كركوك - نيوزمتك: المدينة المتعددة الأطياف والأعراق لم تشهد يوما صراعا بين مكوناتها من تركمان وكرد وعرب وآشوريين وكلدان. وهناك شواهد تاريخية كثيرة على مدى التماسك الاجتماعي بين سكانها. ففي عهد الاحتلال البريطاني للعراق حاولت قوة من جيش الـ"ليفي" الذي شكلته بريطانيا من المرتزقة حينذاك، التصادم مع التركمان الذين وقفوا بوجههم بشدة، إذ هبت العشائر الكردية لنجدة التركمان ما دفع البريطانيين إلى سحب هذه القوة.
أما على المستوى التراثي فثمة مشتركات كثيرة كانت تجمع بين الأعراق المختلفة في المدينة، إذ إن الزي الشعبي حتى نهاية الخمسينيات، كان عبارة عن "الصاية والجاكيت" على الطريقة البغدادية، لكل من التركمان، والكرد. ومع تنامي الشعور القومي لدى الكرد، اخذوا يستبدلون زيهم بالزى الكردي المعروف (الشروال)، أما أبناء القرى الكردية في ضواحي كركوك قد حافظوا على زيهم القديم. كما إن الذاكرة ما تزال تحفل بالأغاني التي كانت تنشد بالكردية والتركمانية، والشعراء الذين نظموا قصائد بالكردية والتركمانية والعربية منهم: هجري ده ده، وشيخ رضا الطالباني.
إلاّ انه مع بروز الفكر القومي العربي في العراق، بعد سقوط الملكية، ظهرت بوضوح ملامح تنامي الشعور القومي الكردي، والتركماني في العراق عامة، وكركوك بصفة خاصة. وبدأ الفرز القومي يأخذ أبعاداً جديدة ومستويات عدة: سياسية، وثقافية، واجتماعية، كما إن الصراعات السياسية بين الأحزاب القومية في كركوك تركت بصماتها على الحياة الاجتماعية بصورة واضحة، وذلك بعد سقوط نظام صدام عام 2003، إذ بدأ ما يمكن تسميته بتسييس المجتمع الكركوكي، وفق انتماءات قومية، الأمر الذي أثر سلباً على جميع نواحي الحياة، حتى الزواج، إذ أصبح اقتران شاب تركماني بفتاة كردية مثلا مسألة صعبة تواجه انتقادات كثيرة من المحيط والعائلة التي يعيش فيها الشاب والفتاة، حسبما قال علي مهدي القيادي التركماني وعضو مجلس محافظة كركوك .
الآنسة رفاه نوري معلمة كردية، 25 سنة، قالت أنها لا تفكر بالزواج من شخص عربي أو تركماني، لأنها على يقين بأن مثل هذا الزواج سيلاقي رفضا من محيطها الكردي ومن ذويها، ورغم ذلك لا ترفض زواج كرديات من العرب والتركمان، إذا كُنّ مستعدات لتحمل المتاعب والصعاب مستقبلا.
أما رجاء علي مهندسة عربية، 26 سنة، فتقول إنها لا تمانع في الزواج من شاب كردي، أو تركماني، وأنها لا تفكر بالانتماء القومي، بقدر تفكيرها في أن يكون شريك حياتها مثقفا ويحترم المرأة.
فوزية حسن كردية، 29 سنة، تعمل سكرتيرة، قالت "إذا اقتنعت بشخص وأحبته فلن تهتم بانتمائه القومي، رغم علمها بأنها ستواجه انتقادات ومعارضة من بعض أقاربها. وتساءلت قائلة : "لماذا يحللون للشباب الكردي حرية الزواج من أي قومية، ويحرمون علينا نحن الشابات حرية الاختيار. هذا المجتمع الرجولي يعتبر المرأة سلعة، ولذلك يجب أن لا يفرط بها. فأنا ضد هذه القيود" .
الشباب أقل تخوفا من الزواج بفتاة خارج الإطار القومي، غير أن معظمهم أكدوا إن المرأة ستتبع زوجها بعد الزواج، وعلى الفتاة أن تغير قوميتها وتتبع زوجها.
