مشروع أولا و ثانيا ربما يشير تاريخ التطور الفكري، لأوربا على وجه التحديد، إلى أن مفهوم الحكمة قد شهد بالفعل، مثل غيره من المفاهيم، تحولات و تبدلات جذرية.
ذلك أن ثمة عناصر معينة قائمة في الواقع المعرفي و الثقافي والسوسيولوجي تشكل النسيج الذي تتبلور من خلاله، وبالتالي تتغير بتغيره، المفاهيم والتصورات ومن بينها – بطبيعة الحال – مفهوم الفلسفة
وما أعنيه بالواقع المعرفي إنما هو المعارف الخاصة بالواقع الفعلي والتي تمكن الإنسان من السيطرة – التدريجية بطبيعة الحال- على البيئة التي يعيش فيها و تؤدي بالتالي إلى الارتقاء به هو نفسه، أي بقدراته ووعيه في نفس الوقت. والمثال البارز لذلك هو العلم.
أما الواقع الثقافي فهو يشمل هنا التصورات الخاصة بالعالم الطبيعي والإنساني من ناحية ونوعية وأساليب المعيشة وأنماط القيم و المعتقدات المتضمنة في الممارسة العملية من ناحية أخرى.وهي بذلك تحتوي الأيديولوجيا دون أن تقتصر عليها.
أما بالنسبة للواقع السوسيولوجي فما أعنيه هنا إنما هو النظام الاجتماعي السائد في فترة تاريخية معينة.والذي هو وثيق الصلة بالتكوين الاقتصادي من ناحية وبالتطور التكنولوجي من ناحية أخرى.
والفكرة هنا هي أن قارئ تاريخ الأفكار سوف يلاحظ أن العلم القديم كان عمليا بحتا تقريبا، إذ كان يستهدف الاستخدام العملي المباشر دون التفكير في أسسه النظرية، وكان يتسم أيضا بأنه ضيق النطاق لا يشغل سوى حيز ضئيل في الحياة الاجتماعية.
ومعني ذلك أن المجال النظري كان مفتوحا بالكامل تقريبا أولا للفكر الديني ثم بعد ذلك للفكر التأملي مثلما نجد في الفلسفة اليونانية القديمة، حيث نشأت ما يمكن تسميتها بالحاجة النظرية متمثلة في المنطق، وحيث نجد أن الفكر الإنساني ذاته قد أصبح موضوعا للتفكير. وكانت النتاجات الأولى للفكر التأملي هي المذاهب الفلسفية، التي لا تقنع بأقل من تقديم وصف كامل لما يتصوره الفيلسوف حول ما عليه حال العالم- الطبيعي والإنساني- من جميع النواحي. وكانت المذاهب الفلسفية تشتمل بالتالي على المجالات التي اختص بها العلم منفردا فيما بعد.لذلك كانت الفلسفة بحق هي أم العلوم.
على أنه بالإمكان أن نلاحظ أيضا أن الصورة الكلية التي رسمتها الفلسفة للعالم كانت تختلف باختلاف كل من النظم الاجتماعية والتطورات العلمية. ففي المجتمع اليوناني الروماني القديم لم يكن بالإمكان تصور العالم، لدى أرسطو، إلا على نحو تراتبي هيراركي، تتالى طبقاته صعودا حتى تصل إلى المحرك الأول الذى لا يتحرك بينما تتحرك نحوه كل طبقات الموجودات الأخرى بفعل الرغبة في الكمال لدى كل مستوى والتي تجعله طامحا للوصول إلى المستوى الأعلى بفعل علة غائية كامنة فيه.وهو تصور وجده فلاسفة العصور الوسطى، خاصة توما الإكويني، ملائما للصورة المسيحية عن العالم حيث يحل الإله المشخصن محل المحرك الأول و حيث تجرى على النموذج الهيراركي التعديلات اللازمة الأخرى ليصبح ملائما للتصور اللاهوتي المصاحب للنظام الإقطاعي في أوربا العصور الوسطى.
وبالإمكان أن نلاحظ أيضا كيف أن ذلك النموذج قد تطور مع بدايات العصر الحديث ذي التكوين الرأسمالي الفردي ليصبح آلة ميكانيكية دقيقة تعمل وفقا لقوانين نيوتن ورياضيات ديكارت.
ثم كيف تطورت تلك الصورة مع بعض التطورات التي حدثت في كل من العلوم الإنسانية و المجتمع الرأسمالي الأوربي واتى تمثلت في الحس التاريخي في فهم وتفسير الظواهر من ناحية وفي فكرة التطور من الأدنى إلى الارقى من ناحية أخرى ثم في الشعور بوجود تحولات جدلية ديناميكية دائمة في الواقع المحيط من ناحية ثالثة، فرأينا في فلسفة هيجل محاولة مدهشة و جبارة في الوقت نفسه لاحتواء كل تلك التطورات في مذهبه الفلسفي الذي ربما كان آخر الأبنية الفلسفية الكلية في التاريخ.
ذلك أن الفلسفة بعد ذلك لم تعد تقيم بناءات كونية شاملة و إنما أصبحت تقتصر على منظور معين للوجود الإنساني،أو حتي لجانب من جوانبه. وقد كان تأثير ماركس ودارون وفرويد حاسما في ذلك التحول.
وكان أن ظهرت بعدئذ الفلسفات الوجودية من ناحية والوضعية( التجريبية الحسية )ثم الوضعية المنطقية( اللغوية) من ناحية أخرى.
ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولات عميقة وبالغة الأثر علي الفكر الفلسفي أو النظري عموما. أعني بذلك التحولات التي أشار إليها ليوتار في " الوضع ما بعد الحداثي" والتي تتحدد في الثورة التكنولوجية خاصة الكومبيوتر. فقد تطلبت الأبحاث الأولى في تفعيل دور الكومبيوتر التركيز على اللغة وعلاقتها بالمنطق وهي مسألة يبدو أنها كانت ذات أهمية خاصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي جعل هناك اهتماما متزايدا باللغة: نظريات اللغة؛ لغة الكومبيوتر؛ مشكلات الترجمة؛ تخزين المعلومات وبنوك البيانات؛مشكلات الاتصال والسيبرنطيقا.
 وقد كان لتلك التحولات التكنولوجية أثر كبير على المعرفة.فصغر حجم الآلات وسهولة تداولها في السوق غير من طرق اكتساب المعارف وتصنيفها وتوافرها واستثمارها.بل إن طبيعة المعرفة نفسها كما يرى ليوتار أصبحت تشهد تغيرا مع دخول المجتمعات عصر ما بعد الحداثة.فالمعارف التي لا تقبل الترجمة إلى لغة الكومبيوتر أصبحت، أو في طريقها إلى أن تصبح، خارج مجال الاهتمام. ومجالات البحث الجديدة أصبحت تتحدد بمدى إمكانية ترجمة نتائجها إلى لغة الكومبيوتر. فالمعارف الكومبيترية في طريقها إلى أن تصبح القوة الأساسية في الإنتاج.الأمر الذي يؤثر بدوره على تركيب قوة العمل. كذلك فالشركات المتعددة الجنسية، والتي بيدها اتخاذ القرارات الاستثمارية، أصبحت خارج نطاق سيطرة الدول القومية.ومعنى ذلك أن القوة والمعرفة أصبحا ببساطة جانبين لنفس المسالة الخاصة بمن يقرر ومن يعرف.
وبكلمة، أصبح معيار المعرفة ليس هو " الحقيقة" بل مدى تحقيقها للمعايير المقبولة داخل الدائرة الاجتماعية لصناع المعارف.وأصبحت تشبه في ذلك ألعاب اللغة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالحركة الفكرية لما بعد الحداثة، والتي أصبحت مهيمنة على الفضاء المعرفي، في الوقت الراهن على الأقل، جعلت موضوع نقدها الأساسي هو الأنساق الكلية أو المنظومات الفكرية الشاملة بما لا يدع ثمة مجال لبناء مذهب فلسفي بأي حال.
بل لقد انتهي ذلك الاحتمال منذ أن احتلت المعارف العلمية كافة المساحات التى كانت شاغرة من قبل ومتاحة للتأمل الفلسفي. ولم يعد أمام العقل الفلسفي سوى أن يمارس فعاليته في مجالين اثنين: أحدهما هو مجال المعنى الكلي والغاية النهائية للوجود الإنساني، و هو ما يشغله المعتقد الديني بامتياز حتى الآن على الأقل؛ والثاني هو النقد النظري للواقع بمجالاته المختلفة خاصة الثقافية منها، وهو ما أعتقد أنه ما زال مجالا مفتوحا أمام العقل العربي ليلعب فيه دورا فاعلا. بل هو في الواقع،ما أرى أن ثمة محاولات جادة ومتعمقة للشروع فيه.

وبطبيعة الحال، لن تكون ممارسة العقل النقدي في عالمنا العربي محاكاة للممارسة الأوربية كما نجدها لدى مفكري ما بعد الحداثة، لأن السياق مختلف والتساؤلات المطروحة مختلفة. رغم ذلك فالمشترك هو العقل النقدي ذاته: التفكير التحليلي التقييمى المستقل عن أية سلطة معرفية خارج نطاق معطيات مجال البحث، والذي يتناول القضايا النظرية التي يطرحها الواقع الذي نحيا فيه بخصائصه التي هو عليها.
ولما كان الفكر الديني هو الفكر المهيمن على عقولنا ووجداننا، فإنه من الطبيعي أن يكون هو موضوع الممارسة النقدية لدينا.
وقد شرع في النمو في السنوات القليلة الماضية، تيار فكري نقدي للفكر العربي الإسلامي، من ارهاصاته الأولى كتابات طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وخلف الله، ثم الجابري وحنفي والعروي في نقد العقل العربي و الفكر الإسلامي، ومن ممثليه أركون في تحليلاته النقدية للفكر الإسلامي، ونصر أبوزيد في نقده للخطاب الديني ومفهوم النص، ومحمود اسماعيل في تحليله لسوسيولوحيا الفكر الإسلامي،وسيد القمني في دراساته للأساطير المؤسسة للفكر الإسلامي، والعشماوي في نقده لتاريخ الخلافة والإسلام السياسي، وخليل عبد الكريم في كتاباته كلها تقريبا من "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" وعبر "قريش من القبيلة إلى الدولة" مرورا ب"فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" وحتى "النص المؤسس ومجتمعه"؛ وهو التيار الذي يحمل اسم "الإسلام النقدي".
 فمثل هذا التيار يعبر فعلا عن خصائص التفكير الفلسفي المعاصر والمتمثلة في العقل النقدي، والذي لو أتيح له أن ينمو ويستمر و ينتشر فربما يكون بمثابة الرافعة التي بمقدورها أن تبعدنا ولو قليلا عن الحصار الفكري لرواسب العصور الوسطى.

 

*********

د. عبدالله إبراهيم: الفلسفة والمجتمع التقليدي

 حينما يدور الحديث عن الفلسفة، يلزم التفريق بين مادة الفلسفة، وهي المفاهيم، من جهة، وبين تاريخ نشوء الفكر الفلسفي، وهو الوصف التدريجي لأعمال الفلاسفة وجهودهم وعصورهم واتجاهاتهم، من جهة ثانية. والسائد في ثقافتنا العربية، القديمة والحديثة، هو الاقتصار على معرفة جوانب متفرقة من تاريخ تطور الفكر الفلسفي، وتجنب معرفة المفاهيم الفلسفية. وبغياب فعالية المفاهيم غاب التفكير الفلسفي الحقيقي، ولم يتأسس تراث فكري جدير بإثارة السؤال، ولم يبن بعدُ منهج المساءلة في علاقاتنا وفكرنا وتصوراتنا، حتى أن مبدأ الحق شاحب، لا يعرفه أحد، ويُخشى منه، كأن الحق جناية. وبمرور الوقت نمت تبعية ذهنية، فقد وجدنا أنفسنا في منطقة فراغ فكري تتصادم فيها المقولات والمفاهيم بدون ضوابط، فلا يتم هضمها، ولا تدخل في النسيج العام للتداول الفكري، إلى ذلك فإن تواريخ الفكر الفلسفي ظلت مدرسية، ونمطية، وتلقينية، ولم تعتمد على مناهج حديثة تلم بالظاهرة الفكرية وتقاربها من شتى الجوانب، وجرى عزل بين المفاهيم وسياقاتها الثقافية، وهذا الأمر هو الذي جعل الفكر العربي كالعباءة المملوءة بالهواء.
   من الصعب القول بوجود قصدية مسبقة لتثبيت المسار الأعرج لقضية الفلسفة في ثقافتنا، وليس من المفيد الطعن في جهود المشتغلين بالفلسفة وتاريخها، لأنهم جزء من مجتمع تقليدي لا يقر بأهمية التغيرات الكبرى في حياته، ويتمسك بمسلمات لاهوتية متخيلة، ويحوم في دوائر مغلقة تؤمن له أسباب اليقين والحق، ولم يزل دون الرغبة العقلية في إثارة السؤال والشك بالمسلمات المهيمنة، وهو-كما أشرنا في أكثر من مناسبة- محكوم بنسق متماثل من القيم شبه الثابتة أو الثابتة، و يستند في تصوراته عن نفسه وعن غيره من المجتمعات إلى مرجعيات عقائدية أو عرقية ضيقة، تتحكّم بها روابط عشائرية أو مذهبية، وهذا المجتمع لم يفلح في صوغ تصورات شاملة عن نفسه وعن الآخر، فلجأ إلى الماضي في نوع من الانكفاء الذي يفسّره باعتباره تمسكا بالأصالة، وهو مجتمع أبوي- ذكوري  يتصاعد فيه دور الأب الرمزي من الأسرة، وينتهي بالأمة، ولم تتحقق فيه الشراكة التعاقدية في الحقوق والواجبات، ويخشى التغيير في بنيته الاجتماعية، ويعتبره مهددا لقيمه الخاصة؛ فالحذر قائم تجاه كل تحديث فكري، وهو مجتمع تأثيمي مشغول بلوم أفراده وثأثيمهم وتقريعهم، حينما يقدِّمون أفكارا جديدة، ويتطلعون إلى تصورات مغايرة، ويسعون إلى حقوق كاملة، فكل جديد هو نوع من الإثم، وهو مجتمع  معتصم بهوية ثقافية قارّة لا تعرف التحوّل، ولا تقرّ به، ولا تعرف معناه، وقد لاذ بتفسير ضيق ومغلق للنصوص الدينية، وصار مع الزمن خاضعا لمقولات ذلك التفسير أكثر من خضوعه للقيم الثقافية والأخلاقية والروحية للنصوص الدينية الأصلية.
    وبالإجمال هو مجتمع التي لم يتمكن بعدُ من التمييز بين الظاهرة الدينية السماوية من جهة، والشروح والتفاسير والتأويلات الأرضية التي دارت حولها، من جهة أخرى، فتوهم بأن تلك الشروح والتفاسير والتأويلات هي الدين عينه، فأضفى قدسيّة عليها، وصار يفكر بها ويتصرّف في ضوئها، وهي تفاسير وتأويلات تختلف باختلاف المذاهب والطوائف والأعراق والبلدان والثقافات والأزمان، وأنتج تصورات ضيقة عن مفهوم الحرية والمشاركة، فاعتبرهما ممارستين ينبغي عليهما أن تمتثلا لشروط النسق الثقافي السائد، وأن تتمّا في ولاء كامل لشروط البنية الثقافية التقليدية، فمفهوم الحرية ليس مشروطا بالمسؤولية الهادفة إلى المشاركة والتغيير، إنما هو مقيّد بالولاء والطاعة، وكل خروج على مبدأ الطاعة والامتثال للنسق الثقافي السائد، مهما كان هدفه، فيعدّ مروقا وضلالا، لا يهدف إلى الاصطلاح إنما التدمير؛ لأن المرجعية المعيارية للحكم على قيمة الأشياء وأهميتها وجدواها مشتقة من تصوّرات مغلقة على الذات، ومحكومة بمفاهيم مستعارة من تفسير ضيق للماضي.
      هذا- فيما نرى- هو السياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي الذي يحول دون ظهور التفكير الفلسفي بصورته الحقيقية، فلا قيمة لمفهوم فلسفي في مجتمع راكد حسم علاقته بالفكر، وقطع الصلة بينه وبين مسؤولية التفكير، ولهذا تتزايد الخلاصات المدرسية التعليمية لتاريخ الفلسفة في الجامعات والمكتبات، ولكن أثر المفاهيم الفلسفية يكاد يكون غائبا عن نظام التفكير العام، حتى أن التحولات الكبرى في مصائر المتفلسفين العرب تكشف حالة من اليأس بإزاء مجتمع يبدي صدودا كبيرا عن الانخراط في أية ممارسة تهدف إلى التفكير، فيما يتكالب بالملايين على الوعاظ والدعاة الذين يقدمون له وصفات جاهزة، ومعدّة بمزيج من الوعود والمسلّمات الأفيونية التي تعارض جوهر القيم الدينية الكبرى كالعدالة والحق والصدق والعمل والواجب والمشاركة، فيتوهم بأنه خطا نحو الحقيقة واليقين بوساطتهم، ويعود ذلك إلى أن مجتمعاتنا مازالت رهينة حالة التباس معقدة، وقد وقعت في المنطقة السرابية التي تضخم الوعود، وتنفخ في المطلقات، ولا تلتفت لأي صوت يدعو لإعمال الفكر.
      التفكير الفلسفي لم تتوفر له بعد الشروط والسياقات ليأخذ معناه وقيمته، وليؤدي وظيفته. يخفق الفكر والعاملون في مجالاته حينما يطفون عائمين في سياق ضبابي من الرفض والعداء العام الموجّه ضد زحزحة المسلّمات الكبرى، فتضيع الجهود مهما كانت قيمتها لأنها لا تنخرط في فعالية التغيير المطلوبة. وفي مجتمع صادرته النخب الدينية والسياسية والعسكرية والعشائرية والطائفية ذات الميول التقليدية والمحافظة والطامحة إلى الهيمنة المطلقة على مقدراته، والحيلولة دون انفراط عقد الطاعة العمياء له، لا يمكن السماح بفكر الاختلاف، ولا طرح سؤال الحق، ولا إشاعة مفهوم الشراكة، وبما أن الفلسفة تعتمد على سلطة العقل والتفكير بدلالتها المنفتحة والحرة، فليس لها وجود في فضاء جرى تأميمه لصالح تلك النخب، ودمّرت كل المقومات التي يمكن أن تكون ركائز للفكر الفلسفي الحقيقي.
      من أجل أن تتضح هذه المقاصد، أجد من الطريف أن أعرّج باختصار إلى عرض تصوّر للفلسفة والعلم والفن يعدّ من آخر ما توصلت إليه الفلسفة الغربية في نهاية القرن العشرين، ليس بهدف تقديم ذلك التصور بذاته، إنما من أجل أن نتبين فيما إذا كانت مجتمعاتنا تهتم بهذا التصور وأمثاله، أم أنه يعتبر، بالنسبة لها، ترفا ثقافيا محضا، لا صلة له بالاحتقانات والتوترات الاجتماعية الخاصة بمجتمعاتنا، يقوم به مثقفون يتفلسفون عابثين فحسب. فقد شغل "جيل دولوز"و"فليكس غتّاري" بتقديم تصوّر شامل للأشكال الثلاثة الكبرى للفهم الإنساني، وهي: الفلسفة، والعلم، والفن. الشكل الأول: إنما هو تفكير بالمفاهيم، والثاني: تفكير بالوظائف، والأخير: تفكير بالأحاسيس، وبذلك تظهر ثلاثة أنواع من التفكير، تتقاطع وتتشابك، ولكن بدون تركيب ولا تماثل متماهٍ فيما بينها؛ فالفلسفة تحقّق انبثاق أحداث مرفقة بمفاهيمها، والفن يقيم نُصباً مرفقة باحساساتها، والعلم يبني حالات للأشياء مرفقة بوظائفها، فيمكن إنشاء نسيج غنيّ من الترابطات بين المسطّحات المذكورة، ولكن لشبكة المسطّحات الثلاثة هذه نقاطها الذروية، حيث يصبح الإحساس نفسه مفهوما أو وظيفة، ويصبح المفهوم وظيفة أو إحساسا، والوظيفة إحساسا أو مفهوما، لا يظهر كل عنصر دون أن يتمكّن الآخر من القدرة أيضاً على الحضور، وهو لا يزال بعد غير محدود وغير معروف. كل عنصر مبدع على مسطح يستدعي عناصر أخرى متنافرة يجب إبداعها على المسطّحات الأخرى، ذلك هو الفكر باعتباره تكويناً لا تماثلياً.
    ولكن كيف تتجلّى الفروقات بين هذه الأشكال الكبرى المتقاطعة والمتشابكة والمتوازية في آن دون أن تتداخل في تركيب واحد ؟ إنَّها تتجلّى بنوع علاقتها بالسديم، فالفلسفة تريد إنقاذ اللامتناهي بإعطائه تكثيفاً؛ فهي ترسم مسطّح محايثة، يحمل إلى اللامتناهي أحداثا أو مفاهيم تكثيفية بفعل شخصيات مفهومية. أما العلم فعلى العكس من ذلك، إنَّه يتخلى عن اللامتناهي ليفوز بالمرجع، فهو يرسم مسطّحاً من الإحداثيّات لكنها غير محدّدة، هذا المسطّح يحدّد كلّ مرّة حالات معيّنة للأشياء، وظائف أو قضايا مرجعية، تحت تأثير ملاحظين فرديين. أما الفن فيريد خلق متناه يعيد إعطاء اللامتناهي، وذلك برسم مسطّح تركيب، يحمل بدوره نُصباً أو احساسات مركّبة، بفعل صور جمالية.
   يلاحظ أنَّ "دولوز" و "غتّاري" يشدّدان على الإحساس بجوانبه الانفعالية والإدراكية كلّما دار الحديث عن الفن، ومنه الأدب، ولهذا فالسرد التخيّلي الإبداعي بالنسبة لهما إنما يتشكّل من جملة الأحاسيس التي يثيرها المرجع في نفس المبدع، فهو لا ينقل خبراً ولا ذكرى، إنما تأثيراتهما فيه، فالمبدع هو مُبرز المؤثرات الانفعالية ومخترعها ومبدعها، وذلك بإدراجها في علاقة مع المؤثرات الإدراكية، وهو يشرك المتلقّي فيها، فيصير جزءاً من تركيبها. ففي الرواية ليس المهم آراء الشخصيات وفق نماذجها الاجتماعية وأنماطها، إنما المهم هو ما يصطلح عليه بـ"علاقات الطباق الاختلافي" التي تدخل فيها الآراء، ومركّبات الأحاسيس التي تعانيها هذه الشخصيات نفسها أو تدفع للشعور بها، في صيروراتها وفي رؤاها، فـ" الطباق الاختلافي" لا يستخدم لتقريب المحادثات، الحقيقية أو الوهمية،  وإنما لإبراز الجنون في كل محادثة، في كل حوار، حتى ولو كان داخلياً.
     هذا التصور الذي يؤسس لفلسفة الاختلاف كخيار لمستقبل الفكر الإنساني لا مكان له في مجتمعات عُلّمت لتجعل من الاختلاف سبّة وخطأ، فغياب الأرضية الثقافية والعلمية والسياسية يجعل من هذا التصور بلا معنى في مجتمعاتنا، في حين أن هذا التصور نفسه في مجتمعات توفرت لها البنية الثقافية المتنوعة يعد كشفا تتضافر فيه الأشكال الكبرى للفكر الإنساني المجرد والتجريبي والرمزي.

