|
"كلُّ شعرٍ نظيرُ قائلهِ..." (المتنبي)
عبد القادر الجنابي من باريس: في كتابه "بعيداً داخل الغابة: البيان النقدي للحداثة العربية"/ دار المدى 1994)، ترجم فاضل العزاوي نصا دادائيا لتريستان تزارا تحت عنوان "من أجل صنع قصيدة دادائية". وقد قمت بمقارنتها على الأصل الفرنسي، فاستغربت من أخطاء كثيرة فيها، مع العلم أن النص لايتجاوز ال11 سطرا. ويبدو انه ترجم النص عن الانجليزية، وليس عن النص الفرنسي الأصلي لجهله بهذه اللغة. ويجد القارئ يسار المقال، في اطار، النص الأصلي الفرنسي وترجمة انجليزية له وجدتها في الانترنت، حتى يطلع عليهما القراء. وتجدر الاشارة هنا إلى أن الترجمة الانجليزية أوضح من النص الأصلي الفرنسي، فالمزالق التي يسقط بها معظم المترجمين العرب عن
|
النص الأصلي الفرنسي: Tristan Tzara Pour faire un poème dadaïste
Prenez un journal. Prenez les ciseaux. Choisissez dans le journal un article ayant la longeur que vous comptez donner à votre poème. Découpez l'article. Découpez ensuite avec soin chacun de mots qui forment cet article et mettez-les dans un sac. Agitez doucement. Sortez ensuite chaque coupière l'une après l'autre. Copiez consciencieusement dans l'ordre où elles ont quitté le sac. Le poème vous resemblera. Et vous voilà un écrivain infiniment original et d'une sensibilité charmante, encore qu'incomprise du vulgaire
ترجمة انجليزية وجدتها في الانترنت
To make a Dadaist poem:
Take a newspaper. Take a pair of scissors. Choose an article as long as you are planning to make your poem. Cut out the article. Then cut out each of the words that make up this article and put them in a bag. Shake it gently. Then take out the scraps one after the other in the order in which they left the bag. Copy conscientiously. The poem will be like you. And here you are a writer, infinitely original and endowed with a sensibility that is charming though beyond the understanding of the vulgar.
|
الفرنسية، أقل في النص الانجليزي. المهم، ها هي ترجمة فاضل العزاوي لنص تريستان تزارا، حرفيا كما نشرت في كتابه، وقد لونت بعض الكلمات بالأحمر كعلامة على الخطأ:
من أجل صنع قصيدة دادائية
"خذوا جريدة. خذوا مقصات اختاروا في هذه الجريدة مقالة، تناسب الطول الذي تنون اعطاءه لقصيدتكم. قصوا المقالة قصوا بعد ذلك بعناية كل كلمة في هذه المقالة ثم ضعوها داخل كيس. خضّوه قليلا. اسحبوا بعد ذلك قصاصة بعد أخرى وسجلوا بدقة تبعا للتتابع الذي خرجت فيه من الكيس. القصيدة سوف تشبهكم وبذلك تكونون شعراء أصليين بدون حدود، بحساسية ساحرة، حتى وإن كانت غير مفهومة من قبل الناس. ("بعيدا داخل الغابة.."، ص 182 - 183)
نقد الترجمة:
النص هو بيان قصير وجد بسيط ومكتوب بلغة مباشرة وارتجالية على طريقة كتابات تريستان تزار الدادائية الأولى المختلفة عن كتاباته السوريالية التي كان يكتبها بتأمل.
هنا، مقارنة بين ترجمة العزاوي والنص الأصلي الفرنسي مع الاشارة الى الترجمة الانجليزية.
