حسين سليمان – هيوستن: منذ فترة بعيدة توقفت عن القراءات الانطباعية للأعمال الإبداعية وذلك لسبب بسيط وهو أن الأعمال التي اقرأها هي أعمال مكررة، هذا الذي كنت أخرج منه كلما يتفق وانهي كتابا في الشعر أو في الرواية. ولا أشير هنا الى الوقع الثقافي العربي بل الى العالمي أيضا. فعلي سبيل المثال، لقد لساراماغو أسلوبه المختلف المتماوج الذي يذهب ويعود كالأرجوحة. في كتاباته طاقة كبيرة يصرفها الرجل على جملته وصوره وهذا هو أحد أسباب النجاح. حين لقفت كتابه الآخر "الانجيل يرويه المسيح" كانت هناك مغامرة حقيقة من الكاتب لم يتابعها إلا على المستوى المألوف ولأنني من المولعين بالمسائل العقلية الفنية التي تحرك العقل والقلب معا فما كان مني إلا أن مللت أسلوب ساراماغو الذي يجدل حكاياته، الروائيون المعاصرون أخذوا كرسي الحكواتي ووضعوه عند طاولاتهم.
كنت أدبر لكتابة مقالة عنه لكنني نفضت يدي حين أدركت أنه يلعب بالصورة والجملة من أجل اللعب الذاتي، ذات القارئ، كما يفعل ماركيز بنجاح باهر. وهناك موهبة حقيقية يجب أن أذكرها فهو يتغلغل إلى أعماق الصورة ويحللها تحليلا يكشف فيه المخبوء...
كما أظن أن الذي وقعت فيه هي محنة، وبالمعنى العام انطفاء. المسألة إذا ليست شأن الكتاب الأدبي بل هي شأني.
لم يقع بين يدي ما يحرك ويتحرك ويشتعل، ليس بالمقام السطحي إنما بالمقام الداخلي، الذي ينبت فيك ويظل، حتى حينما تنهي الكتاب، يؤسس لبنائك وتحررك.
هكذا أصابني نوع من التسطح واللاجدوى.
لكنني أعلم علم اليقين أن كتابا واحدا في السنة لكاف.
لغة هرمز:
رواية عربية جائتني موقعة باهداء جميل ثم طلب معه ورجاء يقول: أرجو أن تخبرني عن رأيك بها.
رأيي باختصار هو أنها رواية ناجحة.
من هو هرمز؟ لقد نسيت دلالة هذه الكلمة "هرمز". هل هي عربية أم فارسية. على النحوين، فالفن لا تربطه مساحات عربية أم أجنبية.
حين قرأت رواية جيمس جويس "يوليسيس" بترجمتها العربية التي قام بها الأديب صلاح نيازي لم أتوقف عند الهوامش والدلالات الكثيرة وماذا تعني الكلمة هنا والعبارة هناك. قرأت الرواية بمخزون معرفي متواضع والذي جاء عليه النسيان فعمل عليه ايضا كي يجعلني غريبا تمام الغربة عن الوضع الثقافي العالمي. من هو يوليسيس على سبيل المثال ومن هي ايثاكه واسماء كبيرة وصغيرة لكنها غير مهمة لدي. لقد قرأت هذه الرواية من دون الفكرة المسبقة لرحلة يوليسيس. فـ "موليجان" وآخرون لا ثمة علاقة بينهم والرجل يوليسيس. ليقل النقاد والكاتب ما يقولون لكن هنا هنا وهناك هناك.
العالم الفني، لدي على الأقل، هو ليس العالم الذي كتبه نجيب محفوظ أو ارنست همنغواي أو ساراماغو او حتى ان عدنا الى القرون السابقة ليس ماكتبه فلوبير او غيره ممن يماثلونه. هؤلاء كانو يحكون بأداة اللغة الأدبية.
العالم الفني هو مكعب مصمت، تستطيع أن تدخله فقط من بابه غير الزمني، غير المرئي. حيث يتم تشويه الزمن وتغييبه - على طريقة اللاوعي، ذلك حين يتأهب ليرسل أحلامه ورموزه إلى الواعية، أو أنه في الواقع لا يرسل أحلامه الى الواعية، ففي هذا الوقت تكون الواعية مبعدة وساكنة. والفكرة هي أن اللاوعي يعود الى الحياة أثناء النوم. مسألة اللاوعي هو أنه حي على الدوام، لكنه بارد مرسل رموزه الخفية باشارات واهية، لا ضجيج فيها، على عكس الوعي الضاج الصارخ. فالفن، مكانه، الفن، هو هناك في تلك الانحاء التي لا صراخ فيها. ومقامه عال لأنه يعيش مع الهارموني السمائي الذي فيه يهتز العالم في أرجوحة واحدة.
هذا هو الكلام، لكن أين الرواية المعاصرة التي راحت ترواح في مكانها بل تؤخر الخطا عما عرفته منذ رحيل جيمس جويس وفولكنر؟
لقد حاول الروائي الفلسطيني محمد الأسعد على حد معرفتي ومعه الروائي العراقي الراحل صاحب دابادا، حسن مطلك، الكاتبان حاولا ومعهم بالطبع آخرون أن يدخلا العالم الفني ذاك.. وإن كنت قد قرأت محاولات محمد الأسعد التي تحاول الغوص في العالم الصوفي والانحراف عن جماعة السرب الثقافي، فإنني وجدت في محاولته "شجرة المسرات- سيرة ابن فضلان السرية" قلقا في الضمير - وليس الفعل - الذي يقود الجملة الزمانية، هذا الضمير الذي يلعب اللعبة الأساسية في فك المكعب المصمت، فهو، الضمير الذي يتخلى عن الزمن، الوجود، ولا يلبسه لكنه يبقى موجودا كما الظل، ومحاولات الأسعد لم تحقق برأيي النجاح المفروض لأنها أضاعت الضمير نفسه، ذلك حين أراد الكاتب أن يرمي عن ضميره عباءة الزمن. وكذلك وجدت في بعض مقاطع رواية دابادا. فالتخلص من الزمن يجعل الضمير كما الظل، من الصعوبة الإبقاء عليه والامساك به إن لم تكن هناك موهبة موسومة بمتافيزيقية عالية.
