إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3109 الأربعاء 25 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 9:22:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    

سركون بولص: عظمة أخرى لكلب القبيلة

GMT 12:30:00 2008 الأربعاء 5 مارس

منير بولعيش


"أكتب كلمة واحدة في دفتري وأغلقه، حركة تكفي لكي تتغير الدنيا" (سركون بولص)
 
منير بولعيش من طنجة: قد يكون الموت مسألة طبيعية مثله مثل الحياة تماما، لكنّ موت الشّعراء، دائما ما يأخذ أبعادا مختلفة واستثنائية، فأن يموت شاعر ويحزم حقائب الرحيل إلى (الهناك)، حيث الصّمت المطبق والعدم المريع، هوّ بالتأكيد حدث حزين. 
 غالبا ما يبدوا الشاعر محصنا ضدّ الموت، باعتباره يبقى (أي الموت) امتدادا طبيعيا لتجربة الشعراء مع الكلمات والوجود، وباعتبار أن الشعر كالفلسفة يجعلنا أقدر على تقبل فكرة الموت بما يكتنهها من أسرار وغموض وإغراء، عكس الأديان المتّسمة بالترهيب والتّهويل من العقاب الذي دائما ما يترصدنا (هناك).
ولا بد لنا في هذا السياق، أن نستحضر بعضا من تجارب الشعراء العرب المعاصرين، الذين دخلوا في حوار مباشر مع الموت عند اجتيازهم لأزمات صحية كادت أن تعصف بحياتهم أو عصفت بها فيما بعد، أذكر على سبيل التمثيل: بدر شاكر السياب في دواوينه الأخيرة بعد أن استفحل به داء السل، أمل دنقل في (أوراق الغرفة رقم 8)، محمود درويش في (الجدارية)، حلمي سالم في (مدائح جلطة المخ)، دون أن ننسى الشاعر اللبناني وديع سعادة في ديوانه "غبار" حتى وإن كانت تجربته تتحرك في سياق آخر مختلف.
 
قراءة في شواهد الحاضر:
 
