|
عبد الله كرمون من باريس: أثار جان جاك لوفرير، في مقال نشرته الصحيفة الأدبية نصف الشهرية لاكنزين ليتيرير، جانبا غير معروف جدا حول حياة الشاعر رامبو. يتعلق الأمر باشتغاله لزمن في الصحافة، وبالضبط في صحيفة جهوية جذرية تدعى "تقدم الأردين" شمال فرنسا. وقد أسسها المصور إيميل جاكوبي بمدينة شارلوفيل سنة 1870. ذلك أن جريدة جار رامبو هذا قد أثارت الشاعر الشاب خاصة بعدما ساندت الكومونة. ذلك أن شعارها قد اقتبس من "خرائب فولني"، ومن بعض ما جاء فيه: "اكشفوا للإنسان أسباب معاناته!" لكن السؤال الذي طرحه دارسو رامبو هو: هل ساهم رامبو فعلا بمقالات في "تقدم الأردين"، وهل نشر على صفحاتها نصه الشهير Dormeur du val ؟ لقد أدرج شارل ماري دي كرانج أستاذ بثانوية شارلوفيل سنة 1933 هذه السوناتا في مختاراته الشعرية من العصر الوسيط إلى اليوم، وأشار إلى أنها قد نشرت سنة 1870 بصحيفة "تقدم الأردين". كل ما في الأمر أن أعداد هذه الصحيفة لم يحتفظ بها كاملة، لا في خزانة المكتبة الوطنية ولا في الخزانة البلدية لشارلوفيل ولا في أرشيف جهة الأردين ولا في متحف/مكتبة رامبو ولا في الأرشيف الوطنية.
في سنة 1949 وجه بيير بتيفيس أحد كتاب سيرة رامبو نداء إلى أهل منطقة الأردين، وخاصة منهم قراء "تقدم الأردين" أن ينظروا في مخازنهم إن كان من الممكن أن يجدوا فيها بعض أعداد تلك الصحيفة التي كان ينشرها جاكوبي لبضعة أشهر، ما بين 1870 و 1871. مات دي كرانج سنة1944 دون أن ندرك أين وجد العدد الذي نُشر فيه نص رامبو. على الرغم من غياب ما يؤكد أن الرجل قد ادعى الأمر. على كل، لم تحل المسألة حتى هذا العام. لكن معطيات جديدة قد انضافت حديثا كي تحل قليلا بعض الإشكاليات. يتعلق الأمر باكتشاف قام به تاليرسيوز. لقد أكد صديق رامبو دولاي أنه قد أرسل كتابات إلى جاكوبي موقعا إياها بجان بودري كاسم مستعار. وفي بريد الجريدة يمكن أن يُقرأ بلاغ موجه إلى السيد جان بودري يؤكد فيه جاكوبي لهذا الأخير أنه أحوج في تلك الآونة؛ أي زمن الحرب، إلى مقالات منافحة وحماسية أكثر منه إلى الشعر، إذ اللحظة جادة والخطب جلل! وقد أكد صديق رامبو سالف الذكر أن رامبو لم يتقاعس عن الكتابة إلى جاكوبي، بالرغم من أنه قرص قليلا من عدم تحمس هذا الأخير إلى شعره، لكن هذا الصديق قد أتى على تلخيص نص كتبه رامبو بالمناسبة إلى الجريدة حول بسمارك. على أن سيرة حديثة العهد بالصدور حول رامبو لم تؤكد كون هذا النص قد نشر، حتى أن دولاي صديق رامبو لم يتذكر بنفسه إن كان جاكوبي قد نشر بالفعل النص الذي بعث به إليه رامبو. لقد خربت مطبعة الجريدة خلال الحرب، غير أن جاكوبي استعاد روحه وأخرج الجريدة من جديد واشتغل لديه رامبو. غير أن أمل رامبو في أن يصبح صحافيا قد خاب مرة أخرى إذ حجبت إدارة شرطة الأردين صدور "تقدم الأردين" نظرا للموالاة التي أبداها جاكوبي للكومونة. لم يُؤَكّد بالتحديد إن كان رامبو قد شارك حقا في "تقدم الأردين"، ذلك أن لا أثر لرامبو ولا لجان بودري المفترض أنه اسمه المستعار في الأعداد المتوفرة. في سنة 1949 أشار جيل موكيه أن نصا نشر في جريدةٍ شارلوفيلية اسمها "الشمال الشرقي" تحت عنوان "رسالة البارون بيتدوشيفر (ضرطة عنزة) إلى سكرتيره بقصر ماغلوار (مجدي)" وقعه جان مارسيل. ذلك أن الباحث جان موكيه قد أكد أن جان مارسيل هذا هو نفسه أرثور رامبو. ويحاجج في ذلك بكون لا أحد من دون رامبو يستطيع أن يكتب في الأردين كلها بتلك الطريقة من دون