عبدالله صمد عثمان كردي، 21 سنة، وهو مصور تلفزيوني تساءل "وماذا لو تزوجت تركمانية أو عربية؟ كل ما عليها أن تتعلم الكردية، لأني لا أعرف لغتها".
سلمان عبدالله صحفي عربي متزوج من تركمانية قال "أنا عربي سني وزوجتي تركمانية شيعية. كنا في الجامعة معا تزوجتها قبل سقوط النظام، شقيقاتي متزوجات من كرد وتركمان. كان الزواج في السابق سهلا ولا يحمل كل هذا التعقيد".
الدبكات المختلطة
نشأت مجيد شرطي تركماني شاب، 20 سنة، قال "والدتي كردية، لكني لن أتزوج كردية ربما أقبل بفتاة عربية، أما الكرد فالفرق كبير بيننا وكبير، إلا إذا قبلت أن تتحول إلى تركمانية" .
ئوميد شواني مدير إدارة صالة لإقامة حفلات الزفاف في كركوك قال "هناك حفلات زفاف مختلطة كثيرة تمتزج فيها الدبكات الكردية بالعربية أو التركمانية، عندما يكون العريس كرديا والعروسة تركمانية أو بالعكس، وقد ازدادت مثل هذه الزيجات بعد سقوط نظام صدام".
المحامي مؤيد نامق يعمل في محكمة كركوك أوضح بأن نسبة الزواج بين القوميات في كركوك تراجع خصوصا في مركز المدينة. وشهدت المحكمة حالات طلاق أسبابها سياسية، وخصوصا أثناء الانتخابات العامة".
محكمة كركوك ودائرة ألأحوال المدنية لم تجر أي إحصائية، إلا أن الكثير من أبناء كركوك يقولون إن نسبة الزواج بين القوميات انخفضت منذ أوائل ستينيات القرن الماضي، بعد أن كانت قد وصلت ذروتها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
وتؤكد دراسة أعدها مركز كركوك للاستشارات النفسية إن نسبة الزواج بين القوميات في كركوك قد انخفضت خلال الفترة بين عامي 2003 و 2005، لكنها بدأت بالارتفاع مرة أخرى.
وقال الدكتور عبد الكريم خليفة مدير المركز لـ"نيوزماتيك" إن "المواطن الكركوكي من جميع القوميات كان يبحث عن تحقيق الذات القومية. فمن الناحية النفسية اعتقد أن فترة ثلاث سنوات كافية لإشباع هذه الرغبة. كانت هناك حالات طلاق بسبب الانتماء القومي، إلاّ انه في مرحلة ما بعد 2005 رصدنا من خلال دراسة قمنا بها عن طريق اللقاء المباشر في المحكمة بالمتزوجين الجدد، فاكتشفنا ازدياد نسبة زواج الشباب الكرد من الفتيات العربيات، كما ازدادت نسبة الزواج بين العرب والتركمان بصورة لافتة"، وتابع خليفة قوله "كلما استقرت الأوضاع السياسية زادت النسبة وكلما تأزمت انخفضت النسبة".
المحلل السياسي المتخصص في شؤون كركوك، الأستاذ الجامعي، يوسف كوران قال لـ"نيوزماتيك" "إن الحالة الكركوكية تشهد اصطفافات جديدة أثرت على الأسس الاقتصادية والاجتماعية والقومية كافة. وجاءت الإصطفافات بعد ظاهرة سياسية جديدة أفرزت انغلاقاً اجتماعياً يمنع الزواج المختلط، وكل ذلك مرهون بالوضع السياسي، وكذلك بالانفتاح الاجتماعي كما انه مرتبط بالانفتاح السياسي".
ورغم المتغيرات والأحداث الجارية على ساحتها السياسية وما يدور حولها من اتفاقات وتوافقات، تظل كركوك، التي اقترن أسمها بالنفط في البدء، وبالسياسة بعد ذلك، تحافظ على تراثها وتلاوينها القومية التي لم تضمحل.