إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2664 السبت 6 سبتمبر 2008 آخر تحديث  GMT 6:30:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    

مناجاة مكبث الثانية

GMT 18:30:00 2008 الثلائاء 24 يونيو

صلاح نيازي


مناجاة مكبث الأولى

 أ
نتهت مناجاة مكبث الأولى، كما رأينا، بانهيار مكبث. ما من مهمازٍ لديه لينخس خاصرتيْ عزيمته، حتى "طموحه الجامح يثب إلى أعلى من فرسه أكثر مما ينبغي، فيسقط على الجانب الآخر". اعترف مكبث خائرا لزوجته بأنه عدل عن فكرة قتل الملك. تستغرب الليدي مكبث من هذا الانقلاب المفاجئ في تصرّفه وتطيش. تراه الآن شخصين: الأوّل مخموراً بالأمل والثاني صاحياً، شخصاً شجاعاً في الرغبة، ومنكمشاً في تنفيذ الفعل. آستغربت من طموحه الذي لا يقنع بدون التاج، ومن عيشةٍ، يرتضيها، مغمورة، هي عيشة الجبناء، رأته مثل "قطّةٍ مسكينة تشتهي السمكة وتخاف من البلل" كما يقول المثل الإنكليزي. خاطبته الليدي مكبث بسخرية:
  _ هل كان الأمل مخموراً
   ذاك الذي آكتسيت به مرّة؟ هل رقد منذئذٍ
   وصحا الآن مخضرّاً وشاحباً..."
بكلمة: آكتسيتَ، جعلت الليدي مكبث الأمل المخمور، أشبه بالرداء، هل رقد الأمل من فرط الثمل، وحين صحا تلاشى؟ (كلام الليل يمحوه النهار- أبو نواس).
يقول Cleanth Brooks:"رجل مكسوّ بأمل مخمور، وكأنما مكسوّ برداء غريب حقّاً – رداء مضحك يتطابق كليا مع الصورة المحتقرة التي ترغب الليدي مكبث في إحداثها". (T.  Hawkes,ed. ص: 43).
   يبدو أنّ الليدي مكبث أجّجتْ بهذا التقريع، الرجولةَ في مكبث، فقال لها:
    - "أرجوك أسكتي
    أجرؤ على عمل كلّ شيء يليق برجل
   ومَنْ يجرؤْ على عملٍ أكبر فلا وجود له".
الليدي مكبث لم تتوقّفْ عند هذا الحدّ، قارنته بوحشيتها وهي الأنثى التي تكون الأضعف عادة:
   - "كنتُ مرضعةً وأعرف
   عِظَمَ الرأفة على طفلٍ مصّ حليبي:
    بيد أني، وبينما هو يبتسم في وجهي،
   سأقتلع حلمتي من لثّته الخالية من الأسنان
   وأطرطش مخّه، لو كنتّ أقسمتُ
  على هذه الفعلة، كما أقسمتَ أنتَ".
 لكنّ مكبث رغم ما تبجّح به من رجولة قبل أسطر، راح يفكّر في العاقبة، فقد تعود عليه بالوبال. ماذا لو أخفق في عملية القتل؟ ماذا لو آرتهب في آخر لحظة، فأحجم، ولم تطاوعْه يده على القتل؟
 طمأنته الليدي مكبث، كما تطمئن طفلاً مرتعباً، من نجاح الخطة لأنها أُحْكمتْ بدقّة. سيكون الملك في أعمق سبات بعد سفرة مرهقة. الخمرة ستصرع حارسيه، فينامان "نومة خنزير". ثمّ يشرعان في قتله، وإلقاء اللوم على حارسيه " المنقوعين بالخمرة كالإسفنجة فيتحمّلان وزر الجريمة".
   آلتقط مكبث، كما يبدو، أنفاسه. آستعاد رباطة جأشه، فراح يُعلي من شأنها، ويجعلها فريدة بين النساء:
   - إحبلي بالذكور فقط!
   لأنّ معدِنك الشجاع يجب ألاّ يركّب
  إلاّ ذكوراً...".
عاد هو من جديد ليطمئن نفسه من أنّ الكلّ سيصدّق:
 - إنْ نحن لطّخنا بالدم هذيْن النائميْن
  في غرفة نومه هو، واستعملنا خنجريهما نفسهما 
  على أنّهما فاعلا الجريمة؟".
  قرّ قرار مكبث. بيّتَ الفعلة. ها هو نفسه ينصح الليدي مكبث وكأنّهما تبادلا الأدوار:
  - لنتصرّفْ ونخدع الناس بأسعد الوجوه
    على الوجه الكاذب إخفاء ما يعلمه القلب الكاذب".
لكن رغم هذه الثقة العالية بالنفس، و"خداع الناس بأسعد الوجوه"، إلاّ أنّ هاجساً ما كان يلحّ. اشتركت في الهاجس حتى الطبيعة، وكأنّها شعرت مسبقاً بما سيحدث. غرب القمر. الظلمة الآن أكثر حلكة. النجوم وراء الغيوم لا تبين. "ثمّة تقتير في السماء، فكلّ شموعها مطفأة".
 الهاجس يجتاح كذلك، بانكو القائد العسكري زميل مكبث في المعركة:
  _ " دعوة عميقة للنوم تجثم فوقي
   ومع ذلك لا أرغب في النوم:أيتها الملائكة الرحيمة
   إلجمي فيّ الأحلام الشرّيرة التي
    تطلقها الحياة أثناء الهجوع!".
يقول ِA C Bradley:"الظلام ويمكن أن نقول عنه حتى السواد، يخيّم على هذه التراجيدية. تقريباً كل المشاهد التي تخطر على البال تجري في الليل، أو في بقعة مظلمة. رؤية الخنجر، وقتل الملك دنكن، وقتل بانكو، والليدي مكبث في سيرها في النوم. كلّها تحدث في الليل". (ص:279).
تقول M. M. Mahood "ثيمة الظلام في مسرحية مكبث لها صلة وثيقة بالزمن...النور يقيس الزمن، ولكن ليس هناك من زمن في الظلام" (215) (Shakespeare: Macbeth, ed. John Wain)
