|
الحلقة الأولى
كان شارل بودلير أول من جرب تحويل قصيدة موزونة إلى قصيدة نثر، وذلك عندما أعاد كتابة قصيدته الموزونة الشهيرة "الدعوة إلى السفر" بعد مرور عامين على ظهورها. وحاول أيضا ان يحوّل قصيدته النثرية "نُصف كرة في شَعرٍ" إلى قصيدة موزونة تحت عنوان "الشَعر". وقد غيّر بودلير الكثير في العبارات وفق ما يتطلبه وقع قصيدة النثر في
 |
| بيير ريفيردي |
المحاولة الأولى، وما يتطلبه إيقاع البحر الاسكندراني في المحاولة الثانية. وأفضل دراسة تمت لهاتين المحاولتين هي الدراسة التي كتبتها الناقدة الأمريكية بربارة جونسن في كتابها "ثورة بودلير الثانية". على أن ما يهمنا في الآن نجده لدى الشاعر الفرنسي بيير ريفيردي الذي لعب دورا كبيرا إلى جانب ماكس جاكوب في إعادة صياغة مفهوم قصيدة النثر وبلورة سماتها التي باتت دليلا اتخذه معظم مؤرخي قصيدة النثر، لتشخيص قصائد النثر المعاصرة.
لقد حوّل ريفيردي بعض قصائده الحرة إلى قصائد نثرية. غير أنه يختلف عن بودلير في الطريقة التي اتبعها. فهو لم يتلاعب بمضمون القصيدة وعباراتها، وإنما فقط غيـّر الشكل. ومن بين القصائد التي غير شكلها قصيدة "تمضية وقت".. فبعد أن كانت مشطّرة كأي شعر حر، باتت بعد عام قصيدة نثر، بمجرد ربط أبياتها ككتلة نثرية كأي قصة قصيرة. والمحاولة هذه ليست إعادة كتابة، إنما مساءلة "الشكل" ودوره في تحديد "النوع" الذي ينتمي إليه المكتوب... وبالتالي استنطاق مدى التقارب بين شعر حر، رغم خلوه من قوانين العروض، يعتمد على شرطين أساسيين هو الدفق الإيقاعي للأسطر وعلى تقطيع يحدده النفَسُُ اللفظي للشاعر، وبين قصيدة نثر وجودها يعتمد أساسا على نفي هذين الشرطين. إن محاولة بيير ريفيردي لهي محاولة في محو حدود معطاة لا وجود لها إلا في الكتب المدرسية التي يعدها شعراء الدولة الرسميين، محوا يمكننا من ملامسة الحدود الحقيقية بين شكل يفرضه مضمونه ومضمون يفرضه الشكل: بين المعنى الملازم لشكله الإيقاعي هدفا لافكاك منه، ومعنى لا غرض له سوى أن يكون مستقلا؛ متحررا من كل انتماء لإشكاليات تجعله تعبيرا عن... شيء خارجه، وليس تعبيره هو.
اليكم النسخة الأولى من قصيدته الحرة كما نشرها بيير ريفيردي في "نشرة الجهد الحديث" الفرنسية (نوفمبر/تشرين الثاني 1927):
تمضية وقت
النجمة الأولى أضيئت في السماء ومنعكسة مسبقاً في زجاج الكوخ المسافر في طريق جد طويلة ما من حجارة ليجلس ما من شجرة تحميه من الليل الشاسع جداً ومن الضوضاء الآتية من بعيد هارباً من الخوف لم يجد أبداً ملجأ آخر سوى الفضاء كان النور قد هبط شيئاً فشيئاً على جانب الطريق قرب الجلجلة وإزاء الدرجات المهدمة في حفرة ملتقى طرق حيث يبدأ الطريق المتصاعد رأى أثراً ضوئياً لخطى شخصٍ آخرَ بقي هنا مدة طويلة هذا الذي يكون دائما خارجا عندما ننتظره
وها هي الآن بثوب جديد عنوانها مقلوب وعلى شكل كتلة نثرية مترابطة تحتوي على كل ما تحتاجه قصيدة نثر من إيجاز، توتر ولاغرضية، أعاد بناءها بيير ريفيردي نفسه، غير أنه لمراعاة بعض ضرورات النثر، أضطر إلى تغيير بسيط في بعض الجمل لكي تتخلص من إيقاع البيت وتتكيّف وإيقاع الجملة النثرية. اليكم النسخة الجديدة من نفس القصيدة كما نشرت في كتابه "إنتهاز الفرصة" (1928):
الوقت يمضي
النجمة الأولى المضاءة في السماء ومنعكسة مسبقاً على زجاج الكوخ. المسافر في طريق جد طويلة، ما من حجارة ليجلس، ما من شجرة تحميه من الليل الشاسع جداً ومن الضوضاء الآتية من بعيد، هارباً من الخوف. لم يجد أبداً ملجأ آخر سوى الفضاء. كان النور قد هبط شيئاً فشيئاً عند زوايا الصليب، في قمة الجلجلة تجاه الدرجات المهدمة التي تنهال في حفرة ملتقى طرق حيث يبدأ الطريق المتصاعد. رأى أثراً ضوئياً لخطى شخص آخر بقي هنا مدة طويلة. هذا الذي يكون دائما خارجا عندما ننتظره.
هل في إمكان محاولة ريفردي هذه التأثير على عدد من الشعراء العرب فتدفعهم إلى إجراء فحص شكلي، قبل كل شيء، لقصائدهم (قصائد تكاد تكون أحيانا أفضل من عشرات دواوين التفعيلة) التي سمّوها قصائد نثر فقط لأنهم كتبوها وفق إيقاع أحاسيسهم دون أية معرفة بالوزن، أم لأنها فقط خالية من الوزن وكأن الشعر لا وجود له خارج العروض وبالأخص العروض العربي المحدود شكلا ومضمونا؟
كم من قصيدة نثر عربية مشطرة، اعتباطا، كالشعر الحر، يمكن أن تُصبح قصيدة نثر بامتياز؛ قصيدة مادتها النثر Poème en prose (بالمعنى المصطلحي الصحيح)، بمجرد حذف التقطيع وربط الأسطر كتلة قوامها نثر متواصل، من دون إضافة أو حذف جُملٍ،؟؟
بعض الجواب في الحلقة الثانية
|