1- العنوان في الأصل الفرنسي: Pour faire un poème dadaïste وفي الترجمة الانجليزية: To make a Dadaist poem اما في ترجمة العزاوي أصبح: "من أجل صنع قصيدة دادائية" لا أعرف لماذا كتب "من أجل صنع"، ففي الفرنسية كلمة Pour هنا لا تعني "من أجل". فالأمر كله عند تزارا لعبة وتحقير للفن الشعري وليس غاية يريد وصولها.. وإنما فقط يريد أن يبيّن أن كتابة قصيدة دادائية عملية جد بسيطة، وتعني هنا "لـ". والمترجم الانجليزي انتبه لحرف الجر هذا، فلم يضع For كقابل وانما To. وصحيح أن من بين معاني كلمة Faire الفرنسية ومقابلها الانجليزي Make "صنع".. لكن يجب ان تترجم وفق سياق الحقل الدلالي للكلمة. فالأمر هنا ليست صناعة سجاد أو سجائر وإنما عمل، كتابة، أو تأليف... قصيدة. لذا الترجمة الأقرب للعنوان هو: "لتأليف قصيدة دادائية".. وكأن تزارا يقول ها اني اريكم كيف تكتب قصيدة دادائية:
2 - في الأصل الفرنسي: Prenez un journal Prenez les ciseaux وفي الترجمة الانجليزية: Take a newspaper Take a pair of scissors أما في ترجمة فاضل العزاوي: "خذوا جريدة خذوا مقصات"
صحيح ان الفعل في الفرنسية وفي الانجليزية في هذين السطرين، فعل مخاطبة بميم الجمع، لكنه مخاطبة مضمرة بضمير الفرد. فتزارا لا يتوجه الى جميع الناس وانما يشرح لشخص مجهول، مفرد مطلق لا لجماهير، وهنا يكمن جوهر الحركات الطليعية والتجارب الشعرية للقرن العشرين. كما انه على صعيد فهم اللغة، تزارا نفسه يوضح هذا في السطر ما قبل الأخير حيث يقول: "وها أنت كاتب" Et vous voilà un écrivain وفي الترجمة الانجليزية ايضا بضمير الفرد: And here you are a writer .
ومن المعروف أنه، في اللغة الفرنسية، عندما يتكلم شخص الى شخص ثان يخاطبه دائما بميم الجمع. وليس بضمير المفرد إلا اذا كان يعرفه وله علاقة وثيقة معه. كما أن كلمة مقص بالفرنسية والانجليزية دائما في حالة جمع لسبب بسيط هو ان المقص مكون من إزميلين فكلمة ciseau تعني إزميل وبوضع حرف S الجمع يصبح المعنى: "مقص". وقد أضاف المترجم الانجليزي كلمة Pair حتى يكون المعنى واضحا: بأن المقصود هنا "مقص" وليس "مقصات"!!!
3- في الأصل الفرنسي: Choisissez dans le journal un article ayant la longeur que vous comptez donner à votre poème وفي الترجمة الانجليزية: Choose an article as long as you are planning to make your poem أما في ترجمة العزاوي: "اختاروا في هذه الجريدة مقالة، تناسب الطول الذي تنون اعطاءه لقصيدتكم" طبعا الخطأ نفسه، كان يجب أن يضع "اختر" عوض "اختاروا"، كما انه من المعروف عربيا أن نقول "اختاروا من.." وليس "اختاروا في". انظر الترجمة الانجليزية حذف كلمة الجريدة، فمضمرا مفهوم انه يتكلم عن مقال في جريدة. إذن كان من الأفضل أن يترجم السطر على النحو التالي: "اختر منها مقالاً له الطول الذي تنويه لقصيدتك "
4- في الأصل الفرنسي: Agitez doucement وفي الترجمة الانجليزية: Shake it gently اما في ترجمة العزاوي فصارت: "خضّوه قليلا"
ما هذا الخطأ: جهل باللغة، اهمال غير مسؤول، أم ماذا... فكلمة doucement الفرنسية و gently الانجليزية لا تعني بتاتا "قليلا"!!! وانما هنا "برفق"، والترجمة الصحيحة لهذه الجملة: "خضّه برفق".
5- في الأصل الفرنسي: Sortez ensuite chaque coupière وفي الترجمة الانجليزية: Then take out the scraps اما في ترجمة العزاوي فصارت: "اسحبوا بعد ذلك قصاصة.."
