إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2739 الخميس 20 نوفمبر 2008 آخر تحديث  GMT 4:00:00 PM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> مكتبة إيلاف   
    

العنوان في شعر عبد القادرالجنابي

GMT 17:30:00 2005 الإثنين 26 ديسمبر

نريمان الماضي


"حياة ما بعد الياء" نموذجا

  الحلقة الأولى:

معالجة نظرية لموضوع العنوان في الأدب
سنتعرض في هذه الحلقة النظرية لعدد من القضايا التي تدور حول العنوان في الأدب. ولقد اخترنا معالجة هذه القضايا هنا نظرا لأهميتها ليس على الصعيد النظري فحسب، وإنما أيضا على الصعيدين التطبيقي والتحليلي، لا سيما وأن قسما كبيرا من مادة العنوان النظرية هذه سيكون بمثابة نقطة انطلاق لنا في معالجتنا للقضايا الخاصة بعناوين الشاعر العراقي عبد القادر الجنابي (1944) من ديوانه "حياة ما بعد الياء"، الصادر في باريس عن منشورات فراديس عام 1995، وذلك في الحلقتين المقبلتين. 

    
1. تعريف العنوان
 يتعرض آدمس (Adams) إلى أصول كلمة "title" الإنجليزية، فيذكر أن أصل هذه الكلمة يعود إلى الكلمة اللاتينية “titulus”، التي كانت تعني كلاما مكتوبا، لقبا، ملاحظة، عنوان الشرف، الشهرة وحجة. ويضيف آدمس إلى ذلك استعمالات تاريخية عديدة لكلمة ""title، يتناسب بعضها مع الاستخدام المعاصر لهذه الكلمة، ومنها: الكلام الذي وضع حول غرض ما لمنحه اسما أو وصفا؛ الترئيسة؛ الكلام الذي يقف على رأس (1) كل جزء أو قسم صغير في الكتاب؛ الكلام الذي يقف على رأس وثيقة قانونية أو عادية، أو على رأس رسالة؛ اسم كتاب، قصيدة أو أي مؤلف آخر؛ الكلام المكتوب في بداية الكتاب لغرض وصف موضوعه، محتوياته وطبيعته، ولذكر اسم الكاتب، المصنِّف، المحرر، الناشر ومكان النشر (2).
وتعرّف فيري (Ferry) العنوان بأنه: "كلام مكتوب فوق نص القصيدة في الفضاء الذي كان قد احتله هذا الكلام منذ المراحل المبكرة للطباعة" (3). ومع أن فيري تقتصر في تعريفها هذا على عنوان القصيدة فحسب، فإننا نجده ينطبق أيضا على عناوين ألوان أدبية أخرى، كالقصة، الرسالة وغيرهما.
ويورد جينيت (Genette) في مقاله تعريف ليو هوك (Leo Hoek) ـ وهو أحد مؤسسي علم العنونة المعاصر ـ للعنوان، والذي يولي فيه القارئ أهمية قصوى، بحيث يقول: "إن العنوان مبنى وشيء مصنوع لغرض التلقي والتأويل" (4).
وتعرّف باروخ وبروخطمان (ברוך ופרוכטמן) العنوان (הכותרת) بأنه اسم يقف على رأس عمل معيّن، كالقصيدة، القصة، الكتاب، المقالة وما أشبه (5). والعنوان عند وهبة هو "الاسم الذي يدل عادة على موضوع الكتاب، كما قد يعني مكان الإقامة" (6).  ونلاحظ أن التعريفين الآنفين هما تعريفان أوليان وضيقان للعنوان، لأنهما يحصران دوره في الإشارة إلى العمل فحسب.
أما الجزار فنراه يعرّف العنوان بشكل موسع مقارنة بالأبحاث الأخرى، مستعينا في ذلك بمعاني هذه الكلمة الواردة في معاجم اللغة العربية. فيبدأ في القسم الأول من كتابه بهذا التعريف اللغوي الأولي للعنوان، والذي لا يعتبره مختلفا عن التعريف الاصطلاحي له: "العنوان للكتاب كالاسم للشيء، به يعرف وبفضله يتداول، يشار به إليه، ويدل به عليه، يحمل وسم كتابه، وفي الوقت نفسه يسمى العنوان - بإيجاز يناسب البداية ـ علامة من الكتاب جعلت له؛ لكي تدل عليه" (7). وبعد هذا التعريف يخوض الجزار في الدلالات المعجمية لكلمة العنوان، بحيث يعيدها إلى مادتي "عنن" و"عنا"، ويقسمها إلى دلالات لغوية، تحوي الكلمات: "القصد والإرادة"، "الظهور والاعتراض" و"الوسم والأثر"، ودلالات اصطلاحية وردت على شكل جمل، كما في قول ابن بري (1106-1187): "كلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له"، أو في قول ابن سيدة (1007-1066): "العنوان سمة الكتاب". ويرى الجزار أن قول ابن بري يدل على أن العنوان يحصر المعنى، أما قول ابن سيدة فيشير إلى اختصاص العنوان باللغة الكتابية لا الشفاهية، فهو يسم العمل، ويعوضه عن غياب السياق المنطوق في الكلام الشفهي (8).     
أما بالنسبة للدلالات اللغوية التي ذكرناها سابقا فإن الجزار يعتبرها حافة وذات علاقة بالدلالات الاصطلاحية، ونراه يدأب على توضيح مثل هذه العلاقة. فإن "القصد والإرادة" يرتبطان عنده بكون المرسل ينطلق من مقاصده في إرساله العنوان للمتلقي، وهذا العنوان يحمل "المرسلة" في دلاليته، وهذا الحمل هو قصد المرسل وإرادته إبلاغ المتلقي بتلقي المرسلة على مستوى الجنس والموضوع. أما "الظهور والاعتراض" فيختصان بالمستقبل، لأن العنوان هو ما يظهر له ويعترضه من العمل، إذ أنه أول ما يتلقاه من هذا العمل، مفعّلا في ذلك معارفه الخلفية، وما يقوم به العنوان، شديد الاختصار على الصعيد اللغوي، هو تحديد هذه المعارف الخلفية. ويؤكد "الوسم والأثر" على استقلال الوسم أنطولوجيا عما يسمه، والأثر عن حامله، أي استقلال العنوان عن نصه، رغم نسبته إلى عمله أو نسبة عمله إليه (9). 
     
وبعد تقديمنا لهذه التعريفات بإمكاننا أن نقول إن العنوان هو كلام يضعه كاتب العمل للإشارة إلى العمل، ولأغراض أخرى أرادها له، وهي أغراض لا حصر لها، تتعلق بنوع العمل وبمقاصد الكاتب، وتأخذ القارئ المتلقي بعين الاعتبار. وهذا الكلام يحتل الفضاء التدويني المخصص للعنوان. فإن كان الحديث يدور عن عنوان قصيدة فإن هذا الفضاء هو ذلك المكان المفصول طباعيا بمسافة مائزة عن السطر الأول من النص. لكن يجب التنويه إلى أنه لا يشترط أن يكون عنوان القصيدة فوق النص، لأن بإمكانه أن يقع في صفحة منفردة تقع قبل النص، كما هو الحال، مثلا، مع عنوان قصيدة الجنابي "كلُّ هذا وليس" (10). الذي يقع في صفحة خاصة به قبل النص. وإذا كان الحديث يدور عن عنوان كتاب فإن الفضاء المخصص للعنوان يجب أن يكون صفحة كاملة.

2. كاتب العنوان وقارئه
إن وجود العنوان يفترض وجود مرسِل ومتلقٍّ لهذا العنوان، فيقول الجزار في هذا الصدد إن "كل عنوان هو "مرسلة" ("Massage") صادرة من "مرسل" (Address"") إلى "مرسل إليه" ("Addressee")" (11). وبما أن العنوان يعتبر كائنا موجودا بفضل كاتبه، الذي يصنعه بالاعتماد على عدة اعتبارات جدية، وبفضل قارئه، الذي ينتج معناه ودلالاته، فلقد وجدنا أنه من الضروري التحدث عن هذين العنصرين المنتجين للعنوان وعن كيفية إنتاجهما له.

