بين مطرقة العقوبات وسندان السوق المفتوح
سورية تسعى لإنقاذ حالها الإقتصادي


فادي عاكوم من بيروت

لا شك أن أن مجرد التلويح بالعقوبات الاقتصادية الدولية على سورية يضعها في موقف لا تحسد عليه، اذ تعتبر العقوبات الورقة الرابحة بيد الولايات المتحدة الأميركية لإخضاع سورية وإلزامها بسلسلة مطالب دولية، من بينها تأمين حدودها بشكل جدي والتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية المكلفة بملف التحقيق بجريمة رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، ومن الواضح ان المظاهرات الشعبية التي يعدها وينظمها النظام السوري لاعطاء صورة بان المجتمع السوري متماسك بوجه ما يسمونه الهجمة العالمية على سورية لن يكون لها اي تاثير في حال فُرضت العقوبات، وتاتي اهمية العقوبات في وقت يسعى النظام السوري الى الانتقال الى سياسة السوق المفتوح، والسماح للشركات والبنوك الاجنبية بالدخول والاستثمار في سورية. هذا بالاضافة الى السماح باستيراد اصناف عدة كان محظورًا دخولها سابقًا منعًا لمنافسة الانتاج السوري، وتبنت الحكومة السورية إجراءات عدة متعلقة بإصلاح البنية الاقتصادية على المستويات التنظيمية فضلًا عن المستويات التشريعية التي تستهدف تحسين وضع المالية العامة وتنويع مصادر الدخل كتطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة لمواجهة التهرب الضريبي، بالإضافة إلى الازدواج الضريبي والتعريفات الجمركية المنخفضة.

وأما عن الاثر المباشر للعقوبات او الحصار في حال اقرارهما فسيكون على القطاع النفطي السوري إذ تسهم صادرات النفط بأكثر من 60% من صادرات سورية ، وبنحو 60shy; 70% من واردات الحكومة السورية من العملات الصعبة، و45shy;50% من الموارد الذاتية لخزينة الدولة على شكل حصّة الدولة وضرائب دخل.

وتسعى سورية الى تدعيم علاقاتها الاقتصادية مع الدول الاوروبية كمحاولة للافلات من العقوبات من خلال برامج الشراكة المزمع تنفيذها، كما تم الاعلان مؤخرًا عن اطلاق عدد كبير من المشاريع الاستثمارية الخليجية في محاولة لضخ كميات كبيرة من العملات الصعبة داخل الاسواق السورية، بالاضافة الى محاولة لربط الاقتصاد السوري باكثر من جهة وشركة عالمية للالتفاف على العقوبات وجعلها تأخذ طابعًا دوليًا وبان الاثار السلبية لن تكون سورية بل عالمية.

لكن يبقى السؤال : هل ستبصر هذه المشاريع النور او ستكون حجر عثرة بوجه العقوبات في حال اقرارها؟ يبقى الجواب بالارتباطات السياسية العالمية وارتباط سياسات الاغلبية الساحقة من هذه الدول والشركات بالسياسة الاميركية في ظل النظام العالمي الجديد.


رفع أسعار الفائدة على العملات

وتخشى أوساط سورية عدّة من تفاقم أزمة العملات، وتعرب عن خوفها من أن تنخفض الليرة السورية انخفاضاً دراماتيكياً فيما لو تم فرض العقوبات، وفي خطوة لتشجيع السوريين لإيداع العملات الأجنبية في المصارف السورية وتحويل مدخراتهم من الخارج، أعلن المصرف التجاري السوري عن رفع أسعار الفائدة على الحسابات المفتوحة بالعملات الأجنبية وخصوصًا الدولار. ورفع المصرف الفائدة على الدولار الأميركي بمعدل 13% عن نسبتها الحالية لتصبح 3.5% بعد أن كانت 3.1%، كما رفعت أسعار الفائدة على اليورو والاسترليني بنسب أقل لتصبح 1.9% و4.1% على التوالي، وفي المسعى ذاته أقرت الحكومة للمصارف العاملة بأن تمنح لشهادات الإيداع القابلة للتدوال فائدة 9% لمدة سنة و9.5% لمدة سنتين و10% لمدة ثلاث سنوات، ومنحت هذه المصارف مرونة إضافية في تحديد هوامش أسعار فائدتها.

ويذكرأن سعر الدولار في سورية الآن يخضع للوضع السياسي يوماً بيوم، وتقوم الحكومة السورية منذ فترة بضخ عملات أجنبية بالسعر الرسمي للسيطرة على أي احتمال لارتفاع أسعار الليرة، وتشير التقارير إلى أن عددًا كبيرًا من السوريين سحب مدخراته من المصارف وحوّلها إلى عملات أجنبية، أو تم شراء ذهب بها، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الذهب إلى أرقام قياسية حيث قارب سعر الغرام 15 دولارًا.