******************


أساتذة الفلسفة المصريون يختلفون فى تقييمها.. غير أنهم يتفقون على أن المناخ السائد لا يشجع على إنتاجها:

الفلسفة العربية عمليات نقل عن الغرب وفى أفضل الأحوال مجرد اجتهادات

 


ياسر عبد الحافظ من القاهرة: اعتدت دائما التفكير فى الحياة على أنها أسخف الطرق التى نسلكها فى رحلتنا للموت! فيما بعد أدركت أن تلك ليست نظرة أصيلة بقدر ما أنتجها واقع لا يحاول العائشون فيه إدراك أى مغزى للحدوتة الضخمة التى نحيا داخلها، وكأنها ستستمر للأبد فليس هاما إذا أن نقوم على التفكير فيها حالا، فالوقت ممتد ...لا داعى للعجلة. 
أحب دائما التفكير على أن هذا هو الاختلاف الأساسى بين عالمين -لا يمكننا أن نكف عن عقد المقارنات بينهما- الطريق الذى يسير عليه الغرب مثالي فى كل شئ،صحي ونظيف ومتحضر، تكسو الخضرة أرضه،ويطير الأطفال ببالوناتهم فوقه مثلما رسم مارك شاجال، بينما طريقنا مظلم وخانق تزعق الأشباح فى جوانبه، وتطارد الخفافيش السائرون فيه،وهم لا يكترثون.
نحن لسنا متخلفين فقط،إنما المصيبة الأعظم أننا لا ندرك هذا، لا نعرف إلى أى مدى وصلنا، والأكثر إثارة للسخرية أننا نتعامل مع الأكثر تقدما وعلما ومعرفة باستعلاء على اعتبار أن له الدنيا ولنا ما بعد ذلك وهو  لا نهائى فى كل متعه. ترى هل ينال الجمال من أحب القبح؟
نحن لسنا فى حاجة إلى دراسات مطولة تشرح حالنا وحالهم ذلك أن هناك كلمة واحدة كفيلة بالإجابة: الفلسفة.
الحياة والفلسفة..العارفون يعتقدون أنه لا يمكن الفصل بينهما، يروون أن كل كلمة منهما دالة على الأخرى، ولتقريب الأمر نشير إلى أحد تعريفات الفلسفة المبدئية والذى تم الإجماع عليه وأورده مراد وهبه فى"المعجم الفلسفى" نقلا عن الكندى، والتعريف ينقسم إلى ستة أجزاء:
 فأولا الفلسفة تعنى حب الحكمة، لأن فيلسوف مركب من "فلا" وهى محب، و "سوفا" أى الحكمة. أما فعل الفلسفة فهو التشبه بأفعال الله تعالى، فبقدر طاقة الإنسان لابد أن يكون كامل الفضيلة. أيضا هى تعنى العناية بالموت، والموت هنا بمعنى إماتة الشهوات، لأن هذا هو السبيل إلى الفضيلة ولذلك قال كثير من أجلة القدماء:اللذة شر. بمعنى أنه إذا كان للنفس استعمالان أحدهما حسى والآخر عقلى فقد عرف الناس اللذة على أنها ما يتناول فى الإحساس لأن التشاغل باللذات الحسية ترك لاستعمال العقل.
الفلسفة كذلك بحسب التعريف هى صناعة الصناعات وحكمة الحكم.
 والفلسفة وذلك هو الأهم: معرفة الإنسان نفسه. وأخيرا موضوع الفلسفة هو:علم الأشياء الأبدية الكلية، بقدر طاقة كل واحد.
وبمعنى أبسط كثيرا طرحه جوستاين جاردر فى عمله الرائع"عالم صوفى": إن أفضل وسيلة لمقاربة الفلسفة هى طرح عدة أسئلة فلسفية: كيف خلق الكون؟ هل وراء كل ما يحدث إرادة أم حس؟ هل توجد حياة أخرى بعد الموت؟ ودون أن ننسى هذا كله، كيف يجب أن نعيش؟

 

الدين والسياسة والقداسة

ليست هناك حاجة بالطبع للتدليل على أننا لا نتقن أى من مجالات الفلسفة: التفكير بلا حدود فى كل شئ، الحكمة، الفضيلة...وبالتالى فنحن لا نعرف كيف نحيا!
السؤال عن غياب الفلسفة إذا هو سؤال عن غياب الشكل الأمثل للحياة.
إيلاف سألت بعض أساتذة الفلسفة المصريين حول هذا، كيف نفسر ذلك الاختفاء، والمجتمع المصرى بشكل خاص والعربى بشكل عام فى حاجة إلى طرح مئات الأسئلة؟ والملاحظ فى الإجابات التى تلقيناها أن أصحابها لم يفصلوا بين الحالة المصرية والعربية، فحالة أيهما فى الأغلب تعنى الآخر.

يقول د.صلاح قنصوة: المصريين يقولون عن الفلسفة"فلحسة" ورأيى أنه مصطلح صحيح فهو يعنى الإلحاح فى السؤال، الفلسفة إلحاح فى السؤال وإصرار عليه وليس الاستقرار على إجابة. إذا لم نكن نملك القدرة على السؤال بما يعنى رفض المسلمات والإجابات الجاهزة فبدون هذا لا توجد فلسفة. والعالم الشرقى أو العربى أو الاسلامى وكلها مسميات لكيان واحد اعتاد وألف من فترة طويلة ومنذ نشأ الإجابات الجاهزة فكان من الصعب عليه أن يوجه سؤالا ويلح فى طلب الإجابة عليه.
الفلسفة الإسلامية لم تطرح أسئلة جديدة بل أفادت من الإجابات اليونانية، يمكننا تسمية ما حدث" أسلمة الفلسفة"...أخذنا الأسئلة وإجاباتها ووظفناها لخدمة القضايا التى نواجهها، وهذا نحن شطار فيه، فى الركون إلى الدعة والسكون والاستسلام وإيثار العافية.
السبب الرئيسى فى هذا يعود فى ظنى إلى أن السياسة عندنا فى الإسلام اصطبغت بالقداسة، بدأ ذلك من عهد أبو بكر، هو الذى شق طريق الخلط بين الدين والسياسة بمعنى أنه ربط ممارسته للسياسة بنصوص الدين، فمثلا عندما منع فاطمة من ميراثها لأسباب معروفة قال" الأنبياء لا يورثون" وهذا خلط لأننا هنا نتحدث عن مواطن مسلم وهو لم يتعامل معها على هذا الأساس.
كذلك سنجد أنه دخل حروب الردة لأنهم رفضوا منحه الزكاة، هو هنا حول الزكاة من فريضة دينية إلى ضريبة خاصة بالدولة وسمح لنفسه فى سبيل هذا أن يريق دماء لا حصر لها، رغم أن الإسلام نهى عن الاقتتال بين المسلمين. هذا خطأ بالغ.
كانت نتيجة هذا وما تلاه من ممارسات أن المناخ السياسى السائد منع التفكير فكل ما له علاقة بالفكر اصطبغ بالقداسة، وشئ خطير جدا أن يتحول الكاتب الذى يمتهن الفكر إلى مبرر لما يحدث فوقتها لن تكون هناك فلسفة صادقة، الفلسفة دائما فى حاجة إلى نوع من العراك الفكرى، هى سوق لكل المنتجات لا يوجد فيها ما هو محرم، وهذا لا يعنى الخروج على الدين أو ما يسمونه بالثوابت.
نحن لم نأت بجديد فى الفلسفة، لدينا منشئين لا مبدعين، وأقصى ما بلغوه هو الارتباط بالفكر الناجح فى الغرب، ومحاولة ترويجه وتطبيقه على مشكلات صغيرة، لم يشق أحدا طريقا جديدا، أو يقيم مذهبا مختلفا، أنا لا اصطنع ما يسمى بالغرب والشرق، إنما الفلسفة ببساطة فى حاجة لكثير من الجدل والنقاش لكى تنضج والمناخ السائد قائم على سقف منخفض، لا يمكن ممارسة الفلسفة فى ظل مناخ كهذا.

التحريم مستمر

ويرى د. أنور مغيث: أن هناك أسباب عديدة لذلك أولها غياب حرية الرأى، فلن يقدم الفيلسوف إنتاجا فى ظل المحاذير، لابد أن يعمل وهو مطمئن وقتها سيترك لتأملاته محاولة الوصول لأغوار الحقيقة.
 فى الفلسفة لا توجد وجهات نظر متعارضة أو متناقضة، ما يميز فيلسوف عن غيره هى زوايا النظر وأنه يصل إلى أقصى الحدود بالمنظور الذى يتأمل منه كل شئ، لا يفعل هذا إلا من تربى فى مجتمع يكفل حرية الرأى والاعتقاد.
السبب الثانى يتعلق بالعلم، فنحن نحيا فى مجتمع متخلف، والفلسفة لا توجد إلا بجانب التقدم العلمى، يعنى واحدة من مهماتها رصد التطور وتحدياته والمقارنة بينه وبين التاريخ، تتأمل الفلسفة التحديات التى تنتج عن التطور العلمى.
ومن الأسباب أيضا، غياب الديمقراطية، والمشاركة السياسية، والحرية الاجتماعية.
غير أنه يبقى أن واحدا من أهم المسببات لغياب الفلسفة عن عالمنا العربى أنه تم تحريمها كما هو معروف فى نهاية القرن الخامس، وذلك على يد الغزالى عندما حرم القول بقدم العالم، وحرم الجدل فى الكلام الذى يقال عن حشر الأرواح فقط، أو إنكار الميعاد واعتبر ذلك خروجا عن الدين.
من وقتها ولا توجد لدينا فلسفة، نعم يتم تدريسها فى المدارس وأقسام الجامعات لكن ذلك لا يعبر عن أننا تجاوزنا التحريم، نحن لا نشعر بقيمة الفلسفة أو أنه من الصواب أن نعود إليها.

قوالب فارغة

د. مجدى عبد الحافظ يرى أن المسألة بسيطة: من ينتج العلم والمعرفة ينتج الفلسفة ونحن توقفنا عن إنتاج كليهما، منذ عدة قرون ونحن مستهلكين فقط.
يرى عبد الحافظ أننا اشتغلنا على ما قدمه الغرب، أعدنا تسويق الأفكار الغربية فى الشرق، هو يرى أن الأخذ عن الغرب ليس سيئا إنما السيئ هو إعادة إنتاج أفكاره كما هى، فتلك الأفكار التى تلعب دورا أبستمولوجى وايديولوجى صحيح فى ثقافتها، وداخل منظومة كاملة فى السياق الغربى، لا تؤدى نفس الدور لدينا، ما نفعله على حد تعبيره أننا نضعها فى قوالب فارغة دون أن نفهم أن تلك القوالب قد لا تناسبنا، مثلما فعلنا مع الماركسية فبدلا من تأمل الواقع ووضع حلول لمشكلاته فإننا نبدأ فى استيراد موديلات جاهزة.
سألته: هل المشكلة فى العقل الإسلامى.. فى طريقة تفكيره؟
فقال إن هذا الكلام مرفوض، فقد قاله قبلا أرنستو رينان، وهو تصنيف عنصرى فقد قسم العقول إلى عقل سامى وأخر عالى، الأول والذى ينتمى إليه العرب حسب نظريته لا يستطيع الوصول إلى المجردات والميتافيزيقا، بينما يستطيع العقل الغربى هذا. وهى مقولة غذت النزعة فى السيطرة الاستعمارية لأنهم كانوا يقولوا نحن جئنا لنلقنكم الحضارة.
هذه النظرية ثبت أنه لا أساس علمى لها، العقل واحد، له تمظهرات مختلفة بالطبع تبعا للزمان والمكان، إنما فى النهاية لا يوجد شئ اسمه العقل المسيحى والعقل الإسلامى، أو الشرقى والغربى. لأنه لو كان الأمر كذلك فإذن لا فائدة من عملك على الإطلاق، والأسهل أن تدعهم يحتلوك.