يحاول الفن الذي اتكلم عنه التجوال في مناطق خالصة. الشعر. وهي مألوفة بقليل من التفكر في عالم ما قبل النوم، قبل استراحة الوعي الكاملة. فهناك أصوات وتجليات تحضر أثناء هذه الفترة، ويستطيع المرء أن يمسكها وكلما يفعل تفلت. أجاد هذا الأمر خوان رولفو. أعرف عما يتكلم لكن أين هو مكان الكلام وزمانه؟ هناك احساس بلحظات هي بالأصل غير موجودة، إنها العبارة الميتازمانية. العبارة الدينية.
لا تستطيع الكاميرا التلفزيونية التقاطها وإن فعلت فإنها ستفشل ذلك لأن الكاميرا لا تستطيع أن تحيا من دون مكان، فمن دونه تصاب بالدوار.
رواية "لغة هرمز" تصب في كثير من مقاطعها في أمكنة غير موجودة وفي أزمنة محدودبة تذهب كي تعود، وتمشي كي تقف. بمعنى آخر الزمن هو حالة وليس ملاطا يمسك الأحداث. بهذا المعنى تخلصت الرواية من الزمن، هو في المرآة لكنه غير حاضر في الواقع، والمرآة يرفعها البطل ويضعها أمامه كي تعينه على تمثل هذا الواقع الذي يأخذه العقل على أنه المرجع أو المسند الوحيد.
وأنا أقرأ هذه الرواية كنت أقف، الوقفات التي حدثت هي أطول من وقت. يجب أن تحدث وقفات، فالعمل الأدبي الذي يدفعك ويستحثك لمعرفة الحل الدرامي هو عمل غير صميمي، لا ينقل لك خبرة حقيقية تنكشف فيها مناطق لم تتعرفها سابقا. إن العمل الفني هو رحلة، وكما التعرف على المناطق السياحية والغوص في عمق التاريخ، لن تدفع الأيام أو المشرف السياحي كي ينهي الرحلة في أقرب وقت، فالرحلة ليست للكشف عن مخبأ الذهب ومتى انكشف تنتهي الرحلة، أنها مستمرة دائمة، كل مقطع فيها هو جمال قائم بذاته.
حين يقف القارئ عند المقاطع فهو يؤسس في هذا الوقوف لبنائه الداخلي، ربما يهدمه كي يبنيه مرة أخرى على نحو آخر، وربما يعيد تصميم بعض انحائه.
وبالعودة إلى واقع الحياة الصاخب تبرز لدي فكرة جوهرية:
من يفعل ذلك في هذه الأيام؟ الجواب هو، لا أحد، أو من يفعله عدد محدود يعيش خارج المدينة.
ربما، بل مؤكد، أن كلامي السابق هو كلام مثالي بعيد عن وقع الزمن المعاصر، ذلك لأن انسان اليوم هو انسان مصطخب، يحمل في داخله السر الذي لا يهدأ. الانسان المعاصر هو انسان لا سكنى له وهو كأنه مسافر طيلة الوقت. لا بيت له ولا استقرار له. ومنه فكيف أطلب له الفن الكشاف والفن الذي يريد لاستيعابه الاستقرار: يدرك متى يشرق الصباح ومتى تغيب الشمس.
نحن نركض، دوما نركض ومن يركض لا يستطيع أن يتملى ويتأمل العالم. إذن نحن في الواقع مدفوعون بقوة مجهولة، بآلة بخارية لا ندري من يغذيها.
هذا الانسان الذي حاله كما هو حالنا قد انتهى.
وسيكون من يسأله غير ذلك الجنون.
لغة هرمز هي رواية محققة برأيي واستطاعت أن تحقق دخولها الفني. حين أنهيتها وضعتها بجانبي إلى السرير كي أعود إليها وأكتب عنها حين استيقظ في اليوم التالي.
تحكي الرواية عن رجل يعيش مع امرأتين، الزوجة المكتزنة التي راح البطل يعافها بسبب سنها المتقدم ورائحتها المختلطة المنفرة بسبب مرض جلدي غامض، ومحبوبته الجنية التي يزورها أثناء الليل. لن تنكشف النهاية فالنهاية بحد ذاتها غبطة وانكشافها هو كشف الخطوط التي اعتمدتها الرواية كي تكون معاصرة من جانب وفنية من جانب آخر، تقترب في حدودها من العالمين، عالم المعاصرة: الحكاية. وعالم الفن الذي لا يحث القارئ نحو النهاية.
هل هي رواية موجودة؟
سألت نفسي وانا استيقظ، هل الزمن المتماهي المظلل الذي تحدثت عنه الرواية موجود، أو المكان... هذا النوع من الأعمال الفنية هي في أصلها شعر، قصيدة طويلة.
هذا هو رأيي، رواية "لغة هرمز" التي لم ترغب في كشف اسم صاحبها، ولا في كشف مغاليقها التي ربما حلمت بها، كأنني حلمت بها، فما أعظم الأعمال الفنية التي لا تكون موجودة، وهي بين أيدينا لكنها غير موجودة. سوف أعود إليها مرة أخرى حين تسنح الفرصة وحين تندفع نحو النور.