واشنطن: تُعد الولايات المتحدة بلد العلم ووجه أي طالب للتقدم العلمي من كافة أنحاء العالم من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه؛ ولذا تُصبح تجربة الولايات المتحدة وأسلوبها التعليمي محل وبحث ودراسة من كافة المؤسسات لاسيما الأمريكية؛ رغبة منها من تعزيز مكانة الولايات المتحدة العلمية. وانطلاقا من تلك الأهمية فإن هذا التقرير سيتناول التقرير السابع لمركز براون للأبحاث The Brown Center لعام 2007 عن التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، المعنون بـ "كيف يتعلم الطلاب الأمريكيين جيداً"How Well Are American Students Learning ، الذي نشره معهد بروكنجزBrookings Institution حيث يتألف هذا التقرير من ثلاثة أجزاء، ويمكن عرض أهم ما ورد في هذا التقرير على النحو التالي:
أولاً: إنجاز الأمة
يبدأ التقرير بالإشارة إلى عدد من الانجازات التى حققتها واشنطن في مجال التعليم، فتظهر نتائج الاختبارات التي أجرها التقييم الوطني للتقدم التعليميthe National Assessment of Educational Progress (NAEP) وجود تقدم وان كان صغير لكنه مهم في كل من مادتي الرياضيات والقراءة، فدرجات الطلبة في مادة الرياضيات في الصفين الرابع والثامن واصلت تقدمها المطرد منذ آخر تقييم أجراه NAEP في عام 1990، وفي الواقع يُعد هذا إنجازًا كبيرًا، إلا أن التقارير السابقة الصادرة عن مركز براون أثارت تساؤلات حول: نوع الرياضيات التي يدرسها الطلاب الأمريكيين؟.
ووفقًا لتقييم NAEP وُجد أن الطلاب يُحققون تقدمًا بشكل خاص في حل المسائل ذات الأعداد الصحيحة، وتحليل البيانات الأولية والإحصائيات، والهندسة الأساسية. إلا أن تقييم NAEP أعطى اهتمامًا ضئيلاً لمهارات الحساب ومعرفة واستعمال الكسور العشرية والنسب المئوية والجبر. ويرى المركز أن هذه النتائج تدل على أن الطلاب الأمريكيين يتحسنون في بعض أشكال الرياضيات، إلا أنه لا يمكن معرفة كيف يؤدون في الموضوعات المهمة الأخرى التي تعتبر الأساس للدراسة المتقدمة للرياضيات وفق ما يراه العلماء في دراسة الرياضيات.
أما فيما يتعلق بمادة القراءة فقد ارتفعت نتائجها أيضًا في عام 2007، فقد حقق الصف الرابع تقدمًا منذ نتائج عام 2000، لكن نتائج الصف الثامن كانت ثابتة منذ عام 1998. ويرى التقرير أنه فيما يتعلق بالقراءة فإن هناك مؤشر ايجابي وآخر سلبي، فالمؤشر الايجابي يتمثل في تحسن نتائج الصف الرابع بعد الهبوط الذي شهدته خلال التسعينيات، وتتمثل أهمية ذلك في أن الصف الرابع يُعد البداية الرئيسية لتعلم القراءة، وهؤلاء الذين لا يتعلمونها في الصف الرابع تواجههم مشاكل كبيرة ليس فقط في القراءة ولكن أيضًا في الموضوعات الأخرى التي تعتمد عليها كالتاريخ. أما المؤشر السلبي فيتمثل في أن الوضع في الصف الثامن على العكس تمامًا، وهو ما يخلق مشكلة عند حساب مكاسب المجموعات، حيث يعرض تقييم NAEP التغيير في نتائج الاختبارات بين الصفين الرابع والثامن في سنة واحدة، إلا أن نتائج هذه المجموعات ليست حقيقية لأنها مجرد نماذج تمثيلية لأطفال المدارس الأمريكية. وهو ما يجعل نتائج القراءة المخيبة للآمال للصف الثامن بمثابة عقبة سياسية أمام إعادة تفويض قانونNo Child Left Behind Act (NCLB).
وقد لاحظت Jeanne Chall ، خبيرة القراءة الأسطورية في جامعة هارفارد Harvard، خلال عملها في الستينيات أن نتائج اختبارات القراءة تتعثر بعد الصف الرابع، وهي الظاهرة التي أطلقت عليها اسم ركود الصف الرابع “the fourth grade slump”، وهو ما أصبح لغزًا لم يحل، كما توضحه بيانات NAEP.