الجدلية العربية

 وتختلف د. زينب الخضيرى مع الآراء التى قيلت وتخصص كلامها عن الحالة المصرية، تقول:طبعا الفكرة السائدة عموما هى أن مصر لم تشارك فى بناء الفلسفة وحتى طوال فترة الحضارة الإسلامية لكن هذا غير صحيح، ابن خلدون جاء من المغرب العربى وعاش فى مصر الربع الأخير من حياته كتب خلالها السيرة الأخيرة للمقدمة، وكتاب العبر، وكان له تلامذة عديدين منهم المقريزى، والخط الخلدونى مستمر فى مصر، مازال هناك فلاسفة مجتمع وفلاسفة دين يتبعون منهجه للآن.
هناك مثل آخر نجده فى دراسة الأب قنواتى عنوانه "دور المسيحيين فى الفلسفة العربية" وشق كبير منه يرصد دور المسيحيين المصريين والجهد الذى بذلوه، العقل المصرى والعربى كان مبدعا دائما. نحن فقط الذين نميل للكسل، ونأخذ قشور كلام المستشرقين، لا نقوم بجهد متصل، ليس لدينا " تيم وورك" يشتغل على منجزنا فى الفلسفة.
أنا صدر لى فى سلسلة الذخائر كتاب اسمه" الفلاكة والمتفلكون" لكاتب اسمه الدلجى توفى قبل مجئ الحملة الفرنسية، والفلاكة هى الفقر والمتفلكون هم المهمشون، يمكننا من خلال الكتاب أن نرى الوعى بكل المشاكل الفلسفية وكأننا نقرأ هيجل أو ماركس، وأنا أجرؤ على القول بأن ما كتبه هذا الرجل هو تحليل جدلى سبق به ما كتبه الغرب.
علينا تأمل منجزنا بشيء من الجدية: محمد عبده قدم جهدا فلسفيا كبيرا فقد حاول أن يجدد علم الكلام، من ذلك على سبيل المثال تفسير المنار الذى قدمه للقرآن،هناك مصطفى عبد الرازق ومجهوده، طه حسين وما قدمه فى "الشعر الجاهلى" وفى "أحاديث الأربعاء" هذا أساسا منهج فلسفى. هناك أيضا جمال حمدان وجهده فى "عبقرية مصر" وربطه بين التاريخ والجغرافيا.
ربما لا يكون لدينا أنساقا كاملة إنما حتى الفلاسفة فى الغرب لا توجد لديهم تلك الأنساق الكاملة!
هناك أمثلة عديدة لكن المشكلة الحقيقية تكمن فى أن السياسة استوعبتنا، وضغوطها لا تمنحنا الفرصة للتفلسف.
 والواقع أنه لم يعد لدينا إبداع فى النصف الأخير من القرن العشرين، رغم أننا نحيا مرحلة مفعمة بالحيوية..صراع الحضارات، أحداث 11 سبتمبر، احتلال العراق، وبالطبع قضية فلسطين..كل هذا فى حاجة إلى تفكير...ماالذى علينا أن نفعله، هذه الظروف والمشكلات بإمكانها تفجير تيارات فلسفية.لكننا للأسف اكتفينا منذ فترة بشرح وتقديم المدارس الفلسفية الغربية وحتى ذلك لم نعد بقادرين عليه، عبد الرحمن بدوى كان له إضافة فى الوجودية، حاول أن يستكملها فلا نستطيع انكار أن عنده اجتهادات فلسفية. أساتذة ذلك العصر كانوا يقومون بالتعريف بأى تيار فلسفى يظهر فى الغرب ويعملوا على نقده، والنقد نوع من الفلسفة. أما الآن فالأساتذة يكتفوا بكتابة المذكرات والشرح المدرسى.
نعم هناك تقصير كبير نلام عليه بشدة، وعذرنا الوحيد أن الظروف صعبة!

نهاية عصر المذاهب

ويتفق د. عبد الغفار مكاوى مع ما ذهبت إليه زينب الخضيرى، يقول:لدينا اجتهادات فلسفية، إنما لا توجد مذاهب، وهذا لم يعد مطلوبا. بمعنى أن هذا العصر ليس عصر المذاهب الكاملة..كان ذلك مطلوبا فى القرن الثامن والتاسع عشر لأنه كان يلبى احتياجات ذلك الزمان، الفيلسوف كان عليه أن يجيب عن كل شئ، هيجل، ماركس..كل فيلسوف فى ذلك الوقت كان حريصا على وجود فكرة محورية تدور حولها نظرته للحياة بكل ما فيها: القيم والسياسة والاقتصاد والجمال. أما الآن فالفلاسفة المعاصرون الوجوديون والبنيويون كلهم ضد فكرة المذهب الكامل.
اتصالا بسؤالك دارت مناقشة يوما بينى وبين زكى نجيب محمود كان هو يقول أنه لا توجد لدينا فلسفة، قلت له: أنت أكبر دليل على وجود الفلسفة.
 أقول لك أنه علينا أن نحمد الله على الاجتهادات العربية وهى عديدة: فؤاد زكريا، عابد الجابرى، محمد الحبابى، أنا لى اجتهادات متواضعة، حسن حنفى له اجتهاداته، نصر أبو زيد. نحن نحاول التخلص من السيول التى تهل علينا من الخارج ونجتهد لابتكار أفكارنا إنما للأسف لا يوجد من يرصد ويتابع ويكتب عن تلك الاجتهادات ويعرضها للناس. لا نريد أن نقلل من أنفسنا فنقول أنه لا توجد فلسفة عربية من أيام ابن رشد هذا ليس صحيحا.

التيارات المصرية

المفكر محمود أمين العالم: لا أوافق على صيغة السؤال التى تنفى وجود فلسفة عربية الآن.
وأبدأ من رأى جرامشى الفيلسوف الإيطالى فهو يرى أن كل إنسان فيلسوف. ينتج فلسفته من: ثمرة خبرته، قراءاته، ما تضخه فى رأسه الحكومة أو السلطان.
إنما المشكلة هى فى السؤال: ما هى الفلسفة؟ هل هى التى تربط بها الأمور وبالتالى تصل إلى نظرية معينة ورؤية للعالم من خلال عينيك، أم الفلسفة التى هى رأيك والتى تشكل رؤيتك للعالم قد ضخت فى رأسك عن طريق وسائل الإعلام والمدرسة، والسياسات العامة للدولة التى تريد أن تفرض عليك فلسفتها.
لا شك أن لكل دولة رؤيتها وفلسفتها التى تريد أن تفرضها على البشر، ولهذا فهى تحكم بالبوليس والجيش وأيضا بالفلسفة.
 وبالتالى فالفلسفة ضرورية ولابد أن تكون متواجدة دوما لفرز ما هو مفروض لمصلحة السلطة، وما ينبغى أن يكون لتشكيل رؤية صحيحة للعالم والحياة ويتحقق بها تطور الإنسان ويتجدد الفكر وتتأكد روح الإبداع ويصبح فكرك ليس تكرارا لما تقوله وتفرضه السلطة أو استمرارا جامدا للماضى على رأى بعض الاتجاهات الدينية المتزمتة التى تقول لن "يصلح حاضرنا إلا بما صلح به ماضينا" وبالتالى معركة الفكر فى المجتمع هى معركة الفلسفة. هى معركة نعيشها فى كل لحظة لتفريق الحق من الباطل.
معركة العالم الآن فلسفية، الآن العالم كله يعانى من الهيمنة ليس العسكرية فقط وإنما كذلك الفلسفية، باسم الديمقراطية واسم السلام العالمي والاستقرار والبحث عن أسلحة الدمار الشامل. كلها مسائل فلسفية. عليك أن تواجهها بفلسفة أخرى وهى فلسفة السلام الحقيقى النابعة من ذاتيتك، بفلسفة العدالة.
ويرصد محمود العالم- وتطبيقا على نظريته بالوجود الدائم غير المنظور للفلسفة- ثلاثة أشكال من الفلسفة تتصارع فى مصر:
1:  فلسفة السلطة التى تريد أن تسيد رؤية معينة
2:فلسفة تصوغها الاتجاهات الدينية السلفية
3:فكر دينى أكثر تقدما، عقلانى يسعى إلى كشف رؤية موضوعية للواقع وتفسيرها بشكل عقلانى وتوجيهها لمصلحة التقدم.
ويرى أن هناك تيارات أخرى، غير أن وجودها ليس بقوة التيارات السابقة منها: الفكر العقلانى العلمى والذى ينظر إلى الوجود نظرة وجودية ويحاول بمقتضاها تطوير الحياة. مادية تاريخية ماركسية وهى عقلانية تقوم على تحليل الواقع المادى الموضوعى فى تناقضاته وتربط المعرفة العقلية بضروة العمل فهى رؤية تغييرية مستقبلية وموضوعية، هى رؤية شاملة ومناضلة من اجل التغيير.
 ويرصد كذلك مدارس أخرى فرعية كالظاهراتية الإسلامية عند حسن حنفى. وهناك اتجاهات فوضوية كذلك. وفلسفة قومية يمثلها الناصريون الذين يتحدثون عن الوحدة العربية ولا يفعلون إلا كل ما هو ضد الوحدة والدين، فلسفة عملية جدا برجماتية تتغير حسب مصلحتها، وهى وضعية تنظر للأمور بشكل جزئى وتكريسية للواقع، قشرية تريد السيطرة على الفكر وتمييعه وإخضاعه لهدفها ونحن فى مواجهتها نريد أن ننمى سلطة الفلسفة العقلانية.

ناقلون ليس أكثر

ويرى د. حسن طلب أن:الفلسفة هى خلاصة نهضة وازدهار، بمعنى أنه لابد أن تزدهر العلوم، فالتفلسف يعتمد على سيادة مبدأ العقل، على الفصل بين الدين والدولة. أما المجتمعات التى يسود فيها الفكر الدينى وحده ويصبح هو المعيار للصواب والخطأ وهو الغاية فلا تصنع فلسفة.
يقول:كان لدينا بوادر لقيام مشروع عقلانى ينهض بالمجتمع، بعد محمد على والاحتكاك بالغرب بدأت محاولات لبعث هذا المشروع تمثلت فى نقل أمهات الكتب الفلسفية القديمة، بدأ أحمد لطفى السيد فى نقل أعمال أرسطو للعربية: السياسة، الأخلاق، الطبيعة. ثم توالت بعده ترجمات أخرى. وهى كتب هامة غير أن الفلسفة اليونانية وحدها لم تكن كافية، وقد توقفت هذه المحاولات ولم تتم.
إلى الآن نحن لم ننقل أمهات الكتب التى خرجت فى عصر التنوير..هذا العصر الذى كان عصر النقد، نقد السلطة الدينية والسياسية، من ديكارت إلى فولتير. نحن حتى لم يصلنا التغير الذى لحق بمعنى كلمة هرطقة، فهى بعدما كانت تعنى التشكيك فى الدين تحولت لتصف المتزمت الذى" يهرطق ضد الحداثة".
نحن كنا قد بدأنا فى القرن الثالث الهجرى والقرن الرابع، الفترة الذهبية فى عمر العرب، كنا على وشك أن نخطو فى اتجاه تأسيس مذاهب فلسفية لأن شروط العمل الفلسفى كانت متحققة وقتها...والإنتاج وقتها يثبت هذا، مثلا نجد ابن الراوندى يؤلف كتابا عنوانه" الزمردة" يقول فيه أن القرآن غلط! بالطبع ليس المقصود هدم الدين وإنما الشك فى كل شئ، وطرف آخر يتولى الرد.
الغرب ترجم كتب العرب ابن سينا والبيرونى وغيرهما وبدأ فى التأسيس عليها، أما نحن! الآن تجد من يصرخ خوفا من التغريب والغزو الثقافى، وهذا كلام لا معنى له، لأنه لا أحد يجبرنا على ترجمة شئ أو تعلم شئ لكننا إن لم نفعل ذلك سنتخلف... هكذا ببساطة.
ويرى طلب أن ما يطلق عله البعض اجتهادات مصرية أو عربية فى العصر الحديث ليست إلا عمليات نقل، يقول: أساتذة كبار ليس لديهم مناهج إنما عمليات نقل...زكى نجيب محمود ينقل المنهج الوضعى المنطقى، عبد الرحمن بدوى ينقل الرؤية الوجودية الملحدة، زكريا إبراهيم ينقل الوجودية المؤمنة.
و الأجيال الجديدة تنقل كذلك، الاختلاف فقط فى أنها تنقل الاتجاهات الأحدث. مثلا فى المغرب يتخصص الحبابى فى منهج الشخصانية، الجابرى يأخذ عن فوكو ليعالج بنية الثقافة العربية.
المشكلة أن هذا النقل لا يحدث باعتباره خطوة مؤقتة يتم بعدها تأسيس منهج خاص إنما هى تتم باعتبارها كل شئ. والمشكلة الأخرى أنه بينما كان الجيل السابق ينقل بأمانة فإن الجيل الحالى باستثناءات بسيطة لا يلتزم بتلك الأمانة، كما أنه و على عكس الجيل الأول أيضا فإن الجيل الحالى يتميز بلغه عربية ضعيفة، وعدم إتقان للغة التى ينقل عنها !
المحصلة النهائية أننا لم نتجاوز مرحلة النقل بعد، كما أن بنية المجتمع ترفع فوق رقابنا عدة سيوف وليس سيف الدين وحده، بينما من المفروض ألا يحكم الفلسفة سوى سلطة العقل والحرية المطلقة. القاعدة العريضة من الناس تؤمن بالخرافة وتحافظ السلطة السياسية على هذا لأنها لا تريد انتشار الوعى.
النقطة الأخرى أننا لم نقدم التضحيات التى قدمها الغرب، نحن قدمنا أفرادا، قارن بين ذلك وما قدمه الغرب من محاكم تفتيش ومحارق للكتب. هناك معارك لابد أن تخاض، هم قدموا مئات الألوف لكى يؤسسوا مجتمعاتهم، وليس ضروريا أن نقدم هذه التضحيات كلها فالزمن قد اختلف، نستطيع بأقل الخسائر أن نحصل على ما نريد.


تذييل:
رغم أن العديد من أساتذة الفلسفة يتفقون على أن العالم العربى لم يضع مذاهب فى الفلسفة وأنه ليس أكثر من ناقل لها، فإن آخرون يعتقدون أنه لو قدر لحالة النشاط الفلسفى التى عاشتها مصر منذ الأربعينيات وإلى السبعينيات تقريبا أن تستمر لكنا نشهد الآن بداية تكون مدارس واتجاهات فلسفية عربية. غير أن ما حدث هو اقطاع فجائى عن متابعة ونقل الاتجاهات الفلسفية فى العالم، وبالتالى توقف التفاعل مع هذا المجال تماما مع استثناءات نادرة لا يتابعها أحد من الجمهور ولا يتوقف أمامها أحد بالنقد والمناقشة.
شهدت مصر نهضة فلسفية بدأت منذ العشرينات، وخير دليل على ذلك تلك المعارك الكبرى التى اشتعلت حول قضية من القضايا. بدأت اولى تلك المعارك حول الدين والعلم، وهى دارات أولا حول نظرية التطور لكنها لم تتوقف عند تلك النقطة طويلا ذلك أن الاتجاهات الفكرية المختلفة سلمت كلها تقريبا بتلك النظرية والاختلاف الوحيد أن كل طرف كان يحاول استخدامها للتدليل على صحة النظرية التى ينتسب إليها، فالرأسمالية والليبرالية من جانب والاشتراكية من جانب آخر كل يقول بأن عملية تطور المجتمع تثبت أن نظريته هى الحل الأمثل والملائم للمجتمع.
تطورت المواجهة لتصبح جدلا حول الدين والعلم وهذا مع صدور كتاب محمد فريد وجدى" على أطلال المذهب المادى" والذى اعلن فيه أن الفلسفة الغربية تتجه الآن إلى الروحانيات، وأن ذلك يعنى نهاية المذهب المادى، وكان هناك فى مواجهة هذا الزعم..سلامة موسى، اسماعيل مظهر، عصام الدين حفنى ناصف، الذين يدعوون للعقلانية فى مواجهة الروحانية.
المعركة الثانية دارت فى الأربعينيات بين العقاد والماركسيين والتى قامت بعد كتاب العقاد "فى بيتى" والذى شبه فيه الماركسية بالنازية، رد عليه أبو سيف يوسف فى كتاب "رد على العقاد" وكان بجانبه محمود أمين العالم، محمد مهدى صادق، أحمد صادق سعد.
فى الستينيات اشتعل النقاش حول النظام الفكرى والفلسفى الذى ينبغى أن تسير عليه مصر. كان هناك ثلاث اتجاهات رئيسية، الأول يقول باشتراكية علمية، والآخر وتزعمه زكى نجيب محمود نادى ببراجماتية تكنوقراطية، والاتجاه الثالث وهو الوسط فقال بأنه لابد من الحياد الفلسفى مبررا بأنه طالما طبقت مصر الحياد السياسى بين الشرق والغرب فلابد من حياد بين الفلسفة المادية والمادية.
استمرت تلك المعركة طويلا ودون حسم، ومعظم المقالات التى تناولتها كانت تنشر فى مجلة" الفكر المعاصر" والعنوان الأساسى لتلك المعركة الضخمة كان: بأى فلسفة نسير؟ ومن خلالها تم عرض كل الآراء الفلسفية لماركس وهيجل ونيتشة..........، بتوسع وتحليل وليس مجرد نقل لنظرياتهم.
المعركة الأخيرة والتى لا زالت مستمرة للآن حول الهوية والأنا والآخر، بدأت فى السبعينيات مع بداية عصر السادات، ونهاية  التصور الذى وضعته ثورة يوليو بأن الآخر هو الاستعمار، غير أن الجدل حول هذه العلاقة والذى بدأ كقضية فلسفية أخذ يفقد طابعه هذا بمرور الوقت ليصبح قضية فكرية.
الاهتمام بالفلسفة فى الستينيات كان واضحا من خلال الكتب اللفسفية التى يقبل الجمهور عليها، والتى أثار العديد منها جدلا كبيرا، أهمها كان "خرافة الميتافيزيقا" لزكى نجيب محمود والذى انتقد فيه الاتجاهات الدينية التى لا تعتمد على العقل، واصفا إياها بأنه كلام فارغ لا معنى له. وهو الكتاب الذى أثار حوله جدلا طويلا ليس من قبل المتدينين فقط وإنما أيضا من جانب الماركسيين، فقد رفضوا مطالبة محمود بتفكيك الدولة إلى مؤسساتها التقليدية، قالوا بأن هذه الدعوة لا تصب إلا فى مصلحة الاستعمار.
كان للمجتمع فى الستينيات اهتماما ما بالفلسفة، بدأ ذلك فى منتصف الخمسينيات مع انتشار الوجودية عن طريق الأدب من خلال أعمال البير كامو وسارتر...، الجدل حول الوجودية فى المجتمع المصرى استمر إلى منتصف الستينيات حتى زيارة سارتر لمصر وزيارته للسد العالى والأهرامات، وتتويجها بالكتاب الذى صدر عنه" سارتر مفكرا وإنسانا".
انتشار الفلسفة لم يكن مرتبطا بالكتب فقط وإنما كذلك بمجلة الفكر المعاصر والتى صدرت فى منتصف الستينيات  واستمر صدورها لعشر سنوات متتالية.
الآن لا يوجد فى مصر مجلة فلسفية تصدر بانتظام، فقد توقفت مجلة الجمعية الفلسفية بعد أن اصدرت 6 أعداد، ومجلة الفلسفة والعصر التى تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة لم يصدر منها سوى عددين خلال عامين.
مرت عشرون عاما لم يصدر خلالها كتاب فلسفى فى مصر يثير ضجة، صدر كتابين هامين دون أن يشعر بهما أحد" "فلسفة المرآة" لمحمود رجب،" الطاغية" لإمام عبد الفتاح.
أغلب أساتذة الفلسفة تحولوا إلى الكتابة التنويرية والفكرية، محمود أمين العالم، زكريا إبراهيم، حسن حنفى..........، توقف المجتمع عن تعاطى الفلسفة وتوقف اساتذتها عن انتاجها ومناقشتها.