رامبو. لكن جريدة "الشمال الشرقي" قد نشرت ذلك المقال على أنه مقتبس من "التقدم"، ما حذا بجيل موكيه أن يتسرع في حكمه. على أن "تقدم الأردين" هذا قد سبق وأن توقف في الفترة المعنية! غير أن أجيال النقاد التي تضافرت خلال الأربعين سنة التي تلت لم تتل جيل موكييه في أمر نسبة هذا النص إلى رامبو. ذلك أن باحثا آخر أكد أن جريدة "التقدم" هذه لم تكن هي "تقدم الأردين" وإنما هي "تقدم ليون" التي كان يكتب فيها شخص اسمه جان مارسيل رسالة من باريس. إذ أن عدد التاسع من سبتمبر من 1871 هو الذي احتوى على رسالة البارون السالفة الذكر. والتي اعتقد جيل كامل من القراء أنها بقلم أرثور رامبو! لكن المقال الحقيقي المنسوب صحة إلى رامبو هو الذي يعود اكتشافه إلى شاب يشتغل بالسينما ويقطن حاليا بشارلوفيل هو تاليرسيو. في مقال نشره ب"الأردوني" نيسان الماضي. فقد عثر على بعض أعداد من صحيفة "تقدم الأردين" لدى الكتبيين، وصادف أن وقف على العدد الذي ضم "حلم بسمارك" لجان بودري أي رامبو، في الوقت الذي كان يستعد فيه إلى إنجاز فيلم حول رامبو. لقد نُشر "حلم بسمارك" في الصفحة الأخيرة لعدد 25 نونبر/كانون الأول من عام 1870 ل"تقدم الأردين". على كل يفتح هذا الاكتشاف جبهة البحث عن حقيقة ظهور نصوص أخرى لرامبو بنفس الجريدة. فإن كان هذا النص يكشف قدرة رامبو على محاكاة أسلوب كتاب كبار آخرين فإنه، على الرغم من بعض مسحة السخرية التي تميزه فليس البتة من أجمل وأكبر نصوصه. فهاكم ترجمة سريعة إلى العربية:
حلم بسمارك إنه المساء، وبسمارك، في خيمته المفعمة بالسكون والحلم، يخمن، وأصبعه على خريطة فرنسا، ومن غليونه الهائل ينفلت خيط رفيع أزرق. يخمن بسمارك وسبابته الصغيرة المعقوفة تتحرك على ورق الخريطة الممتاز، من منطقة الران إلى منطقة لاموزيل، ومن لاموزيل إلى نهر السين. وعلَّم بظفره، بشكل غير باد، الورق، حول ستراسبورغ، ثم تجاوزها. يرتجف الأصبع الصغير المعقوف لدى سارابريك وفيسومبورغ، فيرت، سيدون، ويداعب نانسي، يخدش بيتش وفالسبورغ، يعلّم ميس، وهو يسطر على الحدود خطوطا صغيرة ومتقطعة ثم يتوقف... منتصرا، غطى بسمارك بسبابته الألزاس واللورين! آه! أي هذيان شحيح يتوارى في جمجمته! أية سحاب من دخان عذب ينفثه غليونه المغتبط...! *** يخمن بسمارك. ماذا؟! يبدو أن نقطة ضخمة سوداء قد جعلت الأصبع المختلج يتوقف. إنها باريس. على الظفر الصغير السيئ إذن أن يُعَلِّم، أن يعلّم الورق بحركة مسعورة، هنا وهناك، وأن يتوقف أخيرا… ظل الأصبع هاهنا نصف مقوس وجامد. باريس! باريس! بعد قليل، تستبد الوسنة بالرجل، إذ حلم كثيرا بعين مفتوحة. ومالت جبهته نحو الورق، وانفلت الغليون من بين شفتيه وسقطت فحمته تلقائيا، وانهدمت على النقطة السوداء الشنيعة... أيُّ مسكين! وقد أهمل رأسه المسكينة، لقد غطس أنفه، أنف السيد أوطو دو بسمارك، في فحمة الغليون المتقدة... أي مسكين! امض يا مسكين في فحمة الغليون المتأججة... المسكين! لقد كانت سبابته على باريس!... لقد قضى حلم المجد!
لقد كان رقيقا جدا، وروحانيا حقا، وجد مسرور، أنف هذا الدبلوماسي الأول! ـ خبئوا هذا الأنف!... طيب، فإن كنت ترغب أن تأخذ حصتك من الطبق الملكي، فلتلج القصر. بجرائم... السيدة (...) (هناك مزق في الصحيفة الأصلية ما يفسر هذا الاضطراب في العبارة) لكنك سوف تُرى دوما في التاريخ بأنفك المفحم بين عينيك الغبيتين!... هذا كل ما هنالك! ما كان عليك أن تستسلم لأحلامك! (جان بودري). kermounfr@yahoo.fr
|