|
زيادة حالات الانتحار وقتل الأطفال باكستان: الغلاء يدفع 40 % من السكان تحت خط الفقر
عبدالخالق همدرد من إسلام اباد: ليست هناك أي حكومة في العالم تصرح بأنها تعمل ضد شعبها، بل كل حكومة تدعي بأنها تبذل أقصى جهودها لصالح الشعب وهدفها ليس إلا خدمة البلاد والعباد ... لكن عندما يرى الشعب أن كل تلك الادعاءات ليست سوى حبر على ورق، طبعا يستشيط غضبا ... وقد يظهر ذلك الغضب بأشكال مختلفة قد تعصف بـ" الحكومة الشعبية " ... ولعل الوضع في باكستان ليست أقل من هذا هذه الأيام.
عندما ترى السيارات الفخمة تمر على الطرق في موكب من سيارات الشرطة والإسعاف لا يمكن لك أن تتخيل أنها سيارات النواب في البرلمان أو الوزراء لبلد يموت فيه الشعب جوعا ... بل تتخيل وكأنه لم يبق أي مصرف لأموال الدولة سوى تقديم تلك التسهيلات إلى ممثلي الشعب....
يقول الجميع إن الغلاء ظاهرة دولية، ولا يمكن لأحد السيطرة عليه لوحده ... لكن ماذا تقول عندما يحاول الناس التخلص من الحياة جراء انعدام لقمة العيش؟ ... ويعرضون أطفالهم للبيع عسى أن يقدروا على الاحتفاظ بخيط الحياة ولو بعيدين عن ناظري الأبوين ... وفضلا عن ذلك ازدادت حالات قتل الآباء لأولادهم لانعدام القوت أو أنهم لا يقدرون على علاجهم ... كل هذا فعلا بدأ في باكستان.
نسبة الفقر كانت الحكومة الماضية تدعي بأنها تمكنت من تخفيض نسبة الفقر حيث أصبحت 23في المئة مقارنة بنسبة عالية من قبل؛ إلا أن الإحصائيات الحالية تشير إلى أن الغلاء المتزايد ونسبة التضخم المرتفع قد دفع نحو 40 في المئة من سكان باكستان البالغين نحو 160 مليون نسمة تحت خط الفقر. في حين أدى تدهور العملة إلى أن الكثير منهم لا يقدرون على شراء ثلاث وجبات يوميا.
الأسعار غير مستقرة أما الأسعار في الأسواق فهي غير مستقرة إلى حد أن سعر مادة في المساء يكون شيئا وتجده بسعر آخر في صبيحة اليوم التالي. والأمر نفسه يحدث بين الصباح والمساء أيضا. وهذا الأمر بات واضحا على كل مواطن. مثلا قبل أسبوعين اشتريت الطماطم بعشرين روبية للكيلو الواحد؛ لكن بعد بضعة أيام فوجئت بأنها أصبحت بـ 46 روبية. أضف إلى ذلك أن المواد التموينية الأخرى والفواكه كادت تطير خارج نطاق خيال المواطن العادي.
قدرة الشراء انتهت يقول (ناياب عباسي) وهو صاحب بقالة في حي شعبي في العاصمة إن ارتفاع الأسعار أثر في عمله سلبيا. ويرى أن المبيعات انتقصت بواقع نحو 30 في المئة. كما أن أهل الحي لم يعودوا يقبلون على شراء الفواكه، بالإضافة إلى تقليل كمية المواد التي يشترونها. ويضيف أن الأسعار غير مستقرة إلى درجة أنني قد أبيع بعض الأغراض أرخص من سوق الجملة؛ لأن أصحابها يعرفون الأسعار من حين لآخر بينما أنا أقارنها بالأسعار الجديدة عندما أشتري الأغراض من سوق الجملة.
الانتحارات وقتل الأطفال ولا تكاد تجد صحائف يوم ما دون أخبار الانتحارات وقتل الأطفال جراء الفقر المدقع. وهذا الأمر لا يختص بمنطقة أو مدينة، بل تعم جميع المناطق في البلاد؛ بيد أن نسبتها تتراوح بين منطقة وأخرى لأسباب.
