|
في كتاب الجديد الاقتصادي د. محمد سلطان أبوعلى (الديمقراطية والتنمية فى مصر)
محمد الحمامصي من القاهرة: يأتي كتاب (الديمقراطية والتنمية فى مصر) للاقتصادي الكبير د. محمد سلطان أبوعلى والصادر عن دار العين للنشر في ثلاثين فصلا تحمل تقييما لكثير من المشكلات التي تعاني منها مصر والتي أدت بها إلي هذا التفاقم في التردي الاقتصادي، ودعوة لمحاربة الفساد والتحول السلس إلي الديمقراطية وإلى بناء عاصمة إدارية جديدة لمصر في ظل بقاء القاهرة عاصمة تجارية وثقافية وبالتالي يمكن تحسين أحوال المعيشة بها، ويستعرض المؤلف بقية المشروع الحضاري القومي في مجالات منها: الطرق والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية والإصلاح الإداري والتقنية والابتكار والاهتمام بالسلوكيات العامة للمجتمع المحفزة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي تتمثل أساساً في العمل الجاد الدؤوب، والتواضع في الأنماط الاستهلاكية ونبذ الإسراف والتبذير, والاعتزاز بإتقان العمل وجودة المنتج وغيرها.. تتناول الفصول الستة الأولى موضوع الديمقراطية بطريقة مباشرة. والفصول الأربعة التالية تنصب على النظم الاقتصادية وما طرأ عليها من تطورات، يليها خمسة فصول عن التنمية وعلاقتها بالتخطيط الاقتصادى فى ظل التطورات العالمية بما فيها عصر العولمة. أما بقية الفصول فتثير قضيتين من قضايا التنمية هما: الدعم والأسعار، والخصخصة وإدارة الأصول المملوكة ملكية عامة. أما الفصل الأخير فيعرض لرؤية مستقبلية عن الاقتصاد المصرى إلى عام 2020، وما ينبغى أن يكون عليه المشروع القومى لمصر، الذى يلهب حماس الجماهير ويدفعهم لشحذ الهمم، والالتفاف حوله من أجل نقل مصر من مصاف الدول النامية إلى مجتمع الدول الصناعية المتقدمة.
يقول د. محمد سلطان أبوعلى: منذ أن حمل الاحتلال البريطانى عصاه على كتفيه ورحل عن مصر فى أواسط خمسينيات القرن العشرين، أصبح مشروعها القومى الذى يجب أن تلتف حوله طوائف الشعب وتحشد له كافة الموارد والطاقات هو التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وربما تحتجب هذه الرؤية عن الكثير منا لأسباب عدة أهمها: الطبيعة طويلة الأجل لعمليات التنمية، وتشعب دروبها بما قد يتعارض بعضها مع البعض الآخر، والعدو أصبح من داخلنا وليس المستعمر الدخيل علينا، وتعقد العمليات الإنمائية واعتماد نجاحها على عوامل عدة بعضها معروف والبعض الآخر لم يعرف بعد. ومن هذه العوامل الأخيرة "الديمقراطية" التى نختلف على تعريفها وضرورتها لإحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فقد عرّف البعض الديمقراطية على أنها توافر رغيف الخبز للمواطن، فى حين يرى البعض الآخر أنها حرية التعبير فقط. غير أن التعريف الشامل للديمقراطية فى الوقت الحاضر- والذى يوجد شبه إجماع عليه- يتضمن عناصر أربعة هى: تعددية حزبية حقيقية، وانتخاب السلطة التنفيذية وتداولها عبر صناديق الانتخابات، وحوكمة جيدة على رأسها المساءلة العامة والشاملة، وأخيرا وليس بآخر توافر الحريات الأساسية للإنسان من حرية التعبير والعمل والتنقل وغيرها. ويضيف: أما عن ضرورة الديمقراطية لتحقيق التنمية الاقتصادية فيذهب فريق إلى القول بأنه " لا تنمية بدون ديمقراطية"، وعلى النقيض يقول فريق آخر: " إن الديمقراطية تتحقق بعد حدوث التنمية الاقتصادية". ويستند الفريق الآخر إلى التجارب الناجحة التى حدثت فى الدول الصناعية القديمة أو التى صُنعت حديثا، حيث تكشف جميعها عن حدوث التنمية فى ظل نظم دكتاتورية بدرجات مختلفة. ولا يجب تفسير رأى هذا الفريق الأخير على أنه يناصر الدكتاتورية ويعترض على الديمقراطية، وإنما يرون أن كثرة الجدل حول هذا الموضوع سوف تشغل المجتمع عن تحقيق الهدف الرئيسى؛ وهو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، نظرا لتشبث أصحاب السلطة بمراكزهم، وأن التحول إلى الديمقراطية لا يبدو قريبا فى منطقتنا. والرأى عندى هو أن الديمقراطية ليست ضرورية فى المراحل الأولى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإنما المطلب الأساسى هو تطبيق المساءلة العامة والجادة على