أ) كاتب العنوان
إن اعتبار كاتب العنوان هو ذاته كاتب النص يبدو وأنه أمر مُسَلَّم به في الأدب الحديث. ويجدر بنا أن ننبه هنا إلى أن الأمر لم يكن دائما كذلك، فقبل ظهور الطباعة كانت مسؤولية وضع عنوان للعمل الفني تقع على عاتق المفسرين أو المحررين، ومع ظهور الطباعة أصبح الكاتب نفسه مسؤولا عن وضع عنوان لعمله (12).
ويؤكد الباحثون آدمس، ليفينستون (Levenston) وليفينسون (Levinson) على أن العنوان الحقيقي هو ذلك العنوان الأصلي الذي اختاره كاتب النص نفسه، وذلك لأن هذا العنوان هو الوحيد الذي يضيف معاني إلى النص ويرشد القارئ في عملية التأويل (13). وينبه الباحث شاوكروس (Shawcross) إلى أن وضع عنوان لقصيدة لم يعنونها الشاعر نفسه يعتبر أمرا في غاية الخطورة، لأن العنوان الموضوع قد يؤدي إلى تضليل القارئ في عملية القراءة وجعله يقرأ النص قراءة غير كاملة (14).
ونعتقد أن التأكيد على أصالة العنوان هو أمر لا بد منه، وذلك لأن العنوان الذي يضعه الكاتب لعمله، آخذا بعين الاعتبار عدة عوامل يراها هامة، هو الوحيد الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من عملية الإبداع الفني للعمل. أما عدا ذلك من العناوين، والتي يضعها أشخاص آخرون، فإنها تعتبر مجرد اقتراحات عناوين، تنبع من تأويل أصحابها للعمل، لكنها ليست عناوين تستحق عناية الباحث أو القارئ.
وبما أن صانع العنوان الحقيقي هو كاتب النص نفسه، يهمنا أن نعالج السؤال الآتي: كيف يصنع الكاتب عنوانا لنصه؟
إن الأبحاث التي تطرقت إلى هذه القضية لم تعالج طريقة صنع الكاتب للعنوان بشكل واسع أو مفصل، إنما بشكل جزئي أو حتى هامشي، من خلال إبداء بعض الملاحظات هنا وهناك. لكن مع هذا، فلقد لاحظنا أن غالبية هذه الأبحاث تفترض فرضية مماثلة فيما يخص هذه المسألة، وهي أن العنوان يُصنع ويضاف إلى العمل بعد الانتهاء من تأليف هذا العمل (15). انطلاقا من هذه الفرضية، يمكننا أن نقول إن الكاتب يختار العنوان ونصب عينيه اعتبارات جدية، فهو يتفكر بعمق في عناصر ومركبات متعددة داخل النص نفسه، وعلى أساسها يضع العنوان.
وعندما أردنا التحقق إذا ما كانت هذه الفرضية منطبقة على الشاعر عبد القادر الجنابي قمنا بتوجيه سؤال له حول الطريقة التي يتبعها في كتابة عنوان للقصيدة. وكان من ضمن ما أجابه بأنه يكتب القصيدة أولا، وبعد أن ينتهي من كتابتها يقوم بتحليلها من خلال طرح عدة أسئلة على نفسه، وبناء على مقصديته وما يفضله يعثر لها على "العنوان اللازم". كما فهمنا من إجابته أن كتابة العنوان عنده تعد مرحلة مضاهية لعملية كتابة النص نفسه، بل قد تفوقها صعوبة وإشكالا.

ب) قارئ العنوان
يجدر بنا في هذا الموضع أن نحدد هوية قارئ العنوان بالرغم من أن هذا قد يبدو للبعض أمرا مفروغا منه، خاصة للذي يعتقد بأن قارئ العنوان هو الذي يقرأ العنوان فقط، متناسيا أن قارئ العنوان الحقيقي هو قارئ العنوان والنص معا. ولتوضيح مقصدنا نبتغي الإتيان بأقوال جينيت فيما يخص متلقي العنوان ومن ثم التعليق عليها.
إن جينيت يميز بين متلقي عنوان الكتاب ومتلقي الكتاب نفسه. فمتلقي العنوان عنده هو الجمهور (the public)، والجمهور هو ليس مجموع القراء، وإنما يتألف من مجموعة من الأفراد يفوق عددهم مجموع القراء، وذلك لأنه يشمل أناسا يعملون من أجل الكتاب، لكنهم لا يقرؤونه بالضرورة، أو لا يقرؤونه كاملا، كأولئك الذين يسهمون بنشره وتلقيه، مثل المحرر، وكلاء المبيعات، بائعي الكتب، النقاد وغيرهم. وهذا يعني أن نص الكتاب غير مرسل إليهم بالضرورة، ووظيفتهم تقتصر على جعل القراء يقرؤونه. كما يشمل الجمهور مجموعة إضافية كبيرة جدا، وهي مجموعة الزبائن الذين لا يقرؤون الكتاب الذي يبتاعونه، أو يقرؤونه بشكل جزئي. أما قارئ الكتاب الذي يستهدفه الكاتب هو ذلك الشخص الذي يقرأ نص الكتاب قراءة تامة. ويخلص جينيت في نهاية حديثه عن هذه القضية إلى القول بأن العنوان يرسل نفسه إلى عدد من الأشخاص يفوق عدد الأشخاص الذي يرسل النص نفسه إليه. وإذا كان النص عبارة عن غرض للقراءة، فإن العنوان، كاسم الكاتب، عبارة عن غرض للإحاطة والاتصال (16).
وباعتقادنا، عندما يعتبر جينيت أشخاصا لا يقرؤون النص بتاتا، أو يقرؤونه بشكل جزئي، متلقين للعنوان فإنه بهذا يتجاهل كون العنوان في الأدب جزءا لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب للعمل وبؤرة يركز فيها مقاصده واهتماماته بناء على تحليله للعمل كما أسلفنا عند حديثنا عن الفرضية المذكورة. فتلقي العنوان دون قراءة النص بشكل تام يعتبر تلقيا قاصرا. وبناء على ذلك، فإن قارئ العنوان أو متلقيه الفعلي، هو ليس مجرد متلق يمر على هذا العنوان مرورا سريعا دون قراءة النص، وإنما هو ذلك الشخص الذي يقرأ العنوان قراءة تامة، وهذه القراءة التامة تكون من خلال قراءة العنوان وقراءة النص كاملا وبحث العلاقة بينهما.
وما يؤكد على كون قارئ العنوان الحقيقي هو نفسه قارئ العنوان والنص هو تحديد شروط يجب أن تتوفر في هذا القارئ عند معالجته لعنوان النص الأدبي، تتعلق بالعنوان والنص في الوقت نفسه. ولقد تحدث الباحث طه عن هذه الشروط عند معالجته لعنوان ديوان الشاعر محمود درويش (ولد 1941) "لماذا تركت الحصان وحيدا"، وهي كالآتي: 1) "أن يكون القارئ مزودا بمعرفة قبل ـ نصيّة (pre-textual knowledge) وبمعلومات من حقول متنوعة، وقادرا على تشغيل هذه المادة المتراكمة" 2) "أن يمتلك القارئ مقدرة تحليلية لغرض التنقل ما بين العنوان والنص اتباعا لمقتضيات عملية القراءة والتأويل" 3) "أن يكون القارئ متضلعا في نتاج الكاتب العام حتى يتمكن من رسم استنتاجات عامة" (17). ومن هذه الشروط (وبخاصة من الشرطين الثاني والثالث) نرى أن قارئ عنوان النتاج الأدبي لا يستطيع أن يتنصل من النص نفسه، أو حتى من نصوص أخرى تدخل في إطار نتاج الكاتب العام. كما تؤكد هذه الشروط على اعتبار العنوان موضعا للقراءة والتأويل كالنص نفسه، وليس مجرد غرض للاتصال، كاسم الكاتب، كما قال جينيت.
وبعد أن حددنا هوية قارئ العنوان يجدر بنا أن نتطرق إلى عملية قراءته للعنوان. إن موقع العنوان في مكان قبل النص، يؤدي إلى اعتباره مقدِّما للعمل (18)، وهذا بالتالي يفترض قارئا يُقدَّم إليه هذا العمل. وهذا القارئ يتوجه إلى العنوان ليقرأه قبل النص، بسبب موقعه، ويؤثر العنوان في القارئ في هذه المرحلة، من خلال تفعيل معارفه الخلفية وتركيزها وتحديدها باتجاهه. فيطرح القارئ عدة تأويلات للعنوان بالاعتماد على معارفه الخلفية، ومن ثم يتوجه إلى النص وفي ذهنه قد علقت هذه التأويلات، التي قد تنتفي أو تتعزز عند قراءة النص. وقارئ العنوان يسعى بشكل دائب إلى التوصل إلى معنى العنوان ودلالاته داخل طبقات النص العميقة، هذا إذا كان العنوان يتطلب من القارئ بذل مثل هذا السعي، ولا يكشف عن معناه بسهولة.

