إيلاف تفتح ملف المبتعث السعودي للدراسة (1-2)
كيف يتغلب الطلبة السعوديون على مغريات الحياة في الخارج؟
وأيضًا: ما هي أبرز مطالب وهموم المبتعث السعودي؟
وكيف ينظرون إلى دعم الحكومة السعودية؟
 |
| المشرف العام على الملتقى السعودي خليل اليحيا مع السفير عادل الجبير- إيلاف |
فهد سعود- إيلاف: يعمل الطالب السعودي جاهدًا للحصول على فرصة للإبتعاث الخارجي، حيث تكون قمة أحلامه وأمانيه تتمثل في الدراسة في الخارج، ولكنه حين يحصل على هذه الفرصة، يصطدم بالكثير من الصعوبات والعوائق، فالإبتعاث ليس مجرد متعة وترفيه كما قد يتصور بعضهم، ولكنه مسؤولية كبيرة تحتاج في بعض الأحيان إلى إرادة كبيرة للاستمرار فيها، وتحقيق الهدف الأساسي والأهم وهو التعلم والدراسة والعودة بشهادة كبيرة تساعد الطالب في تبوؤ منصب مميز يضمن له مستقبله، ويساهم في تطور وطنه للأفضل.
قد تختلف طموحات وهموم المبتعثين السعوديين للدراسة، ما بين صعوبة العيش في أرض الغربة، وترك الوطن، والتكيف مع الأجواء الجديدة، خصوصًا مع الفارق الكبير في طريقة العيش بداخل السعودية ذات المجتمع المحافظ، والبلدان الغربية التي يسافر إليها المبتعثون، حيث تكثر المغريات، وتزداد مهمة الطالب والطالبة صعوبة في ظل الانفتاح الحياتي الذي تتميز به تلك الدول.
ولكنها تتفق في نقطة محورية، وهي أنه كل شي يهون في سبيل البحث عن التحصيل العلمي، والمعرفة، والعودة إلى أرض الوطن بخبرات جديدة تساهم في تحسين المنهج العلمي في السعودية، وهو ما اتفقت عليه مجموعة من الطلاب من الجنسين، الذين استطلعت " إيلاف" مرئياتهم حول العديد من القضايا المتعلقة بهم، وبالصعوبات التي يواجهونها، والدعم الحكومي الذي يحصلون عليه إثناء قضاء فترة دراستهم هناك.
(( برنامج خادم الحرمين الشريفين للإبتعاث الخارجي ))
http://www2.mohe.gov.sa/kas/info.aspx
ولأن إيلاف سعت من خلال هذا التقرير، الذي قامت به بالتعاون مع الملتقى السعودي للمبتعثين في أميركا، لنقل صوت المبتعث للمسؤولين، فإنها ستنقل وجهات نظر ومطالب الطلاب الذين شاركوا في التقرير، من بعض الدول الأوروبية، كأميركا واستراليا وغيرها، بكل ما تضمنته من مطالبات، إيضاحات، صعوبات، أماني، وأحلام وانتقادات.
السفر للدراسة... وخشية المحافظين...
ولا يخفى أن نشير هنا إلى أن العديد من الشباب السعودي، الذين انتقلوا للدراسة بالخارج، قد تعرضوا للكثير من المغريات، ما جعل الكثير منهم يحيد عن الهدف الرئيس، وينغمس في الملذات واللهو، وهو ما جعل بعض المحافظين يرفضون مبدأ السفر للدراسة، لأنها حسب وجهة نظرهم، سبب في معصية الطالب لربه، ووسيلة وأرض خصبة لتغير أفكاره، والعودة برؤى تختلف عن تلك التي كان يؤمن بها قبل سفره. وتتفاقم هذه النظرة حين يكون الحديث عن الفتاة السعودية، ففئة كبيرة جدًا تعارض سفرها للخارج للدراسة كونها تعتبر في نظرهم سهلة الخداع، ويكن التأثير عليها بسهوله. كل هذا وأكثر في حوارنا مع الطلاب والطالبات في ملف إيلاف حول المبتعث السعودي.
الإبتعاث وجبة شهية ولكنها قُدمت بطبق مكسور!
خليل اليحيا – طالب الدكتوراه في بيولوجيا الأعصاب والمشرف العام على الملتقى السعودي في أميركا...
