|
تقطّرَ الشِعرُ، طوا ل القرن العشرين، تجاربَ بحيث كان يضطر إلى أن يستجيب لكل المتطلبات... لكن بطريقته هو، فلم يُصبح إيقاعَها، بل استبقها، كما تنبأ رامبو. عانى الشعر كل الكوارث، الحروب والطوباويات. مرّ بكل الاكتشافات اللغوية، العلمية والشكلية، بل حتى شهد بيانات موته ... لكنه ظل يتراءى وكأنه رحّالة يبحث بلا كلل عن الحقيقة التي يقال إنها أخفِيتْ في بئر. فهو، آتياً من أفواه الذين كان يُنظر إليهم كمستسلمين، فرديين، مرضى ومنعزلين، لم يتوان عن ملاحقة الأفكار حتى المتاريس منبّهاً إياها من الإيديولوجيات، من أضغاث الأحلام، من الوقوع في مطب الشعارات البراقة. فالشعرُ، بصفته مبدأَ اللغة الأعلى، يصون الكائن الناطق من الوقوع في هاوية الكلام.
هناك شعراءُ الشعرُ، بالنسبةِ إليهم، وسيلةُ تعبيرٍ لا غير. وبما أن الموضوعَ الذي يستخدمون الشعرَ وسيلةً للتعبير عنه سيئٌ، فإنّ أيةَّ قصيدةٍ مهما كانت براعتُها الوزنية، اللفظية والإيقاعية، تبقى سيئةً عاجزةً عن الذهاب أبعدَ من مضمونِها الذي جاءت لخدمتِه... وهكذا تعود القصيدة، في أزمنة المعنى الخوالي، مجرد رمز لبَطالة الكلمات. القصيدةُ هذه يأسرها الذوق العام، إكراه الحقبة التي ترتعد من كل شعر ترى فيه نهايتها المحتومة. شعراً، اللغة العربية ميدان لهذا الشعر - وسيلة التعبير حيث مقدارُ ضيق أفق شاعرٍ ما يكون على مقدارِ ما في القراء، الذين يتغنى بهم، من آفاق ضيقة. بعض هذا الشعر، ربما، ناريٌّ، لكنه لا يضرم نار الرؤية، وإنما يحترق فيه الشاعر نهائيا. ما هو ميـْتا، ما من إيقاعٍ يُحييه.
الشعر، تركيبة الإنسان، تختلط فيه الأجناس كُلاً يحافظ فيه إلى الأبد على نواته الكوسموبوليتية. إنه فعلٌ لغويٌّ، ولأنه "شكل من أشكال ترائي اللغة"، كما شخصه تسيلان عن حق، فتصميم كل قول شعري يضمن للتعبير إقامة كونية. وبما إنه كلام موجه إلى لا أحد، إلى قارئ مستقبلاً، فإنه دائماً في مكان ما؛ في قبلة، في صرخة طفل، في لافتة، أو في شارع خلفي. في كلّ قصيدة تكمن حيلةُ شاعرها اللغوية التي يسرب من خلالها عواطفه المُبعدة من واجهة الكلمات.
يا له من عبء جميل: ايجاد تقارب بين الشعر والقارئ العادي... وعندها: كلٌ منهما ينير الآخر!
الشعرُ قَدَرٌ. مكانٌ يلتقي فيه الممكن والمحتمل. لا يمكن لأحدٍ اختيار الشعر. كلُّ شخصٍ له سيرتُه/ سيرورتُه الداخلية؛ لغتُه/كينونتُه الحقيقية التي لا تتجلى إلا كإشارات غريبة في حديثه/ معيوشه اليومي.
شيطانُ الشاعر تاريخُه، على مَرّ الورق. للمصير بذرته في تربة الأحياء. أما ذاك الذي لا يدرك الحَيْرةَ التي فيه؛ وزنَ طبيعته؛ قولَه هو، فإنّ الشعر لا يمكن أن يكون قدره، ربما النظم، الأرجوزة، لكن ليس الشعر.
كلّ يوم قصيدة، حتى نجد لساننا الصادق.
كتابة قصيدة واحدة شعورٌ بوجودٍ لكلمات وليدة... علامة ضرورية. ذلك أن تاريخ الشعر ليس سوى فترات ولادة ألفاظه الجديدة، من رحم الاستعمال.
فالشعر يمرّ بالمخاض الإنساني ذاتِه.. فما إنْ تُكتَب القصيدةُ، حتى يشعر الكلامُ ببشريته!
اللغة هذه التي ليس الشعر سوى "فرصتها المحتمّة"، لا تَخدعُ كائنا بوعود ولا حتى بوعود حريةٍ... وحتى عندما تبدو وكأنها دالُ إشكالية اجتماعية ومدلولها، فإنها، ملتاثَة التعبير غيرَ قادرة على الافصاح، ترتقي بنا إلى فعل التأمل، فنفكر في ذاتنا... وها هو دور القراءة الصعبة: الانزياح من التعبير عن المحنة إلى محنة التعبير: استنطاق ذاكرة الشاعر واستنفار حواسه من أجل إدراك حاسته السادسة. ولأن القصيدة علامة ارتيابها الكلي، تبقى اللغة صامدةً أمام كل خسران... تشقّ طريقها عبر افتقارها للأجوبة، عبر صمت رهيب وسط آلاف الظلمات من الجمل المميتة. لا تقول ما يحدث، ومع هذا تجتاز الطريقَ ثريةً بكل ما جرى. لا أحد بريء في علاقاته بها. فالجميع ينثر مفرداتها عراء الصفحة علّ تاريخَ الواقع كله وخاصة ماضيهم، ينجلي، كصورة على مرآة.
القصيدة العظمى هي تلك التي ليس لها نهاية، أو وسط أو بداية، إذ كل شيء يحدث فيها في آن.
الشعر، آت من تلقاء نفسه، يبدأ دوما.. من أي مكان؛ من اللامكان. وبصفته شهقةَ الإنسان المرصودة، الشعرُ لا يلبث إلا في قواه الأولية: الكلمات... في الأثر وليسَ في الدليل.
لتغزو معانٍ مضاءةْ... سياقَ حياة التشظّي فمسلكٌ إلى أمكنةٍ؛ إلى لا مكانٍ يؤدّي...
الأصل في نهاية الطريق.
|