العمل بمجال التخصص الدراسي للشباب حلم بعيد التحقيق ، وهل الدراسة إعداد لمهنة المستقبل أم للحصول على شهادة فقط؟
باسنت موسى - ايلاف : كنت في زيارة لأحد أقاربي وقابلت أثناء تلك الزيارة الكثير من شباب وشابات العائلة الذين لم التقي بهم منذ فترة كبيرة، وعندما صافحني أحدهم شعرت بأن يده شديدة الخشونة مما يوحى بأنه يعمل بها عملاً يدوياً مرهقاً وتعجبت لأنني أعلم أن هذا الشاب تخرج منذ عام تقريباً من كلية التجارة قسم محاسبة بتقدير جيد جداً إذن هو متميز في مجال دراسته ومن الطبيعي أن يعمل فيما نجح وأجتهد طوال أربع سنوات هى مدة الدراسة الجامعية.
ولكي أزيل عن عقلي هذا التعجب سألته عن عمله الحالي فأجاب مينا وبعينه شعور بالخجل قائلاً : أنني أعمل في مجال " السباكة" ولأنني لم أتعلمها منذ كنت صغير فأن مشرفي أو" معلمي " بالشغل يستخدمني لتكسير الحوائط وحمل ما ينتج عن هذا التكسير إلى العربات المختصة بذلك وكم يرهقني هذا العمل جداً بدنياً ونفسياً حيث يشعرني بعدم قيمة كل سنوات تعليمي وبأنه كان ينبغي علي أن أتعلم حرفة يدوية لأن الشهادة الدراسية لا تأتي بالمال الذي يساعدني على أن أكون إنسان قادر على الوفاء بالتزاماتي تجاه أسرتي أو تجاه أحلامي في الزواج وتكوين أسرة.
وعمل مينا بالسباكة لم يضيف له المال فقط بل أضاف له كما يقول العديد من السلوكيات السيئة حيث أصبح صوته مرتفع دوماً بالشتائم والسباب مع أي فرد يثير أعصابه من أصدقاءه أو العمال الذين يلتقي بهم يومياً في عمله وهو بتلك السلوكيات تخلى عن أخلاقه الهادئة خاصة وأن هدوء الشخص العامل في مجاله الحرفي هذا يوصف بأنه ضعف كما أن نظره مينا للمجتمع ككل أصبحت نظرة حقد وكراهية لشعوره بأنه لم ينال التقدير الكافي لسنوات كفاحه الدراسي.
بذلك الشعور الغير جيد أنهى مينا حديثه لي مهدياً إياي بمفردات حديثه محاور تحقيقنا اليوم عن عمل الشباب خارج نطاق التخصص الدراسي .
مادلين 26 سنة تقول :- أثناء دراستي الجامعية شعرت بأن أعبائي المالية فوق قدرة والدي لذلك أخذت على عاتقي مهمة البحث عن عمل أي عمل أحصل منه على دخل وبالفعل وجدت وظيفة سكرتيرة في عيادة طبيب.
ونظراً لظروف الدراسة كنت اعمل الفترة المسائية فقط ومع الوقت تأقلمت على وضعي العملي هذا بل وفرحت به لأن راتبي أصبح في ازدياد وبالتالي قدرتي على تلبية احتياجاتي أصبحت أكبر وهذا أمر مهم جداً لأنه تلبيه تلك الاحتياجات تشعرني بالاستقلالية وتنمى لدي القدرة على الاختيار دون تدخل أسرتي، لذلك بعد تخرجي لم أسعى للعمل بالتدريس وفق مؤهلي الدراسي فليس لدي استعداد للبحث من جديد عن عمل وفي يدي أخر نجحت فيه وعملت به لسنوات.
الدراسة هى سبيلنا لتعليق الشهادات على حوائط غرف الصالون عبارة بدأ بها أحمد حديثه لنا وهو يضحك بشكل هستيري ينم عن شعور عميق بالألم.
أحمد طالب بالسنة الثالثة بكلية الأداب ويدرس الفلسفة ولكونه على يقين كامل بأنه لن يعمل في المستقبل بشهادته الجامعية لا يبذل كما يقول أي مجهود دراسي كبير حيث يكتفي بشراء ملخصات دراسية تباع نهاية كل تيرم دراسي وبالفعل تساعده تلك المذكرات على النجاح بتقدير " مقبول " وعلى الرغم من تدني تقديره الدراسي إلا أنه لا يشعر بالاستياء خاصة وأنه يشغل وقته في التدريب على مهنة المستقبل بالنسبة له حيث يساعد والده في إدارة محل البقالة الذي يملكه هذا الوالد وسيتولاه ابنه بعد التخرج ليكون " بقال" بدرجة بكالوريوس جامعي.
هناك مهن لا تحتاج للدراسة الجامعية بقدر ما تحتاج للموهبة والقدرات الخاصة مقولة يؤكدها البعض بتفاصيل حياتهم العملية الناجحة .