   بهذا التوقيت الذي كان فيه بانكو يستنجد بملائكة الرحمة أنْ تُلجم الأحلامَ الشريرة، يدخل مكبث وخادمه، وفي يده مشعل. مكبث بدل الملائكة والمشعل بدل القمر والنوم.
  هذه بعض الأجواء التي كان يحضّرها شكسبير للمناجاة الثانية. الهواجس تملأ المسرح.
ما الذي سيقوله مكبث؟ وعلى ما سيقوله ستتغير الحياة ولنْ تعود كما هي عليه أبداً.
لكنْ لا بدّ لمكبث من حيطة، مهما كان طيشه، لأن نجاته تأتي في المقام الأوّل. وحتى يزيد شكسبير من عنف اللحظات وترقّب النظارة أكثر، جعل بانكو مستيقظاً، وقد يرى مكبث وهو يدخل إلى غرفة الملك، أو يراه وهو يخرج منها.
   الخطّة رغم ذلك لم تتوقّفْ. أرسل مكبث خادمه، لينام. أوصاه أن يذكّر سيدته الليدي مكبث بأن تقرع الجرس عندما يكون شرابه جاهزاً. قرْع الجرس بمثابة ساعة الصفر. متى يُقرع الجرس؟. النظّارة في ترقّب مرتجف. في هذه الآثناء بالذات، ينفرد مكبث بنفسه، ويلقي هذه المناجاة الحوارية. المناجاة من بدايتها إلى نهايتها، حوارية. ولكن مع مَنْ يتحاور؟ ما من أحد غيره. هل آنفصمت شخصيته أم أُصيب ببعض خبل؟ يرى ولايرى. يلمس ولا يلمس. راح يحاور حتى الأشياء الجامدة. في البداية حاور خنجراً، دعاه، يريد أن يمسكه ليتأكّد من حاسة بصره. حواسّ مكبث تتفكّك الآن، لدرجة الصراع في ما بينها. أيّاً منها يصدّق، وأيّاً منها يكذّب. مكبث نفسه يتفكك:
    - "أهذا هو خنجر أراه أمامي
    مقبضه باتجاه يدي (يكلّم الخنجر) تعال
    دعّني أمسكك، ومع ذلك أراك دائماً".
يقول Kenneth Muir:"الخلاف بين اليد والأعضاء الأخرى يتكرّر مرّة بعد مرّة. يرى مكبث عمل أعضائه بتجرّدٍ غريب: خاصّة وهو يتحدّث عن يده، وكأنما لها وجود مستقلّ خاصّ بها. يحثّ عينه على أن تطرف حينما يرى الخنجر المتخيل فلا يدري هل عيناه صادقتان، أم أنّ بقية أعضائه هي الأكثر ثقة؟". (Pxxix).
 كذا المقطع الأوّل المتكون من ثمانية أسطر متواصلة بالأسئلة. أسئلة لا يتوقّع مكبث لها جواباً. لكنها تدلّ على تمزّقه. آنتقالات سريعة من العين، ثمّ إلى اليد، ثمّ إلى الرأس. كأنها معركة، لا تشبه معركته العسكرية الأولى التي آنتصر فيها في بداية المسرحية. معركته الجديدة حاسمة لأنّ ميدانها رأسه المنتفخ بالحمّى. لا بدّ من التريث وامتحان جاهزيّة أعضائه. العين ترى الخنجر بشكل ملموس. تلَمّس خنجره الذي يتمنطقه للتأكد من نفسه. الخنجر، كما خاطبه مكبث، يرشده "إلى الطريق الذي كنت ماضياً إليه". هل توحّد الخنجران؟ ولكنْ من أين جاءت قطرات الدم على نصل الخنجر ومقبضه:
    - "ما زلت أراك
   وعلى نصلك ومقبضك قطرات دم
  لم تكنْ عليهما من قبل.- لقد ظهرت للتوّ".
بظهور قطرات الدم، نُزِعتْ ثقة مكبث بنفسه، وعادت حواسّه إلى الآنفصال، وانتفخ الرأس بالحمّى.
 هذه التقلبات أشبه ما تكون بنوبات جنون تجري عملياً أمام النظارة على خشبة المسرح. هل كان مكبث مجرد ممثلٍ حقيقي "مسكين" يقوم بدور مهلك أعدّته له قوى خفية وغامضة، وعلى رأسها الساحراث الثلاث، وهي التي تقوده الآن إلى مخدع الملك؟.
  يعتقد إيْ أيْ جيْ. Honigham: "أن الساحرات الثلاث سكنّ دماغ مكبث حتى قبل أن يَراهنّ: فكلماته الأولى بالذات:"لم أرَ يوماً غائماً وصاحياً" (هي صدى لما قالته الساحرات، في الفصل الأوّل المشهد الأوّل)، ما دام هو بلا وعي يعيد غناءهنّ، وما دُمْنَ هنّ قادرات على النفاذ في الدماغ النائم". (ص 139).(Shakespeare The Tragedies, ed., R. B.Heilman) (
غير أنّ Gareth Lloyd Evans يعتقد أنّ "الساحرات لم يقمْنَ بأكثر من تجسيد مطامح مكبث الخفية تجسيداً مادّياً ملموساً، إنّهنّ لم يدفعْنه إلى القتل. زوجته...هي المسؤولة عن إجباره على الإعلان عن نواياه، وبهذا تغيّر الآتجاه الكلّي لعلاقة مكبث بنفسه، وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه. لقد هاجمت حبَّه لها، وهاجمت رجولته:
    -"أيُّ وحشٍ إذنْ
   جعلك تُخبرني عن خطّتك هذه؟
   حين كنتَ قادراً على تنفيذها، كنتَ عندئذ رجلاً:
   ولكنْ حين تُصبح أكثرَ مما كنت
   فإنك أكثرُ شبهاً بالرجل"
"فبعد سماعه للأبيات أعلاه، يلين وينتقل من التردّد والتأمّل إلى ثلاث مراحل، أوّلاًَ: رجل قاتل محتمل، إلى رجل قاتل فعلاً، إلى رجلٍ قويّ" (ص: 297).
 