النمو

حققت سورية نموًا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ معدله 2 % في العام 2004، كما توقع صندوق النقد الدولي ((IMF أن يصل معدل النمو إلى 3.5 % بالنسبة للعام 2005. وخلال السنوات القليلة الماضية، شكلت أنشطة التعدين والتصنيع الشريحةَ الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك منذ اكتشاف حقول نفط رئيسية عدة في شمال شرق سورية في منتصف الثمانينات. وفي العام 2004، مثل قطاع التعدين والتصنيع 24.4 % من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وذلك طبقا لأحدث البيانات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصائيات. ومن ناحية أخرى، شهد قطاع التعدين والتصنيع، مقارنة بكافة القطاعات الأخرى، أقل معدل نمو سنوي مركب للناتج الإجمالي المحلي حيث بلغ 1.9 %، وذلك على مدار الأعوام2000-2004. في حين جاء قطاع الزراعة في المرتبة الثانية من حيث المساهمةَ في الناتج المحلي الإجمالي حيث بلغت نسبة مساهمته 23 %. بالاضافة إلى ذلك، يعد قطاع تجارة الجملة والتجزئة من القطاعات الهامة، حيث تتراوح نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي عادة ما بين 15 إلى 20 %.

هذا وسيكون نمو الناتج المحلي الإجمالي المستقبلي مدعومًا من قبل الإنفاق القوي من القطاع الخاص فضلًا عن القطاع الحكومي. ويعتقد بأن نمو الناتج المحلي الإجمالي سيواصل ارتفاعه على المدى المتوسط. ومن ناحية أخرى، تتوقف استمرارية معدل النمو المرتفع الذي سجله الناتج المحلي الإجمالي في العام السابق بشكل كبير على عمليات الإصلاح والانفتاح الاقتصادي، كما أنها تعتمد على جهود الحكومةَ الخاصةَ لتعبئة الموارد من أجل تمويل المشروعات المختلفة الحالية والمستقبلية.

التمويل العام

بالإضافة إلى صادرات النفط، تستمد الحكومة مصادر دخلها من الضرائب، والرسوم، والفوائض من الشركات العامة، إلى جانب موارد أخرى. في حين تتمثل المكونات الرئيسيةَ للنفقات الحكومية في رواتب وأجور القطاع العام، ونفقات الدفاع، والإعانات المالية، والفوائد على الأموال المقترضة، بالإضافة إلى نفقات حالية ورأسمالية أخرى، ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي (IMF)، من المتوقع أن يكون إجمالي الإيرادات السوريةُ، في العام 2004، قد حقق ارتفاعًا بما نسبته 3.3 % ليصل إلى 332.4 مليار ليرة سوري، فيما يعزى في المقام الأول إلى ارتفاع الإيرادات المتعلقة بالنفط.

وقد ارتفع إجمالي الإنفاق العام للعام 2004 بمعدل أعلى من الإيرادات البالغ 12.9 % التي وصلت إلى 395.9 مليار ليرة سورية مقارنة بتلك التي تم تسجيلها في العام 2003 والبالغة 350.6 مليار ليرة سورية. كما سجلت النفقات الجارية ارتفاعًا بنسبة أعلى بلغت 15.3 %، فيما ارتفعت النفقات التطويرية بنسبة 9.9 % فقط في العام 2004.

ولقد جاء الارتفاع في النفقات الجارية مدعومًا بشكل رئيسي بالارتفاع في أجور ورواتب القطاع العام والذي بلغ 27.4 %، حيث ارتفعت من 59.2 مليار ليرة سورية في العام 2003 إلى 75.4 مليار ليرة سوري في العام 2004. وقد أسفر الإنفاق المتزايد على حدوث زيادة ملحوظة في العجز في الميزانية بلغ 63.5 مليار ليرة سوري، وهو ارتفاع حاد بنسبة 119.7 % عن العجز الذي تم تسجيله في العام 2003. كما تضاعف تقريبا عجز الميزانية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 2.7 % في العام 2003 إلى 5.3 % في العام 2004.

وتشير تقديرات موازنة العام 2005 إلى توقع ارتفاع معدلات نمو العائدات بشكل أسرع من النفقات، مما سينتج عنه عجزا أقل في الميزانية عن العام السابق، وذلك وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي (IMF). كما يتوقع ارتفاع الإيرادات المخططة بالموازنه بنحو16.4 %، لتصل إلى 357.9 مليار ليرة سوري في العام 2005، أي بارتفاع عن التقديرات المخططة للميزانية في الأعوام السابقة.

ومن المتوقع أن يحقق الإنفاق نموًا هامشيًا بنحو 2.8 % ليصل إلى 453.8 مليار ليرة سوري. وفيما يتعلق بتقسيم النفقات، يتوقع أن تسجل النفقات الجارية الموضوعة للميزانية نموا بنسبة 22 % إلى 273.8 مليار ليرة سورية، في حين يتوقع تراجع النفقات التنموية بنسبة 17 % لتصل إلى 180 مليار ليرة سورية.

ومن ضمن البنود الرئيسية الخاصة بالنفقات الجارية، فوفقًا لتقديرات الميزانية، من المتوقع أن تسجل أجور ورواتب القطاع العام نموا بنسبة 17.9 %، بالاضافة إلى ارتفاع الفوائد المدفوعة ارتفاعًا كبيرًا بنسبة 65 %، وارتفاع الإعانات المالية بنسبة 52 %. كما إنخفض العجز المخطط للميزانية بنسبة 28.3 % ليصل إلى 95.9 مليار ليرة سوري في العام 2005.