3. أهمية العنوان في العمل الأدبي
على الرغم من أن العنوان نص مختصر مقلص فإنه يلعب دورا هاما وحاسما في الأعمال الأدبية خاصة وفي الأعمال الفنية عامة (19). فهو، كما ذكرنا، جزء لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب للعمل، كما أنه يلعب دورا مركزيا في عملية إنتاج القارئ لمعنى العمل ودلالاته، ويقوم بوظائف متعددة ومتنوعة. وتبرز أهمية العنوان في الأدب الحديث بصورة عامة وفي الشعر الحديث بصورة خاصة، اللذين لم يعد فيهما العنوان مجرد مرشد للعمل، يمر عليه القارئ مرورا سريعا متوجها إلى النص، وإنما أصبح جزءا من المبنى الاستراتيجي للنص (20). ويعزو العلاق ازدياد الوعي بأهمية العنوان إلى كون علاقته بالنص أصبحت بالغة التعقيد وإلى امتلاكه طاقة توجيهية (21). وتنبه فيري إلى أن موقع العنوان فوق النص يمنحه سلطة، لأنه يخبر القارئ الذي لم يقرأ النص شيئا ما عن هذا النص (22).
وتزداد أهمية العنوان، سواء في النثر أو في الشعر، خلال قراءة النص، وذلك لأن القارئ يتوجه إلى النص وقد علقت في ذهنه إيحاءات العنوان ورموزه، وهو يقوم بربط كل هذا بما يلاقيه أثناء عملية قراءة النص وتأويله. وإذا كان الحديث يدور عن قصيدة بشكل خاص، فإن العنوان يتخذ أهمية أكبر بعد قراءتها، لاتخاذه طبقات من المعنى أكثر عمقا في سياق ثيمات القصيدة المتعددة، هذا بالإضافة إلى أن العنوان في حالات كثيرة يمكنه إعادة خلق قطعة أدبية ما (23).
لقد بذل الفنانون في الأدب الغربي في القرن التاسع عشر جهودا جمة في اختيار العنوان. وعلى الرغم من هذا فقد وجدت قصائد غير معنونة، لكنها تمكنت من أن تصمد مع عدم وجود عناوين لها. ويرى كلمان (Kellman) أن هذا الأمر يدل على أن العناوين كانت أمورا بالإمكان الاستغناء عنها في التجربة الجمالية (24). ونطرح سؤالا لا بد منه في هذا السياق: هل يقوم العنوان في الأدب الحديث بدور هام إلى درجة لا يمكننا معها اعتبار عمل أدبي ما، كالقصيدة، قصيدة لأنه لا يحمل عنوانا؟ إن هولاندر (Hollander) وفايسمن (וייסמן) لا يوافقان على عدم اعتبار لوحة ما لوحة، أو قصيدة ما قصيدة، لأنها لا تحوي عنوانا. وتضيف فايسمن إلى هذا، وبشكل أكثر مباشرة من هولاندر، بأنه يمكن للأعمال سواء كانت أدبية أو غير أدبية أن تصمد دون وجود عناوين لها. كما ينبه هذان الباحثان إلى أن العناوين برزت كغرض ضروري في نقطة تاريخية معينة ووفقا لعادة العنونة التي بدأت تسود، ولهذا السبب سعى الكتّاب بشكل دائب إلى وضع عناوين لأعمالهم (25).
ولا بد أن نشير إلى أن وجود قصائد غير معنونة ليس مقصورا على أدب القرون الوسطى أو القرن التاسع عشر، وذلك لأننا نعثر في عصرنا الحالي على قصائد حديثة غير معنونة، وهي بنظرنا قصائد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. ولنأخذ مثالا على ذلك القصيدة التالية للشاعرة السريالية جويس منصور (1928-1986)، والتي هي بضمن أربعين قصيدة، ترجمها عن الفرنسية الشاعر عبد القادر الجنابي:

في الليل شحّاذة أنا في وطن الدماغ
نفسي متمددة فوق قمرٍ من الأسمنت
تتنفسُ وقد روّضتها الريحُ
وموسيقى أنصاف المجانين
الذين يمضغون شعير المعدن القمري
الذين يطيرون ويطيرون ثم يسقطون على رأسي
بكلّ قواهم
ذا أنا أرقص رقصة الفراغ
أرقص فوق ثلوج التعاظم البيضاء
وأنت خلف نافذتك المحلاة بسكر الغيظ
تلطّخ فراشك بالأحلام انتظارًا لي (26)

ويستطيع قائل أن يقول بأنه لو حوت هذه القصيدة عنوانا لربما كانت ستبدو أجمل أو أغنى معنى أو أكثر إيحاء. ربما! لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال عدم اعتبارها قصيدة لأنها لا تحمل عنوانا. فكلماتها تحوي طاقة شعرية هائلة، تتجلى في الصور الشعرية المبتكرة الموجودة على طول القصيدة. ويجدر بنا أن ننبه إلى أن هناك قصائد من قصائد الشاعرة الأربعين تحوي عناوين، مما يدلنا على أن الشاعرة واعية لقضية العنونة. وفوق ذلك إن هذا يدلنا على أن وضع عنوان للنص في الشعر الحديث أو عدم وضعه لا يتعلق على الغالب بوعي الشاعر لقضية العنونة، وإنما برغبته واختياره الشخصي.

4. خصائص العنوان في الأدب
سنشير في هذا القسم إلى خصائص عامة للعنوان الأدبي، تشترك فيها كافة الفنون الأدبية. لكن هذا لن يمنعنا من التطرق بعض الشيء إلى ميزات خاصة بالعنوان الشعري، مع العلم بأن كافة الخصائص العامة التي سنتعرض لها متوفرة في العنوان الشعري بشكل ملحوظ. وسنقدم فيما يأتي هذه الخصائص من خلال النقاط الآتية:

* إن العنوان في الأدب، بخلاف الفنون الأخرى، كالرسم، النحت والموسيقى، مصنوع من مادة العمل الأدبي، ألا وهي اللغة، التي تلعب دور الوسيط بينه وبين النص.

* إن العنوان، وبالأخص عنوان القصيدة، يعمل كنوع من الإطار الذي يحيط اللوحة مع أنه مصنوع من الكلمات. وهذا ينبع من كونه مفصولا طباعيا عن النص بمسافة مائزة، تجعله يرسم حدود هذا النص ويؤثر في شكله (27).

* قد يعتبر العنوان بداية النص، أو شكلا من أشكال البداية (28)، وذلك لأن عملية القراءة تبدأ من خلاله، وهو يشترك مع بداية النص في كونه الأكثر تأثيرا في خلق الانطباع الأولي لدى القارئ (29). لكن يجب التنبيه إلى أن العنوان عادة أقصر من البداية وأبعد منها عن جسد النص، كما أنه يقدم إيحاءات أكثر مما يقدم معنى محددا، ولذا يفترض أن يزودنا بمعلومات أقل من تلك التي تزودنا بها البداية.

