|
كامل الشيرازي من الجزائر : تستعدّ الجزائر هذه الأيام لجولة جديدة في مسار مفاوضاتها للإنضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة، وعلمت "إيلاف" أنّ اللجنة الحكومية تجتمع قريبًا حول العروض الجديدة المتعلقة بانضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للتجارة، قبيل الفصل في مفاوضات خاصة بالخدمات والزراعة وأيضًا آفاق التعاون فى مجالات الطاقة ونقل المحروقات والنقل البحري، بعدما ظلت مسألة الانضمام محل شد وجذب منذ عشرة أعوام كاملة.
وتحسبًا لإنعقاد الجولة الـ11 من هذه المفاوضات التي ستجمع الوفد الجزائري بممثلين عن 9 دول، قال متحدث باسم وزارة التجارة الجزائرية أنّ لجنة حكومية ستلتئم في غضون الأسبوعين المقبلين لبحث ما طرأ على خطة المفاوضات، ومدارسة العروض الجديدة لدول عضوة في المنظمة العالمية للتجارة في إطار المفاوضات الثنائية، وتحاول الجزائر حسم العملية قبل نهاية العام الجاري وجعل الجولة المذكورة آنفًا الأخيرة في رحلة المفاوضات التي استنزفت سنوات طويلة، وردّت خلالها الجزائر على 1500 سؤال وطلب قدمتها الدول الأعضاء، علمًا أنّ الجزائر حدّدت في آخر جولة من المفاوضات مع المنظمة العالمية للتجارة، شروطًا لدخول الممولين الأجانب 87 قطاعًا فرعيًا للخدمات، من بين 161 قطاعًا فرعيًا تشكل حاليًا محاور محادثات.
وقبيل استئناف المفاوضات أوائل الصيف المقبل، أسرّت مصادر على صلة بالملف لـ"إيلاف" أن مساعي الجزائر للانضمام لمنظمة التجارة العالمية قد تستمر في الاصطدام بإرادات أعضاء نافذين لا يشاطرون المنظور الجزائري لإيجاد مخرج لمعضلة الطاقة والخدمات التي تركت مسار الانضمام معلّقا منذ سنة 1998، على الرغم من أنّ مسؤولون في الجزائر جدّدوا القول أنّ الانضمام في منعرجه الأخير وبات بين قوسين أو أدنى، بعدما هيأت بلادهم مناخها التجاري عبر كثير من الاصلاحات المتعلقة بالمنظومة الجمركية والقانونية، من حيث إقدامها على إلغاء وتحديث وتعديل جوانب متعددة في منظومتها التسييرية على درب تكييفها مع مقومات الانخراط في منظمة التجارة العالمية، وأبدت الجزائر إلتزامها بضمان التنافسية وإقرار تسعيرة موحدة للطاقة بالنسبة للسوق المحلية والخارجية.
وتلقت الجزائر عريضة من المنظمة العالمية من أجل فتح خدمات التوزيع، لكنها استثنت عملية توزيع تجارة التجزئة والجملة وكافة المنتجات الطاقويه على غرار زيت الوقود والغاز، كما تمحورت العرائض التي تقدمت بها المنظمة حول النقل البحري الذي يتضمن نقل المحروقات وهي النقطة التي لم يتم اتخاذ أي التزام بشأنها بعد، فيما صرّح كبير المفاوضين الجزائريين "شريف زعاف" أنّ بلاده قطعت نحو 95 في المئة من أشواط انضمامها إلى المنظمة العالمية للتجارة، وتترقب تتويج انضمامها إلى المنظمة المذكورة قبل نهاية العام الجاري، بيد أنّ الرهان لم يتحقق وقد يتأجل لسنتين إضافيتين.
ويتفاءل مراقبون بانضمام وشيك للجزائر إلى منظمة التجارة العالمية، خاصة وأنّ نقاط الاختلاف مع الدول الأعضاء في المنظمة تقلصت من 150 العام الماضي إلى 12 فقط أخذت طابع "الاستفسارات" في الربع الأول من السنة الجارية، علمًا أنّ الجزائر وقعت في الفترة القليلة الماضية على اتفاقيات ثنائية مع ستة دول و يتعلق الأمر بالأوروغواي والبرازيل وكوبا وفينزويلا وسويسرا وأستراليا، وسط توكيد من وزير التجارة الجزائري "الهاشمي جعبوب" على أنّه لا يوجد أي من البلدان العضوة في المنظمة العالمية للتجارة "يعارض انضمام الجزائر إلى هذه المنظمة الدولية"، وكشف الوزير الجزائري أنّ 31 دولة من مجموع 35 دولة عضوة، منحت دعمًا إضافيًا لانضمام الجزائر لمنظمة التجارة.