   يبدو أنّ عينيْ مكبث غامتا بعد أنّ تشكلت فيهما الفعلة الدموية، فلم يعدْ يرى ما حواليه. ساح عقله بعيداً، إلى نصف الكرة الأرضية الآخر. صمت ميّت هامد. ما من نأمة. ما من شيء يُرى. غاب الوعي، وحلّ محلّه اللاوعي. غير أنّ الأحلام خبيثة، كما خبرها بانكو من قبل:
    -" أيّتها الملائكة الرحيمة!
   إلجمي فيّ الأحلام الشريرة التي
   تطلقها الحياة أثناء الهجوع! _ أعطني سيفي".
أوّلاً لماذا سيفي؟ هل تجسدّت الأحلام الخبيثة خطراً ماديّاً؟ الجوّ مشحون برعدة.
إلاّ أنّ عقل مكبث الباطن، جَسّدّ له سيّدة الساحرات "هيكات" كذلك. وإمعاناً في تجسيدها وصفها:شاحبة. الشحوب في هذه المسرحية مشؤوم، مشؤوم، مشؤوم. يقول وولفغانغ Clemen:"لم يستطعْ مكبث التخلّص من فكرة الساحرات. كل المناجاة آستمرار لشيء بدأ حين قابلهنّ لأوّل مرّة في الفصل الأوّل".(ص161).
   أكثر من ذلك لم يكن الهمود الذي كان يشيع في الحياة مجرد ظاهرة طبيعية منعزلة. يقول John Baxter:"همود الطبيعة ليس مجرّد ثيمة رعب منتصف الليل، ولكنّه همود في طبيعة مكبث نفسها، تدفعه للإذعان لـ "أحلامه الخبيثة". (ص 217)، ويقول Clemen:" حينما يصف مكبث الطبيعة فإنّما يكشف عن حالة عقله الباطن، لإنكار الحواس الأخرى لصالح العينيْن".
 حتى الآن تعطّل شيئان، هما العين والعقل، في كيان مكبث. إنه يتفكّك أمام أعين النظارة على خشبة المسرح، كما تتفكك ألواح زورق غريق. خشبة المسرح بمثابة طاولة تشريح، ومكبث مبنّج تقريباً. هكذا أطلق شكسبير في مكبث عقله الباطن وجعله يرود عالماً أوسع وأخطر، كما في الكوابيس. يرى الآن ثلاثة تجسيمات لثلاثة تجريدات ذهنية:
    "الساحرات يحتفلن، بطقوس "هيكات" الشاحبة
  والقتل الضامر
  أيقظه حارسه، الذئب، وعواؤه
  دليله على الوقت..."
ذكرنا أعلاه أنّ الشحوب في هذه المسرحية مشؤوم، ولكن لماذا يحتفلن؟ هل لأنّ طبخة سحرهنّ نجحت، وها هو مكبث وقع في أحابيلهنّ. توقيت:"القتل الضامر" بعد ذلك مباشرةً ربّما يدلّ على نوعيّة تلك الطبخة. يقول Baxter:"القتل لا شكّ ضامر في أكثر من معنى تقليدي للتشخيص الرمزي" (ص217). بالإضافة إلى ذلك، أخذت الصورة بعداً تأريخياً مع الذئب الذي لا يُؤمَن له جانب. جاء في أعمال الرسل:20-29 "لأني أعلم هذا أنّه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعيّة". وجاء في إنجيل متى: 7-15 -:"إحذروا الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنّهم من داخلٍ ذئابٌ خاطفة".
