إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2739 الخميس 20 نوفمبر 2008 آخر تحديث  GMT 4:30:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    

الرغيف

GMT 16:45:00 2008 الثلائاء 8 يوليو

دلور ميقري


بُعيدَ غيبة أيام ثلاثة حسب، كان على الشاب، الهارب، أن يطلّ على مسقط رأسه بطلل قلبٍ منكسر، مثقل بعبارة متأسّية: " ليست هذه بحال، مدينتي التي أعرفها ". في وقتٍ آخر من ذاكَ النهار، لما أرشدَ بعضَ العابرين لكهف الغيبة، كان تغرّبه أخفّ؛ حتى لقد همّ أن يعانقهم بودّ مخلص، مبرهن على أنّ مظهرَه أنسياً ما فتأ. كان قد أودَع الرفقة، الشهيدة، في عناية عابري السبيل أولئك، لينحدر من ثمّ بإنجاه سفحه، المُغلف بضباب عميق، حجَبَ مشهدَه الحبيب. مفكراً أنها حماقة ولا شك، طردَ فكرة من رأسه؛ أن يحاول التسلل للحارَة، عله يحظى بلمعة سراب. توجّب عليه التسكع في دورة نهاريّة، مطوّلة، قبل أن تجدَ خطاهُ مُستقراً، رخيّاً، في مهبط الحديقة الكبرى. مشاهدات يومه هذا، الأشبه بالمعجزة، أقنعته ألا يهجسَ بخرافة الرغيف، بل أن ينهمكَ في نبش تربة الذاكرة.
كم تندروا بخفته، ذلك اليوم، فيما كان يمضي أمامهم دليلاً؛ هوَ المُتسلق الصخور، غيرَ عابيء بشظاياها وأشواكها، ولا بصيحاتٍ متخلّفة خلفه. كان يعرفُ، ولا شك، المسالكَ هذه. إنه إبن " قاسيون "؛ الجبل الأسطوريّ، المحتبي مشاهدَ ومغاور، مقدّسة. كان مصادفة ً، إختياره ذلك الكهف، غير البعيد عن " مغارة الدّم "؛ عن محجّ المؤمنين، الذين يأتونه من أصقاع الأرض، لمعاينة أثر الأخ القتيل على الحجر، السّفاك، وليعودوا بعدئذٍ لسفك المزيد من الدّم في مغاور عزلتهم. ثمة، إلى الأسفل، كان على الأب، الخالد، أن يسجّل إسمه على جدران كهفٍ آخر؛ هوَ من كان يبحث عبثاً عن إبنيْه، المتأخرَيْن على غير العادة، دونما علم بعد بعلامة التعاسة، المُجتلبة من لدن السماء.
لم يفهمَ سبباً لتشاؤم بعض الرفقة من ذلك المكان، وعلى الرغم من عجزهم عن تقديم برهان، واحدٍ، يدحضُ مناسبته؛ إن كان لعزلته أو قربه من سفحهم، الأليف. كان يتساءلُ، علاوة على ذلك، بما يجعل أولئك الرفقة متطيّرين من هذه المغاور، المُنبيَة بالفناء، وهم على آرائهم، الغالية. بيْدَ أنه، للحق، كان في قرارته لا يقلّ تطيّراً من عدد المغاور، السبعة، والموافقة لعددهم نفسه: كانوا سبعة فتية، إذاً، وكلبهم الأمين.
***
تناهى لسمعه صوتٌ، جهوريّ، منبعث من جهاز المذياع، المعهود لعناية عامل الحديقة. ثمة خبرٌ مهمّ، على ما بدا من حركة مرتادي المكان، الذين كانوا مثله يصخون بإهتمام. على الأثر، فهمَ من تعليقات أولئك المتسكعين، بأنه عُثرَ على جثث سبعة أشخاص، مجهولي المصدر، في إحدى المغاور، المهجورة، وأنّ التقرير الطبيّ، الأوليّ، يشتبه بموتهم مسمومين. ما كاد اللغط يهدأ، إلا وخبرٌ آخر ينقل بلاغاً من هيئة العلماء، مُعلناً أنّ هؤلاء السبعة أنبياءٌ فروا بإيمانهم في الزمن الغابر، الوثنيّ، ملتجئين لـ " كهف الشهداء "، ذاك. منتفضاً بالغضب، قام من مقعده وهوَ يتفكر بهذا الكذب الرسميّ، المفضوح. راح يتخبط في مماشي الحديقة، على غير هدى، وقد إزداد يقيناً من أنّ أولئك الدجالين لم يتمكنوا من العثور إلاعلى جثثٍ ستة، طالما أنه ما زال حياً؛ هوَ السابعُ!