كافة المستويات؛ وذلك من أجل محاربة الفساد، وتجديد الدماء الذى يكفل استدامة التقدم. ود. محمد سلطان أبو علي حصل علي بكالوريوس التجارة، قسم الاقتصاد، جامعة الإسكندرية عام 1958، ودرجة الماجستير فى الاقتصاد من جامعة هارفارد، عام 1962، ودرجة الدكتوراه فى فلسفة الاقتصاد من جامعة هارفارد أيضا عام 1965، ومن كتبه: (الاقتصاد التحليلى المستوى المتوسط)، (التخطيط الاقتصادى)،(التنمية الاقتصادية)،(التحليل الاقتصادى الكلى نظريا وعمليا)، (مذكرات فى اقتصاديات المالية العامة)، (الآثار المالية والاجتماعية لتمويل القطاع الخاص)، و حصل علي جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 2004. وفي توصيفه لأهم مشكلات الاقتصاد المصري, يقول د.: محمد سلطان أبو علي إن مصر تعاني منذ سنوات من انتشار الركود وانخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي, وزيادة نسبة البطالة, وعدم وجود فرص عمل جديدة منتجة لمن يدخلون سوق العمل لأول مرة, ناهيك عمن يتم الاستغناء عنهم بسبب انخفاض نسبة تشغيل الطاقات الإنتاجية المتاحة وتزايد حالات الإفلاس, بالإضافة إلى تدهور قيمة الجنيه المصري، وهو نتيجة طبيعية لوجود عجز كبير في ميزان المدفوعات, يترتب على ذلك ارتفاع مستوى الأسعار وتكلفة المعيشة, ويبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.5% سنوياً في السنوات السبع الأخيرة. وهذا معناه أن المستوى المادي لمعيشة المواطن المصري لا يتحسن إلا بنسبة 2.5% سنوياً على افتراض أن معدل النمو السنوي للسكان يبلغ نحو 2%. ويرجع تدني معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى عدة أسباب منها: تراخي الجهود اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة, وتراجع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي بسبب ضعف الثقة في المستقبل وكثرة العقبات التي يواجهها المستثمرون, وكذلك انخفاض مستوى الإنتاجية بسبب عدم الجدية والتسيب الموجود في العديد من مواقع الإنتاج. هذه الأسباب وغيرها تدفع إلى تدني موقع مصر بين الدول على سلم التنمية الاقتصادية والاجتماعية رغم امتلاكها الموارد المختلفة سواء المالية أو الطبيعية أو البشرية, وبالتالي فلابد من اتباع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع باتجاه زيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية والقضاء على التشوهات المختلفة التي يعاني منها الاقتصاد. وفي الفصل الأخير يستعرض المؤلف رؤية اقتصادية لمصر عام 2020 باعتبارها مشروعاً قومياً ينبغي بذل كل الجهد للالتفاف حوله وتحقيقه في الواقع, وهذه الرؤية اجتمع عليها عدد كبير من الخبراء والمتخصصين في مجال الاقتصاد والمال من كل الاتجاهات الفكرية والسياسية. يدعو المؤلف إلى توافر ضمانات لتنفيذ هذا المشروع ومنها: وضعه في صورة برامج يسهل على الجماهير استيعابها والعمل على تنفيذها, وتفصيل مكونات المشروع إلى أجزاء, وأن تذكر القيادة السياسية جموع الشعب بهذا المشروع القومي وأن تعطيها القدوة في تنفيذه, وأيضاً وضع نظام للثواب والعقاب وعدالة المشاركة في ثمار هذا المشروع. ويتناول المؤلف أهم أهداف هذا المشروع وأولها: الاهتمام بالزراعة بعدما أصبحت مصر تستورد في الوقت الحالي نصف غذائها, وبالتالي فإن الهدف هو أن تحقق الاكتفاء الذاتي الذي يحقق الأمن والطمأنينة ويحرر الإرادة السياسية من الضغوط الخارجية, ومن ذلك أن يصل إنتاج مصر من القمح 75% مثلاً من استهلاكها. وفي الصناعة لابد من استكمال بنيتها الأساسية وزيادة قدرتها التنافسية بحيث تنمو بمعدل أكبر, وتستطيع أن تولد فرص العمالة اللازمة لامتصاص جانب كبير من البطالة الحالية, فضلاً عن إتاحة فرص عمل لمن يدخلون سوق العمل لأول مرة. وفي مجال التوطين العمراني يجب العمل على زيادة المساحة المستغلة من مصر إلى 8% بدلاً من 4% حالياً، وأن تضع الحكومة الحوافز والسياسات اللازمة لتنمية هذه المساحة حتى لا تكون عالة على غيرها.
الكتاب: الديمقراطية والتنمية فى مصر المؤلف: د. محمد سلطان أبوعلى الناشر: دار العين للنشر الطبعة الأولي: 2007 عدد الصفحات: 224
|