* إن العنوان نص موجز مختصر، شديد الافتقار، وبخيل بالمعطيات، ومحدد من ناحية دلالية وكمية (30). وهذه الخصيصة تعتبر هامة جدا، وذلك لأن كون العنوان يمثل أعلى اقتصاد لغوي ممكن من شأنه أن يجعل المتلقي فعالا بشكل كبير في عملية تلقيه للعنوان. وهذه الفعالية تتجلى في السعي الدائب من أجل البحث عن دلالات العنوان من خارج النص، وعن تفاصيل كاملة من داخله، وحين يدخل القارئ العمل فإن الدلالات التي استقاها من خارج النص تأخذ بالتحدد (31).

* إن كون العنوان الأدبي فقيرا على مستوى الدلائل من الممكن أن يجعل منه في أحايين كثيرة عنوانا غامضا، وقد يتلاشى هذا الغموض فور قراءة النص وقد يتضاعف. فهذا الأمر يتعلق بإرادة الكاتب صانع العنوان. ويجدر بنا في هذا الصدد أن نأتي بقول ليسنغ (Lessing)، الذي يسوقه أدورنو (Adorno) في كتابه، وهو أن "العنوان لا يجب أن يكون مثل قائمة الطعام، فكلما أفشى هذا العنوان بمحتوياته أقل كلما كان أفضل" (32).

* يذكر الجزار في كتابه بأن العنوان محروم من السياق اللغوي، فلا يمكن أن نجد فيه سياقا خارجيا يجمع ما بين كاتب العمل وقارئه في زمكانية واحدة، أو وضعا تخابريا مباشرا كما في الحديث الكلامي  (33). ويعزو الجزار هذا إلى عدم ارتباط العنوان بشكل مباشر بأي تركيب كان، على الرغم من العلاقة الوظيفية بينه وبين عمله، والتي تحدد وتنظم دلالاته التي تثار عند قراءتنا له قبل قراءة النص، وبينه وبين نصوص خارجية مكتوبة أو محكية. ويضيف الجزار إلى ذلك بأن غياب السياق يجعل العنوان منفتحا بشكل كبير على احتمالات تأويلية مختلفة ومتعددة، ويزيد من حرية المستقبل في تلقيه، كما ويجعل منه ضرورة كتابية، تعوض عن سياق الموقف في الاتصال الشفاهي (34). 

*  لقد عالج عدد من الباحثين مسألة اعتبار العنوان اسما، له تأثير كتأثير الاسم الشخصي. وهذا النقاش نبع من كون العنوان يشير إلى العمل ويعيّنه كالاسم الشخصي الذي يعيّن المرء. فيعتبر ديريدا (Derrida) العنوان ذا صيغة اسمية حتى لو لم يكن اسما من ناحية نحوية (35). ومع أن فيشر (Fisher) يشير هو الآخر إلى أن العناوين تعتبر أسماء، لأنها تشير إلى شيء نود أن نعود إليه باستمرار، فإنه ينبه إلى أن العناوين هي ليست مجرد أسماء وضعت لغرض التعيين فحسب، وإنما هي أسماء وضعت لغرض الإرشاد في عملية تأويل العمل الفني (36). وينتقد آدمس فيشر على اعتباره العناوين أسماء ترشد للتأويل، قائلا بأن أي شيء في العمل الفني يمكن أن يعمل كمرشد للتأويل، وعليه فإن فيشر لا يفرق بين العناوين وأجزاء أخرى من العمل (37). وبخلاف فيشر، يعتبر آدمس العنوان موضوعا للتأويل، خاصة في الأعمال المعاصرة التي كثيرا ما يلعب العمل فيها دور المرشد لتأويل العنوان وليس العكس (38). ويؤكد يحياوي رأي آدمس من خلال قوله إن من "المزالق أن نكتفي باعتبار العنوان عتبة للنص. لماذا لا نقول مثلا إن النص هو مناص العنوان؟" (39).

* إن تراكيب العنوان النحوية لا يحدها أي شرط مسبق. ويقول الجزار في هذا الخصوص: "إن إمكانات التراكيب التي تقدمها اللغة كافة قابلة لتشكيل العنوان دون أي محظورات، فيكون "كلمة" و"مركبا وصفيا" و"مركبا إضافيا" كما قد يكون "جملة" فعلية أو اسمية وأيضا قد يكون أكثر من جملة" (40). وبإيجاز، فإن تراكيب العنوان تعتبر لا نهائية، مما يمنح الكاتب حرية واسعة في اختيار التركيب الذي يفضله. وفوق هذا، لا يمكننا أن نفضل تركيبا نحويا على آخر في العنوان، لأن كل تركيب وضعه الكاتب، من الكلمة إلى الجملة الكاملة، يخدم أغراضا معيّنة أرادها له. وإن هذا التكافؤ في تراكيب العنوان المتنوعة والمختلفة يدلنا، كما يقول الجزار، على أن فائدة العنوان تعتمد في الأساس على وظيفته الإحالية إلى ما يعنونه، أي على المعلومات التي يحويها، والتي تمكّن القارئ من التعرف على النص (41). لكن على الرغم من هذا، فإن تركيب العنوان النحوي لا يعتبر أمرا شكليا، لأنه يؤثر في معنى العنوان. فمثلا، إن استخدام الشاعر جملة اسمية في العنوان، لا فعلية، قد يعني أنه يريد التحدث عن شيء ثابت، يتجاوز حدود الزمن. وسوف نرى في هذه الدراسة كيفية تأثير تركيب العنوان النحوي في معنى العنوان ودلالاته.

5. أصناف العناوين
إن الأبحاث تصنف العناوين من حيث دلالاتها وعلاقتها بمضمون النصوص التي تحملها إلى أصناف كثيرة ومتعددة. ويمكننا تقسيم هذه الأصناف إلى مجموعتين أساسيتين: المجموعة الأولى هي مجموعة العناوين المؤشِّرة، والمجموعة الثانية هي مجموعة العناوين الدلاليّة. وننوي فيما يلي تقديم الأصناف التي تدخل في إطار كل مجموعة من المجموعتين مع إيراد شرح لكل منها.
أ) العناوين المؤشِّرة
 هذه العناوين تشبه الاسم الذي ندعو به غرضا أو إنسانا، وهدفها الأساسي هو مساعدة القارئ على إيجاد العمل المطلوب في فهرس الكتاب، وتمييز هذا العمل عن أعمال أخرى (42). كما تكون هذه العناوين قصيرة بصورة عامة، بحيث تتألف من كلمة أو عبارة، وتعرض الموضوع المعالج بشكل موضوعي وحيادي، دون الإفصاح عن رسالة النص (43). وتضيف باروخ وبروخطمان إلى ذلك بأنه إن تواجد هذا الصنف من العناوين في الشعر، فإنه يترك القصيدة مفتوحة، ولا يثير توقعات القارئ، ومن ثم تقسمانه إلى الأقسام الثلاثة الآتية (44):

* "عناوين عبارة عن أرقام عددية أو ترتيبية ("القصيدة الأولى"، "القصيدة الأخيرة")، أو عناوين ذات صلة بمكان الكتابة، أو بتاريخ معيّن، لكن لا توجد لها أية علاقة بما يقال في العمل نفسه".

"العناوين التي تعتمد على الكلمة الأولى أو القريبة من الأولى أو على مجموعة الكلمات الأولى من العمل".

* "إشارة نجمة أو ثلاث نجمات توضع في رأس العمل".

