|
عاش محتارا باحثا عن المفقود، في سر معنى النور، الحياة ما لم تكن جسرا لا تساوي ذرة غبار طريق، أمنيته السؤال، يسأل الريح حين تغني، تزعزع الأشجار، تنحني احتراما، ترقص لها الأوراق وسنابل الحقول، يسأل ضوء الشمس المسافر من وطن الضياء، عن وجه النهار. يسأل كم ّالوردة الفاتحة ذراعيها المستقبلة لقطرات الندى، محتضنة الحياة، لأجل النحل و الفراشات تتشبث بالحياة، تتذلل للصقيع في رجاء، يا أيها الصقيع:" ناشدتك الله، لا تأخذ مني الحياة رحمة بالرحيق فلا جمال للربيع في الغياب والزوال فالألوان من غير العبير تنتحر". يسأل الشذى وغسق الغروب السافر، يصدّ بترسه ضربات صمت الليل القاسي المخيف، هي الحيرة بحراب، يسأل آملا رؤية نور الله في حضرته، يسأل الهوى الجائع الذي يعوي ندما، أي جرم فعلت؟ مذ بدأت الخليقة مع الخطيئة و أعلن ميلاد الجريمة و الطمع؟ يسأل عن معنى الحياة آملا في رؤية نور الله، و الثبات في روعه. يسأل الشيخ بمصباحه المتوهّج يا شيخنا كيف السبيل لنور الله؟ قال الشيخ: كفّ عن السؤال، الأسرار لا تمنح نفسها هبة كالعذارى عارضات الجمال للأبطال والفحولة و الشعراء. الأسرار يا فتى ألغام كلما اكتشفتها تلاشت كالسراب، كلما لاح في الأفق شعاع وتوهّج، هي كالكنز إن وجد، طار تشويق الحكاية وذاب طيف الصندوق ولبس معناه الانفضاح غير محتجب في سرّ أو عجب. هل تأمل حقا رؤية نور الله بداخلك؟ إنه منبسط على وسادة المرضى في المشافي، في قطرات الدم حين تنقلها للهالكين. لن تراه إلا منيرا فوق رؤوس الأيتام المتكئة على الأرصفة البلهاء يختطفها الضياع، في الوجوه العابسة الخائفة للأرامل والسماء تمطر عليهن دما ونار، تأخذ ما تبقى من أهلهن. الحرب فاسحة صدرها البارد كالثعبان، لن تراه ما لم ترى العيون البريئة للأطفال، يختفي حلمهم فزعا منتظرا الخلاص من مضاضة الظلم و الغدر. كم يا ترى قطع الغدر من الأحلام اليانعة؟ لن تراه ما لم ترى الشوارع المتربة، في الحقول المحترقة، قطرات العرق المتلألئة في شمس الظهيرة، بسياط الحر تجلد الجباه، من أكل حق قطرات العرق والنفط لعنة و عقاب؟ هناك حيث الوحل بلغ الرقاب، والسيول جرفت أكواخ المساكين وجحافل الموت زرعت الفناء دون أن تحتّج الحناجر بالهتاف والنجاة. لن تراه و أنت المستلقي بثياب الحرير على السرير بمكيّف الهواء تتمنى الخير للعالم. لن تراه وأنت بلباس دين مطبق اليدين تلوك أدعية مألوفة كما الصلاة. لن تراه ما لم تحرر ذاك البدن، ريّض نفسك واقهر المستتر من الحواس، حطّم الوثن، فعبادة المنفعة والرغبة شرك مع الإله. عرّج إن استطعت في الملكوت، أسكن أرواح الآخرين و امتزج، لديك القدرة حينها في نقل أرواح الآخرين و إسكانها ذاتك. لن تراه و أنت لا تبصر من لا يبصر و يحيا في الظلام و العمى. أنت الأصم لا تسمع الأصم يحيا في عزلة الأصوات القاتلة و المعتقل، أنت لا تسير إلى مَنْ فقد رجلاه دفاعا عن الوطن أو لقمة العيش و الخبز، من يقوى على المسير وتكسير العظام قائم في المزاد. أنت لا تمد يدك تمسح الدمع من العيون التي افتقدت اليد لمسحها، من المعاق ياترى من الأسير؟ أأنت أم الآخر؟ لن ترى نور الله، مادمت أسير الخوف فلا تدافع عن سجين، لن تراه مادام صوت كل أسير بريء في العالم المستمد من صوت الله، هذا الصوت المنكسر على عتبات و أسوار المنابر. لن تراه وأنين الضعفاء و البؤساء يحفر له قبر و بيت عزاء، لن تراه ما لم تقرأ آيات الصبر على تجاعيد العجائز، ما لم يسري فيك أنين الجياع. يسأل الشيخ الذي يكاد بمصباحه يمضي: أيتاح لي ذلك؟ قال: لن تراه إلا إذا آمنت و استقمت فالطريق يوصلك إليهم، سيمنحونك مفتاح الطريق الثاني، مفتاح نور الله إن شئت أن تراه.
|