في البداية أكد خليل اليحيا، المشرف العام على الملتقى السعودي في أميركا، أن إتاحة الحكومة السعودية الفرصة للشباب للإبتعاث الخارجي هي خطوة من حيث المبدأ رائعة وضرورية لتجديد العقول البشرية والسعي للاكتفاء الوطني من المهارات والمواهب السعودية لقيادة البلد لمستقبل أفضل، ولكن كان هناك ارتباك واضح في التطبيق وفوضى وانعدام التنسيق بين وزارة التعليم العالي وبعض الملحقيات الثقافية – خاصة الملحقية الثقافية في الولايات المتحدة – مما أدى إلى اختصار الأهداف المرجوة من هذه البرنامج والتقليل من فوائده... فبرنامج الإبتعاث كالوجبة الشهية، لكنها قدمت بطبق مكسور مما أفقدها بعضًا من لذتها وجمل منظرها.
عن رأيه حول ما يشار تغلغل الواسطة فيما يخص الإبتعاث الخارجي، قال اليحيا: الوساطة جزء من ثقافة بلد وهي متغلغلة في جميع تفاصيل حياة هذا المجتمع وأدبياته، ووزارة التعليم العالي جزء من هذه الثقافة، وبالتالي لا يجب إدعاء المثالية وإنكار هذا الأمر... ومع هذا لا أعتقد أن كلمة "اتهامات" دقيقة أو مناسبة لأنها تحتاج إلى أدلة ملموسة لتأكيد هذه الاتهامات، ولكن تواتر عند الناس انتشار الوساطة في هذا البرنامج وبعض المُشاهدات أعطت انطباع أن بعض الطلاب حصلوا على البعثة دون أن تنطبق عليهم الحدود الدنيا من الشروط... ولعل فشل الكثير من الطلاب المبتعثين وعدم قدرتهم على الصمود والنجاح دليل آخر لهذا الانطباع حيث غالبًا الطالب المُجتهد والمُتفوق والمُستحق لهذه البعثة تكون أسهمه عاليه للنجاح والاستمرار دون عوائق أو تأخير... كما سمعت أيضًا عن وجود بعض العروض لبعض البنات للحصول على البعثة دون أن تنطبق عليهن بعض الشروط من خلال المُساومة أو الابتزاز لأعراضهن، ولكن يبقى الأمر مجرد قَصَص لا تستند إلى أدلة واقعية... وقطعًا حين يتم حجز مقعد في هذا البرنامج لإنسان عن طريق الوساطة فهذا يعني انسحاب إنسان آخر مستحق للبعثة من المنافسة لذهاب مقعده...
وعن كيفية قضاء المبتعث السعودي في أميركا يحدثنا اليحيا قائلاً: العملية نسبية والبرنامج اليومي يختلف من طالب لآخر "فهناك الطالب المجتهد الذي يستفيد من وقته ويومه وهناك الطالب المُهمل والكسول ويأتي البقية بين هذين القطبين سلبًا أو إيجابًا... ولكن من خلال مشاهداتي الشخصية للكثير من المبتعثين أرى أن الطالب السعودي انخرط بجسده في الحياة الأكاديمية في الغربة، ولكن لا يزال عقليته تسير وفق النظام الذي اعتاد عليه في السعودية من حيث السهر والتجمعات الشللية والقيام ببعض المُمارسات السلوكية التي عليها تحفظ كبير من حيث الحلال والحرام أو من حيث الذوق العام...
وبالمقابل ومن خلال أيضًا بعض المُشاهدات الشخصية أجد أن هناك مجموعة أخرى من الطلبة السعوديين أدركوا المعنى الحقيقي للإبتعاث وجدّوا واجتهدوا وهو يحصدون الآن ثمار اجتهاده، وفي النهاية ساعة وساعة، أيّ أن الجدية الكاملة مُرهقة والإهمال الكامل غير مجدٍ...