مصادر الدخل السورية

ذكرت تقارير اقتصادية ومالية عدة ان الاقتصاد السوري شهد نموًا معتدلا خلال السنوات القليلة الماضية والذي يمكن أن يستدل عليه من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، والذي سجل نموًا بمعدل سنوي مركب بلغت نسبته 3.5 % على مدار الأعوام الخمس الماضية. ففي العام 2004، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الإسمي ارتفاعًا ملحوظًا بنحو 12.8 %، مرتفعًا من 1,067.3 مليار ليرة سورية في العام 2003 إلى 1,203.5 مليار ليرة سورية.

يُعتبر قطاع المواصلات والاتصالات من أكبر المساهمين الرئيسيين في الناتج المحلي الإجمالي في العام 2004، حيث بلغت نسبة مساهمته 14 %، تلاه قطاع الخدمات الحكومية بنسبة 10.8 %، كما استحوذ قطاع الخدمات المالية والتأمين على نسبة 4 % من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت مساهمة قطاع التشييد والبناء حوالي 2.8 %، والخدمات الاجتماعية والشخصية ما نسبته 2.6 %. وفي العام 2004، شهد كل من تجارة الجملة والتجزئة والخدمات الحكومية إرتفاعًا في نسبة مساهمتهما في الإنتاج بنحو 1.5 % وحوالي 1 % على التوالي، بينما حققت جميع القطاعات الأخرى مكاسب هامشية أَو تراجعت معدلات نموها سلبًا.


المشتقات النفطية

يعتبر القطاع النفطي الحجرالاساس في الاقتصاد السوري هذا الاقتصاد الذي يرتبط وضعه إلى حد كبير بإنتاج النفط وتصديره وتأثّره بالأسعار العالمية، وتملك سورية حاليًا مصفاتين فقط (بانياس وحمص) قديمتين وضعيفتين تقنيًا، أقيمتا دون مراعاة للعوامل البيئية وتسببتا بتلوّث كبير في مناطق مزدحمة سكانيًا، وذات إنتاج زراعي ومناطق جذب سياحي.

والجدير ذكره انه تمّ توقيع عقود مع شركات عدة في مجال الاستكشاف عن النفط وتلك الشركات هي : شركةHBS- شركات تات نفط shy; شركتا غولف ساند واوشن انرجيshy; شركة بتروكندا shy; شركة IPR الأمريكية وONGC الهندية shy; شركة دوف انرجي الانكليزية shy; اينانفتا الكرواتية shy; انسارس تيررالس النرويجية shy; ستراتيك انرجي الكندية.

وحسب الشركة السورية للنفط توجد أيضًا مجموعة عقود بصدد توقيعها مع شركات أخرى هي (شركة ميدوي الأوروبية الأمريكيةshy; شركة سويور نفتا غاز الروسية..)، بالإضافة إلى ذلك فقد قاربت مرحلة المفاوضات مع شركة ماراثون إلى الانتهاء وإعطاء النتائج الإيجابية، وقد زار عدد من الشركات غرفة العمليات في مديرية الاستكشاف للاطلاع على الخصائص الجيولوجية والخزنية للمناطق التسع التي أعلنت عنها مؤخرًا وزارة النفط والشركة السورية للنفط.

تنتج الشركة السورية للنفط 193ألف برميل نفط يوميًا، وتنتج شركة الفرات للنفط 180ألف برميل باليوم، وهي شركة عاملة بالنيابة عن الشركة السورية للنفط وشركتي شل وبيترو كندا، وتنتج شركة دير الزّور للنفط 35ألف برميل يوميًا، وهي شركة عاملة بالنيابة عن الشركة السورية للنفط، وينتج مشروع الغاز المتكامل بالتعاون مع شركة كونوكو 17 ألف برميل يوميًا، وبذلك يكون الإنتاج السوري الكامل من النفط 425ألف برميل يوميا.. ‏

وتستهلك سورية نفطًا ما يقارب طاقة التكرير المتوفّرة، ومع تزايد الاستهلاك ستصبح طاقة التكرير عاجزة أكثر فأكثر عن تلبية الطلب المحلي المتزايد بما يترافق مع تزايد استيراد المشتقات النفطية خصوصًا إذا لم تتمّ إضافة طاقات تكرير جديدة، ومن هنا تأتي أهمية السرعة في إنجاز المصافي الجديدة.

اما الإنتاج اليومي من الغاز الجاهز للاستخدام فيقدر بـ 13مليون م3 يوميًا، تستهلك وزارة الكهرباء السورية معظمه ويصل استهلاكها اليومي إلى 9ملايين م3، ومن المتوقّع زيادة كبيرة في إنتاج الغاز مع استثمار آبار غاز شمال وجنوب المنطقة الوسطى، الذي يتوقّع استثماره بعد 3shy; 4 سنوات بطاقة يومية تصل إلى 10ملايين م3.