إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2696 الأربعاء 8 أكتوبر 2008 آخر تحديث  GMT 8:45:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات    
    

الكتابة الجسدية في فضاء مفتوح

GMT 6:00:00 2008 الثلائاء 8 يوليو

حسين الانصاري


مدرسة الشيطان في المسرح الوطني التونسي
 
((ان الخسارة الكبرى لشيطان العصر الحديث تكمن في احساسه بأنه قد فقد هيبته وجبروته، حين تفوق عليه الانسان بوسائل الخداع والطرق اللامشروعة في القتل والدمار))  المفكر – اندرو ديليبافوكو -
  د. حسين الانصاري - السويد: يواصل المسرح الوطني التونسي نهجه الذي اختطه منذ سنوات عبر برنامجه (دروب) الهادف الى تكوين وتأهيل المسرحيين الشياب واتاحة الفرصة امامهم للتعرف على النظريات والتجارب العالمية الحديثة وتقديمهم للجمهور من خلال عروض مسرحية تتوفر على مقومات الحداثة والتجريب.
 وضمن هذا الاتجاه يأتي عرض مدرسة الشيطان التي قدمت لشهور عديدة وما تزال تستقطب جمهورا واسعا في عموم المدن التونسية لما تحمله من افكار جريئة ومعالجة فنية متميزة اتسمت على توظيفات جمالية على مستوى الشكل والاسلوب بما فيها ا لسينوغرافيا والاداء والتقنيات المستخدمة والعلاقة مع المتلقي. اثناء تواجدي في العاصمة التونسية مؤخرا شاهدت هذا العرض وخرجت بهذه الاراء.
 
النص والمعالجة الدراماتورجية
  مدرسة الشيطان احد نصوص الكاتب الفرنسي ايمانويل شميت 1960 وهو كاتب متنوع الابداع ذاع صيته بشكل لافت للانظارعلى اثرروايته –مسيو ابراهيم وزهور القران- التي ترجمت الى اكثر من خمسة وثلاثين لغة عالمية من بينها العربية من قبل الكاتب محمد سلماوي وصدرت عن دار الشروق المصرية وتحولت الى فيلم لعب بطولته النجم المعروف عمر الشريف واخرجه فرانسوا دبيرون.
والكاتب درس الفلسفة واهتم كثيرا بديدرو وفلسفة الاغواء، وله مجموعة روايات منها نصيب الاخر، وعندما كنت اثرا فنيا، كما طرق باب السيرة الذاتية وكتب حياتي مع موزار، ولكن علاقته مع المسرح تكاد تكون هي الاكثر رسوخا فقد كتب فيه العديد من الاعمال امثال: الزائر، وتغيرات غامضة، المتحرر، فندق لعالمين، جرائم زوجية صغيرة،رباعية غير المرئي، ميلاريبا، طفل نوح.
زار الكاتب بعض الدول العربية وبفضل نشاطه الغزير حصل على عدد من الجوائز العالمية في مرنسا والمانيا وسويسرا.
ان شميت ونتيجة اهتمامه بالفلسفة ترسخ في ذاته الشعور بالمطلق واستحوذت عليه فكرة ان كل موجود مبرر ودفعت به هذه الاعتقادات الى الكتابة في موضوعات فلسفية ودينية وهذا انعكس في معظم اثاره الابداعية ومنها مسرحيته التي نحن بصددها –مدرسة الشيطان – هذا النص كتبه اصلا لامسية مسرحية اقامتها منظمة العفو الدولية –أمنيستي – تحت عنوان (المسرح ضد النسيان) وذلك في ديسمبر 1996 وتم تقديم العرض في مسرح الاوديون بباريس.
قام بترجمة النص من اللغة الفرنسية كلمن المخرج التونسي المعروف محمد ادريس الذي يدير المسرح الوطني حاليا والكاتب حسن المؤذن، ومن خلال اطلاعنا على النص الاصلي وجدناه نصا قصيرا الا ان حواراته تتوفر على قدر عميق من الافكار العميقة والمعاصرة وهذا ماحدى بأدارة المسرح الوطني التونسي ان تتبناه وتعمل على تقديمه لاوسع فئات الجمهور.
اسند اخراج العمل للمخرج الشاب معز عاشوري الذي استطاع ان يحول هذا النص الى رؤية مسرحية متميزة في معالجتها واسلوب اخراجها.
ينضوي نص مدرسة الشيطان تحت عنوان مسرح الافكارفهو يقدم موضوعا انسانيا هاما ارتبط بمصير البشرية منذ الازل وسيستمر ملازما لحياة الانسان الى مالانهاية. بنية النص تقوم على محور الصراع المستمر بين قوى الشر والظلام وقوى الخير والسلام وهذه الثنائيات التي تبدو عادية ومألوفة في طرحها الا ان نص مدرسة الشيطان سعى الى تحديدها وفق تناول هو اقرب الى الواقع المعاصرالذي نعيشه ونشهده اليوم بكل تفاصيله وممارساته وتحولاته، مشيرا الى مايسود العالم من نزعة متطرفة وفهما قاصرا لجوهر الاديان سواء من خلال المؤسسة الدينية نفسها او السياسية حيث كان الصراع ولايزال، فهاهو اليوم يتمظهر بطرق شتى اكثر تطرفا واشد عنفا وتدميرا.
ورغم مايشهده العالم من تطور في المجال المعرفي والتقني والمعلوماتي والاتصالي لكننا بالمقابل نجد هذا المد الهائل للافكار الخرافية المتطرفة والمنغلقة وسيادة نزعة الشر والعدوان والدعوة الى تأجيج النزاعات وزرع بذور الخراب والموت والدماربدلا من التفاعل الانساني المشترك وتوظيف معطيات التكنولوجيا لصلح بني البشر جميعا.
بنية النص ترتكز الى سياق درامي يتخذ من مولود الشر القادم محورا للاحداث التي تبدأ وهو يعاني من حالة اكتئاب وحزن نتيجة شعوره بتضاؤل وضعف فاعليته في العالم وتحاول الام – الماجوردوم –والاب –كارون – من تخفيف حدة هذا الاحساس ومحاولة تهدئته الا انه يرفض كل محاولاتهما ويصر على ايجاد بدائل والبحث عن وسائل اخرى وافكار من شأنها ان تعيد وجوده وتفرض سطوته من جديد. وهنا يتطور الحدث بدخول الطبيب والجنود حيث يقترح تبني الخرافة وسيلة لنشر افكار الشر بين الناس، لتكون علاجا ناجعا ومصدرا لتوسيع افاقه وزرع بذوره في كل مكان. هنا يستقبل المولود هذا المقترح بأنشراح فيستعيد توازنه ويسترجع عافيته ويعلن وجوده وسطوته على ارجاء المعمورة التي سيدب فيها التناقض ويتواصل الصراع وتنتشر الحروب وتتفشى الامراض والمجاعات والفقر والاستغلال والموت المجاني للانسان وبذلك تكون افعال البشر قد تجاوزت فضاعة الشيطان.
 