ويضيف اليحيا قائلاً: مع وجود عدد كبير من المبتعثين الذين اختصروا الحياة الغربية بكاس وغانية وسهر حتى الصباح ‘ إلاّ أن هناك عدد أخر قدم ولا يزال يقدم صور رائعة ومُشَرفة للمملكة العربية السعودية من خلال الكلمة ومن خلال المُعاملة... وتأتـي الأندية الطلابية السعودية بهيئاتها الإدارية المُكونة من الشباب السعودي على رأس المُنظمات الطلابية التي تسعى دائمًا لإبراز الوجه الحضاري للمملكة من خلال إحياء المناسبات الدينية والوطنية والتعريف بها وبناء جسور من الثقة والاحترام بين الطرفين، الطالب السعودي من جهة والطالب الأجنبي سواء الأميركي أو غيره من جهة أخرى... وأؤكد على أهمية المُعاملة ودورها الكبير في تقديم صورة مثالية للطالب السعودي ، إذ أن تصرفاً إيجابياً واحداً قد تتقازم أمامه آلاف الكلمات .. وتغيير الصورة أو تحسينها لا يتم في يوم وليلة ، بل يحتاج إلى تكاتف الجهود وتكثيفها وتوعية الشباب السعودي بأهمية هذا الأمر قبل ان تُقلع الطائرة بهم لمكان غربتهم لخلق صورة إيجابية موحدة عن المملكة دون وجود تضارب أو تناقض من خلال بعض السلوكيات المرفوضة من قبل بعض المبتعثين .
أما عن الدعم المعنوي والمادي، من قبل الحكومة السعودية للمبتعثين فيقول اليحيا: " نعم هناك دعم كبير بكلا شقية المادي والمعنوي من قبل السفارة السعودية والملحقية الثقافية في واشنطن .. وكرئيس نادي سابق كانت الملحقية الثقافية تقدم – ولا زالت - دعماً مادياً لبعض الأنشطة الطلابية ولإحياء بعض المناسبات الوطنية، كما أن هناك تكريم معنوي للأندية المتميزة من قبل الشؤون الثقافية والاجتماعية في الملحقية، وإن كانت ضوابط هذا التميز والتكريم غير واضحة للأندية ، إلاّ أنّ هناك عددًا من الأندية المُتميزة حصلت على التكريم اللائق بها ولجهودها الكبيرة.
كما أن هناك اجتماعات نصف سنوية لرؤساء الهيئات الإدارية للأندية السعودية يحضره معالي السفير السعودي وسعادة الملحق الثقافي لتقييم أداء الأندية ومراجعة نشاطاتها والوقوف على احتياجاتها وكيفية تفعيل برامجها ونشاطاتها .. أما المتابعة فلا شك أنّ هناك متابعة أكاديمية جيدة نوعًا ما للطالب السعودي للوقوف على مدى جديته ومواظبته .. ولكن لا تزال هذه المتابعة تحتاج إلى نوع من الحزم خاصة تجاه بعض المُمارسات السلوكية لبعض الطلاب والتي تؤثر على سمعة المملكة العربية السعودية وعلى سمعة الطلبة السعوديين ككل ، حيث تواتر عند الكثير من الجامعات عدم جدية الطالب السعودي وغيابه واستسهاله الغش وتجاهله للحقوق الأدبية للآخرين من خلال نسخ وتصوير وطباعة مواد من الإنترنت ونسبها لأنفسهم .. وهذا يتم من خلال جهل الكثير من هؤلاء الطلاب بالقوانين الأميركية وعدم وجود توعية كافية لهم مما يعرضهم لبعض المشاكل القانونية التي قد تحرمهم من الاستمرار في الجامعات التي يدرسون فيها .. " أيضًا من أوجه الدعم تلك المكافآت التشجيعية للمتفوقين والبارزين من الطلبة والطالبات سواء التفوق الفصلي أو التفوق المرحلي.
تنوع الأنشطة الثقافية في حياة المبتعث...
ولا تقتصر حياة المبتعث السعودي على الدراسة فقط، فهناك الكثير من الأنشطة الثقافية التي يقومون بها، كما يوضح لنا اليحيا في السطور التالية: هناك صور عديدة وأفكار متنوعة للأنشطة الثقافية التي يمارسها المبتعثون سواء على المستوي الشخصي أو من خلال الأندية السعودية المُنتمين إليها... ويمكن تقسيم هذه الأنشطة إلى قسمين:
أنشطة تقليدية: وهي تلك النوعية من الأنشطة التي تتكرر في كل مكان وتتشابه في تفاصيلها وأنماطها كالحفلات التي تُقام بمناسبة اليوم الوطني للمملكة.
أنشطة غير تقليدية: وهي تلك النوعية من الأنشطة التي تتميز بتفاصيلها وقوة تنظيمها وتنوع برامجها .. وغالباً لا يقوم بأداء مثل هذه البرامج إلاّ الأندية التي تملك مواهب مُتميزة ويقوم عليها قياديين من طراز رائع ويملكون خبرة وحيوية وطموح... ومن أمثلة هذه البرامج:
- المؤتمرات الطلابية التي تقوم بها بعض الأندية المُتميزة ويحضرها عدد كبير من الشخصيات المشهورة. ومن أمثلة هذه المؤتمرات المؤتمر الطلابي للملتقى السعودي في نسخته الأولى العام الماضي وكذلك المؤتمر الطلابي للنادي السعودي في شمال أيوا وكذلك المؤتمر الطلابي للنادي السعودي في مدينة منهاتن بولاية كانساس.