مرة أخرى نرى القتل هنا عومل معاملة ماديّة أيْ تشخصن، وآتخذ صفات بشرية. من ناحية أخرى، كان صوت الجرس بالنسبة إلى مكبث هو ساعة الصفر، بينما الآن عواء الذئب هو ساعة صفر الموت. بهذه الحيلة الفنّية أدخل شكسبير حاسّة السمع لأوّل مرة في هذه المناجاة، في أخطر توقيت وأشرس صوت. لا بدّ من الحذر. الذئب يقِظ. سمعه مرهف ونظره حديد. لا بدّ لمكبث من خطو بلا صوت مطلقاً. بهذه المثابة كان شكسبير يُهيّئ لخطوات مكبث وخطورتها. يجب أنْ تكون أنعم من ناعمة. أنعم من قوائم قطّة.
 بالإضافة إلى الذئب، سمعاً وبصراً، ولتكبير الخطر،عطّل شكسبير حاسة بصر مكبث، فجعل الليل أكثر دكنة وبالتالي أكثر خطراً، بإطفاء شموعه، فلا يتمكن مكبث من تبيّن طريق، ومعرفة موطئ قدمه بسلام. تلك حيلة فنيّة ملؤها الحذق، للآنتقال من اليد التي عجزت عن الإمساك بالخنجر إلى القدم المتقلقلة الآن. في الزلل، أيّ زلل، مهما كان طفيفا، مقتلها. أضحى الزمن يقاس باللحظات واللهاث والوجيف. "اللحظة ستبدو وكأنّها الأبدية، والهول سيلطّخ كل ساعة"، كما يقول مارك فان Doren.L.f. Dean,ed) ص:348).
قلنا أعلاه إن القتل اخذ هيئة بشرية، له ما للبشر من صفات. وصفه مكبث، رغم تشوّشه، بدقة:
  -"هكذا راح يتسلل بآختلاس
    بخطوات واسعة كخطوات "تاركوين" الغاصبة
   صوب خطّته
   متنقلاً مثل شبح".
بخطوات تاركوين يكون شكسبير قد نقلنا إلى عالم الخساسة. مسكينة لوكريس. تسللّ إلى مخدعها تاركوين في غياب صديقه زوجها، وآغتصبها. أخبرت زوجها وأباها بجريرة تاركوين، ثمّ آنتحرت. قامت بسبب ذلك حرب أهلية، في القرن السادس قبل الميلاد.
مهما دار الأمر، ما علاقة تاركوين بالقتل؟
رأينا أنّ الموت تشخصن، تجسّد فأضحى بمثابة إنسان قاتل. أمّا الضامر فهو صفة لإدخال الإخافة في النفوس، لأنّ عظام هيكله العظمي ناتئة. ولكنْ كيف أساغ شكسبير تشبيه القاتل بتاركوين؟ وتاركوين تقوده شهوة جسدية بينما تقود مكبث شهوة القتل؟
قد لا نجد علاقة لأوّل وهلة. ولكنْ إذا أمعنّا النظر أكثر، سنجد السرّ في تعبير:"بخطوات واسعة"، ذلك أنّ الشهوة الجنسية إذا آستحكمت بالإنسان وهيمنت عليه تسلبه إرادتَه كلّها، تسلبه حواسَّه كلّها. تضيق الدنيا في العين وتضيق، ويتركّز الحسّ في نقطة واحدة، لا بدّ معها من إفناء الشهوة التي لا يمكن إطفاؤها، إلاّ بإكمالها. لا يمكن إيقاف الشهوة في الربع أو في النصف. لا بدّ من إكمالها. في تلك الحالة القصوى من الحمّى ينعدم كلّ رادع. يتساوى الخيط الأبيض والأسود. يتساوى الخير والشرّ، يتساوى الجنّة وجهنّم. يتساوى حتى العقاب والثواب. إنها أقصى حالات الجنون.. خطوات واسعة"، لا تدلّ إلاّ على تلك الحالة القصوى من الحمّى الجنسية. هي لا تنتظر. لا يمكن إيقافها في ربعها، أو في نصفها. لا بدّ من إطفائها بأسرع ما يكون، وبأيّ ثمن.. يبدو أن الشهوة واحدة في نظر شكسبير، لها نفس القوّة والعماء والآنخطاف، سواء أكانت إفراغاً جنسيّاً آغتصابياً، أمْ شهوة للسلطة، أم شهوة للقتل.
 
