كامل الشيرازي من الجزائر: صدر للشاعرة الإماراتية الشيخة فواغي بنت صقر القاسمي مجموعتها الشعرية الجديدة (موائد الحنين)، التي تنكشف فيها روح الأنثى الغائصة في دواخل عالمها الخاص، تفيد من الميراث النسوي الميثولوجي؛ فتوظف بشكل متميز أساطير عشتار وإنانا وغيرها من الربات، تحّملها هموم الأنثى المعاصرة، كما تفيد فيه من التجربة الصوفية التي عرفت كيف تجعل الأنثى موازية للكشف؛ غارقة في الوجدان والأشواق.
أتت المجموعة في طبعة أنيقة عن منشورات مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة، وتقع المجموعة في 216 صفحة، وتتضمن ثلاثين قصيدة، ولاقت حفاوة وترحابا بين جمهور النقاد والقرّاء، حيث اتسم الديوان بجماليات لغته وبلاغة صوره، بعيداً عن الإيقاع المقيد للروح الشاعرة، وتجلت فيه الذات الأنثوية في صورة تدافع عن كينونتها؛ تتمرد أحياناً، وتحنو أخرى؛ على الرجل/السلطة الاجتماعية، كما اتسمت لغته بالرهافة والشجن، وبدا جليا أنّ الشاعرة انتصرت إلى موقف نسوي معتدل في الديوان، فهي لا تعادي الرجل بشكل مجاني، بل تذكي فورة تمرّد الذات الشعرية الراغبة في تحقيق وجودها بجانب الرجل، وموازية له دون مزايدة أو إدعاء.
وأبدت فواغي القاسمي في ديباجة الديوان، رغبة في الاختراق الذي ربما تتحمل من أجله الاحتراق، رافضة للصمت الذي فرض قسراً علي المرأة وصار ميراثاً لها، وهي خطوط جعلت التجربة الشعرية للقاسمي تكتنز بشكل لافت سعيا نحو فسحات الضوء، وتحتفي بالروح الشفيفة التي لا تخطئ الوصول رغم تكسر الدروب، ورغم العثرات الكثيرة التي تحول بينها وبين النور هناك في مسارب الروح.
وقالت الناقدة هويدا صالح، أنّ صاحبة الملحمتين الشعريتين (عين اليقين) و(ألم المسيح ردائي)، طرحت تجربة شعرية متميزة؛ لها خصوصيتها، غامرت فيها بالدخول في قصيدة النثر، ولاحظت هويدا صالح أنّ الشاعرة عرفت كيف تطال فائض أحاسيسها بلغة عادية، تحلق بأجنحة المجاز، وترصد مشاعرها نحو الحبيب الذي يوازي رمزياً الوطن، والرجل المشتهى الذي يخلص الذات الشاعرة من همومها الكونية ومعاناتها التاريخية.
مختارات من ديون "موائد الحنين"
شهوة الجنائز
يا هدأةَ الليل الملهمة الحَميمة..
ها أنتِ تُرتِّبين نجومَه المطفأة على موائدِ الحنين
تمشِّطينَ شيبَ الأفولِ بأصابع الحرير
وتضفِّرينَ جدائلَ القصيدة
تستدرجينَ النُعاسَ من عيونِ آلهته
لتسكِنيها شواردَ الأحلامِ وأثير الأمنياتِ العِذاب
تسرجينَ همهماتِ الشُّجون كأوشحةٍ للدفءِ
حينَ الصقيع يفترسُ مفاصلَ الذِّكرى
توقدينَ أقمارَكِ الخافتةَ كأحلامِ التغاريد
تستجمعينَ بها شتاتَ الرياحينِ المبعثرة على سلالم الأنينْ
وتزرعينَ خُرافة التأويل كأيقونةٍ على ضفافِ اليقين،
ويا ساقيَ الليلِ الحنون
ثملةٌ كؤوسُكَ بحشرجاتِ التَّناهيد
ونشيجِ الأيامِ المأزومة
وصانعاتُ الأحزان، ما تركتْ للمسرَّات لياداً..!
تعبِّئُ قواريرَك مِن حاناتِ البَنَفسَج وغدرانِ الياسمين
تسكبُها على تعاشيبِ المواعيد ودفاترِ الذكريات
تشعلُ الرنود المعتَّقة
لتعبقَ بها أنفاسُ المساءاتِ الحالمة..