هل الإتقان في الـ NAEP مرتفع؟
لقد حدد قانون No Child Left Behind Actإتقان القراءة والرياضيات كهدف لكل طالب في الولايات المتحدة، وترك القانون للولايات تحديد الحد الأدنى المطلوب من الدرجات في كلا المادتين، إلا أن الكثير من المحللين اتهموا الولايات بتخفيض الحد الأدنى من الدرجات لزيادة عدد الطلاب الذين يخرجوا من الولاية إلى الجامعة، حيث تستند هذه الاتهامات إلى مقارنة النسبة المئوية للطلاب الذين تقول الولايات أنهم اجتازوا الحد الأدنى مع النسب المئوية لتقييم NAEP.
وقد نفت التقارير السابقة لمركز براون الافتراضات التي يقوم عليها هذا الاتهام، فالافتراض الأول هو أن اختبارات NAEP صارمة، وهو ما أثبت التقرير خطأه، أما الافتراض الثاني فهو أن الولايات دخلت فيما يسمى "سباق إلى القاع" “racing to the bottom” استجابة لقانون NCLB، إلا أن هذا التقرير كشف أن الولايات أبلغت عن النسب المئوية الأكبر للطلاب المهرة في تقييم NAEP حتى قبل صدور قانون NCLB هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السباق إلى القاع يقتصر على القراءة فقط ولا يضم الرياضيات. أما الافتراض الثالث فهو أن مستويات الأداء في NAEPملزمة، إلا أن مقارنة نتائج NAEP مع نتائج الاختبارات الدولية يُشكك في صلاحية الحد الأدنى لـ NAEP، فمعظم دول العالم سيفشل طلابها في الوصول إلى حد الكفاءة المطلوب في قانون NCLB.
ألغاز التسجيل في المدارس الخاصة
يفترض الكثير من أولياء الأمور بأن المدارس الخاصة أفضل من المدارس العامة، فقد قال اغلب المستطلعين في استطلاع رأي لـ "كابان" Kappan Poll في عام 2004 أنهم سيرسلون أطفالهم إلى مدارس خاصة إذا كانت مستندات الصرف توفر الغطاء الكامل للتعليم. ولهذا تناول التقرير اتجاهان فيما يتعلق بالتسجيل في المدارس الخاصة في ضوء اعتقاد أولياء الأمور بتفوق هذه المدارس.
يتمثل الاتجاه الأول في أن نصيب المدارس الخاصة من الطلاب وصل إلى ذروته في عام 1959 ثم انخفض بعد ذلك، وهو ما يثير التساؤلات التالية: إذا كانت المدارس الخاصة جيدة بينما نظيرتها الحكومية سيئة فلماذا فقدت المدارس الخاصة حصتها من الطلبة خلال العقود الماضية؟، وكيف يمكن أن يحدث هذا في الوقت الذي أشادت فيه دراسات العلماء الاجتماعيين بمزايا التعليم الخاص؟، أما الاتجاه الآخر فيتمحور حول المزايا المتقدمة التي يفقدها الطلاب بانتقالهم من المدارس الخاصة إلى العامة.
هل هناك ميزة للمدارس الخاصة؟
في عام 1982 نشر جيمس كولمن James Colemanدراسات حول المدارس الخاصة والعامة، قدم فيها بيانات من المدارس الثانوية في دراسة وطنية واسعة النطاق للطلاب الذين كانوا تلاميذ الصف العاشر والصف الثاني عشر في عام 1980، وتم التوصل إلى نتيجة مفادها "أن المدارس الخاصة أفضل من المدارس العامة"، إلا أن النقاد اتهموا كولمن بأنه تجاهل حقيقة أن الطلاب في المدارس الخاصة قد يكونوا منذ البداية أفضل من حيث المستوى، أو أن يكون أولياء أمورهم أكثر اهتمامًا بالتعليم. ذلك أنه وبعد كل شيء يذهب الآباء لمتاعب إرسال أطفالهم إلى مدارس القطاع الخاص، ودفع مصاريف هذه المدارس فضلاً عن مصروفات النقل والإمدادات الخاصة بهم، رغم أنهم بالفعل يدفعون الضرائب لتمويل التعليم العام.
وقد مدحت دراسات تالية المدارس الخاصة أيضًا، وفي هذا الإطار وجد كل من بريك Bryk، ولي Lee، وهولند Holland أن المدارس الكاثوليكية لا تحقق إنجازًا أفضل فقط، لكنها أيضًا تخدم "الصالح العام" من خلال إنعاش التعليم للفقراء والأقليات من الأطفال.