 هكذا كان رأس مكبث ينشحن بأقبح الأشباح، ولكنْ لنعُدْ إلى تسلّل الموت الذي صُوّر في هذا المقطع، وكأنما، ليُري مكبث، سهولة القتل وكيف يجب أن يقوم به. مكبث متفرّج في هذه المرحلة ليس إلاّ. يتعلّم صناعة قتلٍ يختلف عن أيّ قتل آخر مارسه في المعارك الأخرى.
يقول Clemen:"إنّ من أعظم إنجازات شكسبير في هذه المأساة هي أن يجعل البطل يتصوّر مسبقاً ما الذي سيفعله وكيف سيكون متأئّراً بالقتل" (ص: 162)
 الموت عادة لا يُرى ولا يُسمع، ولكنّ مكبث مادّة من لحم ودم وخوف. كيف يذهب إلى القتل؟ لا بدّ ان خوفه بلغ التراقي. يقول جي ولسون Knight:"الخوف يضرب أطنابه في عموم المسرحية. إنه في كلّ مكان Ubiquitous. الكلّ خائف. بالكاد نجد شخصاً لا يشعر بـ /أو يُعلن في وقتٍ ما، عن رعبٍ ممرض لا آسم له" (ص:146)
 بهذا الرعب الممرض تسلّل مكبث، لا كشبح لا صوتَ له ولا صورة، ولكنْ كبشر من لحمٍ ودمٍ وخوف. راح يتوسّل، وهو أغرب توسّل:
 "...أيّتها الأرض الآمنة الراسخة
  لا تسمعي خطاي، ولا لأي جهةٍ تسير خشية
  أنْ تصرخ حجارتك نفسها في أيّ مكانٍ أنا
  فتفصل لحظة هول القتل الراهنة عن الظروف
  المناسبة لها الآن..."
حتى لو لم تكنِ الأرض آمنة راسخة، فقد كان هذا ما يتمناه مكبث، لأنه هو كان غير آمنٍ وهشّ متقلقل. هكذا جعل شكسبير الصمت يحبس الأنفاس، وأيّ صوت يندّ تكون له فاعلية الفتك. بهذا التوقيت الخطر من الصمت الفارغ، يُقرع الجرس، فيندلق الهول:
  "...أنا ماضٍ، وقُضِيَ الأمر. الجرس يدعوني
   لا تسمعْه، يا دنْكنْ، لأنّه ناقوس
    يستدعيك إلى الجنّة أو إلى النار"
(سنبحث تداعيات السطر الأخير في نهاية هذه المقالة).
   مهما كان الأمر، تأخذ المناجاة كأي قصيدة ممسرحة، أهميتها، بالإضافة إلى كلماتها وتداعياتها وبالإضافة إلى صورها المجازية المعقّدة، من تراكيبها اللغوية ومن موسيقاها، من أداء الممثل، حركة وإيماء، ومن صوته وطبقاته آرتفاعاً وآنخفاضاً، سرعة وبطئا.
 الموسيقى على الأخص، والتراكيب اللغوية لا يمكن نقلها للقارئ الأجنبي، لأنها من خصوصيات كلّ لغة، وكلّ تراث، لا تشترك فيها مع أي لغة أخرى، أو تراث آخر حتى لو كانتا في بلدٍ واحد.
 مع ذلك، لا بدّ من المحاولة.
تُستهلّ المناجاة بثلاثة أسئلة، في الفقرات الثلاث الأولى، وكلّها تتعلق برؤية خنجر.
السؤال الأوّل:"أهذا هو خنجر أراه أمامي؟"
 كان النظّارة، في أقّل تقدير، يتوقعون شيئاً غير هذا. كانوا قد سألوا أنفسهم، ما الذي يدور في رأس مكبث؟، وتصوّروا أنّ مكبث سيجيب. تبادل النظارة ومكبث الأدوار. مكبث هو الذي يسأل، وأكثر من ذلك، في سؤاله حيرة وتشوّش، خبل أو بعض خبل.
تجسّد الخنجر فعلاً، في الأقلّ لنظر مكبث، حينما قال:"مقبضه في آتجاه يدي". يكتمل تجسّده حين خاطبه:"تعالَ دعْني أُمسككَ". كذا تتوالى الأسئلة: من آنخطاف العين (حاسّة البصر)، إلى إحباط اليد (حاسّة اللمس)، إلى خبال العقل:"...أمْ أنّك/ مجرّد خنجر للذهن، خلقٌ زائف/ صنعه دماغٌ مصابٌ بالحمّى؟".
يقولClemen "في هذه المناجاة حركات وإيماءات أكثر من المناجيات السابقة، وهي تتطلّب من الممثّل أن يقوم بدوره على الوجه الأكمل. وما دام الخنجر، كمرافق، لا يبقى ثابتاً، وما دام مكبث يراه متغيّراً، فثمّة تغييرات في اللغة وفي الأداء" (ص:159).
يقول John Baxter:"قضية أخرى تستحقّ أن نوليَها الآهتمام في المقام الأوّل. إنّها مسألة تتعلّق بتركيب الجمل:Syntax. فترة طويلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء منفصلة بشارطة (فارزة) هكذا (،)، أو بشارطة منقوطة هكذا (؛) وهي تدلّ على فصل غير تام. وعن طريق وضع فكرة القتل في الصفّ الأخير بعد سلسلة من ثلاث مراحل، أعطى شكسبيرالإحساس بالشيء المحتّم، وهو الإحساس بالتأجيل الطويل للخبر أو المسند إلى "الموت الضامر": "متنقّلاً مثل شبح" (ص:216). يصف Baxter أسلوب المناجاة، بأنه طنّان لأنه يلجأ إلى:"تكرار تركيب الآسم وصفته...: الأحلام الخبيثة، النوم المستور، هيكات الشاحبة، القتل الضامر، خطوات واسعة..." (ص:216).
   مهما دار الأمر؛ حينما يدقّ الجرس إيذاناً بالقيام بالقتل، يقول مكبث:
I go, and it is done
      "أنا ماضٍ وقُضِيَ الأمر"
الكلمات الإنكليزية المقتبسة أعلاه، أحادية المقطع. نبرات حادّة، متوترة، يقينيّة (أقرب إلى بحر الخبب العربي كما قلنا: فِعْلُنْ)
هذه الحدّة في النبرات، صدى لمطلع مناجاة مكبث الأولى التي آحتوت على آثنتي عشرة كلمة أحادية المقطع من أصل ثلاث عشرة كلمة:
If it were done when 'tis done, then 'twere well
It were done quickly    
 
