قتلها الوضع الامني السيء والوضع الثقافي الهش (1-2)
المقاهي الادبية في بغداد.. اعلنت موتها ورفعت راية الحداد
عبد الجبار العتابي من بغداد:
سأعلن اليوم.. عن موت المقاهي الثقافية في بغداد، وارفع في اعلى بنايات الواقع الثقافي راية الحداد، لترفرف عاليا من اجل ان يراها من ليست لديه الرغبة في ان يرى مظهرا من اجمل مظاهر الثقافة العراقية ينتهي، اعلن موتها.. بعد ان كانت خلال المدة الماضية ميتة سريريا، كما يقال في التشخيصالطبي، اقول اليوم ذلك.. بعد ان تأكد لدي بالدليل الملموس ان (المقهى الادبي) لم يعد له وجود في الحياة الثقافية البغدادية، اضمحل ثم تلاشى، ذلك الكائن الحي خارت قواه واصبح لا يقوى على الحراك، فقد بحثت وفتشت في الارجاء عنه، في اماكنه التي كانت مفعمة، فلم اجد غير الاطلال الجائية والذكريات الحزينة، ولا ادب على ما تبقى منها ولا ادباء، وعلينا ان نأسى ونحزن ونخاطب (امانة بغداد) عسى ان (تستنسخ) روحا جديدة لهذه المقاهي، عسى ان (يستنسخ) هذا المظهر من جديد.. بعد ان اضاعته بغداد.
اليوم هو الجمعة.. والجمعة في بغداد حافلة بثراء اجوائها الثقافية، ففيها من الصور ما يثير الفضول ويزرع البهجة والدهشة، وكان علي ألا استذكر شيئا من ذلك الثراء قبل ان ادخل في اجواء الجمعة الثقافية بشكل أتأمل فيه بتركيز ما يحدث على السطح وارسم لقطات لما ارى، ولكن يجب ان اضع ملامح مبسطة لصورة من صور الجمعة التي كانت تجري في السابق، حيث (شارع المتنبي) هو المحطة الرئيسة، فهو يبدأ بفتح ابوابه منذ الصباح الباكر وتتشكل لديه لوحات من الكتب المفروشة على الارض على امتداد الشارع وعلى جانبيه، يزهر الورق بكل اشكاله فيه، ومع اولى ساعات الصباح يتقاطر الادباء اليه ويتجمعون في نهره، يصبحون امواجه الهادئة، ترى الوجوه في جيئة وذهاب وتوقفات امام مرأى الكتب وعبر اللقاءات الجانبية مع الاقران والقراء، وبعد ان يمضي من الوقت الكثير ينتهي المطاف بأن يتوزع الادباء على المقاهي، يبدأ ملمح اخر، لقاء جديد ومميز حيث تتشكل حلقات داخل المقهى، كل مجموعة من الادباء لهم مكانهم الخاص، والعابرون ضيوف، واقصد بهم الذين لاينتمون الى هذه المجموعات التي هي غير مغلقة طبعا، والذين لم يعتادوا الحضور الى المكان ذاته بشكل متواصل، وتدور الاحاديث التي تبدأ من الثقافة وتنتهي بها، كل يستعرض افكاره وطموحاته وما في نفسه من مستجدات وحكايات، هنا تنمو العلاقات وتكبر، تصبح شجرة ثقافة وارفة الظلال، كثيرة الثمر، هنا تنسجم اللقاءات وتحمل حميميتها وتتلاقح الافكار، وهنا يتم التعارف الذي هو سمة من سمات المقهى الثقافي، من هذه المقاهي التي كانت قبل اكثر من ربع قرن والتي زال اغلبها ولم يبق من بعضها الا الاسم : مقهى البرلمان (زالت)، حسن عجمي، الزهاوي، تونس (زالت)، هذه المقاهي تقع في المكان المحصور بين ساحة الميدان وشارع المتنبي، كل مقهى له رواده من الادباء، قلوا او كثروا، وفي الشارع هناك في طرفه، في الركن المقابل لسوق السراي تقف مقهى (الشابندر)، وهناك مقاه اخرى يذهب اليها الادباء منها مقهى كان في ساحة الشهداء في الكرخ على ضفاف دجلة (زالت)، قيل لي ان الشاعر محمد مهدي الجواهري كان من رواده، وكذلك مقهى البلدية قرب وزارة الدفاع السابقة (زال) والبرازيلية في شارع الرشيد (زال) والمعقدين في الباب الشرقي (زال)، وهناك ايضا مقهى (المربعة) في منطقة المربعة في شارع الرشيد، والذي كان يؤمه عدد قليل من الادباء، ومن ثم اصبح هنالك مقهى (الجماهير) في الكرنتينة الذي اقيم لانه كان قريبا من مبنى جريدة الجمهورية، وهناك كازينو (حوار) التابعة لقاعة حوار للفنون التشكيلية والذي اصبح ملاذا للادباء والفنانين فيما بعد، واخيرا مقهى (رغد) في منطقة باب المعظم قبالة (كراج) النقل العام، وابتكره ادباء اطلقوا على انفسهم (فقراء بلا حدود) بعد ان ضاقت بهم سبل اللقاء وارادوا الخروج عن المألوف وبعد ان اصاب المقاهي المعروفة الضرر.