 
الاخراج والرؤية البصرية 
  سعى المخرج معز عاشوري الى وضع دراماتورجيا ملائمة لهذا العرض الذي شكل اضافة نوعية لرصيده السابق حيث شارك في اعمال فنية عديدة منها على صعيد المسرح او السينما ممثلا كما في مسرحية –حدث- انتاج المسرح الوطني وفيلم فاطمة للمخرج خالد بن غربال عام 2000 او ومخرجا، حيث انجز تجربة اخراجية سابقة مع المسرح الوطني التونسي هي مسرحية استوديو اكس عام 2003 وقد حققت حينها نجاحا واضحا في الاوساط الثقافية والعامة وكتب عنها الكثيرمن الاراء الايجابية التي اشادت بقيمتها الفنية والفكرية، كما عمل عاشوري مساعدا للمخرج الايطالي فرانسيسكو سانشي في مسرحية الكاتب الايطالي لويجي براندللو – الليلة نرتجل –وذلك عام 2004
حرص عاشوري في مدرسة الشيطان على تجاوز ماسبق من خلال قراءة جديدة لهذا النص وكيفية التعامل مع المتلقي للخروج من مستوى الفرجة العادية الى درجة التفاعلية والمشاركة في صياغة الحدث، واعتمد ذلك منذ الوهلة الاولى حين فاجأ الجمهور وهو يضع اولى خطواته داخل فضاء العرض ليكون جزءا من حالة طقوسية واحتفالية شاملة تبدا من بوابة الصالة حيث يتم استقباله من قبل الممثلين وهم يرتدون ملابس غرائبية واقنعة متنوعة وهم يواصلون احتفالهم ايذانا بالمولود القادم.
جرب المخرج اسليب مختلفة في صياغة مشهدية العرض فمن اسلوب المسرح داخل المسرح الى اسلوب التغريب وتقنيات العرض الاخرى،لقد انشأ حكاية جديدة داخل بنية النص العام بطلها الطبيب وجنوده حيث جعلهم يغادرون القاعة الى خشبة المسرح بعد ان جعل الفضاء مفتوحا والجمهور شريكا وفاعلا حيث لاينقط الفعل داخل الصالة وبين الجمهور، كما ان المخرج وفي هذا المنحى ايضا قد غير من وظائف الشخوص كما رسم لها عبر حوار النص المكتوب ليمنحها مجالات تعبيرية اخرى،تجلى ذلك في شخصية الطبيب المعاصر والذي حوله الى معالج روحاني وسيلته السحر والخديعه لتكون بديلا للتجربة العلمية والفحوص المختبرية والادلة المنطقية وبذلك قلب وظيفة الشخصية واعطاها بعدا اخر وايحاءا بأستبدال العلم بالخرافة.
تعامل المخرج مع فضاء العرض بوصفه مكانا مفتوحا ليكون قادراعلى استيعاب تحولات الشكل المستمرة والتكوينات البصرية المتلاحقة تلك التي اعتد فيها على توظيف جسد الممثل بوضعيات تعبيرية مختلفة وربطه بعلاقات تواصلية مع مايحيط به من عناصر اخرى شخوصا او مواد واضواء والوان ومكملات اخرى مجسدا بذلك مشاهد بصرية تختزن بدلالات شتى كما في مشهد لعبة المراهنة ومضاربات السوق، كذلك كان مشهد توظيف مفردة (البرميل) في غاية من الدقة والمهارة حين جعلها المحور الاساس في صياغة مشاهد عديدة وظفت فيها حركة الجسد لكتابة مغايرة انتجت شفرات تعبيرية ورموز شتى. ولا يختلف مشهد الصلاة عن تلك الجمالية السابقة التي نفذ بها عبر تكرار حركة الجسد وفق محور دائري يقود البداية بالنهاية ويشير الى ان وسائل الشر التي تحاصر الانسان احيانا تلبس لبوس الدين ليكون ستارا تحت صورة شيطانية تشوه الدين ومفاهيمه الجوهرية، لقد كان مشهدا مصنوعا في غاية الروعة والتأثير تناغمت فيه جودة السينوغرافيا التي صممها-مهدي الطرودي -منظرا وازياءا-بسمة الذوادي – والوانا وضوءا –الهادي بو معيزة –
 الى جانب اداء مجموعة الممثلين الذين افلحوا في ايصال فكرة المشهد ومعانيه ضمن ايقاع ونسق درامي مؤئر.
 
