إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2739 الخميس 20 نوفمبر 2008 آخر تحديث  GMT 10:30:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    

ثلاثة معارض باريسية

GMT 17:00:00 2008 الأحد 15 يونيو

عبدالله كرمون


عبد الله كرمون من باريس: إن الرابط بين هذه المعارض التي سوف نأتي على ذكرها هو كونها تؤثث جميعها الفضاء العمومي في هوائه الطلق. مانحة للعابر أو للزائر فسحة إلقاء نظرة خاطفة وفرصة تأمل ولو بسيط من أجل "ضرورة الفن".
 
منحوتات جيفكو في ساحة سان جرمان:
تعرض هذه الأيام بإيعاز من بلدية الدائرة السادسة بباريس بعض منحوتات الفنان البلغاري جيفكو سيدلارسكي،

رسم من عري جيفكو

  في ساحة سان جرمان أمام الكنيسة وقرب مقهى ليدو مَغُو المعروف. يتوزع فن جيفكو بين الرسم والنحت، وبين توليفات فنية أخرى. لقد درس جيفكو الفن، وساهم في العديد من المعارض في كثير من الدول، كما حاز على عدة جوائز هامة. صحيح أن منحوتات جيفكو تشد على قفا العابر وتجعله يطوف حواليها قليلا محاولا الإمساك بمعنى مفقود في أبدية ما، هو نفسه المعنى الذي يطارده فنان من طينة جيفكو.
استوقفتني بالخصوص منحوتتان معبرتان، أولهما سماها "لحظة عزلة" والأخرى تأخذ ببهاء عنوان "واقع زائل". تمثل لحظة عزلة شخص متربع على كرسي ذي أرجل عالية ومنقطع نوعا عن تربة الأرض، مستغرق في لانهائية سديم الفناء. أما المنحوتات التي جسدت سربا من فراش يعانق في حركات استماتة عيدان عارية. تبحث عن سرمدية منعدمة في واقع غير مستقر ومانح فقط مجرد نبض مؤقت.
يستعمل جيفكو في نحته وتركيباته المتنوعة مواد مختلفة بدءا بالبلاستيك وانتهاء بجوارب النساء العالية. غير أنه إضافة إلى براعته في النحت. خاصة تمكنه الكبير في خرق كل مواضعاته، ومغامرته في تقديم أجساد مجوفة في الغالب وكأنها خاوية من الداخل، لا قلب ولا دماء وإنما مجرد كينونة هشة على شفا الوجود.
ننتهز الفرصة كي نشير قليلا إلى رسومات الفنان خاصة منها لوحات العري، التي برع فيها بشد المناطق الحساسة بقوة اللون أو بضغطة الفرشاة التي تتريث قليلا مثل العين على مفاتن الحيوانات التي ترعى زغب ما تحت السرة. إنه جيفكو!

مشاهد من ماضي باريس في برج إيفيل
بوذيون يعبرون النهر
  على جوانب الطابق الأول من برج إيفيل، وعلى محاذاة المدار الذي تشكله مساحته، تم الاحتفاء هذه الأيام بصور عدد من المصورين المعروفين، ناقلين في صورهم مشاهد عن حياة باريس فيما مضى.
نلحظ في أبيض أسود الصور، جمال اللحظات التي سرقتها تلك العدسات الفنية من قسوة مضيّ الأيام، ودامت لنا إشراقتها الدالة على ما كانت عليه كينونة الناس بباريس خلال سبعين سنة.
نطلع ضمن الصور المعروضة، والمتضمّنة في سلسلة روجيه فيوليه، صور هذا الأخير وصور كل من جاك بوييه، موريس لويس برونجيه،غاستون باريس، بيير جاهان، نور الدين، هنريه روجيه، ثم ليوبارد ميرسيه.
كل صورة تدعونا إلى الالتفات قليلا إلى الخلف. وإلى النظر إلى ما كانت عليه الحياة في السالف. ما كان يكسوها من مسرات وما كان يكتنفها من مصاعب بل ما كان طابعها الذي عرفته الأيام القديمة.
نكتشف وجه باريس القديمة ونلمح بدقة ما أحدثت الأيام بالمدينة وعادات أهلها عبر الزمن. ذلك الوقع الحثيث لمرور الوقت. ما يجر قدامه هو شأو تلك الصور. نلحظ وقع الحدثين بالملبس وببنية الشوارع وبدائية المهن. نلحظ تلقائية الناس في المرأى، وننظر فيها أيضا كم كانت حدود التقدم العلمي وأين وصلت عجلة التقنية، إذ نرى، من خلالها، في شوارع باريس، الدراجة النارية القديمة ذات مقعدين. وسائق الدراجة الهوائية الذي يقرأ في صورة جاك بوييه حوالي 1900 صحيفة الدراجة.
عوالم أخرى تعود لسنوات، والصور تؤكد في جمالها قوة الفن، ولمحتواها العميق سلطة باريس على التاريخ. فطوبى لزوار البرج هذه الأيام!
  