- الأدلة الإرشادية للطلبة الجدد والتي تقوم بتأليفها بعض الأندية الكبيرة ومنها الدليل الإرشادي للطلبة الجدد القادمين لولاية بتسبرغ ، حيث صدرت الطبعة الثانية من هذا الدليل الشامل قبل أيام.
- بعض الدوريات والمطبوعات الشهرية لبعض الأندية وفيها أخبار تلك الأندية ونشاطاتها ولقاءات مع بعض الطلبة المتميزين فيها وصور لبرامجهم وحفلاتهم منها المجلة الشهرية التي تهتم بأمور الطلاب والطالبات في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا في مدينة رولا بولاية ميسوري.
- تفاعل عدد من الأندية السعودية في ولاية واحدة لإقامة برنامج واحد والمساهمة فيه كما حصل في ولاية نبراسكا حيث اشتركت مجموعة من الأندية السعودية في تقديم برنامج لاقى نجاحًا طيبًا كانت ثمرته هذا التعاون الإيجابي بين الأندية السعودية.
- المجلات والصحف الإلكترونية التي أطلقها بعض المبتعثين والتي تهتم بأخبار الإبتعاث والمبتعثين وتسليط الأضواء عليها .. وتأتي مجلة صوت المبتعث الإلكترونية للملتقى السعودي في أميركا كأول مجلة إلكترونية يتم إصدارها لتغطي هذا الجانب ولتكون الصوت القوي للطالب السعودي والطالبة السعودية المبتعثين في كل مكان، وتحتضن مواهبهم وتوصل اصواتهم وتُنمي مواهبهم من خلال إتاحة الفرصة لهم لإدارة وتحرير اقسام المجلة .. أيضًا هناك صحيفة مغترب وهي صحيفة جيدة ولها اجتهادات جميلة وتحمل الهدف نفسه وتقوم عليها مجموعة من الطلبة المبتعثين ايضًا.
وحول مقدرة الطالبة السعودية على التكيف والتصدي للمشاكل التي قد تواجهها هناك، يقول اليحيا: " إذا استثنينا الناحية الشرعية من الحوار والتي يقول فيها جمهور العلماء بحرمة السفر والإقامة دون محرم أو مرافق ، فمن وجهة نظري أن البنت السعودية تملك القدرة والجرأة من الناحية المعنوية على التحدي والتفوق ومواجهة ظروف الحياة لوحدها دون مرافق، ، ولكن عندما يأتي التطبيق العملي هنا تختلف المسالة لأن الفتاة السعودية لا تملك الخبرة الكافية للتعامل مع هذه النوعية من الظروف لأن المجتمع الذي انطلقت منه لم يعطها الفرصة لاكتساب الخبرة وتنمية التجربة لديها والموهبة لاعتبارات شرعية واجتماعية..
ونجاح بعض التجارب الشخصية لبعض المبتعثات ليست دليلاً كافيًا على قدرة الفتاة المبتعثة لأن تلك الحالات الخاصة لديها ظروفها التي ربما ساهمت في نجاح تجاربها .. وهذا ليس تشكيكًا في كفاءة البنت السعودية أو التقليل من مهاراتها، ولكن الغربة لها مشاكلها وتكاليفها التي يعجز عنها أحيانًا أشد الرجال ويفشلون في التأقلم معها... ايضًا الفتاة السعودية المبتعثة بشكل عام لديها الجانب العاطفي كبير كأي فتاة وحين تطرق أبواب الغربة لوحدها وتجد من يقف معها ويساعدها من بعض الطلبة السعوديين أو غيرهم تنشأ بعض الارتباطات العاطفية بحكم الوحدة والغربة والتي يستغلها بعض ضعاف النفوس مما يؤدي لنشوء علاقات غير شرعية قد تكون نتائجها إحباطات عاطفية أو تنازلات جسدية تخسر معه البنت السعودية المبتعثة كرامتها وشرفها وسمعتها .. وقد سمعت ووقفت على قصص من هذا النوع لا اعتقد ان الشهادة الأكاديمية على إغراءاتها تستحق مثل هذه المغامرة ..