**************


الفكر الفلسفي المغربي: الفرسان الثلاثة وهواجس التغيير


جلال بدوة من الرباط: نشأت الكتابة الفلسفية في المغرب متأخرة مقارنة مع نظيرتها بالمشرق العربي. وإذا استثنينا تجربة محمد عزيز الحبابي الذي استلهم مذهب الشخصانية الواقعية كما كان سائدا في أوربا، فإن الفلسفة المغربية "لم تنتج مدارس وتيارات تابعة للمدارس الغربية، من قبيل الوضعية والوجودية والماركسية والفلسفة التحليلية"، يلاحظ المفكر كمال عبد اللطيف. بيد أنها تحضر"كمفاهيم وأطروحات وأنماط تحليل وتعليل وفهم موجهة باهتمامات تاريخية سياسية ثقافية محلية". ويضيف الباحث أن الفكر الفلسفي المغربي، عموما، انشغل بإشكاليتين مركزيتين: الحداثة والموقف من التراث. وغالبية النصوص التي أنتجتها الفلسفية المغربية تدور في فلك الهوية، "الهوية والتاريخ، الهوية والتراث، الهوية والحداثة".
لم يحفل المفكر المغربي بالموضوعات الفلسفية التقليدية، بل انصرف إلى مساءلة أفكار ترتبط بالواقع الحي وبالمشاكل التي يعاني منها المجتمع المغربي والمغاربي والعربي. حتى لتكاد تكون الكتابة الفلسفية في المغرب، مجرد تحليل لتاريخ الصراع المجتمعي والأيديولوجي والسياسي داخل هذه الدائرة الجغرافية.
يبدأ تاريخ الفكر الفلسفي الحديث بالمغرب في النصف الثاني من القرن العشرين. وباستعراض ما تراكم طيلة خمسة عقود، نجد للفلسفة المغربية "فرسانا ثلاثة"، شكل كل واحد منهم لحظة أساسية في مسار الحكمة بالمغرب: محمد عزيز الحبابي، عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري. سنركز، إجرائيا، على هؤلاء الثلاثة ونحن نتناول موضوع الفكر الفلسفي في المغرب، دون أن يعني ذلك أننا ننفي أهمية مشاريع مفكرين مغاربة آخرين. نذكر منهم، على سبيل المثال، عبد الكبير الخطيبي صاحب مشروع النقد المزدوج، وطه عبد الرحمان الذي أنجز قراءات نقدية أساسية في الفكر المغربي والفلسفة عموما، فضلا عن عبد السلام بنعبد العالي ومحمد سبيلا وجمال الدين العلوي وعلي أومليل وسالم يفوت وكمال عبد اللطيف وعبد الصمد الديالمي وسعيد بنسعيد ومحمد وقيدي وبنسالم حميش... والقائمة طويلة. مثلما لا يؤشر هذا التناول على أن المشهد الفلسفي المغربي لا يتطور، بل إنه يعرف زخما وإضافات نوعية تفتحه على آفاق جديدة، ولعل الوعي النقدي الذي تبديه الأجيال اللاحقة في قراءاتها لمشاريع الفرسان الثلاثة، خير دليل على ذلك.

محمد عزيز الحبابي وهواجس التأسيس
يجمع المهتمون بالثقافة المغربية الحديثة أن الفيلسوف محمد عزيز الحبابي، لعب دورا رياديا في تأسيس الفكر الفلسفي بالمغرب. لقد كان مشروعه حول "الشخصانية الاسلامية"، في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، إيذانا بعودة الحكمة إلى الغرب الإسلامي بعد مايناهز سبعة قرون من الانقطاع. يقول الباحث المغربي محمد المصباحي: "لقد أتى الحبابي بعد ابن رشد فكان هذا الأخير نهاية لتاريخ فلسفي طويل ليكون الحبابي بداية له ". درس الحبابي الفلسفة في فرنسا، بجامعة السوربون العريقة، منتصف القرن العشرين. وتأثر بالفلسفات السائدة حينها في أوربا، خصوصا بالمذهب الشخصاني كما جسدته كتابات مونيي ومجايليه. وفي سنة 1954 أصدر مؤلفه الهامّ "من الكائن إلى الشخص: دإن إحدى الخسائر الكبرى التي مني به العقل العربي في كل حروبه الإيديولوجية، هي فقدان حاسة التأمل الفردي؛ الإجماع عبر الأخذ والرد، التمحيص والنقد.. باختصار: التفلسف بالمعنى الكانتي للكلمة: "ماذا يمكنني أن أعرف، ماذا يجب أن أفعل، ماذا يمكنني أن آمل، ما الإنسان". أسئلة تتطلب أجوبة انثروبولوجية، دينية، أخلاقية وميتافيزيقية... انها جوهر أسئلة الحياة. ألم يقل ديكارت، عن حق، بأن "حضارة الأمة وثقافتها تُقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها". راسات في الشخصانية الواقعية" عن منشورات PUF الباريسية. وقد أعلن الفيلسوف المغربي، في هذا الكتاب، انحيازه إلى المذهب الشخصاني. بعدها أصدر كتاب "حرية أم تحرر" سنة 1956، صاغ فيه نظريته في الحرية انطلاقا من المذهب الشخصاني. وسيتبلور مشروعه النظري سنة 1964، من خلال مؤلف "الشخصانية الاسلامية" الذي يعرض بتفصيل أطروحة توفيقية، تسعى إلى مواءمة مكونات الهوية العربية الإسلامية مع ثوابت المذهب الشخصاني.
ويمكن أن نقول مع الباحث محمد وقيدي بأن تجربة محمد عزيز الحبابي الفكرية تتمفصل حول "ثلاثة مراحل متمايزة نسبيا: مرحلة الفلسفة الشخصانية الواقعية ومرحلة الشخصانية الإسلامية، ثم مرحلة الفلسفة الغدية" وقد تكرس هذا المنزع الأخير في فلسفته مع كتاب "عالم الغد: العالم الثالث يتهم" وهو مؤلف يعنى بأحوال العالم الثالث. وفيه تتأكد ملامح تفكير أكثر ارتباطا بالواقع، بدأت إرهاصاته مع مؤلف "من المنغلق إلى المنفتح" (الذي ترجمه محمد برادة إلى العربية سنة 1971)، وهو كتاب لا يتضمن "دعوة للسير في الاتجاه من المنغلق إلى المنفتح في مجال الكينونة فحسب، بل إنه يتضمن جملة من المحاولات للخروج بنظرية الشخص ونظرية الحرية نحو الانطباق في مجال واقعي هو الثقافة الوطنية" كما يلاحظ محمد وقيدي.
بيد أن المشروع النظري لمحمد عزيز الحبابي سوف يبقى ناقصا رغم كل شيء. بصيغة أخرى كان يمكن لفلسفة الحبابي أن تشغل حيزا أكبر في تاريخ الفكر الفلسفي العربي، لو لم يكن الرجل مقيدا بإكراهات التأسيس. لقد أدرك الحبابي مبكرا، كما يقول عنه تلميذه محمد وقيدي، أنه "لايمكن تطوير الفكر الفلسفي داخل سياق مجتمع بعينه دون أن يوجد بداخله مجتمع فلسفي يكون بمثابة نواة الانتاج والتلقي". لذلك ركز مجهوداته على خلق هذا "المجتمع الفلسفي". شغل محمد عزيز الحبابي منصب عميد أول جامعة مغربية شيدت عقب استقلال المغرب، وأسس بها شعبة للفلسفة. وأشرف بنفسه على وضع أولى لبنات الدرس الفلسفي في المغرب إلى جانب مجموعة من الأساتذة الأجانب (الفرنسيان فيراري وشوني، والمصريون نجيب بلدي وسامي النشار وزكريا إبراهيم والسوري هشام حكمت... وآخرين). كما أسس مجلة "دراسات فلسفية" التي كانت تصدر في البداية عن كلية الآداب قبل أن يحولها إلى مجلة مستقلة بعدما غادرا لكلية. مثلما أنشأ "جمعية الفلسفة بالمغرب"، حيث كانت يعقد ندوات وحلقات فكرية وظل رئيسا لها إلى حين وفاته. وأسس"اتحاد كتاب المغرب العربي" وبقي رئيسا له عدة سنوات، وهي المنظمة التي باتت تعرف اليوم ب"اتحاد كتاب المغرب"... مثلما عزز إنتاجاته النظرية بإصدار روايات ودواوين شعر باللغتين، العربية والفرنسية.
ويرى وقيدي أن تشتت جهود الحبابي بين حقول متعددة، شكل عائقا أمام بلورة مشروعه الفلسفي، مسجلا وجود تناقضات بين تلك الانشغالات المختلفة، خصوصا بين التفلسف والمهمة التدريسية، لأن نظام هذه المهمة رغم الفوائد المعروفة عنها في التواصل بالأفكار الفلسفية قد يصبح عائقا أمام التفلسف."وقد كان الحبابي أستاذا للفلسفة بنفس الكلية التي أصبح عميدا لها، فتداخلت بذلك في حياته الجامعية والفكرية الوظائف الثلاثة مع التعارض الذي قد يظهر بين مقتضياتها. ونستطيع القول، وقد عاينا هذه المرحلة من حياة الحبابي أثناء فترة تكويننا، إن تناقضاتها لم تخل من تأثير على المسار الفلسفي عند محمد عزيز الحبابي، فما نلاحظه هو نقص في وتيرة الانتاج الفلسفي لدى الحبابي. بعد صدور كتابه عن الشخصانية الاسلامية سنة 1964، لم يصدر له كتاب يعبر فيه عن مذهبه الشخصاني إلا سنة 1980 حيث سيصدر له كتاب عن اللغة عنوانه "تأمل في اللغة واللغو".  بسبب غياب بنيات تسمح بالتفلسف في مغرب الخمسينات والستينات، لم يستطع محمد عزيز الحبابي أن يذهب بمشروعه الفلسفي إلى منتهاه. بيد أن دوره كان رياديا في استئناف الفكر الفلسفي بالغرب الإسلامي.

تاريخانية عبد الله العروي
ستشكل سنة 1967 علامة فارقة في تاريخ الفكر الفلسفي بالمغرب. خلال تلك السنة، صدر كتاب "الأيديولوجية العربية المعاصرة" بالفرنسية (دار ماسبيرو)، معلنا ولادة المشروع الفكري لعبد الله العروي. ورغم أن ترجمته العربية ستظهر ثلاث سنوات بعد ذلك (صدرت سنة 1970عن دار الحقيقة في بيروت)، فإن اسم عبد الله العروي أصبح، منذئذ، أساسيا في المشهد الفلسفي العربي. صحيح أن معظم من تحدثوا عنه، كانوا بعيدين عن إدراك عمق ما طرحه للنقاش، لكنهم جميعا أحسوا أن ثمة مشروعا مهما قيد التشكل. وإذا كانت إسهامات محمد عزيزالحبابي قد تركزت على تأسيس الدرس الفلسفي المغربي وإنجاز مشروع نظري يستلهم مذهبا أوربيا معروفا، فإن العروي انخرط في صلب الواقع العربي. وأراد لمشروعه أن يكون نقدا جذريا للفكر السائد واقتراح فكر بديل يسهم في توجيه الفعل، بغية تحقيق شروط النهوض.
يشبّه الكثيرون عبد الله العروي بعبد الرحمان بن خلدون. ليس فقط لأنه قدم إلى الفلسفة من التاريخ، بل لأنه جعل من مقولة "التأخر التاريخي للعرب" حجر الزاوية في مشروعه الفكري، وسعى إلى تبين السبل الكفيلة بتجاوزه. تماما كما حاول صاحب المقدمة، استكناه أسباب الاندحار العربي في زمنه وصياغة معادلة للنهوض.
كان العروي، في منتصف القرن الماضي، يدرس التاريخ في فرنسا، ناهلا، في الآن ذاته، من ينابيع الفكر السياسي الغربي. وقد أدرك، بحسه النقدي، أن مختبر الأسئلة الفكرية العربية موجود في مصر. لذلك انكب على دراسة ما أنتجه كبار مفكري القاهرة. من محمد عبده إلى علي عبد الرازق ومن رفاعة طهطاوي إلى قاسم أمين ومن جمال الدين الأفغاني إلى لطفي السيد ومن سلامة موسى إلى طه حسين... بل إنه أقام مدة في مصر، نهاية الخمسينات، ليتأمل عن كثب تجربة النهضة العربية، منذ قيام دولة محمد علي حتى ثورة يوليو 1952.
 بعد مرحلة إنصات دقيق للتجربة المصرية، غذاها إلمامه بأدبيات الحركة الوطنية المغربية، كما مثلتها كتابات علال الفاسي ومحمد حسن الوزاني واختيارات المهدي بن بركة، جاء مشروع العروي نقديا شاملا. يحلل الواقع العربي في امتداداته الفكرية والسياسية والثقافية، ويعري مكامن الخلل مقترحا سبل الإقلاع. وستتضح أبعاد المشروع أكثر سنة 1973، مع صدور "العرب والفكر التاريخي" (دار الحقيقة في بيروت)، الذي تممه ب"أزمة المثقفين العرب"، الصادر باللغة الفرنسية عن دار ماسبيرو سنة 1974.
ويعتبر عدد من المشتغلين في الحقل الفلسفي العربي، هذين الكتابين أبرز أعمال عبد الله العروي ومن أهم إنجازات الفكر العربي الحديث قاطبة. في هذا السياق يرى المفكر التونسي هشام جعيط أن كتاب "أزمة المثقفين العرب"، "يتعدى الانتاج الفلسفي العربي في مجموعه، وذلك من حيث غنى تصوراته وقوة تجريده، بالإضافة إلى اتساع رؤيته وقدرته على التمثل النادر". فيم يقول المفكر المغربي كمال عبد اللطيف: "نعتقد، ونحن نتابع باهتمام هذا الانتاج المتواصل للأستاذ عبد الله العروي، أن "العرب والفكر التاريخي" متمما ب"أزمة المثقفين العرب"، يمثل إلى حدود اللحظة الراهنة أهم مؤلفات العروي". ويخلص كمال عبد اللطيف، الذي أصدر مؤخرا كتابا هاما حول "الفكر الفلسفي في المغرب" (أفريقيا الشرق، الدار البيضاء 2003)، إلى أن "درس العروي في الفكر العربي المعاصر" - كما يسميه- يتمحور حول محاولة الجواب على أسئلة محددة: "كيف يتمكن العرب من امتلاك ما يسعفهم بالمعاصرة؟ كيف يمتلكون القوة والوحدة والتقدم؟" أو بصيغة أخرى، "كيف تستطيع المجموعة العربية الإبداع والإنتاج من أجل إيقاع تاريخي جديد؟ "
في كتاب "الأيديولوجية العربية المعاصرة"، يرسم العروي ثلاثة بورتريهات للمثقف العربي: الشيخ الذي يعتقد أن الأجوبة تأتي من الماضي، والسياسي الليبرالي المنبهر بقشور الثقافة الغربية، وداعية التقنية الذي يعتقد بإمكانية الفصل بين الغرب كثقافة وقيم وبين الغرب كتقدم علمي. أما في"العرب والفكر التاريخي"، فيراجع تقسيمه على أساس فكري هذه المرة. هكذا يقدم لنا صنفين من المثقفين: أغلبية تفكر بالمنطق السلفي وأقلية تعتمد على منطق ليبرالي انتقائي. ولأن العروي يؤمن بدور المثقف ورجل الدولة في تغيير المجتمع والتاريخ، فإن فلسفته في جوهرها دعوة إيديولوجية لتحطيم النموذجين، وبناء نموذج جديد. ينادي العروي بإحداث ثورة ثقافية على الفكر السائد، تنهض على العقلانية والإيمان بوحدة التاريخ البشري. بفضل نهضة القرن السادس عشر وثورتها الصناعية والسياسية خلال القرن الثامن عشر صارت أوربا اليوم، مركزا للتاريخ البشري. وقد بات تقدمها حقيقة تاريخية تعدت حدودها الجغرافية. إنها مركز العالم الأقوى والمسيطر. اعتمادا على هذا التحليل يؤسس المقولة المركزية في مشروعه الفكري، ألا وهي "التاريخانية". إن تاريخانية العروي، كما يوضح كمال عبد اللطيف، هي "الأفق الفلسفي الذي يسمح للعرب عند اختياره وتملكه بالمشاركة في الحاضر الكوني، كما يهيئهم في الوقت نفسه، مثل باقي الإنسانية، للتفكير في المستقبل بصورة مشتركة". المثقف الجديد حامل الثورة الثقافية، بالنسبة لعبد الله العروي، هو بالضرورة مثقف "تاريخاني". وهو يدعوه ه إلى شن حرب إيديولوجية متواصلة تفضح فساد أطروحات المثقف السلفي والمثقف الليبيرالي الانتقائي. ويعتقد أن "الماركسية التاريخانية" هي الأداة الكفيلة بإنجاز الثورة داخل الوضع العربي.
 إن درس العروي يتجلى بوضوح كاف في دعوته إلى تمثل أسس الفكر التاريخاني، أي تمثل مبادئ التاريخانية. فليس لنا الخيار "إلا بين ترك التاريخ لصدف التجارة والحرب، أو توحيده في إطار كونية مبتغاة"، على حد تعبيره.
لتعزيز دعوته الأيديولوجية، قام عبد الله العروي بمراجعة جملة من المفاهيم. هكذا أصدر سنة 1980 "مفهوم الأيديولوجيا" أعقبه "مفهوم الدولة" ثم "مفهوم الحرية"1981 و"مفهوم العقل" 1996. مثلما لجأ إلى التخييل لتتميم مشروعه الفكري عن طريق نشر عدة روايات (الغربة، اليتيم، الفريق، أوراق) وسيرة ذهنية تحت عنوان "خواطر الصباح".

