قبول الهاجري من الرياض: في الحلقة الثانية من ملف "إيلاف" الذي يبحث أسعار النفط ومستقبل الطاقة النفطية،يستكمل الخبير النفطي حجاج بوخضور تحليله لأسعار النفط،وسعرها العادل،وسعرها الحقيقي بعد احتساب التضخم.وبحسب بوخضور فإن أسعار النفط لم تحقق نموا حتى وهى في مستوياتها الحالية فوق المئة دولار للبرميل،مشيراً إلى أن السعر الحقيقي للنفط هو في مستوياته الحالية فوق المئة وعشرة دولارات للبرميل وذلك بعد معالجته بمعامل التضخم على أساس عام 1980 .
السعر العادل
يقول الخبير النفطي،عندما نستعرض تاريخ تجارة النفط بعد أن تصدرت سلعة النفط من دون منازع على مصادر الطاقة الأخرى وتنامي أهمية تأمين مصادره وارتباط معظم الصناعات به، وعلاقة ذلك بالإنتاج وسياسة الأسعار، نجد أنه لم يطرأ نمو فعلي على أسعار النفط خلال العقود الستة الماضية من القرن العشرين (1947-2000) فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت أسعار النفط مستقرة عند مستوى 3 دولارات كحد أقصى، وحتى خلال فترة النزاعات العالمية فإنه لم يطرأ تطور كثير عليها باستثناء فترتي الصدمة النفطية الأولى والثانية، وبدأ النمو الحقيقي في الأسعار يتحقق بعد عام 2000.
ويضيف مضى قرن من الزمان على أهم سلعة حركت معظم الأحداث في العالم، ولم يطرأ على أسعارها تطور يذكر وفق المقاييس الاقتصادية، فبالرغم من احتقان هذه الفترة من الزمن التي تؤكد تزايد الطلب على النفط وتنامي أهميته الاقتصادية والسياسية، وتزامن ذلك النمو في الطلب مع ضغوط أمنية وتوترات جيوسياسية وحروب إقليمية، من شأنها دعم وتيرة الأسعار المتصاعدة، إلا أن ذلك لم يتم إلا في الفترة من 1979 - 1980، الذي سجلت فيها الأسعار أرقاماً قياسية، حيث تجاوزت 37 دولاراً للبرميل في عام 1980 وسميت هذه الفترة بالصدمة النفطية الثانية التي لو تمت معالجتها بمعامل التضخم، فإن قيمتها تصبح بسعر اليوم قريبة من 100دولار للبرميل، وذلك بأسعار صرف الدولار في عام 2007 كمستوى للقياس.
ويمضي بخضور في تحليله،باستثناء فترتي الصدمة النفطية الثانية نجد أن أسعار النفط منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2000، أي قبل تطبيق أوبك النطاق السعري22-28 دولار إذ لم يتجاوز سعر برميل النفط فيها سقف 15 دولارا للبرميل إلا في 50 مرة فقط ولفترات زمنية قصيرة جداً، بالرغم من حالة عدم الاستقرار والتوترات التي مرت فيها مناطق إنتاج النفط طيلة هذه الفترة الزمنية قياسا بما هي عليه الآن. كما أنه لم يتجاوز متوسط أسعار النفط للفترة من الحرب العالمية الثانية أيضا حتى عام 2007 مستوى 18.5 دولارا للبرميل على أساس قيمة الدولار في 2007 ومعنى ذلك أن 50 في المئة من الفترة الزمنية منذ الحرب العالمية الأولى حتى تاريخه، لم تتجاوز أسعار النفط في المتوسط 18.5 دولارا للبرميل. وبنظرة إلى بدايات زمن اكتشاف النفط في أميركا عام 1869 فإن أسعار النفط عند معالجتها بمعامل التضخم لم تتجاوز في المتوسط 21.1 دولارا للبرميل، على أساس قيمة سعر الدولار في 2007. ومعنى ذلك أن أسعار النفط لم تتجاوز 16.7 دولارا للبرميل خلال نصف المدة وهو ما يؤكد أن أسعار النفط لم تحقق نموا حتى وهى في مستوياتها الحالية فوق المئة دولار للبرميل.
التضخم وأسعار النفط
يؤكد بوخضور أن السعر الحقيقي للنفط هو في مستوياته الحالية فوق المئة وعشرة دولارات للبرميل وذلك بعد معالجته بمعامل التضخم على أساس عام 1980 ، موضحاً أن سقف برميل النفط في وقت الصدمة النفطية الثانية كان عند 40 دولار للبرميل بمعنى أن أسعار النفط لم يطرأ عليها الآن نموا عن أعلى قيمة كانت قد سجلتها حتى وهى فوق المئة دولار للبرميل.