المطاعم العادية المطاعم العادية تؤوي العمال والمسافرين ومن يحضر مدينة بحثا عن مصدر للرزق. وكنت أرى المطاعم العامة في المنطقة التي أعيشها مزدحمة من قبل؛ إلا أن عدد زبائنها في انخفاض. كما أن الكثير من العمال بدأوا يقضون على جوعهم بأكل خبز جاف مع كوب من الشاي بدلا من شراء إدام؛ لكن يبدو أن تلك الوجبة أيضا ستفوق طاقتهم في المستقبل القريب. أما أصحاب المطاعم، فهم يواجهون الغلاء بطرقهم الخاصة. مثلا إنهم لم يرفعوا ثمن الخبز، لكن نقصوا من وزنه، فالذي كان يشبع بخبزين، يحتاج إلى ثلاثة خبزات الآن. أضف إلى ذلك تصغير أكواب الشاي وقدر الإدام في الصحنة مع زيادة سعره.
بيع الأطفال وتسليمهم إلى دور الأيتام وقد أشار تقرير إلى عدد من الحالات قام فيها الآباء بعرض فلذات أكبادهم للبيع، عسى أن ينجوا من الفقر الذي يعانون منه. كما أن البعض فضل تسليم أولادهم إلى دور الأيتام ليتخلص من تموينهم.
الدراجات والمشي والعربات الحصانية طبعا إن الغلاء بات يؤثر في جميع مجالات الحياة، ولاسيما أن ارتفاع أسعار الوقود قد اضطر المواطنين إلى البحث عن البدائل للسيارات التي لم يعد ليطيق أجرتها أو وقودها. وقد ازداد المشي على الأقدام بدلا من ركوب السيارات إذا كانت المسافة قصيرة. كما أن البعض عاد لينفض الغبار من على الدراجة التي أوقفها في زاوية من البيت تذكارا لماضيه، في حين هناك تقارير تشير إلى عودة العربات الحصانية إلى بعض المدن بعد أن أودعت المتاحف.
أعمال غير مرغوبة فيها دفع الغلاء الكثير من المواطنين إلى القيام بأعمال لم يكونوا يحبذونها في الماضي، كما أن الفقر دفع بعض من لا يقدر على العمل إلى التسول خارج المساجد. ومعظم أولئك المتسولين من النساء في البراقع، لا يُعرف هل هن متسولات محترفات أم من أسر متوسطة لم يطقن الفقر، فتجاوزن دهليز البيت للاستجداء والمواصلة مع موكب الحياة.
أين الحكومة الشعبية؟ هنا ينشأ سؤال ملح: أين الحكومة من كل هذه الأحوال؟ والرد عليه لدى كل مواطن باكستاني، بأنها " تشتغل بالأمور السياسية وليست لديها فرصة للتركيز على مشاكل المواطن". أما الحكومة نفسها فإنها قد أعلنت مساعدة 3.4 ملايين نسمة بتقديم 1000 روبية شهريا؛ لكن هل ذلك سينفع في حين 40 في المئة من 160 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر؟ كما أن الحكومة قد أعلنت زيادة أسعار الطاقة الكهربائية قريبا رغم أنها قد رفعت أسعار الوقود خلال الأسبوعين الماضيين مرتين.
وقد قالت وزيرة الإعلام شيري رحمن إن الحكومة مهتمة بمشاكل الشعب وإن الشعب سيدرك نتائج الإجراءات الحكومية قريبا؛ لكن المشكلة أن تلك الجملة كانت على لسان نظام مشرف منذ ثماني سنوات بـ " أن البلاد على مسار النمو الاقتصادي. وستصل ثمراته إلى الشعب قريبا". وها قد نال المواطن نتائج تلك الطفرة الاقتصادية بصورة غلاء كاد أن يقصم ظهره ويسلب منه حق العيش، فماذا عسى أن يُرتقب من إجراءات الحكومة الحالية؟!!
كاتب ومحلل باكستاني hamdard1424@gmail.com
|