محمد عابد الجابري قارئ التراث
في سلسلة مقالات على صفحات جريدة "المحرر" المغربية (جريدة منعت في بداية الثمانينات)، ظهرت سنة 1975 أولى الانتقادات الموجهة إلى مشروع عبد الله العروي. وكانت من توقيع كاتب اسمه "محمد عابد الجابري". كان الجابري حينئذ معروفا كقائد سياسي في حزب القوات الشعبية، وأحد المسؤولين عن صحافته. وقد أسهم، خلال السنة ذاتها، في صياغة المقرر الإيديولوجي الهام لحزب الاتحاد الاشتراكي. لم يكن آنئذ قد نشر سوى أطروحته الجامعية حول ابن خلدون "العصبية والدولة في فلسفة ابن خلدون" (1971). كان مشروع الجابري جنينيا تتردد أصداؤه بين مدرجات جامعة محمد الخامس بالرباط، في محاضراته ونقاشاته مع طلبة شعبة الفلسفة. خصوصا من خلال محاضراته حول فلاسفة الإسلام.
لقد اعتبر الجابري مشروع العروي هروبا إلى الأمام، بما هو دعوة إلى قطيعة غير مشروطة مع التراث. ورأى أن دعوته الأيديولوجية للانخراط في الحداثة والاستفادة من "المتاح للبشرية جمعاء"، دعوة تغريبية. كانت مقالاته سجالية، لكنها في الآن ذاته، كانت تؤشر على ميلاد مشروعه الفكري. انطلاقا من نقد للعروي سيخلص الجابري أن تجاوز التأخر التاريخي للعرب، لن يتم إلا بمجابهة مع التراث. كل قطيعة مع الماضي ينبغي أن تتم من داخل الماضي نفسه. وكل تجاوز للتراث ينبغي أن ينطلق من تحليل هذا التراث وتفكيك مكوناته. في سنة 1980، سينشر كتابا مركزيا في قراءة التراث تحت عنوان "نحن والتراث". بعد ذلك ستتضح ملامح مشروعه النقدي في الكتب التي سيفرد تباعا لنقد العقل العربي.
وإذا كانت سلسلة مقالات محمد الجابري في نقد تاريخانية العروي قد أشرت على توجهه الفلسفي من ناحية الإختيار والانحياز الفكري، فإن مقدمة كتابه "نحن والتراث" جاءت بمثابة توطئة منهجية لمشروعه في قراءة التراث. فيها نتلمس الأهداف والوسائل التي سيعتمدها في التفكيك وإعادة البناء.
في عقد الثمانينات من القرن العشرين، تبلور المجهود النظري لمحمد عابد الجابري في نقد العقل العربي. وفي بداية الثمانينات أيضا، سيعلن الجابري استقالته من المكتب السياسي لحزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. بيد أن ذلك لم يشكل أبدا قطيعة مع السياسة، بقدرما كان انسحابا هادئا من العمل السياسي في شكله التنظيمي المباشر. يمكن أن نقول بأن الرجل عاود الانتشار، بشكل ما، داخل النسق الأيديولوجي الذي ينتمي إليه: لم يختف المناضل القيادي إلا ليفسح المكان للمفكر الحزبي. وبقي الفيلسوف يتغذى من رصيده النضالي داخل الحزب، بالقدر ذاته الذي بات الحزب يستثمر أفكاره في إثراء دعوته الأيديولوجية.
سنة 1984 أصدر عابد الجابري فاتحة مؤلفاته في نقد التراث، تحت عنوان "تكوين العقل العربي". أتبعه بكتاب "بنية العقل العربي" سنة 1986، ثم "العقل السياسي العربي" سنة 1990. وبالنظر إلى ضخامة المتن التراثي الذي اشتغل عليه المفكر، وبسبب حمولته الأيديولوجية والتصاقه بأسئلة الراهن العربي، فقد شغل المشروع حيزا واسعا في النقاش الفكري العربي. بل أثار سجالات ساخنة في أزيد من منبر وأكثر من كتاب. لقد تمكن الجابري من بناء نسق نظري يقرأ التراث في ضوء أسئلة الحاضر بكثير من النباهة، منتصرا للعقلانية وللحداثة. القطيعة غير المشروطة مع الماضي التي دعا إليها العروي تتحول لديه إلى قطيعة من داخل التراث. والاستفادة من "المتاح للبشرية جمعاء" لايتم إلا بعد وعي نقدي بالذات.
ويظل مشروع الجابري محكوما بوجهة نظر محددة لطبيعة ووظيفة الفكر في التاريخ. مثلما يبقى مشروطا بالخلفية الأيديولوجية التي تحكم وعيه. إنه يفتش داخل التراث عن إمكانيات التوافق والوئام، على حساب قيم فكرية أخرى أساسية على رأسها المغامرة الإبداعية والوعي الخلاق. هنا تكمن حدود مشروع الجابري الذي يخضع قراءته للتراث إلى صرامة منهجية، تزرع مناطق ظل في ثناياه وتجعله يصمت على جملة من الإشكاليات التي تحتاج إلى أكثر من مساءلة وتحليل. لهذا السبب مثلا، "لم يفكر أثناء نقد العقل العربي في الوحي ولم يقرأ القرآن" كما يسجل كمال عبد اللطيف في معرض نقده لقراءة الجابري للتراث.

إن محمد عابد الجابري، في نهاية المطاف مثل العروي، كلاهما يؤمن بالطموح الإرادي للمثقف وبقدرته الفعلية على توجيه التاريخ وذلك ما يشكل، بتعبير كمال عبد اللطيف "الورطة الجامعة بينهما، رغم الإنجاز النظري الهام الذي حققاه معا في مجال الفكر المغربي والفكر العربي المعاصر". ولاشك أن ارتباط الفلسفة بالأسئلة المباشرة للواقع المغربي والعربي، أملاه وعي شقي بالمسؤولية التاريخية للمفكر في ظل وضع منهار. أراد المفكر المغربي أن يقود خطوات التغيير السياسي والثقافي في مجتمعه، وسخر من أجل ذلك كل ما تتيحه الفلسفة من أدوات للنقد والتحليل والتفكيك وإعادة البناء. لذلك أثارت المشاريع الفكرية لفرسان الفلسفة المغربية سجالات ساخنة، ولذلك استغلت أفكار العروي مثلما استثمرت أفكار الجابري من طرف تكتلات سياسية لإحراز مكاسب ظرفية أو كسب مواقع داخل الدولة والمجتمع. لكن بعيدا عن الاستغلال الأيديولوجي للفكر، تمكنت الفلسفة في المغرب من فتح نقاشات أساسية حول ظواهر اجتماعية وثقافية وسياسية، وأسهمت في إثراء المرجعيات الأيديولوجية للأحزاب، واللافت أيضا أنها رفدت الأدب المغربي بأعمال متميزة في الشعر والرواية والمسرح.