بعد أن نفرغ من قراءة ديوان سركون بولص الأخير: "عظمة أخرى لكلب القبيلة" (الصادر حديثا عن منشورات الجمل في 232 صفحة من القطع المتوسط)، لا بد لنا أن نتساءل إن كان الشاعر يكتب بهذا الديوان وصيته الأخيرة قبل أن يغادرنا مخلفا وراءه عالما شائها ووطنا مدمرا تسيجه الحروب والخرائب، كما تنتابنا قبل ذلك هواجس ممارسة عنفٍ في التأويل على قصائد الشاعر والسقوط بالتالي في فخاخ قراءة مبتسرة ومظللة، ونكون بذالك نبتعد عن المرامي الحقيقية التي كان يتقصدها، ذالك أن قصيدة سركون بولص المستندة على شعريتي السرد والتفاصيل تبدوا وفي كثير من الأحيان قصيدة في المتناول، إلا أنها في العمق تبقى قصيدة لها رمزيتها الخاصة وإيحاءاتها الخاصة ونظامها الخاص.
على مستوى الشكل يتميز الديوان المقسّم إلى ستة أقسام أساسية ببنائه الحلقي، حيث عمد بولص إلى إنهاء (عظمة أخرى لكلب القبيلة) بمقطع شعري يكاد يكون ما افتتح به هذه الأضمومة الشعرية، فإذا كان الديوان قد استهل بقصيدة صغيرة معنونة بـ"الكرسي": "كرسي جدي مازال يهتز على/ أسوار أوروك/ تحته يعبر النهر، يتقلب فيه/ الأحياء و الموتى" فإنه يقفل بقصيدة "كرسي القصب" التي تنتهي هي الأخرى بهذا المقطع: "يهتز كرسي جدي المواجه للنافذة/ يهتز على أسوار أوروك/ يهتز حتى وهو فارغ، لا يجلس فيه أحد"، وهو الأمر الذي يجعلنا نكاد نجزم بأن سركون بولص يبدو بهذا الديوان وكأنه كان واعيا بأنه قد أكمل دورته، دورة الحياة والشعر، حتى وإن جاء اكتمال هذه الدورة سابقا لأوانه، في منتصف الطريق تحديدا:
(في وسط الساحة
سقط الرجل على ركبتيه
ـ هل كان متعبا إلى حدّ
أن فقد القدرة على الوقوف؟
هل وصل إلى ذلك السّدّ
حيث تتكسر موجة العمر النافقة ) ص 13
  هذا بالإضافة إلى الكثير من الشواهد و المقاطع الشعرية التي يتضمنها هذا الديوان والتي تجعلنا ننحوا في اتجاه اعتباره وصية الشاعر الأخيرة، شواهد متشبعة في مجملها بفكرة الرحيل والموت والغياب، هذا دون أن نغفل الحديث عن أن العديد من القصائد تعد مرثية حقيقية لعالم سركون بولص، وهو ما يتجلى في رثائه للأفضية الحميمة عنده وللأصدقاء الذين قتلوا بشكل عبثي: (أذكر هنا تخصيصا قصيدتي مرثية إلى سينما السندباد والقصيدة المهداة إلى روح الشاعر محمود البريكان: محمود البريكان و اللصوص في البصرة).
كما تتضمن هذه الأضمومة / الوصية أيضا، قصائد تنضح بالكثير من الحكمة المتأتية من التأمل في الحياة والوجود، مثل قصيدة (ما يحتمل أن يكون): (يحتمل أنني رغم كلّ الظواهر مجرد رقعة بشرية تتنقل في جغرافية الألوهة العاقر، أو بيدق رباني تحركه يد مجهولة على رقعة شطرنج)، أو قصيدة (إلى الملكوت) التي تبطن حدسا غامضا وإرهاصا شفافا بالإنتقال من مستوى الوهم/الحياة إلى مستوى الحقيقة/الموت، ومن حالة النوم إلى حالة اليقظة، أو كما قال الإمام علي ابن أبي طالب في قولته المأثورة (الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا):
(أنت الزاحف من يوم إلى آخر
نحو بؤرة الطوفان، نحو الوكر الذي
يتخبأ فيه صائغ الصيغة، سيد اللعبة، رامي النرد
على لوح الخشب الملطخ بالدم، أنت الماضي من الوهم إلى الحقيقة) ص 22
وتتميز قصائد هذا الديوان أيضا بنفس نوستالجي وحنين ممض إلى الرّحم الأول، وهو الملمح الذي يتجلى ليس فقط في استحضار وتوظيف الكثير من الإشارات والرموز الأسطورية الآشورية والبابلية والسومرية (أوروك، الطوفان، جلجامش، دجلة، آشور...) بل أيضا في رثاء ما آل إليه وضع العراق اليوم، وهو ما يتمظهر في الكثير من المقاطع الشعرية التي تزخر بها قصائد (عظمة أخرى لكلب القبيلة)، هذا بالإضافة إلى أن الديوان يبقى أيضا احتفاء خاصا من الشاعر ببعض المدن التي مر أو عاش بها: (بغداد، طنجة، أزمور، الأهوار، نيويورك...) وبالكثير من المبدعين اللذين اقتسموا والشاعر خبز المعنى وركضوا مثله من أجل تجميل وجه الأرض.
هكذا إذن رحل سركون بولص إلى حيث تنعدم طرق الرجوع، رحل بعد أن كتب وصيته الأخيرة ورمى آخر عظمة في يده كي يذب عنه/عنا كلاب القبيلة، بشجاعة الشعراء الحقيقيين حجز تذكرته إلى محطات العمر الأخيرة، كتب السطر الأخير، أغلق الباب وراءه وأحكم إقفال الدائرة: 
(أشرب بيرتي على مهلي، ثم أمضي
في سبيلي، لن أعرف أبدا ما هي القصة
لن أفتح المظروف)ص16
 
 

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By