وعن ماهية العلاقة بين التضخم وأسعار النفط،قال أن النفط سلعة اقتصادية حيوية وهو مصدر رئيسي للطاقة حيث تساهم بنسبة 40في المئة عن غيرها من مصادر الطاقة الأخرى كما يمثل النفط مادة أولية لأكثر من 400 ألف من المنتجات الصناعية. وعلى أثر ذلك تتأثر سلعة النفط بالتضخم كما إنها تؤثر على التضخم على اعتبار أن التضخم ينشأ من زيادة الطلب عن العرض للسلع والخدمات بما يؤدى إلى ارتفاع الأسعار نتيجة الزيادة في الإنتاج عن الطلب الكلي أو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج ، فعندما يتراجع الطلب فإنها المعالجة تتم بتخفيض أسعار الفائدة وعندما ترتفع معدلات التضخم يعالج برفع أسعار الفائدة . ولفت إلى أن أهم عناصر تكاليف الإنتاج الطاقة والمواد الأولية وغالبا النفط يمثل ذلكما العنصرين،وبالتالي فإنه كلما ارتفعت أسعار النفط ارتفعت تكاليف الإنتاج وأرتفع معدل التضخم فتتغير السياسة النقدية برفع الفائدة لمعالجة التضخم ويتراجع الطلب على النفط فتنخفض أسعاره والعكس صحيح وهكذا تستمر العلاقة بين النفط كسلعة ومصدر للطاقة مع التضخم.
وفي سؤال "إيلاف" له حول تسبب ارتفاع أسعار النفط في ارتفاع نسبة التضخم ،قال ليس صحيحا أن ارتفاع أسعار النفط وحدها وراء زيادة الضغوط التضخمية وسبب الانكماش والتباطؤ الاقتصادي العالمي، على اعتبار أن التضخم ينشأ من زيادة الطلب عن العرض للسلع والخدمات بما يؤدى إلى ارتفاع تكلفة الأسعار نتيجة الزيادة في الإنتاج عن الطلب الكلي أو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج. وشدد على أن تحليلات علة الضغوط التضخمية التي تتم في السابق غالبا لا ترتكز على أساسيات عوامل السوق لتقييم دور أسعار النفط على أداء الاقتصاد العالمي، فما أن ترتفع أسعار النفط نتيجة أزمات جيوسياسية أو من نمو اقتصادي وغيرهما من عوامل الدعم حتى يبدأ المستهلكين بالضغط على دول أوبك بتحميل ارتفاع أسعار النفط وحدها تبعية التباطؤ الاقتصادي حتى تقوم أوبك بزيادة الإنتاج وإغراق الأسواق بالنفط.
وأشار بوخضور إلى أن مثل هذا النهج المضلل في التحليل والمعالجة ظل مستمرا خمسة وثلاثين عاماً حتى تغير مؤخرا ليتم معالجة التضخم بتطبيق سياسات مالية في الدول المستهلكة وفق أساسيات عوامل السوق عبر تنامي الطلب لمعالجة العجوزات المالية وإختلالات الموازين التجارية العالمية ،وبدورها اتخذت أوبك سياسة متوازنة وفهما مستوعبا لأداء السوق في تحديد سقف الإنتاج للمحافظة على استقرار الأسعار وبين رفع وخفض مدروس استطاعت أوبك أن تحافظ على الاتجاه التصاعدي للأسعار حتى تجاوزت الخانات الرقمية الثلاث في بداية 2008 لتسجل قيمتها فوق المئة دولار للبرميل، وبذلك تكون قد حطمت الرقم القياسي الذي وصلت إليه من عام 1980 بعد معالجته بمعامل التضخم.
مساهمة ارتفاع أسعار النفط في حالة الركود الاقتصادي الأميركي
تنتج الولايات الأمريكية تقريبا 8.5 مليون برميل يوميا وتستورد 12 مليون برميل يوميا،وبحسب بوخضور،فإن تأثرها من ارتفاع أسعار النفط وفق ذلك معوم وتم إطفاء جزء كبير منه .لذلك نجد أن الولايات المتحدة حققت نموا متزامنا مع ارتفاع الأسعار بل أن نموها الاقتصادي الذي تمتعت به طوال الخمس سنوات الماضية كان داعما لنمو أسعار النفط, لولا أزمة الرهن العقاري وعوامل أخرى تسببت في تباطؤ اقتصادها هذه السنة، وهو ما يؤكد أن نسبة مساهمة أسعار النفط في التباطؤ الاقتصادي الأميركي تكاد تكون غير مسؤولة بقدر الأزمات الاقتصادية والأسباب الأخرى.
وأوضح مستطرداً أن أحد الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية في معالجة التضخم والعجز في الميزان التجاري والمحافظة على تدفق صادراتها وحصصها من الأسواق العالمية هو السياسة النقدية التي تعتمد على التلاعب بسعر الصرف والفائدة. وقد استغل المستثمرون والمضاربون ذلك و فرضوا علاقة بين الدولار وأسعار النفط فكلما أنخفض سعر صرف الدولار ارتفعت أسعار النفط والعكس صحيح وبحسب ذلك إذا عادت النضارة للورقة الخضراء انخفضت أسعار النفط تبعا لذلك.
قدرة أوبك على التدخل
يمثل إنتاج الدول الأعضاء في الأوبك 40في المئة من حجم الإنتاج العالمي،وبذلك فإن قرار خفض الأسعار خارج عن سيطرة دول الأوبك.وأوضح بوخضور أن أوبك تتخذ في قراراتها دور مهما لجعل السوق النفطية مستقرة فهي تحافظ على إبقاء حجم حصتها من الإنتاج العالمي مستمرة ومتوازنة ،وهى بذلك تعطى استقرار السوق وهو أمر أكثر أهمية من ارتفاع الأسعار.وتابع بحسب معطيات إمدادات النفط ونمو الطلب العالمي وإنتاج دول خارج أوبك وبرامج الاستكشافات وتطوير الآبار هي عوامل تدفع أوبك على إصرارها دون رفع الإنتاج قبل حلول عام 2012 .