إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2702 الثلائاء 14 أكتوبر 2008 آخر تحديث  GMT 9:00:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    

الضجر

GMT 7:30:00 2008 السبت 5 يوليو

يوسف يلدا


كان الضجر قد بدأ يحتل كل عضو في جسده المتعب، بعد عمل يوم طويل وشاق، الأمر الذي دفعه للبحث عن مخرج ينقذه من الإستسلام له. جال بعينيه المتعبتين فيما حوله، ولما لم يجد ما يمكن أن ينتشله مما هو فيه، قرر حمل جسده الثقيل والخروج لإستنشاق الهواء خارج الغرفة الصغيرة، والتي سجن نفسه فيها مذ عاد من عمله قبل أكثر من خمس ساعات. ولكن قبل أن يشرع في تنفيذ ما كان قد قرره، كان قد فكّر في حلٍ ثانٍ، وإعتقد أنه ربما يكون أفضل مخدر لإبعاد الضجر عنه، فتناول شريط كاسيت قديم كان قد سجل فيه موسيقى قديمة هادئة، يستمع إليها كلما أحس بسواد الدنيا أمام عينيه. وضغط على زر آلة التسجيل، ومن ثم إنتظر قليلاً حتى جاءه صوت الموسيقى ينساب هادئاً وشفافاً، كما لو كانت قادمة من منزل جاره الطاعن في السن. لم تكن قد مرت سوى دقائق معدودات حتى قرر إسكات آلة التسجيل والعودة الى نقطة البداية، نقطة التفكير في الخروج لإستنشاق الهواء خارج الغرفة التي بدت أمامه وكأنها هي الأخرى قد أضحت سجينة للضجر. ولكي يخرج بنتيجة مرضية ومثمرة، ولكي يبدو قرار مغادرة الغرفة الى حيث العالم الخارجي صائباً، بدأ بإختيار ملابس تتناسب وفكرة التغيير، مرتدياً ما يبعث السرور في نفسه ونفوس من سيتطلع إليه من بني البشر. ما بين قرار الخروج وإرتداء ملابسه، ومن ثم الشروع بتشغيل سيارته، لم يكن قد مرّ من الوقت غير عشر دقائق، لتلهفه الشديد لتبديل هواء رئته الفاسد، الباعث للضجر والملل، بآخر نقي يعيد النشاط والحيوية الى جسده الذي بدا واهناً في الفترة الأخيرة، ولدماغه الذي أصابه العطب، منذ أن شرع في تنفيذ فكرة عدم مغادرة غرفته إلاّ في أوقات الشدّة، كأن يذهب إلى العمل أو لمراجعة دائرة رسمية أو لدفع فاتورة من بين الفواتير العديدة والمركونة جانباً، والتي كان لها دورها، أيضاً، في إدخال الضجر في نفسه، بسبب من حصر جلّ تفكيره في كيفية تسديدها، بعد أن إنخفضت ساعات عمله، وليقل راتبه الى نصف ما كان يحصل عليه قبل ذلك بشهور. كون راتبه ليس ثابتاً، لأنه يعمل بدوام جزئي وله ساعات محدودة. لم يعد ما يستلمه من راتب يسد مقتضيات الحياة ومتطلباتها.
بعد أن ركن سيارته جانباً، ونزل منها مخترقاً شوارع مدينته الصغيرة والتي بات يحفظها عن ظهر قلب، غامره شعور بالإطمئنان والراحة لا يدرك سببه. فهل كان ذلك نتيجة طبيعية لمحاولة إبعاد شبح الضجر عن نفسه، أم نتيجة تعلقه الشديد بأرصفة شوارع مدينته الجميلة؟ لم يعر أهمية للسؤال الذي خطر بباله، وراح ينقل نظراته هنا وهناك، مرّة على المارّة وأخرى على المحلات المعروضة بضاعتهم بطريقة مغرية تجذب الزبائن لشرائها حتى لو كانت أسعارها مرتفعة. لم يكن عادلاً في نقل نظراته ما بين المارة والمحلات، ولم يبد منصفاً في ذلك، لأنه‘ في حقيقة الأمر، كان يتوقف عند المارّة أكثر، وعند النصف الآخر على وجه التحديد والدقة، فهو، حاله حال كل الرجال، يحب النصف الآخر، الجميل منه، حباً لا يوصف، الأمر الذي أثار الكثير من المشاكل مع زوجته، الشديدة الغيرة رغم حسن جمالها.
من المواقف التي يتذكرها دائماً، ذلك الموقف الذي لا يمكن أن يمحيه من ذاكرته أبداً، مهما مرت الأيام والشهور والسنين، ولا يمكن لأي مخلوق أن ينسيه ذلك، سوى الموت. كان موقفاً لا يمكن أن يتحمله إنسان، لكنه لم يستطع حينها التصرف كما يفعل بقية الرجال، لأنه لم يكن يقوى على إرتداء ثوب العصبية وهو المعروف بهدوئه وبرودة أعصابه. وأما الموقف الصعب جداً والذي لا ينساه أبداً كان قد واجهه يوم عيد ميلاد زوجته. فقد كان قد إتفق، كما إعتاد في كل عيد ميلاد تحتفل به زوجته، الخروج لتناول العشاء في إحدى المطاعم الراقية والتي لا يرتادها إلاّ مرة في السنة، يوم عيد ميلاد زوجته. وأما هو فقد كان قد إشترى