فؤاد 29 سنة أحد هؤلاء فهو تخرج من كلية التجارة ليرضى والديه ولتطمئن قلوبهم بالشهادة الجامعية لكن عمله الحالي والذي يتكسب منه الكثير كما يقول هو إصلاح أجهزة الهواتف النقالة والحواسب الشخصية ولتنمية ميله الفطري منذ أن كان طفلاً لفك وتركيب الأجهزة ألتحق فؤاد بدورات تدريبية تُعلم كيفية إصلاح تلك الأجهزة، سناء تشبه كثيراً فؤاد فهي تخرجت من كلية الأداب قسم لغة إنجليزية ولم تعمل بالتدريس أو الترجمة وفق مؤهلها الدراسي وإنما عملت محررة بإحدى الجرائد التي تصدر بالإنجليزية وبذلك العمل استطاعت أن تستفيد من دراستها للغة الإنجليزية وأشبعت موهبتها في كتابة الموضوعات الصحفية ومخاطبة القراء من خلال الجريدة التي تعمل بها.
ميرفت 28 سنة تقول:- الكثير من أبناء جيلي يظنون أن العمل الحر خارج الإطار الحكومي أو التخصص الدراسي أمر سيء بالنسبة لهم، وحقيقة أرى أن ذلك الوضع ليس سيء بل يكشف أن الشباب تربى على الخوف من الاعتماد على الذات وتنمية القدرات، لماذا لا نكون كالشباب الغربي قادرين على التخطيط ورسم المستقبل مع تقبل تحديات وإخفاقات هذا الرسم ؟ لماذا دائماً نريد الوظيفة الحكومية الجامدة بمرتبها الضئيل.
لقد تخرجت منذ ستة أعوام من كلية التجارة واكتشفت بعد تخرجي أنني أحمل شهادة جامعية لا تؤهلني واقعياً للعمل كخادمة بأي مؤسسة تجارية كبيرة لذلك أدركت أنه يجب علي أن أفيق من زهو التخرج والحصول على شهادة جامعية وبالفعل بدأت ألتحق بدورات تدريبية للغتين الإنجليزية والفرنسية إضافة للدورات التجارية المتخصصة وفعلاً بعد أن ظللت عامين في هذا الإعداد التحقت للعمل بإحدى أهم المؤسسات التجارية الكبرى ومنذ أن التحقت بالعمل وأنا أطور دائماً من مهاراتي لأستمر في العمل الذي أتقاضى منه ما يزيد عن الألفي جنية وهذا الرتب يؤكد لي دوماً أن من يجد في البحث والتطوير يجازى على ذلك بالخير.
مجدي 25 سنة يختلف مع رؤية ميرفت تماماً وذلك لأنه يرى أن الأهل يدفعون الكثير من الأموال لأبنائهم للحصول على الشهادة ومن الصعب مطالبتهم بمزيد من الأموال لدورات تدريبية بعد الدراسة ليلتحق الابن بعمل مميز.
كما أنه كشاب يعمل في إحدى الشركات الخاصة ويتقاضى راتب بسيط يكفيه كمصروف شهري بالكاد يشعر بالاستفزاز عندما يلمح برنامجاً تليفزيونياً أو إعلاناً يدعو الشباب للالتحاق بأي عمل لكسب المال دون النظر للشهادة الجامعية حيث أن تلك الإعلانات والبرامج بنظره تبيع الوهم للشباب لأنها تؤكد لهم أن حرفتهم اليدوية تلك لن تؤثر على نظرة المجتمع لهم وهذا مستحيل لأن أصحاب الأعمال اليدوية دوماً ما يحظون بمكانة اجتماعية أقل من الآخرين.
الأستاذة الدكتورة ليليان عوض مدربة في مجال التنمية تقول:- على المجتمع أن ينتهج سياسة جديدة تجاه الأفراد العاملين بالمهن اليدوية أو العمل الحر، لأن كل الأوضاع المحيطة بمجتمعنا والكثير من المجتمعات العربية من حولنا تؤكد أن المستقبل للفكر والعمل الحر وعلى شبابنا أن يدركوا تلك الحقائق حتى لا يتعذبوا وهم منتظرين العمل الحكومي أو العمل في مجال التخصص، وليس معنى ذلك أن كل الشباب لن يعملوا في مجال تخصصهم بالطبع البعض منهم وخاصة من يدرسون الطب والهندسة سيعملون في مجالهم لأن مهنهم تقوم على الكثير مما درسوه بالجامعة لكن باقي التخصصات تحتاج لأن يتميز الفرد فيها ليعمل بمكانة متميزة .
وعن الإعلانات التليفزيونية التي تحمس الشباب على العمل في أي مجال يدوي أو حرفي دون الالتفاف للشهادة الجامعية تكمل د. ليليان حديثها لنا مؤكدة أن تلك الإعلانات غير مستفزه بل تشرح للشباب ما عليهم فعله لينجحوا ويتميزوا وهذا النجاح والتميز لن يتحقق بأفكارنا التقليدية عن العمل وقيمته.