في غمرة شكوكه، عن رشوة الشهود، مالَ إلى إحتمال آخر؛ أنّ رقم 7، المبارك، ربما أطرَبَ القومَ حدّ خلطهم بين جيفة كلب وجَدَث آدميّ. متعباً، مُبتئساً، وجدَ نفسه يؤوب للمقعد الذي تركه تواً. ثمة، لحظ أحدَ المتشردين، الواجدين في المكان مرتعاً لكسلهم وتبطلهم. جذبه لتأمل ذاك المتشرد، العجوز نوعاً، ليسَ أسماله الخلِقة، بل وجهه الغريب، المشوّه بالتجاعيد، والمغلقة عينه الوحيدة، الرمادية، على أحاج وألغاز. لم يأبه به، على كل حال. في مجلسه هذا، المقابل لبركة المياه، الرحبة، راح يستنفض ذكريات يومه، الآفل، محاولاً التلهي عن قيظ الهاجرة، المُطارد من بقيَ من مرتادي الحديقة. بيْدَ أنه، وعلى حين غرة، أوقظ من إستغراقه في الذكرى على تهويماتٍ خرفة، أو ثملة ربما، صادرة عن جاره العجوز، الأعور.
***
سفحٌ، بين نهر وجبل. حتى ما قبل الميلاد بقليل، كان خالياً من أيّ أنسيّ؛ اللهمّ إلا شراذم من قاطعي الطريق، المعتادين الإغارة على القوافل التجارية، العابرة، لنهبها وسبي فتيتها وبيعهم من ثمّ ـ كرقيق، في الموانيء السورية والمصرية والإيجية. الحارَة، المستلقية في رخاء هذا السفح، كان قد أسسها بنو " أيوب " في محلاتٍ سبعة. بدأوا في إستقدام أبناء جلدتهم من إقليمهم، البعيد، المحصور بين جبال " كردستان " و " القفقاس "، مرغبين إياهم بقدسيّة جبل " قاسيون " ومشاهده، المباركة. غيرَ أنّ قلة قليلة حسب، من شاءت تركَ خيامها ومواشيها، ملتحقة ً بالركب المجاهد. ثمّ هُرع أحد الأفاقين، ليمثل أمام أولاد " أيوب "، الملولين من قلة عصبتهم وكثرة أعدائهم. " إنني على جلب الألوف لقادر "، قال الرجلُ بثقة. لمحَ " الملكُ الناصر " الصدقَ في عين الأفاق، السليمة، غيرَ عابيء بتأكيد الحاشية؛ أنه سيفرّ بالبقشيش ولن يعود، أبداً.
سبعة أشهر اخرى، ثمّ قدِمَ الأعورُ ـ كفاتح. هوَ ذا على رأس بضعة ألوف من عتاة جبله، الذين جلبَ مرآهم ذعر أهالي الشام، المُتنعمين. إجتاز الموكبُ، المغبرّ، أسواق البلد، تحت أنظار " الناصر " وحاشيته؛ هؤلاء المتواجدون في سدّة البرج الأعلى للقلعة السلطانية. ولما عاين الأهلون نصاعة بشرة الأغراب وعيونهم الملونة، أطلقوا عليهم أولاً نعتَ " الألمان ". على أنهم، حينما علموا بغضب السلطان من نعتٍ يُحيل لإسم أعدائه الفرنجة، ما لبثوا أن أبدلوه بـ " الصوالحة "؛ تيمّناً بإسمه هوَ. طرباً باللقب الجديد، أعلن " الناصرُ " مكافأة ً إبطالَ بعض المكوس عن تجار