فهد الشقيران من الرياض: ما الذي يحدث في السعودية؟ البلد الأكثر إثارة للجدل والحوار منذ 11 سبتمبر من العام 2001، وهو البلد الذي يغلي ويتنفس الجدالات والسجالات الفكرية والأدبية، وهو البلد الأنشط عربياً والأكثر سخونة، جيوش من الشباب والفتيات يشعلون الانترنت بالحوار والسجال، ويقرضون الكتب، ويطرحون قضايا ظنوا لفترة طويلة أنها من "التبوهات" التي لا يمكن طرحها أو المساس بها، في بلد يسكنه أكثر من عشرين مليون نفس، وفي بلد يحتضن العديد من الطوائف والأطياف الفكرية، في بلد قنواته، ومواقعه النتية، وصحافته هي الأكثر اشتعالاً. كيف يتجلى ذلك الغليان؟
الصالون الثقافي:
مشهد يتكرر في الندوات، في قاعة كبيرة تطل على شارع الملك فهد في الرياض في أمسية من أمسيات عام 2004 قام المثقف من كرسيه ونزع مشلحه باتجاه مثقفٍ آخر اختلف معه وهو يهمّ بضربه باليد. هذا المشهد يفتح السؤال الذي نودّ معه فتح حوارٍ حول وجود "حراك ثقافي" في السعودية؟ هل يوجد أي حراك ثقافي سعودي. في الرياض إن تسللت إلى الصالونات الأدبية، أو الأمسيات التي يقيمها النادي الأدبي، أو المحاضرات والندوات التي تتبناها المؤسسات البحثية والمكتبات والمؤسسات ستجد بعد الكشف، تجد "الدوائر" حيث تضم كل دائرة أنصارها وأتباعها، وإذا قدّر لكاتب من دائرة ما أن يُهاجم من دائرة أخرى نشبت معركة حامية الوطيس بين دائرتين. إن تغلغلت أكثر ستجد "المبادئ" التي يتحدث عنها كل فريق تتبخر مع الخلافات الذاتية التي لم يكن مشهد المثقف صاحب المشلح وهو يود ضرب مخالفه سوى أحد التجليات للحراك الذي يسود.
الصالون الثقافي هو تجمّع يقيمه أحد الوجهاء أو المثقفين في منزله، وأحياناً في "منتجع" يتنادى فيه الكتاب والأدباء والشعراء، وقد تفوّق على الأنشطة التي تقيمها
الأندية الأدبية الحكومية، فالصالون الثقافي يعتبر أحد أشكال الفعل المدني البحت، فهي وليمة عامة في المنزل هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإن الصالون الأدبي أحد أشكال الهروب من سلطة وزارة الإعلام ومؤسساتها الثقافية، ويختلف نشاط كل صالون عن الآخر، بعضها يأخذ الطابع الفكري والثقافي الأكاديمي، وبعضها يتخصص بالأدب، بعضها مصبوغ بلون حداثي، والآخر يتجه نحو صيغة أشدّ محافظة.
يؤرخ محمد القشعمي لهذه الظاهرة في بحثٍ له، بأنها برزت في السعودية قبل خمسين عاماً، وبدأت في الرياض مع "ندوة الرفاعي" التي بدأت في عام 1960 تلاه صالون سمو الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز في صالونه في الرياض عام 1386 والذي انتقل به إلى أبها حينما عيّن أميراً لمنطقة أبها، ثم خميسية حمد الجاسر، وأحدية راشد المبارك، وصالون سلطانة السديري في الرياض، وندوة النخيل لمحمد بن حسين، وأثنينية عثمان الصالح، وثلوثية محمد المشوح، وثلوثية عمر باحسون.
تلك أشهر الصالونات الثقافية في الرياض والتي غالباً ما تكون محاطة بشيء من "الراحة" والكثير من "الحرية" من أجل إبداء الرأي وطرح المشكلات والنقاش حول قضايا ذات طابع "ثقافي" فهي تنأى بنفسها عن "السجالات السياسية" العقيمة. وقد تطوّرت هذه الظاهرة لتنفجر في الرياض بشكلٍ كبير، خاصة بعد أحداث الإرهاب الأخيرة، ويمتد النقاش طويلاً، وأدى انتشارها إلى استفزاز "الأندية الادبية" والتي تشهد نفور المتلقي من أنشطتها وأصبحت الأندية الأدبية محصورة على الأشخاص الذين ينتسبون إلى النادي، أو من المقربين لصاحب الورقة أو الندوة.