بعض السعوديين "يعيشون السعودية" حتى وهم في الخارج!
الطالب خالد الجهني – ماجستير – استراليا:
أما خالد الجهني، وهو طالب ماجستير في أستراليا، فيقول في ما يخص فتح المجال للإبتعاث الخارجي: " فتح المجال لإبتعاث الطلبة والطالبات السعوديين إذا كان وفق خطط علمية مدروسة من المفترض أن تعود على الوطن بفوائد عظيمة على المدى البعيد. بالتأكيد من الصعب الحكم على تجربة الإبتعاث حالياً لأن الإستعجال في إصدار الأحكام تجاه التجربة ربما يكون مجحفًا. نجاح أو فشل التجربة ربما يظهر خلال فترة عشر سنوات من تطبيقها. ولكن النتائج الأولية من خلال جدية المبتعثين ربما ليست مشجعة تمامًا، ولكن نتأمل الخير في المبتعثين.
أما في ما يخص الوساطة ودورها في حرمان بعض المستحقين للمنحة الدراسية، فيقول خالد: أختلف مع هذه النظرية من حيث طريقة الطرح لأنه بالتأكيد الوساطة موجودة في مجتمعنا السعودي، ولكن لو قارنا عدد المستحقين للبعثة الذين خسروا فرصة الالتحاق بها بسبب الوساطة مقارنة بالعدد الكلي للمبتعثين، لكانت النسبة ضئيلة جدًا. بالتأكيد الوساطة تظل آفة نتمنى جميعًا زوالها من المجتمع السعودي، ولكن لم تكن منتشرة بالطريقة التي صورها السؤال.
ويأسف خالد للوضع الذي وصل إليه بعض المبتعثين السعوديين، حين يقول: للأسف غالبية المبتعثين ما تزال تقضي يومها في مقر الإبتعاث بالطريقة نفسها التي كان يقضيها في بيته في السعودية. العديد من طلابنا ما زالوا "يعيشون السعودية" في مقر البعثة. غالبية ساعات يومهم يقضونها بين زملائهم السعوديين في أشياء سلبية لن تفيده دراسياً و شخصياً مثل لعب البلوت والبلاي ستيشن وغيرها. كم من المبتعثين زار المكتبة في منطقته أو أشترك في نادي رياضي أو ثقافي قريب من بيته. للأسف الكثير من المبتعثين يظن أن البعثة هي مجرد كتاب يدرسه في قاعات الجامعة بينما جزء كبير من فوائد البعثة يتحصل عليه الشخص من خلال الاحتكاك الشخصي بالمتميزين من أهل بلد الإبتعاث المتواجدين حوله. العديد من المبتعثين ربما لم يظهر وطنه بطريقة مميزة وللأسف العديد منهم ساهموا في إظهارها بصورة سيئة من خلال التصرفات السلبية. بالتأكيد هذه التصرفات السيئة لا تمثل كل الشباب السعودي، ولكن للأسف الأكثرية الصامتة "الإيجابية" لم تحاول تحسين الصورة القاتمة.
أما عن الأنشطة الثقافية فيقول خالد: "ربما تقتصر الأنشطة الثقافية التي يقوم بها المبتعثون على المشاركة في احتفالات اليوم الوطني وتمثيل السعودية في احتفالات الطلاب الأجانب في أي جامعة. التمثيل الثقافي شبه منعدم في معظم الجامعات إذا قارنا عدد المبتعثين السعوديين بنسبة التمثيل الثقافي والاجتماعي.
أما في ما يخص سفر الطالبة للإبتعاث بمفردها، فيقول خالد: إذا وضعنا الجانب الديني على الجانب، أرى أن الطالبة المبتعثة لا يفرق تواجدها وحيدة في بلد الإبتعاث عن تواجد الطالب الأعزب في بلد الإبتعاث. اعتقادي الشخصي إن مجرد موافقة ولي أمرها على قرار إبتعاثها هو شهادة شخصية من ولي أمرها الأعلم بكفاءتها بأنها مؤهلة للدراسة في الخارج. ربما يراني بعضهم سلبيًا، ولكن أرى أن الضرر الأكبر التي تراها المبتعثات يصدر من قبل "الفئة السيئة" من بعض المبتعثين السعوديين الرافضين لفكرة إبتعاث البنت ومحاولة إيقافها. إذا قارنا نسبة نجاح المبتعثات مقارنة بالمبتعثين، أرى إن الكفة تميل في صالح المبتعثات.