******
 

د. إسماعيل نوري الربيعي: نشوء الفكر الفلسفي في المجال العربي الإسلامي

الفكر هو انعكاس تمثيلي للواقع، أنه المرآة العاكسة للظروف المحيطة والعلاقات السائدة. وهكذا كان الفكر في حقبة ما قبل الإسلام، أو ما يطلق عليه العصر الجاهلي، بسيطاً مباشراً يعالج الأساسيات التي تواجه الفرد والمجموع. فالحياة البدوية ونمط العيش فيها كان يفصح عن البساطة المرتبطة بالأفق الذي تشكله الكثبان الرملية، فيما كانت العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية غاية في البساطة قوامها الكفاف، والبحث عن الأساسيات التي تسد الرمق وتضمن كفالة الحياة واستمرارها وديمومتها. وعلى هذا سادت الشفاهية وتوطدت في ظل العلاقات التي لا تحتاج إلى تدوين أو كتابة والاعتماد كان منصباً على تثبيت حقوق الأفراد في ظل الجماعة والتي تكفلها رابطة الدم والعصبية القبلية. وإذا ما كان حال البوادي تسوده القبلية، كانت الحواضر العربية الكبرى لم تختلف في شي عن تلك الحال، فالبساطة والمباشرة كانتا هما السمة الملازمة لجميع الفعاليات، فالمعرفة بالكتابة كانت محدودة إلى حد بعيد(1)، أما الآثار التي خلفتها المدنيات العربية في اليمن وبلاد الشام، فقد كانت خالية من التعقيد والتكلف قوامها الوضوح والاكتفاء الذاتي.
      إن وصفاً كهذا لا يبيح لنا الأخذ بالفكرة القائلة بأن العرب كانوا يعيشون عزلة مطلقة، أو أنهم كانوا منكفئين على أنفسهم، بل كان للعرب اتصالات مع الحواضر المجاورة لهم، لكنه كان اتصالاً محدوداً، أرتبط بالنشاط التجاري، لا سيما في مرحلة ما يمكن أن نطلق عليه "مرحلة الإيلاف المكي" حيث أجتهد القرشيون في توطيد أواصر علاقات تجارية مع بلاد فارس والحبشة والشام واليمن، وبحكم هذا النشاط، فإن التأثر كان لابد أن تظهر بعض علائمة في السياق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، بل وحتى في بعض الملامح السياسية التي استنبطوها من الحضارات المجاورة. وإذا ما كان الدين يحمل بين ثناياه طبيعة التفكير العميق بالحق وفلسفة الحياة(2)، فان عبادة الأوثان بقيت مهيمنة ولها السيادة لدى عرب الجاهلية على الرغم من اعتناق بعض قبائل الشمال للديانة المسيحية، وانتشار اليهودية في بعض مناطق اليمن. والواقع أن الديانة الوثنية التي درج عليها عرب الجاهلية كانت في الأصل تستند في بعض مقوماتها على ديانة الحنفية، التي وضع أسسها النبي إبراهيم"ع"، لكن مبادئ هذه الديانة طمست بتقادم الزمان، ولم يبق من إتباعها إلا بضعة أنفار، كانوا ينادون بوحدانية الله وهم؛ ورقة بن نوفل الأسدي وزيد بن عمرو بن نفيل العدوي وعثمان بن الحويرث الأسدي وعبيد الله بن جحش الأسدي. لقد كانت القبائل العربية تعظم البيت وتحج إليه سنوياً في مواسم معلومة، وهو أمر لم ينقطع حتى ظهور الإسلام، لكن جملة من الوقائع والأحداث ساهمت في تشويه الوعي الديني، إذ درجت بعض القبائل على حمل بعض حجارة البيت الحرام حيث مرابعها البعيدة تبركاً وتقديساً، لتنتشر ظاهرة عبادة الحجر، فيما جلب عمرو بن لحي الخزاعي سادن الكعبة صنماً في بلاد الشام ووضعه في الكعبة تبركاً وتعظيماً. وعلى الرغم من كل هذه الأحداث إلا أن أصل العبادة كان يتركز في التقرب إلى الله "وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى".
      لم يعرف العرب في تاريخهم الجاهلي نمط التفكير الفلسفي، إنما استند خطابهم العقلي على ما احتوته أشعارهم وخطبهم وأمثالهم وقصصهم على الحكمة والتمثل. إذ كانت العلاقات السائدة تقوم على المباشرة والبساطة، لذا فأن نمط التفكير كان ينطوي على الطابع الوصفي البعيد إلى حد ما عن التأمل الذي تقوم عليه الفلسفة كنسق فكري. وهذا القول لا يعني ان العرب لم يفكروا بالوجود وأصل الحياة وغايتها وسرها، بل انشغلوا بها كثيراً، لكن تناولهم لهذه الظواهر كان يستند على أهمية المفاهيم في دعم حركة الواقع وديمومة الاتصال الاجتماعي ولكن بشكل محدود لا يتجاوز بعض الاهتمامات الفردية، حيث كان يشار إليهم "حكماء العرب" الذين انتشروا في بقاع الجزيرة العربية عند قبائلها وحواضرها. والواقع أن تواضع الفكر الفلسفي عند العرب قبل الإسلام كان انعكاساً لواقع العزلة والإبقاء على التراتبيات القديمة، بالإضافة إلى أن الفكر الفلسفي ما هو إلا نتاج حي وواقعي لنمط الحياة الحضارية السائدة،(3) وعملية نهائية للمحتوي الموضوعي لمظاهر الحضارة الأخرى من آداب وفنون وعلوم. إذ من غير الممكن أن تتم ملاحظة فكر فلسفي، من دون ازدهار حضاري شامل وعام للقطاعات الرئيسة، فهي الوعاء الذي يستوعب الأنشطة الفكرية ويحفزها  ويجعل منها تسير إلى أمام. بل أنها تمثل المعيار الذي تبلغه الحضارة، لما تعالجه من قضايا عقلية وإشكاليات فكرية، لا يمكن أن تدور في الأذهان، ما لم ترتبط بمستوى معين من الحضارة.
      كان للإسلام الدور البارز في تغيير الحياة العربية، على اعتبار النظام الحياتي والفكري والعقائدي الشامل الذي دعا إليه النبي محمد صلي الله عليه وسلم، حيث تم وضع الأسس والمعايير التي يقوم عليها المجتمع الأيماني، إنطلاقاً من وحدانية الله والأيمان برسالة الأنبياء جميعاً والتأكيد على أن غاية الحياة الدنيا تصب في خلاصتها عند الدار الآخرة حيث الثواب والعقاب، من خلال بعث بني البشر يوم القيامة. وتقوم مصدرية الإسلام المعرفية على القرآن الكريم الذي أحتوى بالإضافة إلى قداسته وإعجازه اللغوي على الكثير والواسع من المعطيات الفكرية والتفسيرية لمعنى الوجود والروح والخلق والعالم والوحدانية، وحمل الفرد ضمن الإطار الإسلامي (4) مسؤوليات كثيرة ومتنوعة كان الأبرز فيها، أهمية دور الفرد في تحقيق العدالة وانه المسؤول الأول عن أفعاله. فيما تعرض القرآن الكريم للكثير من المواضيع وحقق فيها وقدم لها التفسيرات الجديدة، التي تحترم فيها عقل الإنسان وتؤكد أهميته.
     قدم القرآن الكريم مادة غزيرة وغنية أمام مفكري الإسلام، وجعل قضية العقل من أهم الظواهر والقضايا التي شغلت المجتمع الإسلامي، فكانت موضوعات مثل التجسيم والذات العلية، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار مداراً للحوار والنقاش المستمر بين علماء المسلمين ومفكريه(5)، لتكون الأداة والمادة التي نهل منها مفكرو وفلاسفة الإسلام غنية وواسعة، وهذا ما يوضحه الخطاب القرآني في الكثير من آياته البينات، حيث نشأت علوم القرآن والتي مثلت نقطة الشروع في ظهور العلوم الإسلامية، وبالتالي بروز الفرق الإسلامية التي اختلفت في التفسير والتأويل لمجمل الأوضاع والظواهر المعرفية.
     بالإضافة إلى القرآن الكريم، مثلت السنة النبوية مصدراً معرفياً، أحتل مكانة رفيعة في الحياة الفكرية الإسلامية. على اعتبار أنها كانت تمثل مصدر التشريع الثاني في الأهمية بعد القرآن، وتتجلى هذه الأهمية في تفسير العديد من الظواهر التي تعرض لها القرآن، وغدت بمثابة الواصف والشارح للمفاهيم القرآنية وعلى هذا فإن التفكير الإسلامي صاحبه الشيء الكثير من الطمأنينة خلال العقود الأولى من عمر الإسلام، انطلاقاً من وجود المصدر الأساس المتمثل في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. فيما كان لوجود الصحابة أثره الفاعل في الإبقاء على الحالة الأولى، من حيث الإبقاء على سلامة المفاهيم والمضامين التي قدمها الإسلام، وهكذا بقيت الأوضاع خلال سنوات العهد الراشدي والشطر الأهم من عهد الدولة الأموية.
    للاتصال دوره الفاعل والأكيد في رفد الحضارات الإنسانية. والواقع أن الدولة الأموية 41-132هـ وبحكم واقع الجوار مع الدولة البيزنطية، كانت قد اكتسبت العديد من الملامح الحضارية، لا سيما في مجال تقاليد الحكم وبعض مظاهر الحياة العامة، ولم تكن الحال هذه وليدة قيام الدولة الأموية، بل أن معاوية أقتبس الكثير من مظاهر الحياة البيزنطية خلال ولايته على إمارة الشام إبان عهد الخليفة عمر بن الخطاب. ولا بد من التنبه هنا إلى أن الفعاليات التجارية التي كان يقوم بها سادات قريش مع الأمصار المجاورة، كان له بعض الأثر في حفز الوعي الفلسفي، لاسيما الاتصالات التجارية في مصر حيث مدينة الإسكندرية التي كانت تمثل أحد المراكز العلمية والفلسفية في تلك الحقبة، بالإضافة إلى الحبشة، أو الاتصالات بالأديرة والرهبان حيث موقعهم على طرق التجارة لكن الإشارة الأهم في كل ذلك، والأكثر بروزاً تتضح في تكليف خالد بن يزيد بن معاوية"6"  ت 85هـ "لإصطفن" القديم وهو أحد علماء الإسكندرية، لترجمة كتب أرسطو في المنطق من اللغة الإغريقية إلى العربية "7" ولم يقف الأمر عند ترجمة موضوعات الفلسفة، بل أن عناية خالد بن يزيد اشتملت علوم الكيمياء وموضوعات السحر السرية، والتي كان لعلماء الدين المسلمين موقف رافض لها بشكل مطلق. ونتيجة لارتباط ترجمة الفلسفة خلال نفس المرحلة التي تمت فيها ترجمة موضوعات السحر وبعض العقائد المعارضة للدين الإسلامي، دمغت الفلسفة بالشك والريبة والحذر الشديد إزاءها(8).
    ومهما كانت الإشارة إلى هذه البواكير التي دشنت عرى العلاقة بالفلسفة اليونانية، والتأكيد على أهمية بداية الاتصال، فإن الأمر لم يكن ليخرج عن طبيعة البدايات التي رافقت هذا العمل. حيث بقيت مستندة في قوامها على أهمية الاهتمامات الفردية، وسيادة الطابع الخاص فيها. ويمكن الإشارة هنا إلى أن الخشية من الأفكار الدخيلة كان الطابع السائد الذي وسم الفكر الإسلامي، لا سيما في مجال الخشية والخوف على العقيدة الإسلامية، التي أريد لها أن تكون صافية من الشوائب التي يمكن أن تفرزها ثقافات أخرى. هذا بالإضافة إلى أن المرحلة التي كان يمر بها الإسلام قد اعتمدت على الفتوحات والجهاد ونشر الإسلام في العالم.
     من جانب آخر كان لحركة الفتوح والاتصال بالأقوام الأخرى، داعياً ومبرراً لبحث العرب المسلمين عن طريقة أو أسلوب التعامل والتفاعل مع هذه الأقوام التي تحمل سمات خاصة من الوعي والإدراك. فيما كان للأحداث التي ألمت بالدولة العربية الإسلامية ومنذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، أثره البالغ في توجه الفكر العربي للبحث في أصول الفتن والصراعات التي باتت تترى وتظهر على مستوى الواقع الموضوعي بدءاً بحادثة السقيفة أو ظهور الفتنة الكبرى واغتيال الخليفة عثمان بن عفان، أو الصراع الدموي بين المسلمين أنفسهم في موقعة الجمل وصفين، "9" وصولاً إلى ظهور الخوارج واغتيال الأمام علي بن أبي طالب، وبلوغ السلطة إلى الأمويين الذين نقلوا السلطة من الشورى إلى الملك الوراثي.
    هذه الانقسامات كان لها الأثر البالغ في حفز العقل العربي للتفكير بشكل جدي، في مسألة الحق والشرعية، وأي الأطراف كان على حق والسراط المستقيم، ومن هي الفرقة الناجية، وهل الإنسان مسير أم مخير؟ وكيف يمكن أن يظهر الاختلاف والصراع بين كبار الصحابة الذين بُشرّ عشرة منهم بالجنة؟ 
     برز الصراع الفكري على أشده، لاسيما في مجال العقيدة وسلامتها، ودخول العناصر غير العربية، التي فات عليها أن تستوعب الكثير من الأفكار والمفاهيم. وعليه برز علم الكلام الذي أخذ على عاتقه الكشف عن معالم العقيدة الإسلامية، وأيضاً المسائل التي علقت على الموالي، ووجدوا فيها الكثير من الصعوبة والتعقيد. وعلى هذا برزت الاتجاهات الفكرية التي استندت إلى تيارين تمثلا في؛ النقل والعقل. فالتيار الأول كان يقوم على التفسير بالمأثور والمقولات التي نادى بها علماء الدين والفقهاء. في حين أن أصحاب التيار الثاني قالوا بأهمية الرأي والاجتهاد بلوغاً إلى الفهم الأفضل للكثير من القضايا التي تمس الفكر، على اعتبار أنها ممارسة عقلية. وفي ظل هذا المناخ الفكري ظهرت العديد من الفرق التي غدت تقدم طروحاتها في مجال الدين والدنيا، وراحت تتبارى فيما بينها لتفسير الظواهر. فكانت فرق مثل المعتزلة والمرجئة والقدرية والخوارج وأهل السنة والشيعة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت فرق جديدة انبثقت عن الفرق الأصلية، لتتباين الاتجاهات والتفسيرات، وتتناقض الميول(10) والأهواء.
      ازدهرت الحياة بمجمل قطاعاتها في ظل الدولة العباسية، وتطور ارتفاع الفعاليات الاقتصادية والسياسية، أما على الصعيد الاجتماعي فان المرحلة شهدت بروز فعاليات ناشطة ومؤثرة من قبل الموالي الذين أصبحوا عناصر فاعلة في مركز الدولة العباسية. وعلى هذا برزت فاعلية التأثر والتأثير على الصعيد العقلي، وشهدت الدولة مناخاً فكرياً فاعلاً على صعيد مواجهة الفكر المنقول عن الحضارات الأخرى التي دخلت في حظيرة الإسلام، وغدت تقدم معارفها وعلومها إثباتاً للذات وتوكيداً للحضور في ظل الحضارة الإسلامية. فتسللت الثقافات والفلسفات الفارسية والهندية والصينية عن طريق الاتصال المباشر الذي نتج عن طريق الفتوحات التي بلغت تلك البقاع، فيما كان المناخ ملائماً لاستيعاب وتقبل ترجمة الفلسفة اليونانية بالإضافة إلى فلسفات الأمم الشرقية الأخرى. وهكذا بدأت عناية العباسيين بترجمة الآثار العلمية البارزة عن اللغات الأخرى، حيث وجه أبو جعفر المنصورت158هـ عنايته لترجمة كتب الفلسفة عن الفارسية واليونانية، على يد الطبيب جورجس بن جبرائيل وأهتم هارون الرشيد ت 194هـ بترجمة كتب اليونان التي غُنمت في مدن عمورية وأنقرة، وكان للبرامكة المساهمة البارزة في هذا المجال حيث قدموا الدعم المادي السخي للمترجمين. أما المأمون ت 218هـ فإن عصره يكنّى بعصر العلم الذهبي، حيث تم إنشاء دار الحكمة التي فتحت أبوابها مشرعة للعلماء والكتاب والنساخ والمترجمين بسخاء ورحابة. وتعود هذه العناية إلى الصفات الشخصية التي تمتع بها المأمون، حيث نال قسطاً وافراً من العلم إبان سنّي إقامته في مرو، واهتم بعلوم الدين واللغة العربية والفلسفة. وكان إعجابه منصّباً على الفيلسوف أرسطو طاليس(11)، ولم يأل جهداً في تحصيل الكتب النادرة والمهمة في هذا المجال، حتى أنه أرسل العديد من الكتاب والعلماء إلى بلاد الروم، في سبيل استجلاب الكتب، كان من بينهم الحجاج بن مطر ويحيى بن البطريق ويوحنا بن ماسويه. في ظل هذا الجو العلمي المتدفق لم يقتصر أمر العناية بالعلم على الخلفاء، بل أجتهد بعض الأثرياء للعناية بهذا الجانب، كان منهم بني المنجم الذين أرسلوا حنين بن إسحاق إلى بلاد الروم لجلب الكتب، بالإضافة إلى حبيش بن الحسن وثابت بن قرة وغيرهم من المترجمين، فيما اعتمد بنو موسى على حنين بن إسحاق في جمع نفائس الكتب السريانية واليونانية والفارسية. وكانت هذه الفترة قد برزت أسماء علمية لامعة في مجال نقل المعارف من اللغات الأجنبية إلى العربية، منهم حنين بن إسحاق ويعقوب بن إسحاق وثابت بن قرة وعمر بن الفرخان. ويبقى الدور الأهم لحنين بن إسحاق (12) الذي مارس دور الإشراف على مشروع الترجمة الفكري هذا، حيث وضع الضوابط والقواعد للانتقاء والفرز، واستند في اختياره إلى نقد النصوص وتحليلها بدقة وموضوعية، من حيث المقارنة مع الأصول والاختيار القائم على مجموعة من النصوص المختلفة للمؤلف الواحد، من أجل بلوغ الهدف والغاية العلمية. إذ لم تكن العملية مجرد سباق لترجمة ركام من الكتب، بقدر ما كانت ممارسة علمية غايتها الأساس المعرفي والاطلاع على تراث وحضارة الأمم الأخرى، للنهل من معينها الفكري والعقلي.
     وهكذا تمت ترجمة كتب جالينوس في الطب والفلسفة الخاصة به، بالإضافة إلى الشروح التي وضعها على كتب أفلاطون وهي؛ السفسطائيون وبرمنيدس وكراتايلوس وأوثيدليموس وطيماوس والسياسي والجمهورية والقوانين . كذلك عني بكتب أرسطو وهي المقولات وفن التأويل والقياس والبرهان والكون والفساد والميتافيزيك والفيزياء. ومن أجل بلوغ أقصى غايات الدقة فأن حنين بن إسحاق كان يقوم بترجمة النصوص اليونانية لأفلاطون وأرسطو إلى اللغة السريانية لشدة إتقانه لها، ويعتمد على فريق عمله المساعد في ترجمتها وضبطها إلى اللغة العربية. بالإضافة إلى هذا الجهد المعرفي المتميز، برزت أسماء أخرى في مجال الترجمة كان من بينهم ابن ناعمة الحمصي الذي ترجم كتاب اللاهوت لأرسطو، وأبي بشر متي الذي أجتهد في ترجمة كتب المنطق وقسطا بن لوقا الذي عرف عنه إتقانه ومعرفته الواسعة باللغة الإغريقية، وأبو عثمان الدمشقي الذي (13) أجتهد في ترجمة كتب أرسطو.
     لابد من التنبه هنا إلى أن نشاط حركة الترجمة أبان عهد الخليفة العباسي المأمون وعلى الرغم من أهميته وشموله، لم يكن الأول في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، إنما تعود البواكير الأولى إلى العهد الراشدي، حيث قام البطريق يوحنا الأول بترجمة الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية " التوراة والإنجيل " من السريانية إلى العربية. هذا بالإضافة إلى النشاط الذي بذله إثناسيوس ت 67هـ خلال عهد الخليفة عبد الملك بن مروان ت 86هـ، حيث وضع كتاباً عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، في جوً من الحوار المباشر كان يدور تحت ناظري الخليفة نفسه، ولعل الجهد الأبرز في مجال ترجمة الآثار الفلسفية، كان قد برز من قبل سالم بن جبلة، الذي ترجم عن السريانية(14) كتب أرسطو في المنطق . والواقع أن فلاسفة المسلمين كانوا منشغلين في كثير من القضايا الفكرية والفلسفية التي تعرض لها الدين الإسلامي مثل القضاء والقدر وهل أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وهذا ما يكشف عنه القرآن الكريم بالإضافة إلى فكرة التجسيم والسؤال عن الذات الإلهية، وكانت فرقة الخوارج التي برزت بعد معركة صفين وحادثة التحكيم التي وقعّت صحيفتها في 15 صفر 37هـ، قد أكدت على خصوصية التفكير ووضعت للجدل مكانة هامة في مبادئها، حيث أقرت بأن القرآن أهم من السنة النبوية، حيث يرفضون الأحاديث النبوية الشريفة التي تنسخ القرآن(15). وكان بعض الخلفاء الراشدين قد تعرضوا لبعض المسائل الفكرية انطلاقا من الوعي، والأبرز من بينهم كان الأمام علي بن أبي طالب الذي أشار في العديد من خطبه وأقواله إلى تنزيه الله من التجسيم، وأن العلم بكنه الله تعالى لا يمكن إدراكها لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة. فيما قال بعض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع العلم بالله: "العجز عن درك الإدراك إدراك"(16). ويقول الإمام علي كرم الله وجهه: "أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه"(17) .
     كانت الروافد المعرفية للفلسفة الإسلامية قد تمثلت في طريقين؛ الأول عن طريق دمشق حاضرة بني أمية حيث تم اللقاء بالفكر الديني المسيحي، وكانت الدولة العربية الإسلامية من التسامح، أن برزت مجموعة من الأسماء المسيحية البارزة من أمثال؛ القديس سوفروينوس والقديس أندريا الأقريشطي والقديس يوحنا الدمشقي، ونتيجة لقوة اللقاء واستمراريته، نجد حضوراً للمصطلح الديني وقد فرض نفسه على كلا الجانبين، أو التقارب الواضح في الأفكار العامة في الثواب والعقاب والالتزام. فيما كان للمناظرات دورها الفاعل بين الطرفين، والتي اشتملت على قضايا مثل القضاء والقدر وخلق الإنسان. أما الطريق الثاني قد تمثل في بغداد حيث تم اللقاء بالفلسفة اليونانية، وتم النهل من فلسفة أفلاطون وأرسطو والمدارس الفلسفية الأخرى مثل الرواقية والفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة. فيما ساهم سريان إنطاكية في وضع بعض اللمسات المسيحية على الفكر اليوناني، لكنها لمسات وضعت في حسابها الابتعاد عن المساس بالعقيدة الإسلامية(18) لكنها أرادت أن تلبسها شيئاً من النزوع الديني .
     يتجلى الأثر الشرقي في النصوص الفلسفية اليونانية التي تم ترجمتها إلى اللغة العربية، في كونها لا تعود إلى الأصول التي تم وضعها في القرن الرابع قبل الميلاد، إنما استقاء النصوص كان عن طريق مدرسة الإسكندرية التي ظهرت في القرن الرابع الميلادي. وكانت هذه المدرسة قد سعت إلى تقريب النصوص الفلسفية الأصلية إلى الديانة المسيحية، ومن ابرز مؤسسيها فرفوريوس ت 304م، وعليه فأن نصوص أفلاطون وأرسطو لم تصل إلى العرب بصورتها التي ظهرت فيها في "أثينا"، إنما جاءت محملة ومشبّعة بتفاصيل وتأثيرات المدرسة السكندرية، أما الفلاسفة العرب المسلمون فأنهم اجتهدوا في وضع الشروح للفلسفة اليونانية وابتعدوا عن علم الكلام الإسلامي(19).
     لقد قدمت الحضارة العربية الإسلامية، خدمة جليلة للتراث الفلسفي العالمي، من خلال محافظتها على أصول الفلسفة اليونانية، حيث تكمن الأهمية في أن العرب في ذروتهم الحضارية حفظوا للآخر تراثه الفكري، في الوقت الذي كانت فيه أوربا تعيش أحلك عصورها(20). ولم يقف الأمر عند الحفاظ من الاندثار، بل أجتهد الفلاسفة المسلمون في وضع لمساتهم الخاصة على الطروحات الفكرية التي قدمها الدين الإسلامي(21). بدليل أن الاجتهاد المعرفي بلغ ذروته حين عمد الفلاسفة للإفادة من التطبيقات اللغوية والنحوية التي قامت عليها مدرستان نحويتان هما مدرستا البصرة والكوفة، والضبط الشديد والدقيق لموضوع المفردة في الجملة التي تستدعيها الفلسـفة. بالإضافة إلى الإفادة من علوم المنطق والاعتماد على القياس في المجادلات(22).
     برزت العديد من الأسماء الفلسفية كان الأبرز من بينها الكندي ت 260هـ، وكانت بداية اهتمامه بالقضايا الفكرية عن طريق المعتزلة، حيث وجّه عنايته بالإلهيات، وهي القضية التي شغلت ذهن المعتزلة إلى حد بعيد. لكنه وجد ثوب الاعتزال ضّيقاً عليه، فأتجه نحو التراث الفلسفي اليوناني، ونهل من الكتب والرسائل التي ترجمت عن أرسطو، والتي كانت حديثة التداول في الوسط الحضاري العربي الإسلامي، على أساس الكم والنوع الذي ظهر في الميدان الفكري والثقافي، ومن هنا قيض للكندي معالجة القضايا بمنهج مختلف، أتاح له التعرض للعديد من القضايا الفلسفية بروحية مختلفة، قائمة على الضبط الدقيق للمصطلح، وموّطدة له إمكانية بلوغ النتائج المنطقية بطريقة علمية صافية ونقية،(23) وعلى هذا أتيح له التعرض لدراسة ومناقشة العديد من المسائل الجديدة التي لم تخطر على بال سابقيه ممن تصدّوا لهذا الميدان .
     ساعدت الكندي في استيعاب الدرس الفلسفي اليوناني، معرفته باللغة الإغريقية، بل أنه ترجم بعض كتب اليونان مثل كتاب أرسطو "ميتافيزيقيا" وكتاب بطلميوس في الجغرافية. وساهم في ضبط وتنقيح الترجمة التي وضعت لكتاب إقليدس ووضع الشروح للعديد من كتب أرسطو وبطلميوس واقليدس. وقد بذل نشاطاً دافقاً نحو كتب أرسطو لاسيما " الأثولوجيا" وحرص على تنقيح الترجمة العربية وضبطها مع الأصول المتمثلة بتاسوعات أفلوطين وبلغتها الأصلية، وقد احتلت "الأثولوجيا" مكانة رفيعة للدارسين والشّراح للفلسفة اليونانية، والقائمة على فكرة قوى النفس التي تستند على أربع قوى، تتمثل الأولى بالعامل المستقل الذي يدخل النفس من الخارج، والثانية بالعامل الكامن، والثالثة بالعامل الفاعل، والرابعة عامل  الذكاء. ويتمثل العامل المستقل بالعقل الذي يظهر بواسطة الفيض (24) من الله الخالق الحكيم، ورغم فاعلية العقل في السيطرة والتأثير على قوى النفس، إلاّ أنه يبقى مستقلاً على اعتبار أنه لا يمكن إدراكه بالحواس .
     تكمن أهمية الكندي في أنه مهّد الطريق أمام الفلاسفة العرب المسلمين الذين جاءوا بعده، حيث ركز جهوده على شرح كتاب النفس لأرسطو بطريقة مختلفة عن الأسلوب والمنهج الذي أعتمده الفلاسفة السابقون له من السريان، حيث تمكن من شرح تعاليم أفلاطون الفلسفية بطريقة لا تتعارض والعقيدة الإسلامية. وكان التفسير يستند على أن النفس البشرية تقوم على مستويين، الأول يقوم بالاعتماد على الجسم وتفنى بفناء الجسد، ويطلق عليها النفس الحيوانية. أما الثاني فأنه يقوم على الروح التي تدخل (25) الجسد بأمر الله، وتبرز قيمتها في الخلود .