قبل ان افتش عن المقاهي الادبية تذكرت ما قاله الدكتور مالك المطلبي ذات مرة في اتحاد الادباء حول موت مقاهي الادباء، وهو يستعرض حالها التي صارت عليه الان، وكيف ان هذه المقاهي لها دور كبير في تفعيل الحركة الثقافية في العراق، وانها العنوان الواضح لانتعاش الروح الثقافية، ومن دونها لايمكن للحركة الادبية ان تتواصل وتتفاعل، واشار الى هجوم مقاهي (الانترنت) التي تحول اليها البعض وهي لا تمنح الوسط الثقافي ما يمنحه المقهى الثقافي من نفع واحساس، فالطقوس التي كانت عليها المقاهي هي تؤثر في حركة الثقافة، مطالبا الادباء بالمطالبة بإعادة وإحياء المقاهي الادبية.

كان علي من اجل ان ارسم ملامح الصورة واضحة ان ادخل شارع المتنبي، دخلته من منفذ سوق السراي الموحش في (جمعته) تلك، على غير عادته في السنوات الخوالي، حين انتهيت منه اربكني منظر مقهى (الشابندر) ببابه المغلق، الذي كان اول شيء يواجهني وانا انعطف نحو الشارع، تيبست قليلا وانا احدق في المكان، حاولت ان اشم رائحة من فتحاتها لكنني لم انجح، لكن عيوني هربت الى شارع المتنبي تقرأ في حروفه التي تتجسد بهيئته الحالية، كانت هنالك كتب مفروشة ولكن الركام المتناثر بسبب (الاعمار) الحاصل فيه قلص من انتشارها، عدت لأقف امام (الشابندر) الذي تضرر بالحادث الارهابي الذي ضرب شارع المتنبي، توجست خيفة ان اطرق الباب او ادفعه لارى ما فيه، لكنني عرفت ان المقهى مغلق منذ الحادث وانه لن يفتح ابوابه الا حين ينتهي اعمار الشارع ويتم تعويض الاضرار، واذن.. غادرها الادباء ولم تعد الطريق اليها سالكة، وليس هنالك من ادباء حوله، هذا المقهى يمتد عمره الى اوائل القرن العشرين وشهد ولادة اول اتحاد للكتاب في العراق، كان علي ان اغمض عيوني وادرك مقطعا حياتيا مما كان يعيشه المقهى، وسرعان ما ضجت روحي بالضجر، اذ استحضرت تلك الجمهرة من الادباء والكتب التي تتنقل بين ايديهم ورائحة الشاي المختلطة برائحة السكائر والذاكرة الحية للمقهى، فتحت عيوني وذهبت اقطع شارع المتنبي، لم يلفت نظري سوى الركام العارم وصوت العمل الجاري، استوقفني الكاتب والاعلامي الدكتور سعيد عبد الهادي، وسألته اين يمكنني ان اجد مقهى ثقافيا؟، ابتسم ثم تجهم وقال: (لايوجد..، لايوجد حتى مقهى واحد،فكلها انتهت، ولم يعد لها من مكان الا في الذاكرة )!!.

على طرف الشارع كان شارع الرشيد شبه خاو، فما زال طرفه المطل على ساحة الرصافي مغلقا، ليس هنالك من حركة مثيرة فيه، ذهبت الى مقهى (حسن عجمي) الذي في اول نظرة اليه اثارني سقفه المتداعي، لكنني اقتربت منه اكثر، كان هناك على رصيفه مجموعة من (القنفات) اقتعدها مجموعة من كبار السن وبعض الشباب وهم يدخنون (الناركيلة)، اما في الداخل فثمة رائحة للرطوبة و (الوخمة) من الحيطان المتصدعة والمتهرئة، ولا ضوء الا ما يأتي من اشعة الشمس من خلال (المنور)، لم اجد اديبا ولا كتابا، المنظر في مجمله كئيب ويدعو للغثيان، قبل ان اتركه اعدت النظر الى ارجائه وأضأت ذاكرتي، رحت اشير الى الامكنة، هنا مكان عبد الخالق الركابي وموسى كريدي ومالك المطلبي، وهناك احمد خلف ووارد بدر السالم وحميد المختار وخزعل الماجدي ورعد عبد القادر، وهناك يجلس سامي مهدي وخالد علي مصطفى، وهنا عبد الستار ناصر وحسب الشيخ جعفر وحسين الحسيني، ووجوه كثيرة كنت اراها واتعرف إليها في خضم ذلك المقهى الذي هو في يوم الجمعة لا مقعد شاغر فيه، فيما كان (ابو داود ) يدور صامتا حاملا الاقداح والكؤوس و(الاستكانات)، وحين انتبهت لم اجد سواي وذاك المصري (الصانع) في المقهى، (المقهى وحدها تحتاج الى رثاء / سأحاول اكتبه منفردا لاحقا)، هناك..تركت (حسن عجمي) فاغرة فاهها.