المواطن يشعر بعدم الأمان والدليل حرائق كاليفورنيا ...
وكيف نتوقع شعور السعودي وهو يرى اهتمام الملحقيات الخليجية الأخرى بمواطنيها؟
عبد السلام المرهون – ماجستير – الولايات المتحدة:
يعتبر الطالب عبد السلام المرهون، وهو طالب ماجستير، أن مرحلة الإبتعاث التي يعيشها حاليًا الطالب السعودي هي مرحلة ضرورية تأخرت كثيرًا ولكن الحمد لله، فإن إدراك أهمية الشيء والقيام به حتى لو تأخر بعض الوقت، أفضل من تركه. فالفترة الماضية شهدت فجوة بين خريجي أميركا السابقين ما يعرف بـ"جيل الطفرة" (نسبة الى الطفرة النفطية في السبعينات) و بين الخريجين المتوقعين للطفرة النفطية الحالية، مما سبب بطءًا في النمو الاقتصادي والصناعي في المملكة، فخريجو السبعينات والثمانينات كانوا هم الأكثر تأثيرًا في رسم وتطبيق سياسات النمو الاقتصادي والصناعي في الفترة الماضية، من مثيلهم من خريجي الجامعات المحلية. العلم تطوّر بشكل اضطرادي غير مسبوق في العشرين عامًا الماضية، ولم نواكبه في المملكة بتطوير موازٍ على صعيدي المؤسسات العلمية والأفراد، كما فعلت دول كان مواطنوها في السابق يتسابقون للحصول على أي فرصة عمل في المملكة مثل كوريا الجنوبية.
ويضيف عبد السلام قائلاً: إحدى أهم فوائد الإبتعاث هي إمكانية التواصل مع الآخر دون فلاتر تفرض انطباعات مسبوقة عن هذا الآخر. فحتى وقت قريب ، كان الغرب وأميركا بالتحديد يُرى بحكوماته ومؤسساته ومواطنيه من خلال عدسة ضيقة تصنفه في خانة العدو ككل. دراسة المبتعثين في بلد مثل أميركا وفرت لهم فرصة الانفتاح على الثقافة الأميركيةـ و إدراك أنه هذه الأمة المكونة من ثلاثمئة مليون إنسان فيها من التنوع الفكري والايدلوجي والثقافي والديني والعرقي ما هو أكثر من أي تنوّع في أي بلد آخر في العالم، ومن الخطأ تصنيف كل الأميركيين في خانة واحدة سواء كانت سلبية أم ايجابية. هذا الانفتاح من قبل المبتعثين على بلد يفاخر بتنوعه صاغ طريقة تفكيرهم و جعلهم أكثر تفهّم لثقافة الاختلاف.
الأمر الضروري الذي نحتاج إليه في الوطن العربي والمملكة بوجه خاص. هذا الانفتاح الفكري كسر حواجز العزلة والخوف من الآخر بين المبتعثين أنفسهم، فانفتح المبتعثون من السنة والشيعة على بعض, والقبيلي والخضيري على بعض، وتعرّف أبناء المناطق المختلفة على بعض وأصبح الكثيرون أكثر وعيًا لأفكار وهموم الآخر وأكثر تقبلاً لقضايا الاختلاف مع الإيمان من إمكانية التعايش الحقيقي بين مكونات الوطن المختلفة.
وحول موضوع الوساطة، يقول عبد السلام: ليس الأمر كذلك، الوساطة ليست شرطًا ضروريًا للحصول على البعثات، ولكنها ليست غائبة بالتأكيد. فأنا وكل معارفي الذي حصلوا على البعثة حصلنا عليها بدون وساطة بل أقولها لك بصراحة أثناء حديثي مع أصدقائي أننا ولأول مرة نشعر أننا نمتلك فرصة مساوية لغيرنا في ما يتعلق بالفرص التي تقوم على المسابقة وفق شروط معينة مثل التوظيف والقبول الجامعي والبعثات فيما سبق والتي تتدخل فيها الوساطة والعلاقات ليحصل عليها من هو أقل استحقاقًا وجدارة في العادة.