   وكان قد عمل جهده على تطوير المنهج الذي دأب عليه الفلاسفة السريان، الذين استفادوا بشكل فاعل من اتجاه الأفلاطونية المحدثة في شرح أعمال أر سطو في مجال علم النفس. أما في مجال علوم ما وراء الطبيعة "الميتافيزيقيا"، فانه استند إلى النص اليوناني لكتاب أرسطو، وحرص على وضع آرائه الخاصة في مجال الزمان والمكان والحركة. والهيولي والصورة، في كتابه "الجواهر الخمسة". ويقوم عمله هذا على تحديد تلك الجواهر، حيث يشير إلى أن الهيولي هو العامل الذي تستند إليه العوامل الأخرى، على اعتبار أنه العامل الذي يتلقى الجواهر. أما الحالة الثانية فهي الصورة حيث ميزها وفق أساسين، الأول المرتبط بالمادة بشكل ثابت ويطلق عليها "الأساسية"، أما الثانية فترتبط بمقولات أرسطو العشرة وهي "المكتسبة"، حيث يتم تمييزها وفق المادة والكم والكيف والعلاقة والمكان والزمان والوضع والحال والحركة والعاطفة. والحالة الثالثة هي الحركة، التي تكون في أنواع ستة، تقوم اثنتان منها على التغير في الإنتاج والفناء، واثنتان تقومان على التغير في الزيادة والنقصان، أما الاثنتان المتبقيتان فان واحدة منها تتغير في النوع والأخرى تتغير في الموقع. الحالة الرابعة وهي الزمان الذي يستند على القبل والبعد ويقوم على التسلسل العددي المستمر. أما الحالة الخامسة فهي المكان والذي يمــثل الجسم(26)، في حين أن أرسطو أشار إلى أنه السطح الذي يحيط بالجسم.
     وعلى الرغم من تأثر الكندي الشديد بأفكار أرسطو، إلا أنه تمكن من وضع لمسته الخاصة، في أكثر من مجال فكري. فحين يتعرض لمفهوم الفضيلة يؤكد على أن الهدف يتمثل في سعادة الدنيا والآخرة، وعلاقة الإنسان بالفضيلة تكمن في مدى معرفته بها. إذ أن المعرفة هي التي تفسح المجال أمام الفرد وبالتالي القدرة على الالتزام بمعطياتها وفروضها من خلال السلوك. ويفرز الكندي نوعين من الفضيلة، الأولى داخلية تقوم على فروض ثلاثة هي؛ الحكمة والنجدة والعفة. والثانية خارجية تمثل الأغراء الذي يواجه النفس البشرية من خلال ثلاث حالات وهي، الرذيلة والجور والظلم. وانطلاقا من التطور الذي يضعه لمفهوم الفضيلة، فانه يشير إلى وجود نوعين من البشر، الأول يمتلك قوة الإرادة والعزم والتصميم، ويخضع أفعاله للعقل، لذا فان تحصيل السعادة لا يتم بمقدار الحصول على الماديات، بقدر ما تقوم على القناعة بما تملك. وفي هذا يحدد الطريق إليها، من خلال الاتجاه نحو الإيمان العميق والصادق بالله والسعي إلى مرضاته، على اعتبار أن الفضيلة المطلقة تتجلى فيه. أما الثاني فانه الباحث عن الرغبات الحسية، والتي تجعل من المقبل نحوها عرضة للتغير وعدم استقرار المزاج والازدواجية،(27) بل يكاد يكون الأكثر ضعفاً لعدم قدرته على كبح جماح شهواته ورغباته.
     من الأسماء البارزة في مجال الدرس الفلسفي، يبرز أبو نصر الفارابي ت339هـ الذي ولد في مدينة وسيج من أعمال فاراب الواقعة في ولاية حوض سير داريا، وكان الفارابي قد سعى في سبيل الحصول على المعرفة والثقافة مرتحلاً إلى مدينة حران التي أصبحت مقصد طلاب العلوم الفلسفية بعد أن تركزت فيها مدرسة الإسكندرية الفلسفية، حيث درس المنطق على يد يوحنا بن جيلان. لكن أركان مدرسة حران سرعان ما تقوضت بعد بروز المنافس الحضاري الأهم لها متمثلاً في مدينة بغداد، لينتقل إليها أعمدة المشايخ والمنطقيين إليها وكان من بينهم الفارابي، الذي راح يأخذ الدروس عن أبي بشر متي بن يونس خلال خلافة المعتضد "279-289هـ"، وكان لهذه الفترة أثرها على أسلوب الفارابي، الذي تأثر بأسلوب شيخه وأستاذه في عسر المعنى وتعقيده، ونتيجة للمكانة الثانوية التي راح يرزح فيها الفارابي، نجده قد آثر الانتقال إلى حلب حيث سيف الدولـــة الحمداني(28)، الذي راح يغدق على العلماء والمفكرين بكرم بالغ ومنحهم الكثير من المكانة  والاعتبار.
    تكمن أهمية الفارابي في الأثر الكبير الذي خلفه في اسلافه، لا سيما الفلاسفة الغربيين ومنهم على درجة الخصوص "توما الاكويني" الذي لم يتوان من الاعتماد على أفكاره ومقولاته بشكل مفرط وواضح. وعلى الرغم من التأثير البالغ الذي تركه في الفلسفة الغربية، فانه كان قد أستمد معرفته الفلسفية من الفكر اليوناني، حتى أن اللقب الذي أطلق عليه "المعلم الثاني" لم يكن ليخرج عن اعتبار التأثير اليوناني والقائم على مكانة أرسطو الذي يعتبره مؤرخو الفلسفة "المعلم الأول". وكان الفارابي قد حث جهوده للتأليف في أكثر من مجال علمي توزعت في الرياضيات والطب والفيزياء وعلم النفس والإلهيات والمنطق واللغات. وفي مجال المنطق فانه اختط لنفسه منهجاً واضحاً في دراسة البرهان والتعريفات، حيث وضع الشروح الوافية والدقيقة لأبرز المسائل الفلسفية من خلال التأكيد على أن التأكد من الحقيقة المفردة يقود إلى الحقائق الكلية، وأن المعرفة التي يكتسبها الفرد لا يمكن التثبت منها دون الاستناد إلى الخبرة الحسية. وبجهوده الفكرية الفذة توصل إلى أن المعرفة أكثر أهمية من الأخلاق(29)، محدداً في ذلك أهمية علم الرياضيات كأسس لبلوغ المعرفة. وسعيه واضحاً في مجال إحصاء العلوم، حيث وضع الفلسفة على رأسها على اعتبار قيامها على البرهان الذي يقود (30) إلى المعرفة اليقينية.
    ويرى الفارابي أن الأخلاق والسياسة لا تختلفان في الغاية، إنما في النهج والأسلوب، على اعتبار أن الأخلاق تركز في مسعاها نحو خدمة أهداف الفرد والتمثل بالحصول على السعادة، في حين أن السياسة تتوجه نحو خدمة المجموع. وبتأكيده على السلوك الجمعي بالنسبة للفرد، انطلاقا من الفكرة التي تركز على أن الإنسان لا يمكن أن يبلغ أهدافه منفرداً دون الاستناد إلى القاعدة الجمعية التي يمكن لها أن تبرز مواهبه وإمكاناته وتدخله في التنافس الاجتماعي بغية تحصيل السعادة. وهكذا وضح تصوره الأخلاقي في مشروع المدينة الفاضلة، التي أراد لها أن تكون النموذج البارز للاجتماع البشري، انطلاقا من خضوع السلوك الفردي للسلوك الاجتماعي(31)، على اعتبار أن السياسة هي التي سيناط بها دور التنظيم والإعداد للمدينة الفاضلة، التي جعل منها النواة لبناء الأمة بشكله الأخلاقي الفاضل وبالتالي بلوغ مجتمع عالمي فاضل قوامه الأخلاق حيث يترع الجميع فيه بالسعادة والاستقرار. وتحقيقاً لهذا التصور فانه يؤكد على إبراز بعض الواجبات التي لابد أن يضطلع بها أبناء هذه المدينة والمتمثلة باحترام النظام والتوجه نحو تحصيل العلوم وتقديس الفضيلة. وكان تأكيده على أن رأس المدينة، لابد أن يكون نبياً أو حكيماً عاقلاً أوتي من العقل والمعرفة والخبرة ما يؤهله لقيادة هذا المجتمع الفاضل. ومن خلال رسوخ التصور الإيماني الإسلامي لديه، والذي يؤكد على أن محمداً "صلي الله عليه وسلم" خاتم الانبياء، فانه يعقد اللواء بالفيلسوف محدداً وجوده بشكل أساس ورئيس، ومن ثم يأتي دور الرعية التي عليها الطاعة والالتزام(32)، ولم يسقط الفارابي في فخ المثالية، فعلى الرغم من مشروعه الأخلاقي الطموح الذي بشر به، إلا أنه عكف على دراسة المجتمعات المناقضة لنموذجه، حيث الجهل وسوء التدبير، ويركز في تحديد الأسباب، مشيراً إلى أن حالة التخلف إنما هي نتاج واقعي للتوجه نحو الملذات الحسية(33).
     تأثر الفارابي بآراء الكندي لاسيما في مجال علم النفس،مشيراً إلى وجود أربع قوى في النفس تتمثل في العقل الكامن، الذي يساعد على بلوغ الإدراك بعد تجريد الموضوع من الأعراض الجانبية، والقوة الثانية تتلخص في العقل بالفعل التي تساهم في عملية تجريد الموضوع من الأعراض، أما القوة الثالثة فإنها تكمن في العقل الفعال وهو الفيض الصادر من الله الذي يحفز القوة الداخلية لدى الإنسان ويحولها إلى قوة ظاهرة، والقوة الرابعة هي العقل المستفاد الذي يتمثل في الفعل المستند إلى العقل الفعال(34).
     يبرز ابن سينا 428هـ في مجال الفلسفة، الذي ولذ في قرية أفشنة، حيث انتقل إلى بخارى ليدرس علوم القرآن والأدب والفلسفة والهندسة وحساب الهند، لكن بواكيره كانت قد تركزت حول دراسة الفقه على يد إسماعيل الزاهد، وبقدوم أبو عبد الله الناتلي المتفلسف إلى بخارى، بدأ ابن سينا بدراسة كتاب ايساغوجي، حيث أبدى براعة أدهشت أستاذه، بل أنه تفوق عليه، مما جعله يتطلع نحو الدرس اعتمادا على جهوده الشخصية، فتوجه نحو دراسة علم المنطق وكتاب أصول الهندسة لأقليدس وكتاب المجسطي لبطليموس في علم الفلك، واهتم غاية جهده نحو دراسة النصوص والشروح في مجالي العلوم الطبيعية والإلهية(35). ولم يقف ولعه عند هذا الحد، بل ركز جهد، نحو دراسة الطب فأبدى براعة ومنزلة رفيعة إلى الحد الذي صار الطلاب يقرأوون ويتعلمون على يديه، كل هذا ولم يتجاوز ابن سينا السادسة عشر.
      ويشير ابن سينا صراحة إلى فضل أبو نصر الفارابي في علوم الإلهيات، حيث عكف على دراسة كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، وأعاد قراءته أربعين مرة دون أن يصل إلى نتيجة منه، لكنه حين أطلع على كتاب الفارابي الموسوم "في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة"، قيض له استيعاب الكتاب والأفكار الواردة فيه. وكانت الصدفة قد لعبت دورها في وصول ابن سينا إلى بعض خزائن الكتب النادرة، ممن لم يتسن إلا للقليل من الاطلاع عليها، فقد تم استدعاؤه لمعالجة والى بخارى نوح بن منصور، وهناك راح ينهل من خزانة الكتب الكبيرة التي تحوي النفيس والثمين من درر العلماء والكتاب. لقد بقي ابن سينا في دائرة التلقي والإطلاع والبحث والتقصي حتى سن الثامنة عشر، ليبدأ رحلة التأليف في شتى العلوم والمعارف، حيث وضع كتاب "المجموع" بناء على طلب من أبو الحسين العروضي، ووضع كتابين بناء على طلب أبو بكر البرقي في الفقه "الحاصل والمحصول" وفي الأخلاق "البر والاثم". ولم يقف أمر ابن سينا للاشتغال بالجانب النظري(36)، بل كانت له تجربة عملية، تمثلت في توليه المناصب السياسية الرفيعة حتى بلغ منصب "وزير"، لكن زحمة العمل ومسؤولياته الجسام، لم تمنعه من مواصلة البحث المعرفي حيث كتب "الشفاء" مبتدءاً بموضوع الطبيعيات منه، وكان في أربعة أقسام هي المنطق، الرياضيات، الطبيعيات، والإلهيات. والواقع أن ابن سينا لم يضف شيئاً على مقولات أرسطو في المنطق، بل لم يزد على الشرح الذي قدمه الفارابي والمروزي ومتى بن يونس، إذ توجه نحو نصوص أرسطو ليعرضها بسعة واضحة موفقاً بين الأفكار التي أوردها أرسطو في مقولاته وبين العلوم الطبيعية. لكن هذا الأمر لا يقلل البتة من القدرة الواسعة له في الفهم الدقيق لآراء أرسطــو وتقديمه(37) لها بشكل صحيح وسليم.
     ويحدد علاقته بالفلسفة من خلال إشارته لها بالحكمة، والتي يربطها بالحقيقة المتصلة بالقدرة الإنسانية. ويصنفها في نوعين الأول نظري ويقوم على الحركة ويدعوها بالحكمة الطبيعية، والأخرى غايتها البحث في العلاقة القائمة بين الذهن والتغير، وتدعى الحكمة الرياضية، وهناك ما لا علاقة لها بالتغير، وأن ظهرت أي أعراض من تلك العلاقة فإنها قطعاً ستكون عرضية وتدعى الحكمة الأولية. أما النوع الثاني فيدعوه بالعملي ويقسمه إلى ثلاثة أنواع وهي الحكمة المدنية التي تركز في توطيد المصالح البشرية والمحافظة على بقاء النوع البشري، والحكمة المنزلية التي تقوم على توطيد مصالح الأسرة الواحدة وتنظيم المعاملات داخلها وتحديد الحقوق(38) والواجبات بين أفرادها. والحكمة الأخلاقية التي تقوم على الفضيلة وتكريس المبادئ الصادقة البعيدة عن الهوى والميول والرغبات وعفاف النفس.
     وفي بحثه عن الموجود نجده يقف على تصنيفين يتعلقان بالجوهر المرتبط بذات الموضوع والذي يمثل الأساس في الوجود مثل كل الأشياء الموجودة في الطبيعة الإنسان، الشجر، الحيوانات، الجبال، ويضعها في أربعة أنواع. ماهية بلا مادة، مادة بلا صورة، صورة في مادة، ومركب من مادة وصورة. أما التصنيف الآخر فأنه يتعلق بالأعراض أي ما يقوم في غيره ولا يقوم على ذاته مثل الزمان، المكان، اللون، الشكل، الحجم، الطول، الأبعاد. وفي هذا فأن ابن سينا يضع تراتباً في أوضاع الموجودات فالأول يتمثل في "المفارق" الذي لا يتصف بالتجسيم، والثاني الصورة ومن بعده الجسم، أما الترتيب الرابع فيتمثل بالهيولي القائم على طبيعة الارتباط بين الجسم والصورة. ويشير إلى أن الفرد العادي تتحدد علاقته بالموجود على أساس الحس، وأن عدم الإحساس بجوهره يؤدي إلى النتيجة المستندة إلى استحالة فرض الوجود، انطلاقا من خصوصية العلاقة القائمة بين الموجود والمكان والماهية. لكنه يعمد إلى تحقيق هذه الظاهرة والغور في تجلياتها(39)، اعتمادا على المعاني الكلية، على اعتبار أن المحسوس يؤدي بالنتيجة إلى غير المحسوس من خلال المعنى.
     يرتبط الوجود بالعلة التي تقوم على عنصرين المادة والصورة، لكن هذا الارتباط لا يلغي العلة التي تشكل وجوده والتي تقوم على العلة الفاعلة التي تحدد الغائية بالنسبة للمعلول. وعلى اعتبار أن لكل علة معلولاً، فان نظام العلية يرتبط بالفعل الذي يقوم على الفاعل الذي يمثل القوة الفعلية والقوة المسؤولة عن (40) مبدأ التغيير التي تتمثل في القوة الانفعالية.
     لم يتوقف البحث الفلسفي عند حدود الجهود الفردية، بل برزت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، جماعة أطلقت على نفسها "إخوان الصفاء وخلان الوفا" حارصين على إخفاء أسمائهم ومركزين على أهمية الجهد الجماعي، حيث صنفوا حوالي خمسين رسالة فلسفية في المجالات النظرية والعملية(41). وجل ما قدموه من مجهود علمي قد تركز في رسالتين، الأولى بعنوان رسائل إخوان الصفا، تناولت أفكاراً شتى وموضوعات متنوعة شملت فنون العلم والحكمة والأدب والمعاني والتصوف، فيما ركزت الثانية التي كانت بعنوان الرسالة الجامعة على تناول موضوع النفس والأخلاق وأهمية العمل على إصلاحها. ومن الملفت للنظر أن إخوان الصفا قد أكدوا في مقدمات كتبهم على أهمية أن توضع في يد أمينة حريصة على فحواها ومضمونها، وألا تصل يد الجاهل، ولا تخزن أو تمنع على المتتبع، بل لابد أن تبذل إلى كل من يرغب في الاطلاع عليها ولكن بموضوعية وأمانة. وكانوا قد تطلعوا إلى تسهيل المعاني والمفاهيم الفلسفية، وأن الإنسان يحتاج إلى التأمل الفكري(42) من أجل تركيز قوى النفس.
     لقد افرز الاتصال الأندلسي مع المشرق العربي الإسلامي، تطلع العديد من المهتمين إلى دراسة الفلسفة والبحث في موضوعاتها، حيث برز في هذا المجال عبد الله بن مسرة القرطبي ت 318هـ الذي تأثر بالمدرسة الأفلاطونية المحدثة، لكنه لم يسلم من تهمة الإلحاد على الرغم من اشتغاله الفردي في هذا المجال (43)، كذلك أجتهد مسلم بن محمد المجريطي ت396 في حمل رسائل إخوان الصفا إلى الأندلس، حيث أثارت بعض الاهتمام بالأفكار التي تعرضت لها، (44) هذا بالإضافة إلى العناية الرسمية التي برزت من لدن بعض الأمراء الأمويين من أمثال محمد بن عبد الرحمن 238-273 هـ، والجهود الراسخة والصميمة التي بذلها المستنصر 350-366هـ في رعاية (45) هذا العلم، انطلاقا من روح المنافسة مع المركز الحضاري الذي كانت تمثله بغداد حاضرة الخلافة العباسية.لكن هذا النشاط الدافق كان عرضة للتناحر والتنافس الداخلي، بالإضافة إلى تربص القوى الإفرنجية بالأندلس، حتى أن مرحلة الفتح وإلى سقوط الخلافة الأموية في الأندلس 92-422هـ، قد أعقبتها مرحلة السيطرة المباشرة لدولة المرابطين بعد أن أستنجد الأندلسيون من أجل إصلاح الأوضاع والوقوف في وجه الأخطار الزاحفة، لتبدأ مرحلة المرابطين في الأندلس 448-541هـ (46) بطابعها التقليدي المحافظ، إلا أنها شهدت بداية لتأسيس المدرسة الفلسفية في الأندلس.
     في ظل هذه الأوضاع السياسية، برز الفيلسوف الأندلسي. أبن باجة ت 533 الذي عاش في مدينة سرقسطة لأسرة تعتاش على صياغة المعادن النفسية، لكنه ارتحل عنها بعد أن تعرضت مدينته لهجوم الفونسو عام 511هـ ليستقر به المقام أخيراً في فاس حيث مات هناك تحت رعاية أبو بكر يحي بن يوسف بن تاشفين.
     وكان قد أضطلع بشرح الفلسفة اليونانية- العربية مستنداً في ذلك على جهود الفارابي وابن سينا، ليؤسس في بيئته بداية راسخة للاهتمام بالفلسفة الإشرافية(47). وقد حث جهوده في كتابه تدبير المتوحد على أهمية اعتزال الإنسان فكرياً، نتيجة لتطلع الناس على الدنيا وإصرارهم على تحقيق المآرب الخاصة، متجاوزين المصالح العامة. ويمكن القول أن فلسفة ابن باجة قامت على الإنسان بنزعة أخلاقية صارمة، لكن تشدد الفقهاء إبان تلك المرحلة لم تتح له التعبير عن آرائه الفلسفية بسعة واطمئنان، لذا كان يغلب عليها الحذر. ومن الملفت أن آراءه الفلسفية لم يستفد منها "المرابطون" الذين قدموا له الرعاية والمناصب العليا، بل جناها معارضوهم "الموحدون" 541-633هـ، بشخص مؤسسها ابن تومرت المتوفى 524هـ الذي كان يهتم بعلم الكلام وقدّم مجالاً للفلسفة من أجل دعم الآراء التي كان ينادي لها(48)، على اعتبار أن الكثير من الأفكار التي تطرحها الأفلاطونية المحدثة، يمكن أن تتفق مع العلوم الدينية، انطلاقا من وجهة نظر الغزالي ت505 هـ والذي كان ابن تومرت يعتنق آراءه(49)، هذا مع الأخذ بالاعتبار أن الغزالي كان قد  وجه نقده الشديد للفلسفة .
     كان للأهمية التي أحتلها ابن باجة في الغرب، أن غدا أحد أبرز الأعلام الفكرية، بل أن البعض صار يقارن بينه والفارابي (50). على اعتبار أنه أتجه نحو إتمام أعمال الفارابي الفلسفية، وحرص على وضع الشروح الأفلاطونية المحدثة لأعمال أرسطو في مجال الطبيعة والكون والفساد والآثار العلوية. وعن كتابه "تدبير المتوحد" السابق الذكر، كان قد بلغ إلى تحديد السلوك الإنساني، انطلاقا من تمييزه لنشاطين، الأول ويقوم على النزوات والشهوات ويدعوه بالحيواني، أما الثاني فأنه يستند إلى العقل المجرد ويدعوه بالإنسان. وتتجلى أهمية هذا الفيلسوف في تطلع فلاسفة الغرب للاعتماد على شروحه ومقولاته في بعض العقائد الفلسفية، ومنها "الجواهر المفارقة" التي كانت تفسر قبله على أساس روحي، فيما أستند ابن باجة إلى وضعها تحت مشرح العقل وبالتالي التعرف إلى الأفكار من خلال الصور، وتبرز أهميتها في تقديم الأفكار للمعرفة المرتبطة بالحقيقة بصورة أكثر دقة من الأجسام المحسوسة، والصور التي تدركها العقول يمكنها أن ترتبط بالنفس البشرية من خلال "عقل فعال خارجي" عن طريق الفيض، مثل ارتباط جوهر الصورة بالمادة التي تؤلف الجسم، وعلى هذا فأنه يحدد السبيل لبلوغ السعادة القصوى من خلال فيض العقل الفعّال عن العقل(51).
    في ظل دولة الموحدين وفي بلاط السلطان أبو يعقوب يوسف 558-580 تحديداً، بزغ نجم الفيلسوف ابن طفيل ت 581هـ، الذي ينتمي في أصوله إلى قبيلة قيس العربية، حيث ولد في وادي آش في الشمال الشرقي من قرطبة، وكان قد درس علوم الفقه والعلوم العقلية والطب. وكان لإقامته في بلاط أبو يعقوب أبلغ الأثر في توجهه نحو الدرس الفلسفي ووضع الشروح والتلخيصات لكتب أرسطو، حيث كان هذا السلطان من المولعين بالفلسفة ومن أشد أنصار المشتغلين فيها (52).
     أكد ابن طفيل في فلسفته على أن الوصول إلى الله يتم من خلال المعارف السامية، وهذه بدورها يمكن بلوغها عن طريق الوجد. وهو بهذا يلتقي مع المتصوفة، لكنه يتقاطع معهم في طبيعة العلاقة القائمة بين العلة والمعلول، والتي تقوم على أساس النزول إلى مستوى الإنسان وبعدها يتم الصعود إلى مستوى الذات. وكان قد وضع جلّ أفكاره الفلسفية في قصة فلسفية بعنوان حي بن يقظان، التي تحكي عن إنسان ولد في جزيرة متوحداً، لا يحيط به سوى الحيوانات، مما جعله يتوجه نحو التأمل الذي هداه إلى ربط العلاقات القائمة في الحياة.(53) حيث أكد أن الحوادث لابد لها من فاعل، وأن الصور التي تطالع الناظر إنما ترتبط بوجود الذي أحدثها. أما على صعيد الموجودات الأكبر مثل الطبيعة والكون، فأن الفاعل الذي أحدثه لا بداية له، وهو بهذا سرمديّ لا بداية له ولا نهاية وبحركته اللامتناهية فأنه لابد أن يكون منزّهاً عن المادة(54).
     كان جل تفكير أبن طفيل قد تركز في الفاعل، وصار يتفحصّ الموجودات، لينتقل عقله إلى الفاعل، على اعتبار تأمّل أثر الصنعة في الموجودات، حتى تطلع فكره نحو العالم المعقول، ليزيح عنه العالم المحسوس جانباً. وفي التمعّن بالذات الأرضية، وجدها ناقصة وقاصرة، وأنه لابد من وجود ذات شريفة تقوم على واجب الوجود، وإنما كمال الذات الأرضية وبلوغها السعادة لا يمكن أن يتم، إلا من خلال إدراك الواجب الوجود. وغاية ابن طفيل في حكاية حيّ بن يقظان تتركز حول توافق الدين والفلسفة، على اعتبار أن هذا الإنسان المنقطع عن أية معرفــة سابقة(55)، قاده عقله المتأمل إلى وجود الحق الواحد الأحد.
     في ظل الدولة الموحدّية يبزغ الفيلسوف ابن رشد ت595 هـ، الذي ولد في قرطبة واشتغل في الفقه المالكي ودرس علم الكلام والطب والفلسفة، وكان قد بلغ أعلى المناصب وأرفعها، بعد أن قدّمه الفيلسوف ابن طفيل إلى السلطان أبو يوسف يعقوب، وبقي ينتقل بين مدن قرطبة ومراكش واشبيلية حتى أن البعض من مؤلفاته كان يبدؤها في مدينة ليتمها في مدينة أخرى، فيما تعرض للعديد من المصاعب والمحن جرّاء علاقته الوطيدة بالسلطة العليا، حيث تعرّض لعقوبة من قبل السلطان يعقوب المنصور بالله، لعبارة أوردها في كتاب الحيوان. فيما بات خصومه ينقبون في آثاره المكتوبة، من أجل إمساك الدليل على إشراكه وإلحاده، بل تعرض لأذى العامة حتى أنهم أخرجوه من المسجد،(56) حينما هم بدخوله من أجل الصلاة .
     كان ابن رشد قد استند في تأسيس مشروعه المعرفي على دراسة الفقيه المتشدد ابن حزم ت456هـ، واتهامات الغزالي ت 505هـ المستندة إلى المذهب الأشعري، ومنهجية ابن سينات 428هـ التي أرادت أن تواجه فلسفة أرسطو، فتوجه نحو تبسيط مقولات أرسطو وشرحها، وعمل على رصد الأخطاء، والتداخل الذي وقع فيه ابن سينا، واجتهد في الرد على مقولات الغزالي التي هاجمت الفلاسفة(57)، حيث وضع كتاب تهافت التهافت، بل وحرص للرد على المذهب الأشعري، وأشار إلى أن الفلسفة والدين متصلتان وأن الحكمة والعقل تفضيان إلى الشريعة والإيمان فيما حرص على الأخذ بالظاهر ورفض المنهج الذي أستنه علماء الكلام والمتصوفة، ومن دون التداخل في موضوعي الفلسفة والدين،(58) وضع ابن رشد منهجاً واضحاً في أهمية كل موضوع على حدة مع التمييز بين "المقدمات" التي تعد الأساسيات والبديهيات التي يقوم عليها الموضوعان في " الدين أو الفلسفة"، أما "الاستدلال" فهو الأساس الذي يتم من خلاله الخوض في الموضوع، إذ لا يمكن التعرض لموضوع من دون المعرفة السابقة بأصوله ومبادئه. ومن هنا وجه نقده إلى الغزالي على اعتبار أنه أطلع على الفلسفة بطريقة ناقصة، (59) كونه قرأ ابن سينا الذي درج في تحديد مشروعه الفلسفي وفق منهجية علماء الكلام الذين يعمدون إلى "قياس الغائب على الشاهد".
     كان ابن رشد أكثر تأهيلاً للتصدي نحو موضوع الفلسفة والشريعة، على اعتبار اشتغاله بالقضايا الشرعية بصفة مباشرة، حيث مارس القضاء في مدينة إشبيلية، وتوّليه لمنصب قاضي القضاة. فوجه انتقاده لنظرية الغزالي حول "الخلق في الزمن" مشيراً إلى تناقضها مع المفهوم الإسلامي حول قدرة الله عز وجل، فيما رفض نظرية ابن سينا حول "الفيض الأزلي" لتناقضها مع تعاليم أرسطو التي تؤكد على الجمع بين الشكل والمادة في العلة، واللذان يمثلان جوهر الكون وجمعهما أزليّ بشكل دائم مع الفاعل، والنتيجة أن الله خلق الكون منذ الأزل (60) .
     ويعتمد ابن رشد إلى فسح المجال أمام الفيلسوف للمشاركة الإنسانية، ورفض الانعزال، بل أنه يؤكد أن الأفكار المتداولة بعموميتها، يمكن أن تجنى منها الفائدة القصوى إذا ما تم تأويلها بالشكل الصحيح والمناسب. والفلسفة بمصطلحاتها ومقولاتها الصعبة والعسيرة، لابد لها أن تنهل من المعين الاجتماعي، وعليها أن تنبذ التعالي أو الترّفع على باقي العلوم، بل أن العلوم الأخرى تؤدي دوراً فاعلاً ومؤثراً في الحيــاة العامة، لاسيما الديـن وأثره البالغ في المجتمــع (61)