طغيان الحركة الروائية:
في السعودية حركة روائية غير مسبوقة، بعض الكتاب وصف الإنتاج والسيلان الروائي بـ"التسونامي". وفي دراسة قام بها القاص خالد اليوسف، رأى أن عدد الروايات الصادرة في السعودية منذ أن كتب عبدالقدوس الأنصاري روايته "التوأمان"عام 1349 هـ التي اعتبرت الأولى في الأدب السعودي بما يقارب 400 رواية، ومفهوم الرواية اختلط لفترة مع "القصة القصيرة" ورأى اليوسف أن هناك خلطا بين مصطلح القصة والقصة الطويلة ولم يثبت مصطلح الرواية إلا بعد عام 1980، وكان حجم الرواية من 40إلى 80 صفحة، حتى وصلت صفحاتها إلى 500 صفحة. ويضيف في دراسته السعودية واكبت النهضة بعد عام 1970 بنشرها عشرات الروايات الجيدة.
وأضاف: قسم الدارسون والباحثون الرواية السعودية إلى أربع مراحل، المرحلة الأولى من عام 1349هـ إلى 1400هـ وتوزعت حسب الإصدارات إلى 4عقود، فخلال العقدين من1349هـ إلى 1367هـ صدرت رواية (التوأمان) لعبد القدوس الأنصاري و(الانتقام الطبيعي) لمحمد الجوهري و"فكرة" لأحمد السباعي.ومن عام 1370هـ إلى 1380هـ صدرت ست روايات، ومن عام 1381هـ إلى عام 1989هـ صدرت تسع روايات، وانتعشت الرواية خلال العقد من 1390هـ إلى 1400هـ حيث صدرت أو أعيد إصدار 28 رواية.
ومن سمات كتابة المرأة في هذه الفترة صدور سبع روايات للكاتبة سميرة خاشقجي، وجاءت محصلة المرحلة 52 رواية للكتاب و39 للكاتبات، طبع منها 23 رواية داخل المملكة و29 خارجها. وبدأت المرحلة الثانية من عام 1401 هـ إلى عام 1410 هـ حيث وصل الإنتاج فيها إلى 74 رواية، وكان للروائي السعودي في هذه المرحلة النصيب الأكبر حيث أصدر 67 رواية وأصدرت الكاتبات 7روايات فقط، طبع داخل المملكة منها 56 رواية وخارجها 18 رواية.و قد صدرت في المرحلة الثالثة التي تبدأ من عام 1411 هـ إلى 1420 هـ 98 رواية، ومن أهم ملامح المرحلة بروز الكاتبات السعوديات بصورة واضحة حيث صدرت لكل من الروائيات رجاء عالم، فاطمة بنت السراة، قماشة العليان أربع روايات، ولكل من بهية بو سبيت، صفية عنبر ثلاث روايات، وأصدرت نجيبة السيد علي ونداء حسين أبو علي روايتين، بالإضافة إلى ثماني روايات لروائيات سعوديات، وبلغ كامل الإنتاج 32 رواية، طبع نصفها في الداخل والنصف الآخر في الخارج. كذلك استطاع الروائيون السعوديون أن يقفزوا بإنتاجهم إلى 65 رواية حيث نشر داخل المملكة منها 34 رواية وصدر خارجها 31 رواية.وبدأت المرحلة الرابعة من عام 1421 هـ إلى عام 1427 هـ ووصل الإنتاج فيها إلى ما يقارب 226 رواية.
يضيف خالد اليوسف انه عندما نحلل الكمية الخاصة بكل روائي خلال هذه المرحلة "سبع السنوات النصفية" المقصود بها نصف عقد من الزمان يأتي على رأس القائمة غازي القصيبي الذي أصدر 7 روايات إحداها طبعت مرتين، ثم رجاء عالم ويوسف المحيميد حيث أصدر كل منهما 4 روايات، ثم الروائيون عبدالله الجفري وزينب حفني، عبده خال، أحمد الدويحي، عواض العصيمي، قماشة العليان، عبدالوهاب آل مرعي، عبدالكريم المهنا حيث أصدر كل واحد منهم ثلاث روايات، وهناك سبعة عشر روائيا أصدر كل واحد منهم روايتين وهم: محمد القناص، عبدالكريم الخطيب، مها محمد الفيصل، عدنان الشخص، محمد حسن علوان، عبدالحفيظ الشمري، فاطمة بنت السراة، محمد عصبي الغامدي، إبراهيم شحبي، ليندا الوابل، عبدالله المعجل، محمد المزيني، نبيلة محجوب، الأمير سيف الإسلام بن سعود، عثمان أبا الخيل، إبراهيم الناصر الحميدان، وسليمان الحماد. تلك هي رؤية اليوسف في دراسته اليبلوغرافية التي نشرت خلاصتها في الصحف منتصف العام 2007.
تلك أحد تجليات الحركة الثقافية في السعودية، في الصالونات الثقافية التي صارت منتشرة ومتوالدة، وفيها تحدث الكثير من الحوارات الأدبية والنقاشات حول الأمور الحساسة، وفي الحركة الروائية التي نشرت الكثير من الغسيل، وفضحت المجتمع، وباتت الروايات تكشف كل يوم مفاجآت جديدة على المستوى الاجتماعي والفكري والديني.