الاداء والانسجام الحركي
  اما على مستوى الاداء فقد استطاع فريق العرض المكون من (عبد العزيز الجبالي،ابراهيم الشيحي،معز الكيلاني،مراد بن نصر،رفيق ثليجاتي،حمزة طالبي،ايمان محجوب،محمد سفينة، ريم عاشوري،بلال بن علي،انيس الدريدي واميرة القلال) ان يقدموا لنا لعبا ذكيا واعيا بتفاصيل الحدث وتناميه ومنسجما ضمن لوحات جمالية متقنة، لاسيما وان الفريق برمته تشكل من مجموعة من الفنانين الشباب الذين بانت حماستهم وتبلورت مواهبهم من خلال النهج المتواصل لمدرسة المسرح الوطني والذي يؤكد على الاهتمام بجسد وحركة الممثل للوصول الى مستويات تعبيرية وبصرية متجاوزا الطرق التفليدية والتعكز على حوارية النص والفاظه اللغوية وهنا نجح مجموعة الممثلين في الاقتراب كثيرا من رؤية العمل فكروشكلا وقدموا جهدا مسرحيا توفر على مقومات عرض تجريبي جاد
حقق الاتصال والفاعلية مع المتلقى كونه اشتمل على تناول افكار جريئة وناقش هموما ومشاكل قائمة في واقعنا اليومي عربيا وعالميا.
ان مدرسة الشيطان عرض ينتمي الى محاولات البحث والتجريب والعمل مع الممثل وفق تصور اخراجي برؤية فكرية وجمالية متقدمة.انها تجربة فنية امينة لصانعيها تأليفا وترجمة واعدادا واخراجا واداءا.
عضو الهيئة التنفيذية لنقاد المسرح العربي

 

 

1 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 

GMT 7:46:11 2008 الخميس 10 يوليو

1. العنوان:  شكر

الإسم:    محمد سفينة

شكرا د.حسين على هدا النص الدي سيكون لنا حافزا من اجل مزيد العمل والتطور.

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By