الهوامش:
1- د. عمر فروخ، المنهاج الجديد في الفلسفة العربية، دار العلم للملايين، بيروت1970، ص72
2- د. دي بور، تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة لا تاريخ، ص5.
3- علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دارالمعارف، القاهرة1966 ج1، ص4.
4- حنا فاخوري وخليل الحر، تاريخ الفلسفة العربية، دار المعارف،بيروت لا تاريخ، ج1، ص128.
5- محمد عبد الرحمن مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات، بيروت 1970، ص292 .
6- جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، دار الساقي، لندن 1993، ص85.
7- د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط5، بيروت 1991، ص194، أنظر أيضاً، ابن النديم، الفهرست، ص242 .
8- نفسه، ص194 .
9- د. عمر التومي الشيباني، مقدمة في الفلسفة الإسلامية، الدار العربية للكتاب، تونس 1990،ص63.
10- محمد الخضري بك، تاريخ الأمم الإسلامية-الدولة العباسية، دار الفكر اللبناني، بيروت1994، ص142 .
11- د. عمر التومي الشيباني، المصدر السابق، ص65 .
12- ماجد فخري، الفلسفة والتاريخ، من كتاب عبقرية الحضارة العربية، ترجمة عبد الكريم محفوظ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، مصراته 1990، ص97 .
13- المصدر نفسه، ص98 .
14- د. شاكر مصطفى، حركة التعريب عن ثقافات الأوائل، مجلة كلية الآداب-الكويت ديسمبر 1974، ص ص35-39 .
15- إبراهيم فوزي، تدوين السنة، دار رياض الريس، لندن 1995، ص130 .
16- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار الأندلس، بيروت1996،ج1، ص19
17- المصدر نفسه، ج1، ص23 .
18- شاخت وبوزورث، تراث الإسلام، ترجمة د. حسين مؤنس ود. إحسان صدقي العمد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت1998، ج2، ص46 .
19- د. عمر التومي الشيباني، المصدر السابق، ص72، أنظر أيضاً، علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة 1966، ج1، ص77 
20- فيليب حتي، الإسلام منهج حياة، ترجمة عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت1972، ص263 .
21- آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبوريدة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1995، ص281 .
22- شاخت وبوزورث، المصدر السابق، ج2، ص ص47-48 .
23- د. عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت1984، ج2، ص297 .
24- روم لاندو،الإسلام والعرب،ترجمة منيرالبعلبكي،دار العلم للملايين،بيروت 1962، ص297 .
25- د. محمد ممدوح علي محمد العربي، الأخلاق والسياسة في الفكر الإسلامي والليبرالي والماركسي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1992، ص125 .
26- دي لاسي أوليري، الفكر العربي ومركزه في التاريخ، ترجمة إسماعيل البيطار، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1972، ص124 .
27- د. عبد الحليم محمود، التفكير الفلسفي في الإسلام، الدار المصرية للطباعة والنشر، القاهرة 1977، ج2، ص107 .
28- د. عبد الرحمن بدوي، المصدر السابق، ج2، ص94 .
29- روم لاندو، المصدر السابق، ص219 .
30- شاخت وبوزورث، المصدر السابق، ج2، ص51 .
31- الفارابي، تحصيل السعادة، لا ناشر، القاهرة لا تاريخ، ص44 .
32- الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، لا ناشر، القاهرة لا تاريخ، ص78 .
33- المصدر نفسه، ص91 .
34- دي لاسي أوليري، المصدر السابق، ص130 .
35- روم لاندو، المصدر السابق، ص221 .
36- إبراهيم العاتي، الزمان في الفكر الإسلامي، دار المنتخب العربي، بيروت 1993، ص97.
37- د. عمر التومي الشيباني، المصدر السابق، ص88 .
38- دي لاسي أوليري، المصدر السابق، ص147 .
39- شاخت وبوزورث، المصدر السابق، ص51 .
40- ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، دار المعارف، القاهرة1958، ص452 .
41- عمر دسوقي، إخوان الصفا، القاهرة 1947، ص31 .
42- عمر فروخ، إخوان الصفا، بيروت 1953، ص12 .
43- أنخل كونثالث بالنسيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة د. حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة لا تاريخ، ص311 .
44- دي لاسي أوليري، المصدر السابق، ص154 .
45- ماجد فخري، الفلسفة والتاريخ، من كتاب عبقرية الحضارة العربية، ترجمة عبد الكريم محفوظ، الدار الجماهيرية، مصراته 1990، ص106 .
46- د. إبراهيم بيضون، الدولة العربية في الأندلس، دار النهضة العربية، بيروت 1986، ص375 .
47- ماجد فخري، المصدر السابق، ص108 .
48- مونتغمري وات، في تاريخ إسبانيا الإسلامية، ترجمة د. محمد رضا المصري، شركة المطبوعات، بيروت 1994، ص148 .
49- ابن خلدون، كتاب العبر و ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، القاهرة 1967، ج6، ص327 .
50- روم لاندو، المصدر السابق، ص229 .
51- دي لاسي أوليري، المصدر السابق، ص208 .
52- د. عبد الرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية، ج1، ص68 .
53- دي لاسي أوليري، المصدر السابق، ص212 .
54- د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص316 .
55- مقدمة د. عبد الله أنيس الطباع، لكتاب تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية القرطبي، مؤسسة المعارف، بيروت 1994، ص54 .
56- عبد الرحمن بدوي، المصدر السابق، ج1، ص21 .
57- ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة لا تاريخ، ج2، ص869.
58- عبد الرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة 1965، ص285 .
59- ابن رشد، فصل المقال، المكتبة المحمودية، القاهرة 1968، ص33 .
60- ماجد فخري، المصدر السابق، ص ص109-110 .
61- مونتغمري وات، المصدر السابق، ص152 .

في ثقافات