       ****
   قد يكون من الطريف أنْ نتوقّف قليلاً، عند وجهة نظر إسلامية، في مسألة القتل في هذه المناجاة، أعني ما جاء في كتاب: "The secret Of Shakespeare" (57 – 70)، للباحث الإنكليزي Martin Lings (1909 –2005) وهو مسلم متصوّف، لديه العديد من المؤلفات الدينية الصوفية المهمّة، ويكنّي نفسه:"أبو بكر سراج الدين"
 تناول Lings جزءاً مهمّاً من المسرحيّة يبدأ بكلمات مكبث إلى خادمه قبل المناجاة التي تسبق القتل مباشرة:
   _ "إذهبْ واسألْ سيّدتك أن تقرع الجرس
    عندما يكون شرابي جاهزاً. إذهبْ إلى فراشك".
وحين يُقرع الجرس، يقول:"أنا ماضٍ، وقُضِيَ الأمر/ لا تسمعْه يا دنكن، لأنّه ناقوس/ يستدعيك إلى الجنّة أو إلى النار".
يقول Lings:"هذه الكلمات تذكرة قويّة من عدّة تذكرات أُخرى تفيد أنّ هذا العالم معلّق بين الجنّة والنار. بيد أنّ ذكْر جهنّم لا علاقة له بدنكن، كما يعرف ذلك مكبث حقَّ المعرفة، لأنّه كان قد أخبرنا أنّ دنكنْ رجل فاضل للغاية":
   "ستترافع فضائله عنه
    مثل ملائكة مبوّقة ضدّ
    اللعنة المريعة على قتله" (ص:62).
يقرر Lings بآطمئنان:"ليس من حقّ مكبث التحدّث عن الجنّة لأنّ أبوابها موصودة بوجهه" (ص:62) ويقول عن طريقة أداء هذه المناجاة على خشبة المسرح:"إنّ الممثل حين ينطق جملة "أوْ إلى النار"، يشير إلى نفسه. أكثر من ذلك فمن الأهميّة بمكان أن نفسّر قرع الجرس، على أنّه إشارة إلى أنّ "شراب مكبث جاهز" لأنّ هذا لايمكن فصله عن شيء قاله سابقاً في إحدى محاججاته ضدّ القتل:
   "إنّ العدالة الحقّانية اليدين
    تقدّم الكأس التي ملأناها بالسم
    إلى شفاهنا نحن".
يعتقد Lings أنّ مكبث يعني بتعبير:"العدالة الحقاّنيّة اليديْن"، شيئاً أشبه بقانون الفعل وردّ الفعل، الساري المفعول في هذه الدنيا."إنّه يخبر نفسه أنّ القيام بقتل دنكن بيده هو، يعني بالضرورة أنّ شخصاً آخر سيقتله...إنّ قرع الجرس الذي هو في الحقيقة إشارة إلى أنّ "شراب" دنكن جاهز، يجب أن تؤخذ على أنّها إشارة إلى أنّ شرابه هو جاهز، ويجب أنْ تؤخذ الطبيعة المزدوجة للشراب على أنها هي التي تجعله ذا آستدعاءيْن:" إلى الجنة أو إلى النار"، للجنّة لدنكن وللنار لمكبث". (ص:62-63).
إلاّ أنّ G.L Evans يعتقد أنّ "آهتمام شكسبير بما يحدث بعد الموت بالكاد يُعنى ضمناً، إنه يجعلنا نشعر، على عجل في الغالب، بأنّ هناك ثواباً للصالحين، وعقاباً للطالحين. إنّه لا يقيّد تراجيدياته، بالخرافة المسيحية. وبسببٍ هذا لا ندخل، بصفتنا من النظارة، في غوامض المسائل بشأن العقيدة المسيحية - كطبيعة الإثم، مثلاًُ، والخلاص الممكن منه في الآخرة". (ص:266).
 يقولClemen: " لم يعُدْ مكبث يتحدّث بخوف وعمق عن القتل الوشيك، ولكنّه في الغالب يتحدّث بآطمئنان تشاؤمي، كانما يريد أن يخلّص نفسه الآن من التوتّر الشديد، حتى يشرع من دون تأخير في عملية القتل... والايحاء بأنّ دنكن قد يذهب إلى النار، وليس إلى الجنّة، يناقض كلّ شيء قاله مكبث عنه في مناجاته الأولى" (ص:162).
  يبدو أن المسالة لا تتعلّق بالجنة والنار، ولا مَنْ يذهب إلى الجنّة، ولا مَنْ يذهب إلى النار، ولا تتعلّق بتخليص مكبث لنفسه من التوتّر، وإنما حينما قُرع الجرس، كان مكبث، يعيش على حافّات خطرة.لا بدّ من الحسم، وما همّ الجنة أو النار بعد ذلك. إنه تعبير إنسان يائس يتساوى لديه الموت والحياة، وما همّ الجنة أو النار، إنها الشهوة التي تستحكم وتهيمن لا فكاك منها، لا بدّ من إطفائها. تساوى الخيط الأبيض والخيط الأسود في نظر مكبث، تساوى الخير والشرّ، تساوى العقاب والثواب، إنها الشهوة التي تستحكم بالإنسان وتهيمن عليه، لا بدّ من إطفائها إطفاء كاملاً.