غناؤك المعجونُ بتمتماتِ النَّاي وسقسقاتِ العنادِل
يقاسمُ الأملودَ المئيدِ دلالَهُ، والنسيمَ رقَّةَ الهبوب
يتسلقُ العتماتِ الكئيبةَ
ليُلبِسَها لذةَ التراتيلِ الطروبة.
يا تلك الأرواح الهائمة كفراشاتِ الرَّوابي
يُغريكِ لهبُ النار بالتحليقِ حولَ شرائكِ الهلاك
تتراءَى لكِ الشَّرارتِ الحارقة
كبوارقِ التباشيرِ المضيئة
وتسوقُكِ رُؤَى الممكناتِ إلى النهاياتِ السَّحيقة
أيتها الأرواحُ الهائمة في رحائبِ الملكوت
مزِّقي حُجبَ العماءِ المتكثفةَ على رياضِ بصائرك
واسكبي مدادَ دمعكِ على تعاريجِ الحقول
انظري...
هل تُبصرين؟!
مَن أوهَمَ قلبَكِ ببراعةِ الألوان
وملاحمِ الضَّوءِ وصباحاتِ الحقيقة؟!
ها أنتِ ذا تُلمْلِمينَ بقاياكِ المجروحةَ النازفةَ
بانكساراتِ هشيمِ أمانيكِ
على حُطامِ مرايا كسيحةٍ شوهاء
تتناثرُ انعكاساتُها على مفارقِ الشُّعور
فهل أدركتِ تلك الحقيقة..!
رحماكَ بي أيها الليلُ الرَّفيق
كمْ لي بعهدِكَ من قناديلِ الشُّجون
أوقدتها احتفاءً بي..
وثملتُ بكَ وثملتَ بي...
توسَّدتَ مُهجتي وأنا أسامرُكَ وأسردُ الحكايات
فتتراقص البسمةُ على ثغركَ تارةً
وتؤنِّبُني تارات...
كنتَ شاهدي على فرحي وحزني
صَحوتي وشُجوني
انتظاراتي واحتضاراتي...
فما بالُك أيها الليلُ السَّمير
شاخص الأبصار بعيدًا في متاهاتِ الكآبة!
تتحجَّرُ دمعاتُ مآقيكَ اللاهبة
فترتجُّ في أعماقي أعمدةُ السُّكون
ودهشةٌ تظلُ عالقةً في عتماتِ أفولِكَ المباغت
وسرابٌ يُغرقها في لُجَجِ الشُّرود
تتلعثمُ صُورُكَ المضطربة
في البوحِ عن قادماتِ الفصول!
يا وَحْدَتي الموحِشة الأليفة
تروِّضينَ احتمالاتِ الفقد
وتستجمعينَ حشودَ الأزمنة المتثائبة
تكدسينَ غمائم الخيباتِ في قعور الغرابيل
وتنشرينَ على حبلِ أهدابِك النواعسِ
خرائطَ القسماتِ والرغائبِ المكبوتة
وتسكبينَ الضوءَ على مروجِ النبوءات
وتغرسينَ شُعلةً
في ذيولِ السَّحاباتِ الهاربة..
مُسوِّرةً ذكرياتِكِ
بتساؤلاتِ النجومِ الخوافت
وصدأةِ الأقفالِ في حاشيةِ الهموم
أيها العدمُ...
أتقنتَ عزفَ مواويلِكَ على رياضِ شرفاتِ الليل
تزرعُ الأوهامَ بسحرِ اللقاءاتِ الحائرة بين برازخ الرنين
وافتعالاتِ الولوجِ إلى نوافذِ الثرثرات
يرتابُ وعيُكَ من انتحارِ نجومِهِ
أو غبارٍ يسفكُ الرُّؤية على أرصفةِ المواعيد..
تخلعُ لباسَ النشوة عن أعراسِ الينابيع
ومنائرَ تتلو التعاويذ وتبسملُ بالرُّؤَى
أصمتها انهيار سمائك
وانطفاء صنّاجة لياليك
فهلْ كنتَ تُحيكُ جُبَّة الدّرويش بمخالبِ الخديعة
تُرتِّقُها بأسمالِ رقاعِ النهاياتِ الكئيبة!
أيها العدمُ..
هل كنتَ تمارسُ شهوةَ الجنائز؟!.