 صور مثيرة على إفريز حديقة اللوكسومبورغ
أقف على مصطبة بار "المدار"، وأعيد استراق النظر من بعيد إلى الصور المعروضة على الإفريز الحديدي لحديقة اللوكسومبورغ. 
جاك بوييه 1922

يتعلق الأمر بعدد من الصور التي سبق وأن نشرت على صفحات مجلة لوفيغارو ماغازين منذ ثلاثين سنة، وقد أُطلق على هذا المعرض "ثلاثون عاما من إثارة"!
همّ تلك الصور إذن هو إثارتنا وخلخلة مشاعرنا عبر لحظات متباينة. تعود بنا إلى الخلف عبر الزمن، إلى أماكن جغرافية بعيدة الرقعة. إذ نستشف، في غالبيتها إذن، انشغالا فنيا واضحا بالهم الإنساني، أو بالأحرى بوضع الإنسانية.
يتضافر إذن عنصر المعاناة عبر تلك الصور، في شدتها وعتوها حسب اختلاف منابتها وأزمنتها وشدة ذلك ولينه.
سواء كانت اللحظة زمن ومكان المجاعة هو بلد السودان، وكانت الصورة تلتقط في تأبيد شديد الدلالة للقطة سرقة شخص لطفل مئونة ضئيلة قد حصل عليها للتو من منظمة إغاثة معينة.
تريد الصورة إذن أن تجسد شعرية فظاظة مضاعفة، وتعلن اهتزازا هائلا في ميزان القيم. أو تميس في البيئة نفسها فتاة في منظر مداري قاس مع طيور أخرى أصيبت كلها بغضب ما. الجوع وتشابك معضلات المصير، نرى الفتاة تتخذ هي أيضا، دون وعي، شكل الطائر في مشية إلى أفق مسدود!
ثم هناك صورة إيراد المياه، وهي بحق، أكثر تعبيرية وأشد معنى. الماء وتحلق كل تلك البشرية على فوهة البئر من أجل حياة وخوفا وهربا من الموت!
تلك الحبال المدلية إلى قاع الرغاب السحيق، وكل تلك الأواني التي تسعى إلى امتلاء. تظل، مع ذلك، رغبة البقاء أقوى من كل أشباح الموت وسدنتها وصانعيها.
أما شعرية الماء والوِرد، إذ الموت هو نفسه يحمل اسم "الوِرد" في البلاغة العربية، فنجدها في الصورة التي يُسقى فيها طفل أفريقي بواسطة سدادة برميل بلاستيكي. فهي، على كل حال، ليست تجسيدا لبؤس معين بقدر ما هي انعكاس لطريقة مخالفة في طريق العبور من الطفولة إلى عوالم أرحب.
هناك صور أخرى أشد إثارة، نرمي إليها لحاظنا ونحن نمر حول الحديقة. أجمل ما فيها "حفرها في أركيولوجيا" البؤس أو الجمال أو مغامرات المعنى الأخرى. لن يسوء لأحد، باعتقادي، لو مر من هنا، وتعلق قلبه لحظة ولزمن بصورة أو بأخرى، سوف تكون الإثارة إذن متجددة وعلى موعد مع الخلود!
 

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By