|
منير بولعيش من طنجة: نادرا ما أتحمس لكتاب ذي مضمون سياسي وأتعاطف مع محتواه إلى درجة كبيرة مثلما تحمست وتعاطفت مع كتاب: "القاتل إن حكى" للكاتب والمحلل السياسي اللبناني نصري صايغ (الصادر حديثا عن دار رياض الريس في 285 صفحة من القطع المتوسط)، لأن الكتاب يبقى في الواقع سيرة مرعبة للحرب الأهلية اللبنانية منذ انفجارها في 13أبريل 1975 (حادثة بوسطة عين الرمانة) وحتى الآن، وحيث أن الكاتب لم يتوانى و عبر صفحات هذا الكتاب في هزّ الذاكرة اللبنانية بتقديم أبشع الصور عن حربها الأهلية التي دامت خمسة عشرة سنة وخلفت أكثر من مائتي ألف قتيل و خطف أكثر من عشرين ألف لبناني وهجر أكثر من ثمانمائة ألف لبناني. و قد جاء هذا الكتاب (كما يقول نصري الصايغ) بعدما احتلت هواجس العنف: البيت اللبناني وبعد أن فشل هو و مجموعة من الكتاب و الإعلاميين و الطلاب في الخروج بميثاق لبناني لوقف الزحف الطائفي بسبب أن المسرح السياسي اللبناني الذي كان معدا للإعتذار المفترض أخذ شكل خندق. وقد استهل الكاتب الفصل الأول من هذا الكتاب بسؤال جوهري وهو كيف تشفى الشعوب من حروبها ولا تستعجل الدخول فيها مرارا، قبل أن يأتي الجواب بأن ذلك يتأتى بإلغاء أسباب الحرب وأن يعترف كل من شارك فيها بمسؤوليتهم وتحديد حجم هذه المسؤولية والإعتذار بعد ذلك من الضحايا و ذويهم ثم طلب الصفح من المجتمع. وتخصيصا للسؤال الأول سيعمل الكاتب على نقل هذا السؤال إلى الساحة اللبنانية وليعرج عبره إلى صلب الموضوع والتساؤل بالتالي كيف يستطيع لبنان اليوم أن يشفى من حروبه السابقة ولا يستعجل الدخول فيها مرة أخرى، لكن الجواب هذه المرة سيظل معلقا لأنه لا جواب حتى الآن ولأن من لا يزال مقيما في الخنادق السياسية والطائفية يصعب عليه أن يغير منظاره ولأن لا أحد اعتذر حتى الآن ولأن البلد بمختلف طوائفه لم يخرج بعد من أجواء الحرب ولأن كل طرف ألقى بالمسؤولية على الطرف الآخر و أقروا بالإجماع أن ما قاموا به كان دفاعا عن النفس وهو ما حرم لبنان أن يرسم خريطة طريق ثقافية سياسية، إنسانية، أخلاقية... للخروج من النفق المظلم.. و كل هذه الأسباب المتشابكة جعلت الكاتب يخرج باستنتاج أولي مفاده أن الدولة اللبنانية لا تحمي أحدا لأنها أقرب ما تكون إلى كمين وأن الطائفية هي دولة اللبنانيين الدائمة لأن الذاكرة اللبنانية ذاكرة انتقائية ولأن أكثرية اللبنانيين سارعوا إلى تبرئة القتلة من طائفتهم وجرموا الطوائف الأخرى وفوتوا على أنفسهم بالتالي أن يدركوا مستوى الإجرام الذي تربعوا عليه لما يزيد من خمسة عشرة سنة، هذا بالإضافة إلى أن اللبنانيين قتلوا ضميرهم الجمعي /الفردي بسبب التعصب الذي يدعوا العقل إلى الإستقالة مما جعل من لبنان ورشة للتدمير الذاتي. بعدها سينتقل الكاتب للخوض في مسألة شائكة وهي مسألة الإعتذار ومن سيعتذر لمن؟ لأنه لحد الساعة لم يعتذر أحد من قادة الحروب اللبنانية ولم يقف أحد منهم ليطلب الصفح و الغفران و لأنه لا أحد في لبنان اليوم يجرؤ على كتابة تاريخه الحرج لأن الجميع اطمأنوا إلى أن الصمت يمحوا المجازر و تناسوا أن التستر على الداء لا يلغيه و أن إخفاء الحقيقة هو استحضار لما هو أبشع منها في المستقبل، وهو ما جعل نصري الصايغ و خضا منه لذاكرة لبنان يستحضر مجموعة من الشخصيات والرموز التي أكلتها نيران الحرب الأهلية: (كمال يوسف الحاج، الأب ميشال آلار، كمال خير بك، بشير عبيد، يوسف مروة، كمال حمدان، السيد موسى الصدر، الشيخ صبحي الصالح، هنيبعل عطية، توفيق الصفدي...). وكحل للمعضلة اللبنانية سيعمل الكاتب على طرح تصورات ورؤى للخروج من الأزمة والتي تتلخص في الإعتراف بأن النظام السياسي في لبنان غير قادر على إدارة الإختلاف وأنه لا يشكل مرجعية صالحة و فعالة لحل الخلافات السياسية لأن مرجعيته تأتي من خارجه وأن البنى الإجتماعية و التربوية والفكرية فيه يتأسسان على مفاهيم طائفية نابذة و بالتالي فإن الكاتب نصري الصايغ يخرج من كل هذا بأن النظام السياسي اللبناني ميت وأنه يدفن الجميع بالتقسيط، لذا فإنه من الواجب أمام قوى المؤسسات المدنية غير الطائفية العمل على تنفيذ برنامج يستهدف الإتفاق على وصف الحرب وأحداثها وتحمل مسؤوليتها وتحميل المجرمين تبعات جرائمهم و مقاطعة القتلة السابقين ونبذهم وجمع شهادات من ظلوا على قيد الحياة وإنشاء مركز لمتابعة إفرازات الحرب والعمل على ترسيخ ميثاق تربوي ضد العنف وعقد مؤتمرات سنوية لدراسة وسائل تثبيت السلم الأهلي على قواعد غير توافقية و نشر ثقافة الحوار وحرية الإختلاف وإقامة مرصد ضد العنف بأشكاله المختلفة، وإلا فإن لبنان سيظل رهينة للعنف والغرائز.
|