Is this a dagger, which I see before me,
The handle toward my hand? Come, let me clutch thee:-
I have thee not, and yet I see thee still.
Art thou not, fatal vision, sensible
To feeling, as to sight? Or art thou but
A dagger of the mind, a false creation,
Proceeding from the heat-oppressed brain?
I see thee yet, in form as palpable
As this which now I draw.
Thou marshall'st me the way that I was going;
And such an instrument I was to use. -
Mine eyes are made the fools o'th' other senses,
Or else worth all the rest: I see thee still;
And on thy blade, and dudgeon, gouts of blood,
Which was not so before. - There's no such thing.
It is the bloody business which informs
Thus to mine eyes. - Now o'er the one half-world
Nature seems dead, and awicked dreams abuse
The curtain'd sleep: Witchcraft celebrates
Pale Hecate's off' rings; and wither'd Murther.
Alarum'd by his sentinel, the wolf,
Whose howl's his witch, thus with his Stealthy pace,
With Tarquin's ravishing strides, towards his design
Moves like a ghost. - Thou sure and firm-set earth,
Hear not my steps, which way they walk, for fear
Thy very stones prate of my where-about,
And take the present horror from the time,
Which now suits with it. - Whiles I threat, he lives: 60
Words to the heat of deeds too cold breath gives.
        (A bell rings.)
I go, and it is done: the bell invites me.
Hear it not, Duncan; for it is a knell
That summons thee to Heaven, or to Hell.
 