لها هدية مميزة تليق بمناسبة كبيرة كتلك المناسبة. غير أن ما كان قد رسم وخطط له لم يكتمل، وكذلك فرحة الإحتفال بعيد ميلاد زوجته لم يكتب لها أن تكتمل في ذلك اليوم الذي تحول الى يوم نحسٍ بالنسبة له، وبالنسبة لزوجته، ربما، أيضاً، وإن كانت هي قد إعتادت على خلق الخلافات والبحث الدائم عن المشاكل، حيث كانت أحياناً تدفع ثمناً مقابل ذلك، لأن ذلك كان يجري في داخلها منذ نعومة أظفارها، مثلما علم فيما بعد الزواج. كان على وشك أن يؤشر الى نادل المطعم لطلب العشاء ومن ثم تقديم هدية عيد الميلاد لزوجته، عندما إقتربت إليه، في تلك اللحظة، فتاة في غاية الجمال، إقتربت بجسدها المكتنز وقميصها الذي فكت أحد أزراره من فوق ليكشف عن أحلى نهدين موجودين في كل المطعم، لا بل في كل مدينته. وبعد أن سلمت عليه، بكل وداعة، سألته إن كان إسمه سمير، وإن كان خريج كلية كذا وإن كان كذا وكيت، فأجابها برقة متناهية لا يضاهيه في ذلك مخلوق، وقد نسي أنه برفقة زوجته الغيورة جدا ً:" نعم أنا هو ذلك الشخص". حينها إنفكت أسارير الفتاة ورأتها فرصة نادرة لا يمكن أن تصادفها ثانية، ومن ثم قالت تسأله إن كان يتذكرها، وأن إسمها سارة، كانت تدرس في قسم آخر في نفس كليته وقد تعرّفت إليه في سفرة أقامتها الكلية وبأنها..، وقبل أن تكمل جملتها الأخيرة، قطعت زوجته حديث الفتاة كما يقطع الجلاد رأس المحكوم عليه بالإعدام، وقد إنفجرت كقنبلة عنقودية ثناثرت شظاياها هنا وهناك لتصيب الداني والقاصي:" نعم.. وماذا بعد؟ لماذا لا تجلسين مكاني وتسردين قصة حبكما أيام الكلية بتفاصيلها". ومن ثم وقفت زوجته وعيناها تقدحان شرراً. وإلتفتت الى زوجها المسكين والذي بدا أخرساً في تلك اللحظة، وقد إشتدت غضباً:" وأمّا أنت فلي معك شأن آخر..".كانت حينها قد رفعت صوتها عالياً، من دون أن تكترث لزبائن المطعم، مما أثارت ضجة كبيرة، لفتت إنتباه المدير الذي دنا إلى طاولتهم ووقف يراقب المشهد السينمائي الشيق عن كثب، ولكن من دون أن يتدخل. وأما هو فقد تمنى، في تلك اللحظة، لو يدفن هناك في باحة ذلك المطعم، وداخله إحساس بخيبة أمل كبيرة غالباً ما كانت تنتابه، وعلى الأخص في مواقف كثيرة، شبيهة بهذه، مرت عليه وعاشها مرارا وتكراراًً طوال حياته الزوجية. وكانت قد نفذت ما في بالها، فحملت حقيبتها وتركتهما وإنطلقت مسرعة إلى الشارع. تركته يصارع اللحظات الحرجة وحده في ذلك المطعم من دون أن يعرف ما المطلوب منه القيام به في تلك اللحظة. وأما الفتاة المسكينة والتي كانت تتأمل إستذكار لحظات جميلة مضت، فقد تفوهت ببضع كلمات إعتذار غير مرصوصة، لا بداية لها ولا نهاية. وإختفت، فجأة من الوجود، هي الأخرى، كما لو أن الأرض كانت قد إبتلعتها، وخرجت هي أيضاً من دون أن يشعر هو بذلك، مخلفة وراءها عاصفة هوجاء دمرت ما في أعماقه من روح، وخنقت أنفاسه، ولم يعد يدرك شيئاً من حواليه. بعد لحظات، لم تدم طويلاً، قرر هو الآخر ترك المطعم من دون أن ينادي على النادل ويطلب ما يريد. خرج الى شوارع مدينته الصغبرة دون أن يفكر بالمكان الذي يريد التوجه إليه.
ها هو الآن، تراه من جديد، ملقى في شوارع مدينته الصغيرة، حاملاً على ظهره ذات المشاعر والأحاسيس ولكن هذه المرة في صورة أخرى لا تختلف كثيراً عن تلك التي إنتابته في ذلك المطعم. الضجر والغيرة، وجهان لعملة واحدة، كلاهما أخذا منه الكثير ولم يبقيا للآخرة إلاّ العظام وما تبقّى من أشلائه. عندما قرر مغادرة غرفته وقد غزاه الضجر، لم يكن يفكر سوى بالتحرر من قيود ذلك الضيف الثقيل على قلبه الرقيق، وإستنشاق الهواء المنعش والنقي، والذي ربما كان سيحيله الى إنسانٍ آخر أكثر سعادة، غير أن هاجس التفكير في ما مضى من الأيام الصعبة زادت من ثقل الضجر على كاهله، الأمر الذي دعاه للعودة ثانية الى غرفته والبحث من جديد عما يمكن أن يغيّر من مزاجه ويزيل السواد عن عينيه، تاركاً شوارع مدينته الصغيرة ونسائها الجميلات خلفه، آملاً أن يعود إليها بفكرة جديدة مبتكرة من نسج خياله، لكن بمفرده هذه المرّة.