وبشأن قضية أسعار الطاقة المثيرة للجدل بين الجزائر وعرّابي منظمة التجارة، شدّد وزير الطاقة الجزائري "شكيب خليل"، أنّ موقف بلاده سيبقى "ثابتا" حيال الموضوع، وقال إنّ سعر الغاز على مستوى السوق الداخلية سيظل نفسه، مستثنيًا كل تنازل عن هذه المسألة، وأكد خليل قائلاً "لن تكون هناك مراجعة في سعر الغاز على مستوى السوق الجزائرية"، مفنّدًا ما تردد عن دعم بلاده لمؤسساتها الانتاجية عن طريق تحديد سعر للطاقة يقل كثيرًا عن سعر الطاقة المصدرة، كما أوضح الوزير أنّ الجزائر لا تعتمد سعرين مختلفين للطاقة على المستويين الداخلي والخارجي.
وتردّد في أعقاب زيارة "بيتر مندلسون" المحافظ الأوروبي للتجارة للجزائر، أنّ القوى الكبرى في المنظمة العالمية للتجارة، لن تسمح بانضمام الجزائر إلى الأخيرة، ما لم (يذعن) الطرف الجزائري إلى الضغوط التي يفرضها الأعضاء سيما المجموعة الأوروبية بشأن تحرير قطاع الخدمات وإقرار تسعيرة مغايرة للمواد الطاقوية، من خلال إيجاد حلول لعبور سائر المنتجات على الأسواق الأوروبية، وكذا مشكلة الازدواج الضريبي والوحدة السعرية الموظفة في تسويق المحروقات برفع سعر الغاز في الجزائر، وهو تصور ترك الانطباع أنّ الطريق لا يزال طويلاً أمام الجزائر لبلوغ هدف تكافح لأجله منذ فترة ليست بالقصيرة.
وعلى الرغم من الحسم في نقاط متعلقة بحرية تنقل لحوم الغنم والحليب، بالإضافة إلى أنشطة الاتصالات الموجهة للمؤسسات، بيد أنّ تحفظات عمداء المنظمة العالمية للتجارة لا تزال مستمرة بشأن ملف استيراد السيارات القديمة، ومشاكل أخرى تمسّ الحقوق الجمركية على الحليب، وهذا الشق أبرزه وزير تجارة زيلاندا الجديدة، هون فيل جوف، عندما كشف مؤخرًا أنّ المفاوضات تبقى عالقة بسبب سؤال حول تخفيض التعريفة الجمركية المفروضة على المواد الأولية لإنتاج الحليب ومشتقاته، علمًا أنّ هذه المنتجات أهم ما تستورده الجزائر.
ويقول العارفون بالشأن الاقتصادي الجزائري، إنّ السلطات هناك على الرغم من أنّها ''تضع الانضمام أولى أولوياتها في المرحلة القادمة لتطوير اقتصادها''، إلاّ أنّها تعارض تقديم مزيدٍ من التنازلات، إذ ليست مستعدة –على الأقل في الوقت الراهن- للتخلي عن التسعير المزدوج للطاقة في الأسواق المحلية والدولية، كما لا تريد إقرار نمط آخر لمنظومة الخدمات، تبعًا للمصاعب التي تواجهها البلاد جراء تحديث وتحرير الخدمات، في وقت تتعالى الأصوات المنتقدة لما يشهده القطاع المذكور، بحكم ما ينتابه من تقدم بطيئ، واستمرار ما يلف المصارف المحلية ومحدوية استثماراتها وعوائدها.
المسؤول الأوربي بدا متشددًا بخصوص هذا الملف، وقال إنّ الجزائر مطالبة بتقديم تنازلات للدول العضوة في المنظمة العالمية للتجارة إذا "كانت ترغب في الانضمام إلى هذا التكتل التجاري" كون الحكومة الجزائرية ستجد نفسها معزولة أمام 140 دولة عضوة في المنظمة، رافضا منح "استثناء" خاص بالجزائر التي يتوجب عليها أن "تدفع ثمن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية" على حد تعبيره، حاثًا السلطات الجزائرية على الرضوخ للقواعد المعمول بها التي طبقت على جميع الدول التي تسعى للانضمام بينها روسيا والصين.
وترى الجزائر أنّ انضمامها لمنظمة التجارة، يشكل أنسب اطار للدفاع عن المصالح التجارية الجزائرية، بيد أنّها ترفض أن يكون تجسيد الخطوة لقاء القبول بقواعد يراد بعض الأعضاء فرضها على الجزائر، لذا أصرّت منذ استئنافها المفاوضات العام 1998، على الدفاع عن مصالحها وتجنب أكبر قدر من الشروط الأمريكية والأوروبية، والمشكل الرئيس، يبقى بحسب الجانب الجزائري، في عجز أعضاء المنظمة عن فهم إجابات الجزائر كما يعاني الجزائريون من عوائق موضوعية لفهم أسئلة مفاوضيهم بخصوص التفاصيل المتعلقة بالمقاييس التجارية والاجراءات الصحية ورخص الاستيراد.
|