الأمر الذي يشتكي منه الكثيرون هو أنه بسبب الوساطة هناك بعضهم الخاص الذي يتم التغاضي الشروط من أجلهم أو يتم تسهيل إجراءات بعثتهم. فأحد أصدقائي القريبين أنهى جميع الإجراءات للحصول على البعثة خلال دفعة الإبتعاث الأولى بما فيها القبول الجامعي والفيزا، ومن ثم تم رفض إكمال إجراءات البعثة والمتمثلة في القرار النهائي فقط بحجة انتهاء الوقت المحدد ولم تجدِ محاولاته بمقابلة بعض المسؤولين، بعد هذا الأمر بأسبوعين رأيت مبتعثًا جديدًا، واستغربت فسألته متى أنهى الاجراءت، فقال الأسبوع الماضي فذكرت له قصة صاحبي فرد: الوساطة تعمل كل شيء في السعودية!!
ويضيف خالد قوله ردًا على تساؤل إيلاف عن الدور الذي قدمه الطالب السعودي لوطنه خلال مرحلة ابتعاثه: "شخصيًا أغلب وقتي في الجامعة بما فيها عطل نهاية الأسبوع، الواجبات كثيرة وتستهلك من الوقت الكثير وأبحث عن الفرص النادرة حتى أستطيع ترفيه عائلتي.
من الصعب إعطاء رأي جازم عن الشاب السعودي، فهناك الزين من جهة والشين من جهة أخرى. عمومًا خلق صورة إيجابية عن الوطن يحتاج من الوقت الكثير ومن الصعب الحكم الآن عن الآثار الإيجابية التي خلقناها كمبتعثين سعوديين.
وعن الدعم المعنوي، الذي يحصل عليه المبتعث يقول عبد السلام: "الكل لاحظ التغيّر الإيجابي في أداء الملحقية ففي السابق كانت المبتعث يعاني من إهمال المشرف الأكاديمي – حلقة الوصل مع الملحقية – مما سبب شعورًا بالحيرة والخوف من قدرة الملحقية على الإيفاء بالتزاماتها للجامعات وزج المبتعثين في مشاكل قانونية مع الجامعات، أما الآن والحمد لله فيمكن التواصل بسلاسة مع المشرف الأكاديمي وحل القضايا العالقة بسرعة.
في الجهة الأخرى وبأمانة – وأتمنى أن تصل للمسؤولين - أحسست فيه كمبتعث وكمواطن سعودي بعدم الأمان وبضرورة عدم الاعتماد، وبناء آمال الثقة على السفارة أو الملحقيات عند رؤيتي لأحوال أخواني وأخواتي أثناء موجة الحرائق التي عصفت بكاليفورنيا العام الماضي.
تحرّك السفارة والملحقيات كان مفاجأة كبرى بالنسبة إلي، فلقد كان خجولاً جدًا بحجم المشكلة، وحالة الضياع التي عانى منها المبتعثون المتضررون. أن يطلب من المبتعثين ذوي الدخول المحدود جدًا تكفّل مصاريف نقلهم والحجز في فنادق ذات أسعار رخيصة في مدن مشهورة بغلائها الفاحش كلوس أنجلس، ولاحقًا سيتم تعويضهم عن تكاليف السكن الرخيص أمر يثير أكثر من علامة استفهام حول مدى أهميتنا كمواطنين مبتعثين وعمّا هي خطط حالات الطوارئ التي بنيت على الدروس والعبر من الكارثة الأسبق الإعصار "كاترينا"! يا ترى ماذا يتوقع من المبتعث السعودي عند رؤيته تحرّك الملحقيات الخليجية الأخرى واهتمامها بمواطنيها بالتكفّل العملي بنقلهم إلى ولايات أخرى، وتحمّل تكاليف سكنهم دون وضع المبتعثين في وضع محرج!
أما على صعيد الأنشطة، فبقول عبد السلام: "الأنشطة متنوعة على حسب اهتمام المبتعث ولكن أنشطة الأندية الطلابية وخصوصًا الأندية السعودية والأندية الإسلامية تمثّل أهمية للمبتعث السعودي بسبب الجو الأخوي السائد فيها، وبسبب تمكينها الطلاب من القيام بفعاليات ثقافية يستطيعون من خلالها إبراز الشخصية السعودية والعربية للمجتمع الأميركي.
وعن محور الفتاة السعودية وسفرها للخارج يقول عبد السلام: "بداية يجب أن يُفهم أنّ اشتراط المحترم هو من باب الخشية على الفتاة، فصحيح أن القانون في أميركا صارم ويمكن استدعاء رجال القانون في وقت قياسي ولكن، في الجهة المقابلة، الأخطار شديدة جدًا. فالمحيط الجامعي بما يحويه من ايجابيات وتواجد الشرطة الجامعية بشكل دائم فيه إلا أنه لا يخلو من المشاكل بما يحويه من مسكرات ومخدرات وحفلات، فالاحتياط ضروري جدًا.