تعلق الباحثتان على هذه العناوين قائلتين بأنه قد يظن القارئ أن النوعين الأول والثاني يشيران إلى مضمون القصيدة أو جودتها، وذلك لأن القارئ يميل إلى الافتراض بأن العنوان غير اعتباطي، وإنما هو حكم خفي يطلقه الشاعر على قصيدته. فمثلا، إن العنوان "القصيدة الأولى" قد يُفسَّر بأن القصيدة هي أفضل أو أهم قصيدة في المجموعة. وكذلك الأمر بالنسبة للعنوان الذي يتألف من مجموعة الكلمات الأولى من النص، فهذه الكلمات قد تُفسَّر بأنها الكلمات الأكثر مركزية، مما يجعل القارئ يبني توقعاته من القصيدة بالاستناد إليها، لكن بعد قراءته لهذه القصيدة يتضح له أن العنوان هو إرشادي فحسب (45). وهنا لا بد من التنبيه إلى أن هذا الأمر ليس صحيحا في كل الحالات، لأن هناك عناوين تبدو لنا مؤشرة لأنها عبارة عن تكرار لكلمات البداية، لكن بعد التعمق في قراءة النص يتضح لنا أن العنوان لا يهدف مجرد إلى الإشارة إلى النص، وإنما له هدف دلالي يتعلق بمضمون القصيدة. وهذا ما تؤكد عليه باروخ نفسها في موضع آخر، وفايسمن أيضا، وذلك حينما تقولان بأن هناك مجموعة من العناوين تبدو مؤشرة، لكن عند الوصول إلى نهاية القصيدة تظهر هذه العناوين كعناوين دلالية (46). أما كلمان فإنه يعتبر العناوين التي تكرر السطر الأول من النص عامة أجزاء من التجربة الجمالية (47). وهو بذلك يناقض فيري التي تقول بأنه عندما يُملأ فضاء العنوان باقتباس يكرر سطرا أو عبارة من النص، فإنه ليس للكلمات المقتبسة، خاصة إن كانت عبارة عن السطر الأول من النص أو الكلمات الأولى منه، مكانة العنوان. أما إن كانت الاقتباسات من أماكن أخرى من النص فإن الأمر يختلف، لأن هذه الكلمات تبدو على الأقل وكأنها تقول شيئا ما عن القصيدة (48). ونعتقد أن القول عن عنوان ما، يكرر الكلمات الأولى من النص، بأنه مؤشر أو دلالي يتعلق بمقاصد الكاتب التي يمكن الوقوف عليها خلال قراءة النص. أما النوع الثالث من العناوين المؤشرة فيعتبر بنظر باروخ وبروخطمان إشكاليا أكثر من سابقيه؛ إذ لا يمكنه الإشارة إلى النص أو التمييز بين نتاج وآخر، مما يعني أنه لا يستطيع القيام حتى بالوظيفة الإشارية (49).

ب) العناوين الدلاليّة
بالإضافة إلى كون هذه العناوين تقوم بالوظيفة الإشارية، فإنها تهدف أيضا إلى الإشارة إلى مضمون العمل الأدبي، كالقصيدة مثلا، وتوجيه ذهن القارئ إليه بطرق مختلفة (50). وسنتعرض فيما يلي لكل طريقة من هذه الطرق من خلال الحديث عن كل قسم من أقسام العنوان الدلالي الآتية:

* العنوان الاختصاري (הכותרת הממצה): وهو يلخص فكرة القصيدة المركزية، ويحوي بصورة عامة تلخيصا قصيرا للعمل من وجهة نظر الكاتب. وهذا العنوان يثير توقعات في القارئ، ومن ثم يقوم بتحقيقها. وإذا كان الحديث يدور عن عنوان قصيدة فيمكن القول بأنه كلما كانت الروابط بين تفاصيل القصيدة وهذا العنوان أكبر كلما ازدادت قوته الاختصارية. وفي مجال هذا الصنف من العناوين تدخل تلك العناوين التي تحوي أسماء مجردة أو محسوسة، يعتبرها الشاعر مركز القصيدة (51).

* العنوان الساخر (הכותרת האירונית): وهو يوجه توقعات القارئ لموضوع معيّن، إلا أن هذه التوقعات تكسر أثناء قراءة القصيدة (52).

* العنوان المتمِّم (הכותרת האינטגראלית): يعتبر هذا العنوان جزءا متمِّما للقصيدة، قد تتضرر بدونه، وقد لا تُفهم على الإطلاق، وذلك لأن هذا العنوان يحوي مركز هذه القصيدة. وغالبا ـ لكن ليس دائما ـ ما يلعب هذا العنوان دور افتتاحية القصيدة، وفي هذه الحالة نجد له ارتباطا مباشرا بالسطر الأول من النص، مما يجعله جزءا لا يتجزأ من القصيدة (53).

* العنوان المُحيط (הכותרת המקיפה): هذا العنوان يناسب عوامل مختلفة في القصة أو القصيدة، ونجد فيه بعض التعقيد، ينبع من عدم التزامه لمضمون النص. وهو عنوان تعميمي بدرجة كبيرة، بحيث يمكنه أن يخلق جهاز توقعات متنوعا ومتعدد الإمكانيات. وقد يكون ذا علاقة بتفاصيل مختلفة في النتاج، كما قد يوجه القارئ إلى موضوع معيّن، لكنه يمكّنه من تفسير الأمور بأشكال مختلفة (54). وتكون العناوين المحيطة، بصورة عامة، عبارة عن أسماء (على الغالب أسماء مجردة)، لا تلزم القارئ بأي تأويل، وذلك لأن هذه الأسماء لا تمتلك صفة معيّنة. ومثال ذلك العناوين: "أساطير"، "ندم" و"فشل" (55). وتتحدث فايسمن عن أربعة طرق يحيط بها العنوان نص القصيدة (56): أ) كلمة تلخص وضعا ما، وتكون بصورة عامة مجردة. مثال: "خطأ"، "كلمات"، "صورة" ب) أسماء عامة، مثلا: "صديق"، "شاعر"، "فتاة" ج) أسماء شخصية، توجهات وإهداءات. وهناك عناوين تربط الأحداث الحاصلة في النص بشخصية معيّنة. مثلا: "فرعون"، "إلى روبرت فروست" د) أسماء غامضة، كأسماء الإشارة والضمائر التي تدل على الغائب، وتؤدي إلى غموض العنوان.

* العنوان الاتجاهي (הכותרת המגמתית): وهو يشير إلى موقف الكاتب فيما يتعلق بموضوع معيّن،  ويصاغ بقصد التأثير في رأي الجمهور وبلورته، وذلك من خلال الإقناع، النقد، التحذير، التشويق أو مساندة موقف معيّن (57). ويجدر بنا أن ننبه هنا إلى أن اتجاهية هذا العنوان قد تكون واضحة، غامضة أو واقعة ما بين الوضوح والغموض.

* العنوان المثير (הכותרת הפיקנטית): يهدف إلى جذب القارئ من خلال إبراز الجانب المسلي في النص، وذلك بواسطة استخدام التضاد أو التأكيد على أمر شاذ (58).

* العنوان الموجِّه (הכותרת המכוונת): وهو مفسر بعض الشيء، ويوجه القارئ. ويمكنه أن يعبر عن موقف، قصد أو ادعاء، أو يلخص مجموعة من الأفكار، أو يطرح سؤالا مبدئيا، أو يثير تداعيات. وهذا العنوان يدخل في إطار العناوين الواضحة في توصيل رسالة النص إلى القارئ (59).

* العنوان الإهدائي: وهو صنف معروف في الأدب، يُكرس لشرف شخص ما، قد تكون له أو لا تكون له علاقة بالنص (60).