هنا قد يتفق بعض القراء على انها ترجمة ماشية.. لكن أنا اقول هذا خطأ ناتج عن سوء فهم لمشروع تزارا نفسه. فتزارا ليس في هذا البيان بصدد حظ، واعتباطية وإنما يريد جهدا في نقل القصاصات من الكيس حيث اختلطت بدون نظام، إلى ورقة تصطف في سطر لخلق كل شعري لم يُعهد من قبل. ولهذا السبب يطلب تزارا في السطر التالي حيث يقول: "استنسخها بدقة شديدة". إذا، كان من الأفضل أن تترجم العبارة بـ"أَخرِج قصاصةً..." فالفعل بالفرنسية Sortez وليس Tirer وايضا في الانجليزية take out وليس withdraw والفعل هذا في صيغته الفرنسية والانجليزية لا يسمح لا بجر ولا بسحب يانصيب ولا يحزنون.
6- في الأصل الفرنسي: Copiez consciencieusement وفي الترجمة الانجليزية: Copy conscientiously أما ترجمة العزاوي لهذا البيت: "وسجلوا بدقة" فكلمة Copiez الفرنسية ومقابلها الانجليزي Copy لا تعني "سجلّوا"... وانما استنسخوا... كما أن consciencieusement صحيح يمكن ترجمتها بـ"دقة" أو "بعناية"، لكنها تضمر مثابرة واخلاص: أي "بعناية أو بدقة شديدة"، لكنني أفضل صياغة جديدة: "بخالص الدقة".
7- في الأصل الفرنسي: Et vous voilà un écrivain infiniment original et d'une sensibilité charmante, encore qu'incomprise du vulgaire وفي الترجمة الانجليزية: And here you are a writer, infinitely original and endowed with a sensibility that is charming though beyond the understanding of the vulgar
اما العزاوي فترجمته جاءت على النحو التالي: "وبذلك تكونون شعراء أصليين بدون حدود بحساسية ساحرة، حتى وان كانت غير مفهومة من قبل الناس"!!!
غريب! في هذا السطر البسيط جدا، ارتكب العزاوي سبعة اخطاء فادحة: أولا: تزارا لم يذكر كلمة شاعر أو شعراء، وانما ذكر وبصيغة المفرد "كاتب" écrivain وفي الانجليزية: writer وهنا تكمن روعة تزارا بأنه يخرج من اطار العنوان إلى فضاء الكتابة المفتوح دون أن يحدد فنا أدبيا معينا، وإنما الكتابة بشكل عام سواء كانت شعرا، قصة أو مقالة.
ثانيا: لم يكتب "انكم ستكونون" وانما قال "وها انت" Et vous voilà وفي المقابل الانجليزي: And here you are
ثالثا: أن كلمة original الفرنسية ومقابلها الانجليزي original لا تعني (على الأقل هنا) "أصلي" وإنما "أصيل"
رابعا: أن كلمة: infiniment الفرنسية ومقابلها الانجليزي: infinitely لا تعني هنا "بدون حدود" وإنما "في منتهى".
خامسا: ان كلمة sensibilité الفرنسية ومقابلها الانجليزي sensibility لا تعني هنا "حساسية" وإنما "إحساسٌ" أو "حسّية".. وأنا أفضّل "إحساسٌ" على كلمة "حساسية" التي قد تختلط في ذهن القارئ بكلمة sensitive أي "الحساسية" المرضية.
سادسا: ان كلمة charmante ومقابلها الانجليزي charming لا تعني "ساحرة" وإنما "ظريفة".
وسابعا: ان كلمة vulgaire الفرنسية ومقابلها الانجليزي vulgar لا تعني هنا "الناس" وإنما "العوام".
واليكم الآن الترجمة الأقرب لنص تريستان تزارا:
لتأليف قصيدة دادائية
خذ جريدةً خذ مقصاً اختر منها مقالاً له الطول الذي تنويه لقصيدتك. اقتطعْ المقال قُص باعتناء الكلمات التي يتألف منها المقال، ضعها بعد ذلك في كيس. خضّه برفق. ثمَّ أخرِجْ قصاصةً تلو قصاصة. استنسخ بخالص الدقة حسب ترتيب خروجها من الكيس. ستشبهك القصيدة. وها أنك كاتبٌ في منتهى الأصالة ذو إحساس ظريف وإنْ لا يفهمه العوام.
في حلقة مقبلة: مترجم عراقي آخر
|