وبناءً على دراسات كولمان Coleman، أشار كلاً من بريك Bryk، ولي Lee ، وهولند Holland إلى أن طلاب الأقليات الكاثوليك في المدارس الثانوية يتعلمون ضعف ما يتعلمه نظرائهم في المدارس العامة في مادة الرياضيات، حيث تُشكل المدارس الكاثوليكية نحو نصف مجموع المدارس الخاصة، ولذلك فهي حاسمة للمقارنة بين المدارس العامة والخاصة. كما أشاد كل من بريك Bryk، ولي Lee، وهولند Holland بالمدارس الكاثوليكية العليا لقيامها بتقديم منهج دراسي مشترك، والارتقاء بجميع الطلاب إلى مستوى عالي.
ويعتبر نيل Neal والعديد من الاقتصاديين أن جودة المدارس الخاصة هي نتيجة طبيعية للأسواق التنافسية، حيث يزن الآباء جميع الخيارات المتاحة لاختيار المدرسة التي توفر أفضل تعليم لأطفالهم.
وقد بُنيت هذه التفسيرات على نظريات تقوم على أن الإباء يقومون باختيارات عقلانية لتقرير لأي مدرسة سيرسلون أطفالهم، وهذا السلوك يجعل الاتجاهات في التسجيل في المدارس الخاصة أو العامة غامض.
اتجاهات تسجيل التعليم في الولايات المتحدة
تشير المعلومات التاريخية إلى أنه في عام 1890 ترك معظم الطلبة المدرسة قبل نهاية الصف الثامن، بينما ذهب 5.6 % فقط من سن 14 إلى 17 سنة للمدرسة. وفي بداية القرن العشرين ذهب طالب واحد من كل عشر طلاب في سن 14- 17 سنة فقط إلى المدرسة. ثم ارتفع التسجيل باطراد بعد عام 1910 وزاد أثناء فترة الكساد الكبير Great Depression ليصل إلى 72.6 % في عام 1940.
كما زادت حصة المدارس العامة من الفئة العمرية 14-17 من 8.4 ٪ في عام 1900 إلى 68.
1 % في عام 1950، في حين ارتفعت حصة المدارس الخاصة من 1.8 % إلى 8 %. ووصلت حصة المدارس الخاصة إلى ذروتها بنسبة 9.3 ٪ في عام 1960. ومنذ ذلك الحين انخفضت إلى 7.7 % في عام 2000،
ومن المثير للاهتمام أن التسجيل في المدارس العامة من سن 14 – 17سنة نما من 1.74 % في عام 1960 إلى83.5 % في عام 2000. وفي نفس الوقت نشر عدد من العلماء البارزين دراسة تلو الأخرى تبين مزايا التعليم الخاص عن العام، ومع ذلك فقد زاد إرسال الإباء لأبنائهم في سن 14 - 17 سنة إلى المدارس العامة وليس المدارس الخاصة، حيث ارتفعت نسبة التسجيلات لصالح المدارس الحكومية من حوالي 8 إلى 1 في عام 1960 إلى أكثر من 10 إلى 1 في عام 2004.
وفي عام1890 -1920 جذبت المدارس الخاصة للتعليم الثانوي نسبة مئوية أكبر من الطلاب من المدارس الابتدائية الخاصة، أي أن التعليم الخاص هو الأكثر شعبية من أجل الأطفال الأكبر سنًا عن الأطفال الأصغر سنًا. ويظهر هذا في بيانات عن عدد الطلاب المسجلون في كل مستوى في المدارس العامة والخاصة، ففي عام 1990 كان عدد الملتحقين من طلاب الصف العاشر في المدارس العامة 10.2% فقط من ما كان عليه في الصف الثامن، وفي الوقت نفسه نما عدد الطلاب في المدارس العامة. أما من الصف العاشر إلى الثاني عشر فالعكس، حيث احتفظت المدارس الخاصة بطلاب أكثر 86،3 ٪ مقابل 83،1 ٪ في عام1990.
وفي جميع البيانات كان طلاب الصف العاشر من المدارس الخاصة يستمرون للصف الثاني عشر أكثر من طلاب المدارس العامة، بينما كانت المدارس الحكومية أكثر عرضة لان يغادرها الطلاب بعد الصف العاشر.
والنتيجة النهائية هي نجاح المدارس العامة في الاحتفاظ بنسبة كبيرة من الطلاب من الصف الثامن إلى الثاني عشر، وقد يكون هذا قد تغير، حيث تم تفضيل المدارس العامة من قِبل 10.2% في عام 1990 (74.8 % مقابل85 %) وانكمش إلى 4.9 % فقط في عام 2000 (82.2 % مقابل 87.1%).