وبعد أن قدمنا أحد عشر صنفا من أصناف العناوين (المؤشرة والدلالية)، أغلبها يرد في مراجع عبرية، تناولت أصناف العنوان في الأدب العبري عموما وفي الشعر العبري خصوصا، يجدر بنا أن ننتقل لنتحدث عن أصناف العناوين في الأعمال الفنية عامة (الأدب، الرسم والموسيقى)، التي عالجها ليفينسون في مقاله (61). ويجب التنبيه إلى أن قسما من هذه الأصناف يشترك مع بعض الأصناف السابقة في عدد من الميزات، ومع ذلك، فإننا أفردناه عنها مراعاة للدقة، ولوجود ميزات إضافية ومختلفة فيه.
إحدى النقاط التي يؤكد عليها ليفينسون في مقاله هي أنه لا يمكن أبدا أن يكون العنوان خاليا من القدرة الجمالية، التي بفضلها يمتلك قوة معيّنة ويسهم في عملية قراءة العمل (62). ويخوض ليفينسون في هذه القضية من خلال مناقشته لكيفية تأثير الأصناف السبعة الآتية في محتوى العمل (63):
 العناوين المحايدة (neutral titles): وهي تشبه العناوين المؤشرة إلى حد ما، ويعتبرها ليفينسون أبسط أصناف العناوين، لكون اختيارها أوتوماتيكيا عادة، ولكونها تعد هامشية للعمل. وهذه العناوين هي عادة عبارة عن أسماء شخصيات، أغراض وأماكن، تظهر بشكل بارز في جسد العمل. مجموعة أخرى من العناوين المحايدة، والتي قد تتواجد في القصائد، هي تلك العناوين التي تكرر الأسطر الأولى من القصيدة. ومثل هذه العناوين لا يلعب دورا جوهريا على الإطلاق، ولا يغير شيئا في القصيدة، ولا يؤثر في محتوى النص، ويهدف فقط إلى منح العمل اسما، أو السير وفق عادة منح العمل عنوانا. لكن يجب التنبيه إلى أن ليفينسون لا يقصد بهذا أن يقول إن هذه العناوين لا تحوي قدرة جمالية ما، لأنه يوضح فيما بعد بأنه إن كان هناك اهتمام بمسألة العنونة فمن الضروري أن تمتلك هذه العناوين طاقة فنية.
 العناوين المشدِّدة (underlining titles): وهذه العناوين، بخلاف السابقة، تعتبر عامة أو جوهرية، لأنها تضيف وزنا إضافيا على لب محتوى العمل، أو تشدد على موضوع يعتبر جزءا منه. كما أن هذه العناوين تشهد على أهمية المسمى، وتؤكد وتثبّت ما يقوله جسد النص بشكل مستقل. وهي بذلك تشبه إلى حد ما العناوين الاختصارية.

* العناوين المركّزة/ المبئّرة (focusing titles): وهذه العناوين تلعب دورا فنيا بشكل أكبر. فالعنوان منها ينتقي موضوعا واحدا من المواضيع الرئيسية التي تكوّن لب محتوى النص ويجعله قائدا للعمل. وحتى نتمكن من اعتبار هذا العنوان مركزا، لا مشددا، يجب أن يكون هناك غنى معيّن في محتوى العمل، يتجلى في وجود عنصرين أو أكثر في داخله يعتبران هامين، وما يفعله العنوان المركز هو اقتراح ثيمة من بين الثيمات المتنازعة وإعطاؤها مكانة مركزية في عملية تأويل العمل. وينبه ليفينسون إلى أن العناوين المركزة لا تقوم بهذه الأمور بشكل مطلق، وإنما بنسبة معينة. 

* العناوين المقوِّضة (undermining/ opposing titles): وتشبه إلى حد ما العنوانين الساخر والجزئي. إن ظاهر مضمون هذه العناوين مضاد لما تقصده بالفعل، وهي تناقض التصريح المؤقت بتصريح يميل إلى الاتجاه المعاكس. وعندما تستخدم هذه العناوين في الأعمال المركبة والطويلة، كالروايات والأفلام، فإنها تعتبر ساخرة (ironic)، لأنها تعني عكس ما تصرّح به. وبعض العناوين المقوِّضة لا يستوعب على أنه ساخر، بل كمؤكد من خلال تقويضه على فكاهة، هزة معيّنة أو حيرة.

* العناوين المربِكة (mystifying titles): بدل أن تعزز هذه العناوين أو تحصر شيئا ما في جسد النص فإنها تنحرف تماما عن هذا الشيء. هذا الصنف من العناوين يعتبر الحيلة المفضلة عند الدادائيين والسرياليين. ومثال ذلك عناوين بعض اللوحات السريالية التي لا توجد بينها وبين اللوحة التي تحملها علاقة واضحة، وتدفع المتأمل إلى اكتشاف أو اختراع صلة بينها وبين هذه اللوحة.

* العناوين غير الملبِسة (disambiguating titles): وهي تشبه إلى حد ما العناوين المتممة. فهذا الصنف من العناوين يقوم بتحديد محتوى العمل بشكل أكبر مما كان عليه إن كان هذا العمل يبدو غامضا، ودون مساعدة هذه العناوين يبدو العمل طلسما.

* العناوين التلميحية (allusive titles): تتبع هذه العناوين بشكل غير مباشر لأعمال أخرى، لفنانين آخرين، لأحداث تاريخية وغير ذلك، فهي تربط العمل بأمور خارجية محددة. وبإمكان هذه العناوين أن تعمل على محتوى النص بالطرق الستة المذكورة، فتستطيع أن تشدّد، تبئّر، تقوّض وتخصّص محتوى العمل. وإن علاقة العنوان بأمور من خارج العمل تمنحه أهمية فنية معتبرة.

6. وظائف العناوين
إن الأبحاث حددت وظائف مختلفة للعناوين، وينبه يحياوي إلى أن التوصل إلى هذه الوظائف ليس بالأمر اليسير في مجال الإبداع، وذلك لأن العلاقة بين العنوان والنص معقدة جدا (64). لكننا نعتقد أن مسألة التعقيد في العلاقة بين العنوان والنص ليست متحققة في كل الحالات، لأن هناك تفاوتا فيما يخص هذه المسألة بين الشعراء أنفسهم، وبين عناوين لنفس الشاعر حتى. وهذا التفاوت يبرر لنا تنوع وظائف العناوين، الذي يتجلى في وجود وظائف بسيطة، ووظائف أكثر تركيبا، ووظائف معقدة للغاية ولا تكتشف بسهولة. كما علينا أن نشير إلى أننا قد نجد للعنوان الواحد أكثر من وظيفة، وهذا ما يحدث في الغالب.
قلة قليلة من الأبحاث عالجت موضوع وظائف العنوان رغم أهميته، ومن الذين عالجوا هذا الموضوع بشكل مركّز هو جينيت. فيذكر هذا الباحث أن الباحثين شارلز وهوك ( Charles & Hoek) حددا ثلاث وظائف للعنوان هي: 1) تعيين العمل 2) تعيين محتوى العمل 3) جذب الجمهور. ويبدي جينيت ملاحظاته حول هذه الوظائف قائلا، أولا: بأنه لا يشترط توفرها في العنوان في آن واحد، إلا أنه ينبه إلى أن الوظيفة الأولى هي وظيفة إلزامية، بخلاف الوظيفتين الثانية والثالثة، اللتين تعتبران بنظره وظيفتين إضافيتين؛ وثانيا: إن هذه الوظائف الثلاث غير متعلقة ببعضها البعض؛ وثالثا: إن الوظيفة الأولى لا تتحقق بشكل قاطع، وذلك لأن هناك كتبا كثيرة تشترك في عناوين متطابقة اللفظ، ولذا لا يمكن بناء عليها الفصل بين عمل وآخر؛ ورابعا: إذا كان في الوظيفة التعيينية نقص أحيانا فيمكن مناقشة الوظيفتين المتبقيتين، لأن العلاقة بين العنوان وبين معنى النص العام هي علاقة متغيرة بصورة ملحوظة، تبدأ من التعيين الأكثر مباشرة وتصل إلى العلاقات الرمزية الأكثر غموضا، التي تتطلب من القارئ بذل جهد في التأويل (65). وبعد هذا، يقترح جينيت تقسيما لوظائف العنوان يختلف بعض الشيء عن التقسيم الآنف، بحيث يتضمن الوظائف الأربع الآتية:

* الوظيفة التعيينية (designation): بموجب هذه الوظيفة يعيّن العنوان النص ويشخصه، فهو اسم الكتاب، ويستخدم ليسمي هذا الكتاب، وهذا يعني تعيينه بدقة قدر الإمكان، دون وجود خطر الفوضى أو الاضطراب. ويذكر جينيت أنه بإمكان هذه الوظيفة أن تعمل دون وجود الوظائف الأخرى، ويؤكد مجددا على أنها أهم وظيفة للعنوان (66).  
وبالإضافة إلى كون هذه الوظيفة أهم وظيفة للعنوان، فإنها تعد أبسط وظيفة يقوم بها؛ إذ أنها لا تخوض في إشكاليات علاقة العنوان بالنص. 