ويضيف: "الحل الأنسب من وجهة نظري هو تكفّل الملحقيات الثقافية بحل هذه المشكلة من خلال إرسال الطالبات اللاتي لا يستطعن توفير محرم الى مدن معينة تشتهر بالأمان وبكثرة الجامعات في محيط ضيّق مثل بورتلند وبتسبرغ وهيوستن وإنشاء مكاتب دعم للطالبات في هذه المدن لمساعدتهم وتسهيل أمور السكن – كتجميع الطالبات في مساكن معيّنة - والإجراءات القانونية وتوعيتهم بالحياة الأميركية وتوفير الحماية الدائمة لهن. هذا في رأيي حل عملي، إذ إنه يساعد في عدم حرمان الفتاة التي وافق أهلها على دراستها في الخارج بسبب عدم وجود محرم في حينه وأيضًا نوع الدعم وكميّته والمساعدة ستقل مع الوقت مع تعوّد المبتعثات على البيئة الأميركية و مساعدتهن لزميلاتهن الجدد".
نتمنى إعادة النظر في الرواتب... خصوصًا المتزوجين
عبدالله السعدان – الولايات المتحدة :
أما عبدالله السعدان، فيضيف حول عملية الإبتعاث قائلا: " الابتعـــاث يعتبر خطوة ممتازة تصب في مصلحة الوطن المستقبلية ، ولا شك أن الاستثمار في العقل والنفس هو أعظم استثمار، وكما هو معروف بأن العلم والمعرفة هما سلعة القادة.
ويكمل : "بحكم وجودي في مدينة لم يتم اختيار رئيس لناديها منذ سنتين تقريبًا لأسباب كثيرة ، فإني أرى أن معظم الشباب يقضي وقته مع الطلبة السعوديين أو من جنسيات أخرى وفي الغالب جنسيات عربية، و بعد فترة لاحظت على أكثر من شخص التغير في انطباعه عن الأمور بشكل عام، وعن وضعه، فألاحظ سعي بعضهم إلى زيارة المكتبات وما شابه، وحضور الدورات والندوات وغيرها...
وعمّا إذا قدم المبتعث السعودي صورة مشرفة لبلاده... فلن أكون مبالغًا في الإطراء ولن أكون مبالغًا في الذم، فالحمد لله لاحظت أن الكثير من الطلبة يسعون إلى أن يوضح وجهة نظر دينهم وبلدهم تجاه بعض الأمور التي لا يستطيع بعضهم فهمهــــا .. بسبب تضليل إعلامي أو حكومي أو ما شابه ، ولله الحمد أنني ألاحظ الكثير من الإخوة يقدمون الصورة الصحيحة والمشرفة لغير المسلمين ولا يخجلون بل يفتخرون بتقديم مبادئهم وأفكارهم المتعلقة بالدين والدولة، دون خجل أو تردد، ولله الحمد أنه كانت هناك نتائج إيجابية كثيرة سواء كإسلام بعضهم أم كتغيير وجهة نظر بعضهم تجاه الأمور المتعلقة بالسياسة وغيره.
ويضيف عبدالله قائلاً: "الحمد لله أن الملحقية والسفارة السعودية متعاونة مع الطلبة السعوديين سواءً كانوا أفرادًا، أم نوادي طلابية .. ولم ألحظ منهم تقصيرًا ولله الحمد . إلا أن أغلب الطلاب وللأسف يعانون من النقص في الجانب المادي، ولعلها فرصة لكي نوصل الصوت للجهات المسؤولة "بإعادة النظر" حول وضع الرواتب للطلاب، وإبتداءً بإخواننا وأخواتنا المتزوجين منهم والمتزوجات، لأنهم - والله أعلم -أكثر من يعاني في هذا الجانب .وخصوصًا من يعول الأطفال .. فنتمنى إعادة نظر " جديـــــّة " في وضعنا كطلاب مبتعثين .
ويشير عبدالله إلى أنه يقضي جل وقته في القراءة، فهو يرى أن النشاط الثقافي للمدن التي لا يوجد بها نوادي طلابية هي في الاعتكاف على القراءة بشكل عام ، وحضور بعض الدورات والندوات في الجامعة وخارجها.
في الحلقة الثانية من التقرير: المبتعثة السعودية بين رفض المحافظين والانفتاح التعليمي