       *** 
 
Select Bibliography:
1-Baxter, John, Shakespeare's Poetic Styles, London, 1980.
2-Bradley, A C, Shakespearean Tragedy, London, 1979.
3-Clemen, Wolfgang, Shakespeare' s Soliloquies, Cambridge,1987
4-Dean, Leonard F (ed.), Shakespeare Modern Essays In criticism, London,1967.
5-Drakakis, John (ed) Shakespearean Tragedy, London, 1996.
6-Evans, Gareth Lloyd, The Upstart Crow, London, 1982.
7-Harbage, Alfred (ed), Shakespeare The Tragedies, London, 1986.
8-Harrison, G.B., Shakespeare's Tragedies, 1961.      
9-Hawkes, Terence, (ed), Twentieth century Interpretations of Macbeth,1977.
10-Evans, Gareth Lloyd, The upstart Crow, London, 1982.
11-Heilman, Robert B, (ed), Shakespeare The Tragedies, London, 1986.
12-Knight, G Wilson, The Wheel of Fire, Oxford, 1998.
13-Lings, Martin, The aspects of Shakespeare, England, 1984.
14-Muir, Kenneth, (ed) Macbeth, (New Arden Shakespeare, London, 1989.
15-Sen Gupta, S.C., Aspects of Shakespearian Tragedy, Oxford, 1977.
16- a: Wain, John, (ed)Shakespeare: Macbeth,London, 1988
 b:The Living World 0f Shakespeare, London, 1978.
 
 

 

 

1 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 

GMT 9:11:01 2008 الأحد 29 يونيو

1. العنوان:  استفسار

الأسم:    عبد الوهاب الملوح

استاذ نيازي احيي فيك هذا الجهد الكبير الجاد في اشتغالك على اعمال شكسبير فقط عندي استفسار لوتفضلتم توضيحه في ترجمةالاديب الكبير جبرا هناك إشارةان الساحرات وخاصة المقطع الذي تدخل فيه كبيرتهنا كيكاتة هو دخيل وليس من تأليف كسبير الىاي مدى هذه المقاربة صائبة وشكرا

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By