1-
فهد الشقيران: دقّ وكيل وزارة الإعلام طبول الرقابة قبل أن يفتتح المعرض، يلوّح بالجزاء الرادع لمن يبيع الكتب التي فسحت في معرض الكتاب، جرياً على القاعدة النحوية البائسة "يجوز في المعرض ما لا يجوز في غيره" وكأن المعرض هو حالة فسح أقوى، أو صورة تشبه إطلاق القطيع على مساحة خضراء هو يزرعها وهو يرتبها وهو يعلّمنا ماذا نقرأ. قرأت تصريحه الذي نشر في صحيفة الوطن 2706 بامتعاض حينما تحدث عن عقوبات وجزاءات للمكتبات التي تبيع الكتب المفسوحة في المعرض في المكتبات بعد انتهاء المعرض! هذه الوصاية العقيمة جعلتني أستعيد ما حدث في المعرضين السابقين، حينما مارس البعض علينا "المنّة" لأنه فسح بعض الكتب التي نريد قراءتها. هذا فضلاً عن الترضيات التي نجدها في تنظيمات جديدة أخرى قد أتحدث عنها في وقت لاحق. غير أن هذا التصريح جعلني أجرؤ على نقد هذا المعرض من أساسه.
يحتوي هذا المعرض فقط على 25000 ألف عنوان! في حين عرض معرض الكتاب في القاهرة أكثر من عشرين مليون عنوان! من دون أي "منّة" من أحد،أفهم أن يسحب من معرض الكتاب بعض العناوين التي تتطرق إلى رموز دينية لها حساسيتها؛ غير أن الذي لم أفهمه حتى الآن هذا الخوف من بيع كتاب "فلسفي" مليء بالمصطلحات والشروحات والنظريات بينما تباع بطولات "الشوارع" التي تضمّن بعض الروايات بكل أريحية وسهولة، لقد اشتريت مجموعة من المؤلفات "الماركسية" في معرض الكتاب المنصرم وبائع المكتبة يرتجف، بينما يباع بجوارها رواية لمراهقين يدّعون الأدب يكتبون بطولاتهم الزائفة الجنسية يظنون أن هذا قمة الإبداع والتجلي، وتباع ويزدحم عليها الناس.
2-
أما عن "تغذية المعرض للتورم الثقافي" فهذا يحتاج إلى كتاب خاص، يأتي كل مثقف من المثقفين مع حاشيته، يحملون عنه الأكياس التي يملأها بالكتب وكلٌ يستعرض عدد أتباعه في المعرض. البعض يظن أنه ليس سهلاً وأن كل الناس يتوقون لمصافحته أو توقيعه، فيسير المثقف داخل المعرض من صنعاء إلى حضرموت، وهو في غاية النشوة، وهو يشاهد الناس يسلمون عليه أو يقبلون جبينه، كما يكون في غاية النشوة حينما يمرّ بجواره من لا يسلم عليه، أو من يحذّر منه من المخالفين لتوجهه الفكري من الإسلاميين، رأيت "البطولات الزائفة" في فعالية من فعاليات معرض الكتاب.
ذهبت وصديقي سليمان إلى لوبي الفندق ظننا أن هذه الفعالية الحرة ستكون جلسة حوارية ثقافية يمكن لأي إنسانٍ أن يشارك، كانت الساعة العاشرة مساءً وإذا بالحديث قد بدأ عن حدثٍ لم نشهده، كان الحدث قد وقع بعد المغرب حينما أقدم بعض المخالفين لتوجه بعض الكتّاب برفض الرضوخ للفكر المطروح، واحتدّت الملاسنات إلى درجة الاشتباك كان هذا في معرض عام 2006 وبدأ الجميع في حالة نحيب وانتفاخ وتورّم، تحدثوا عن ذواتهم، وأن المجتمع لا يحبهم، ولا يريد أن يستمع إلى حديثهم، قد تختلف أو تتفق مع بعض ما يطرحون، لكن بعضهم يظن أنه حينما تكون لديه زاوية تافهة في جريدة ما أنه هو الأعظم وأنه من بين "المثقفين" الذين يجب أن تسمع كلمتهم ويطاع أمرهم وقولهم، لم نجد أنا وصديقي سوى "الملل والتأفف" ذلك أن كل إنسان بدأ يسرد بطولاته مع المخالفين له، بدءاً من إمام المسجد إلى آخر شخص صرخ بوجهه بعد المغرب في ذلك اليوم. بين مذيع تافه في تلفزيون حكومي كان هو من يدير تلك الفعالية، وبين بعض الذين كتبوا عدة مقالات عن "قيادة السيارة، والطيارة، والهيئة، والتطرف.."الخ من الاسطوانة المشروخة -التي يمكن لأي إنسان أن يطرحها أن يصبح مثقفاً- وظنّ نفسه سارتر، أو غاندي! الجيد في تلك الجلسة أن القهوة كانت "جيدة".
3-
نحن لا نؤمن إلا بـ"الزحمة" ازدحام على "التدين" في فترة من الفترات، ثم ازدحام على "التحوّل" ثم ازدحام على "الأسهم" ثم على "الابتعاث" الكل يظنّ أنه سيعود رفاعة الطهطاوي إلى الرياض ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ازدحام على "الرواية" أصبحنا نرى روايات لا علاقة لها بالرواية. ازدحام على كل شيء، الآن ازدحام على "الكتابة" تجد في صحيفة واحدة أكثر من 40 مقالة! إنها ثقافة "الزحمة" أو ثقافة "عضّ أسفل الثوب" للحاق ببقايا "كعكة" من الكعك. هذا ما يحدث الآن برغم "الزحمة" الثقافية وزحمة الفعاليات لا ترى سوى الأصباغ والاستعراضات الذاتية والحقد والحسد والملاسنات والمناوشات والدسائس بين بعضهم البعض.
4-
هذا المعرض، يجب أن يأتي بهدوء وينقرض بهدوء. وأن لا يمنّ علينا أي أحد لأنه فسح لنا كتاباً لنقرأه فنحن لا نشحذ من أي أحد أي كتاب، وأعرف أن العناوين الجديدة أو المثيرة لن تشكّل نسبة كبيرة من بين ربع مليون عنوان، لأن أغلبها عناوين تباع في المكتبات الآن. والفعاليات مجرد "مهاترات" تافهة واستضافة لأسماء تبثّ الكلاسيكيات البائسة في ندوات تجلب النعاس والتثاؤب، إن المعرض الذي يعقد في الرياض كل عام أقل من السمعة والجلبة التي يحدثها، ذلك أننا في بقعة مغلقة، وأيّ إنسان يسحب شماغ مثقف تقوم الدنيا ولا تقعد وكأن المعرض جلب شيئاً جديداً. لكن "الفراغ القاتل" الذي يئنّ منه البعض يدفعهم إلى زيارة المعرض من أجل أن يراه الناس وهو في "تواضعه" يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.