المدينة، مما أوجبَ غمّ فقرائها. مليكنا يدعو ذلك الأفاق، الأعور، إلى قصره. " بل إلى دار أبيه، المتواضعة، لأنّ قصره الواقع ضمن القلعة، ما كان قد أستكمِلَ بناؤه بعد "، يؤكد كاتب سيرة السلطان. يسأل " الناصر " الرجلَ، عن الطريقة التي أقنع بها قومه ترك مواطنهم، فيجيب هذا بلهجةٍ لا مبالية: " شرحتُ لهم أنّ مفردة " الجهاد "، إنما تعني الغنائم، الموعودة ! ". ضافرَ جوابُ الأعور طربَ السلطان، فأمرَ بتقليده المشيخة. قاضي القضاة هذا، الذي عُرف بـ " كراكوز "، إشتهرَ بأحكام في غاية الطرافة والجور في آن، حتى ذهبَ إسمُهُ مَثلاً عبْرَ العصور.
***
فكرة ملحة شغلتْ فتانا، الجالس في فيء التعريشة تلك، المواجهة للبركة: بلاغ الإذاعة، كان قد زعمَ هلاك جماعة الكهف، فيما رغيفهم، الوحيد، بقيَ دونما مسّ؛ همُ الذين جعلوه يمرّ دورة كاملة، وكلّ منهم يؤثرُ صاحبه على نفسه. فيما بعد، حقّ له أن يحزن لكون شخص عارفٍ ـ كالرحالة المغربيّ " إبن بطوطة "، سيأخذ بتلك الرواية فيزيّن بها وصفه للشام. نعم، كان ثمة رغيفٌ، ربما جلبَ مصيبة على رفقته. ولكنّ المسألة، في آخر الأمر، لا تمتّ للمعجزات النبويّة.
حينما أفاقوا، في هذا الصباح المشؤوم، كانوا على مزاج سيء، جميعاً؛ حدّ أنّ بعضهم أخذ يروي حلمه على مسمع الآخرين. وإذ أحسوا بجوع عنيفٍ، ضار، فإنهم إختاروه؛ هوَ بالذات، كيما يحاول إستجلابَ بعض الطعام، علاوة على الإتصال بصديق، موثوق، كان قد تعهّد وسيلة تعينهم على إجتياز الحدود. إنه يذكرُ جيداً، كيفَ وقع أحدهم على رغيف خبز، متبقّ في كيس الزاد. لم يستغربوا من كونه ما فتا طرياً، طالما شبّه لهم أنها أيامٌ ثلاثة فقط، تلك المنقضية على منامتهم، المديدة، في الكهف. وبالرغم من تطلّب معدته، الخاوية دهراً، إلا أنه لم يمسّ الرغيف؛ متشائماً من تغضنه وشحوبه. " كم كان يُشبه سحنة هذا الخرف،؟ "، فكر الفتى وهوَ يرمق جاره، الأعور، رامياً من ثمّ جانباً بقية ذكريات يومه، الكابوسيّ. ثمّ عادَ، دونما وعي، لإستحضار مشهد رقاد الرفقة وكلبهم، لما رجع إليهم بعيدَ ساعةٍ، كيما يخبرهم مصعوقا بمشاهدات الخارج؛ فرآهم عندئذٍ جثثاً عن آخرهم. أفاق الفتى من الذكرى تلك، متسائلاً بحيرة وبصوتٍ مسموع:
ـ " إذا كان الرغيفُ مسموماً فعلاً، فمن هوَ الجاني إذاً؟ "
ـ " الحيّة!! "، أجابه على حين فجأةٍ هتافُ العجوز، الأعور، من مكانه ذاكَ، القصيّ.
 
Dilor7@hotmail.com

 

 

1 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 

GMT 3:58:49 2008 الأربعاء 9 يوليو

1. العنوان:  شكرا ثقافات

الإسم:    سوزان

حين تنشر مقالات أو أدبيات اللأستاذ ميقري في زاوية ثقافات، نضمن نحن قراؤه احترام آراءنامن خلال نشرها كاملة غير مجتزأةبموضوعيةو بغير انتقائية حال زوايا أخرى. شكرا ايلاف

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By