* الوظيفة الوصفية (descriptive): وبموجبها يصف العنوان النص من خلال إحدى ميزاته، وتقسم إلى قسمين:

أ‌) وظيفة يصف العنوان بموجبها موضوع النص، ويتعلق به بعدة طرق. وتدعى العناوين التي تقوم بها بالعناوين الثيماتية (thematic titles). إن هذه العناوين تولي الموضوع الذي يتناوله العمل اهتماما، وهي تصف هذا الموضوع بموجب طرق متعددة، يتطلب كل منها تحليلا دلاليا معيّنا. فهناك عناوين أدبية تعيّن الموضوع المركزي أو الغرض المركزي في العمل دون تمويه أو استخدام المجاز. وهناك عناوين ترتبط بالغرض المركزي بطريقة أقل وضوحا، من خلال استخدام المجاز والكناية. ونوع ثالث هو النوع الاستعاري الذي يعمل وفق نظام رمزي. ونوع رابع يعمل من خلال أسلوب التهكم أو السخرية، إما بسبب كون العنوان مضادا للعمل، أو لعدم وجود صلة بينه وبين موضوع النص، كما هو الحال مع غالبية العناوين السريالية. ويضيف جينيت إلى ذلك بأن العلاقة الثيماتية بين هذه العناوين والنصوص التابعة لها يمكن أن تكون غامضة أو مفتوحة للتأويل (67).

ب‌) الوظيفة التي يصف العنوان بموجبها الجنس الأدبي للنص. وتدعى العناوين التي تقوم بهذه الوظيفة بالعناوين الريماتية (rhematic titles). إن هذه العناوين برزت في الشعر من خلال دواوين ذات عناوين دالة على الجنس الأدبي، كالعناوين: "قصائد غنائية" ("Odes")، "مرثيات" ("Elegies")، "قصائد" ("Poems") وغيرها. لكن هناك عناوين، وهي أقل كلاسيكية، تحدد الجنس الأدبي للعمل بشكل مبتكر أكثر أو بشكل غامض (68)، مما يدل على أن هذه الوظيفة لا تكون واضحة أو مباشرة في كل الحالات.
 
ويشير جينيت في نهاية حديثه عن قسمي هذه الوظيفة إلى وجود عناوين تحوي عناصر من القسمين، فتبدأ بتعيين جنس العمل، ومن ثم تحدد موضوعه (69).

* الوظيفة الإيحائية: هناك عناوين لها إيحاءات تاريخية، أو إيحاءات خاصة بالجنس الأدبي، كاستخدام اسم البطل وحده في التراجيديا واسم شخصية واحدة في الكوميديا، أو استخدام المقطع "ad" في نهاية العناوين الملحمية الطويلة، كالإلياذة"Iliad" . ولهذه العناوين الأخيرة إيحاءات ثيماتية من خلال استخدام الاسم، وإيحاءات ريماتية من خلال استخدام المقطع الإضافي "ad" (70).

* إغواء القارئ وإثارة فضوله: ويأتي جينيت بآراء بعض الباحثين بصدد هذه الوظيفة، مثل رأي ليسنغ الذي ذكرناه آنفا، والذي ينص على أنه كلما كان كشف العنوان للمحتويات أقل كلما كان أفضل، ورأي إيكو (Eco)، الذي ورد فيه أنه على العنوان أن "يشبك ما بين الأفكار وألا يجسر بينها" (71). وكل هذا يعني أن العنوان يغوي القارئ بواسطة ميزة الغموض.

لكن يجب أن ننبه هنا إلى أن جعل العنوان غامضا لا يُعد الطريقة الوحيدة لإغواء القارئ، لأنه يمكن أن يغوي العنوان القارئ بواسطة موضوع يحويه أيضا، أو بواسطة استخدام حيلة نحوية، كتلك العناوين المبنية بصيغة سؤال، أو تلك العناوين المبنية على شكل جملة مقطوعة تلح على القارئ بأن يتممها (72).
     
وبالإضافة إلى الوظائف الأربع المذكورة، عثرنا على وظائف أخرى، ترد في بعض المراجع، ومنها: 

* تمثيل النص: يذكر طه في مقاله بأنه يمكن لكل عنوان أدبي أن يحوي بعدا تمثيليا، بالإضافة إلى البعدين التلخيصي والتركيزي. ولقد تعرض إلى هذه الوظيفة خلال معالجته لعنوان ديوان الشاعر محمود درويش لماذا تركت الحصان وحيدا، بحيث وجد أنه يحوي قوة تمثليه تنبع من قدرته على تمثيل كل قصائد المجموعة من ناحية دلالية (73). وعلى الرغم من أن كل عنوان أدبي يقوم بتمثيل النص بنسبة معيّنة، فإن هذه الوظيفة تبدو أكثر أهمية إن تعلقت بعنوان ديوان كامل، لأن القارئ يتوقع دائما أن يجد عناصر عنوان الديوان مبعثرة في قصائده.

* إطلاق حكم بشكل سري: قد نجد العنوان في بعض الأحيان يصرح بوجهة نظر الكاتب، كما قد تكون كلمات العنوان هي الملاحظات المباشرة الوحيدة التي يحصل عليها القارئ من الكاتب (74).

* الوظيفة الميتا ـ نصية: إن كل عنوان، سواء كان أدبيا أو غير أدبي، يرتبط بالنص الذي تحته برابط ما، يتجلى في قول العنوان شيئا ما عن جسد النص، أحيانا بصورة واضحة وأحيانا أخرى بصورة رمزية غير واضحة. وبناء على ذلك، فإن العنوان يقوم بوظيفة ميتا ـ نصية لأنه عبارة عن ميتا ـ نص يتعلق بالنص الأوسع (75).    

 
7. مكانة العنوان كوحدة نصية
إن مكانة العنوان كوحدة نصية تتناول مدى ارتباط العنوان وتعلقه بالنص التابع له ومدى استقلاله عنه. فيطرح دائما السؤال الآتي: أيُعتبر العنوان جزءا لا يتجزأ من التجربة الجمالية أم جزءا قائما بحد ذاته، له مكانته المستقلة عن النص الذي يحمله؟ (76) ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الأمر يتعلق بنوعية الفن المتحدث عنه، وبنوعية العنوان نفسه إذا كان الحديث يدور عن الفنون الأدبية. ففي فنون، كالرسم، النحت والموسيقى نجد العنوان مصنوعا من مادة مخالفة لمادة العمل، الأمر الذي يمنحه مكانة مستقلة عن العمل. أما في الفنون المكتوبة، كالشعر، والتي يصنع فيها العنوان من مادة العمل نفسها، فإن استقلالية العنوان أبدا لن تكون تامة مهما تحققت؛ فدائما يرتبط العنوان على نحو ما بالنص، حتى ولو بجزء ضئيل منه، قد يصل في ضآلته إلى جملة واحدة (77). لكن يجب التنبيه إلى أن هذا الارتباط متحقق طالما أن العنوان مصنوع بشكل واع، وله أهداف جمالية. وبعبارة أخرى، إن كان العنوان مؤشرا فإنه يعتبر مستقلا عن النص لعدم وجود علاقة ضرورية تربطه بمضمون النص. أما إن كان العنوان دلاليا فمن الضروري أن يتعلق بوجه ما بالنص. هذا مع العلم بأن العناوين الدلالية تتفاوت فيما بينها في مدى ارتباطها بالنص واستقلالها عنه. فعلى سبيل المثال، يعتبر العنوان المحيط أقل ارتباطا بالنص من العنوان المتمم القريب جدا من النص، والذي يكاد يعتبر جزءا منه. لكن مهما بلغت درجة ارتباط العنوان الأدبي بالنص فإنه يظل مستقلا عنه طباعيا لوجود مسافة ما تفصله عن جسد النص. وهذا الأمر يجر وراءه أمورا أخرى؛ فكون العنوان مفصولا عن العمل طباعيا، يجعل القارئ يتوجه إليه كنص مستقل إلى حد ما، فيبدأ بتحليله من خلال طرح عدة تأويلات له، لكنها بالطبع تعتبر تأويلات ناقصة وقاصرة، وقد تتعزز أو تنتفي عندما يتخطى القارئ العنوان متوجها إلى النص.