سيدني – استراليا

 

 

4 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 

GMT 9:17:19 2008 الخميس 17 يوليو

1. العنوان:  الضجر

الأسم:    يوسف يلدا

العزيز أحمد أشكرك على إلتفاتتك، وإن لم تصلني رساتك بوضوح. فإن كنت تقصد السرد الطويل أو التأكيد على حالة الضجرأو كما تسميها حالة الكآبة، فقد يكون ذلك أمراً طبيعياً، وخاصة لو كان العنوان "الضجر". أما إذا كنت تسأل عن حالة الضجر أو الكآبة التي تسود القصة، فذلك أيضاً وارد، لأن الحالة التي أمامنا هي إنعكاس صادق لشخصية تعاني،فعلاً، من الضجر! شكراً لإهتمامك ثانية.

 
 
 

GMT 9:00:17 2008 الخميس 17 يوليو

2. العنوان:  صديق العمر

الأسم:    يوسف يلدا

صديق العمر عصمان فارس أشكرك إطراءك الجميل، وإن لم أكن أستحقه، لأنه ليس على مقاسي، وهو، بالتالي أكبر من حجمي. أنا ما زلت أحبو في عالم الأدب الشاسع!

 
 
 

GMT 11:56:58 2008 الثلائاء 8 يوليو

3. العنوان:  الضجر

الأسم:    احمد

عزيز الكاتب تحية طيبة لا شك ان هذه القصة جميلة وتحتوي على عناصر الابداع ولكن لي ملاحظة ارجو ان يتسع صدرك لها الا وهي السرد الطويل او التاكيد على حالة الشخص الكئيبة مما يدفعني الى المسارعة في القراء للوصول الى النتيجة التي افرزتها هذه الحالة الكئيبة مع اعتزازي

 
 
 

GMT 14:08:26 2008 الإثنين 7 يوليو

4. العنوان:  سئمت الضجر والغيرة

الأسم:    عصمان فارس

الصديق القديم والعزيز يوسف يلدا تحية فنية لك من اعماق قلبي انا مثل بطل قصتك سئمت الضجر والغيرة بسبب فقدان وتشتث الاحبة والاصدقاء وخاصة اصدقاء الطفولة ومدينة الحبانية. كم انا سعيداليوم اقرأ جانب من ابداعك الادبي وارى صورتك الحميلة ولغتك الادبية الموزونة والرصينة . لك مني كل الحب والمودة والتقدير؛ عصمان فارس استوكهولم

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By