قال لي الروائي عبد الستار البيضاني: الظرف الامني هو السبب وراء غياب المقاهي الثقافية وانحسار الرواد من الادباء، لاسيما بعد حظر التجوال الذي كان يوم الجمعة ومن ثم انفجار شارع المتنبي، على الرغم من ان المقاهي كانت عامرة بروادها الادباء في غير ايام الجمعة، ولكن بحكم العادة الناس تعودت على شيء وتحتاج الى نوع من الادامة، وطقوس يوم الجمعة هي عادات للناس، ومنها عادة ارتياد المقاهي الثقافية، ولا ننسى الوضع الاجتماعي للعديد من الادباء كالشتات حيث اغلب الشخصيات التي كنا نجدها دائما راحت، فما عادت للمقاهي رموزها، ونحن نعرف مثلا ان مقهى الزهاوي رمزها الشاعر الزهاوي ومقهى حسن عجمي رمزها الشاعر الرصافي وهكذا، واضاف البيضاني: وهناك سبب اخر في انحسار المقاهي الادبية الا وهو الوضع الثقافي الهش، هذه الهشاشة لا تخلق مناخات مثل اقامة الاحتفاليات والندوات، وتلك طقوس الوضع الثقافي الجيد، فأنا اتذكر ان المقاهي كانت تزدحم وقت الظهر في اغلب الايام ومنها يوم الاربعاء حيث تشهد المقاهي زحاما وفي العصر نصعد باص رقم (4) من ساحة الميدان الى ساحة الاندلس حيث اتحاد الادباء الذي تقام فيه امسية ادبية، الان لا يوجد مثل هذا النشاط، وكما قلت بسبب الوضع الامني غير الجيد والوضع الثقافي الهش.
البيضاني قال ايضا حول مسألة مقاهي الانترنت التي قد تكون اخذت الادباء من مقاهيهم الثقافية: لا اعتقد ذلك، واعرف ان الكثير من الادباء لايزالون لم يعرفوا العمل بالحاسوب والنت، ولا اعتقد انهم يفضلونه على المقهى الثقافي، ثم ان من لديه نت يكون الليل الوقت المفضل لديه للمطالعة او التصفح.

خطوت سريعا الى مقهى (الزهاوي) التي تقع على مسافة خطوات عن مقهى حسن عجمي، تطلعت.. من عتبة الباب، الى فضائها كان خاليا الا من شخصين يلعبان الدومينو في اقصاها، كان الزهاوي شاخصا في صورة معلقة على الحائط، نظرت اليه وحاولت ان اقول له: هل هذه مقهاك الخاوية، فلا ادب فيها ولا ادباء، لكن احدا يبدو انه من العاملين في المقهى باغتني بكلمة: تفضل!!، قطع بها تخيلاتي، شكرته، لكنني سألته عن (الادباء) فقال: ليس هنالك من ادباء، لا احد يأتي.

انسحبت خطوات الى الوراء كي ارى المقهى كاملا، شعرت بالحزن، ان هذا المقهى الذي كانت الحركة فيه دائبة والادباء يضيئونها اصبحت موحشة، تحركت ببطء نحو اللاشيء، احاول ان اضبط ماهاج في ذاكرتي، لكنني خطوت خطوات بأتجاه مقهى (ام كلثوم) عسى ان اجد فيها ما ابحث عنه لاسيما انها لم تعرف كمقهى للادباء ولكن هناك ادباء يرتادونها طمعا في سماع صوت السيدة، دخلتها ومشيت كل المسافة فيها وانا اعاين الوجوه لالتقط وجه اديب اعرفه، اضجرني صوت (الدومينو) ثم سألت احد العاملين فيها عن الادباء فقال: ما عادوا يأتون اليها كما في السابق والظاهر ان الوضع الامني له تأثير مباشر في ذلك، فالاديب الذي بيته في منطقة (الشعب) مثلا لا يمكنه المجيء وقطع كل تلك المسافة للجلوس في المقهى، ربما الزحام والمشاكل الامنية تعرقله، لذلك لااحد يأتي، ثم ان الوقت سيئ وقصير وليس كما في السابق الذي يمتد الجلوس في المقهى الى الليل وفي منطقة مثل هذه المنطقة.