الهوامش

(1) الترئيسة أو الترويسة وهذه مقابل عربي قريب لكلمة “Heading” الإنجليزية  أي "الكلام الذي يقف على رأس..."، والتي تترجمها المعاجم إلى العربية عنوانا. ولقد فضلنا عدم استخدام كلمة "عنوان" هنا حتى لا يظن القارئ أن المقصود هو كلمة “title”، التي ترجمناها عنوانا.
(2) Adams, H. 1987. "Titles , Titling, and Entitlement to". The Journal of Aesthetics and Art Criticism 46. p. 8.
(3) Ferry, A. 1996. The Title to the Poem. Stanford: Stanford University Press. p. 1.
(4) Genette, G. 1988. "Structure and Functions of the Title in Literature". Critical Inquiry 14. pp. 692-693.
(5) ברוך, מ' ופרוכטמן, מ'. 1982. לכל שיר יש שם: עיוני ספרות ולשון בשירת ילדים. תל-אביב: פפירוס. עמ' 7.
(6) وهبة، مجدي.1984. معجم مصطلحات العربية في اللغة والأدب. بيروت: مكتبة لبنان. ص 262.
(7) الجزار، محمد فكري. 1998. العنوان وسميوطيقا الاتصال الأدبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ص 15.
(8) الجزار 1998، ص 16-18.
(9) الجزار 1998، ص 20-23.
(10) الجنابي، عبد القادر. 1995. (1) حياة ما بعد الياء. باريس: منشورات فراديس. ص 129.
(11) الجزار 1998، ص 19.
(12) Fowler, A. 1982. Kinds of Literature: An Introduction to the Theory of Genres and Modes. Oxford: Clarendon Press. p. 92.
(13) Adams 1987, pp. 9, 12; Levenston, E. A. 1978. "The Significance of the Title in Lyric Poetry". Hebrew University Studies in Literature  6. p. 72; Levinson, J. 1985. "Titles". The Journal of Aesthetics and Art Criticism 44. p. 33.
(14) Shawcross, J. T. 1988. “But Is It Donne’s? The Problem of Titles on His Poems”. John Donne Journal 7. p. 147.
(15) Fowler 1982, p. 96; Taha, I. 2000. “The Power of the Title: ‘Why Have You Left the Horse Alone’ By Mahmud Darwish”. Journal of Arabic and Islamic Studies 3. p. 67; Ferry 1996, p. 3.
وأثناء حديثها عن العناوين التي تعتبر تكرارا لجملة أو عبارة ترد في النص نفسه، والموضوعة داخل علامات تنصيص، تشير فيري إلى أن هذه العلامات تؤكد الفرضية القائلة بأن العنوان يصاغ بعد الانتهاء من تأليف نص القصيدة (Ferry 1996, p. 213). وبخلاف الباحثين الآخرين، فإن الجزار يعتبر ابتداء الكاتب بالعمل وانتهاءه بوضع العنوان قاعدة وليس مجرد فرضية (الجزار 1998، ص 8).
(16) Genette 1988, pp. 706-707.
(17) Taha 2000, p. 69.
(18) إن العناوين تقدم العمل للقارئ بشكل غير مباشر عادة، فلا تقول للقارئ: هذا العمل موجه إليك. وهذا ما يؤكده ديريدا (Derrida) حينما يقول بأن العناوين لا يمكن أن تُقدَّم بلغة الخطاب الحالي ( Derrida, J. 1981. "Title" (to be specified). Sub-Stance 31. p. 10).
(19) يذكر ليفينسون أن العنوان في الأعمال الجمالية عامة يعيننا على تحديد سمة هذا العمل، كما أنه ليس مجرد شيء عرضي، أو اسما يهدف إلى مساعدتنا على العودة إلى العمل وتمييزه عن الأعمال الأخرى فحسب، وإنما هو أيضا عنصر أساسي في هذا العمل (أنظر: Levinson 1985, p. 29).
(20) يحياوي، رشيد. 1998. الشعر العربي الحديث: دراسة في المنجز النصي. بيروت: أفريقيا الشرق. ص 110.
(21) العلاق، علي جعفر. 1997. الشعر والتلقي: دراسات نقدية. عمان: دار الشروق. ص 173.
(22) Ferry 1996, p. 2.
(23) Myres, J. & Michael, S. 1989. The Longman Dictionary of Poetic Terms. New York: Long – man. p. 309.
(24) Kellman, S. 1975. “Dropping Names: the Poetics of Titles”. Criticism 17. p. 156.
(25) וייסמן, ה'. 2000. הכותרת כיחידת טקסט: עיון תחבירי, סימנטי ופרגמטי בכותרות של שירי נתן זך. רמת-גן: חמו"ל. עמ' 24.
Hollander, J. 1975. Vision and Resonance: Two Senses of Poetic Form. New York: Oxford University Press. P. 213.
(26) منصور، جويس. 1996. ذكر ومومياءات: أربعون قصيدة (ترجمة عبد القادر الجنابي). باريس: منشورات فراديس. ص 29-30 .
(27) Ferry 1996, p. 211.
(28) نور الدين، صدوق. 1994. البداية في النص الروائي. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع. ص 69.
(29) حمد، محمد. 2002. شعرية البداية في النص القصصي: "يوسف إدريس نموذجا" (أطروحة ماجستير). حيفا:  [د. ن.]. ص 37 .

(30) الجزار 1998، ص 21.
Taha 2000, p. 72; Derrida 1981, p. 12.     
(31) الجزار 1998، ص 10؛ Taha 2000, p. 72.
(32) Adorno, T. W. 1969-1971. Noten zur literatur. Frankfurt a. Main: Suhrkamp. s. 7.
(33) الجزار 1998، ص 39.
(34) الجزار 1998، ص 15، 28-30.
(35) Derrida 1981, pp. 8, 10.
(36) Fisher, J. 1984. "Entitling". Critical Inquiry 11. p. 288.
(37) Adams 1987, p. 10.
(38) Adams 1987, p. 12.
(39) يحياوي 1998، ص 114.
(40) الجزار 1998، ص 39.
(41) الجزار 1998، ص 39.
(42) ברוך, מ'. .1979 הרומנטיקן המר: עיונים בשירתו של נתן זך. תל-אביב: אל"ף. עמ' 103, ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 7, פרילוק, נ' ווגה, ש'. 1989. "הכותרת – טיפוסי כותרות ומאפייניהם". לשון, הבעה, הבנה: עיונים ודרכי הוראה. ירושלים: משרד החינוך והתרבות. עמ' 59.
(43) פרילוק ווגה 1989, עמ' 59.
(44) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 7-8.
(45) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 8.
(46) ברוך 1979, עמ' 107, וייסמן 2000, עמ' 213.
(47) Kellman 1975, p. 160.
(48) Ferry 1996, pp. 211-212.
(49) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 8.
(50) ברוך 1979, עמ' 103, ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 7, וייסמן 2000, עמ' 213.
(51) ברוך 1979, עמ' 105, ברוך ופרוכטמן, עמ' 9.
(52) ברוך 1979, עמ' 105.
(53) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 9, 12, ברוך 1979, עמ' 104.
(54) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 9, 11, ברוך 1979, עמ' 110.
(55) ברוך 1979, עמ' 110.
(56) וייסמן 2000, עמ' 219-232.
(57) פרילוק ווגה 1989, עמ' 58, פרילוק 1996, עמ' 27.
(58) פרילוק ווגה 1989, עמ' 58.
(59) פרילוק ווגה 1989, עמ' 59. وبالنسبة لإثارة التداعيات، نعتقد بأن كل عنوان بإمكانه أن يقوم بهذا، ولذا فإن هذا ليس مقصورا على العنوان الموجِّه.
(60) Myres & Michael 1989, p. 316.
(61) Levinson,J. 1985. "Titles". The Journal of Aesthetics and Art Criticism 44, pp. 29-39.
(62) Levinson 1985, pp. 29, 33.
(63) Levinson 1985, pp. 34-37.
(64) يحياوي 1998، ص 113.
(65) Genette 1988, p. 708.
(66) Genette 1988, pp. 710-711, 719.
(67) Genette 1988, pp. 711-713.
(68) Genette 1988, p. 715.
(69) Genette 1988, p. 716.
(70) Genette 1988, p. 717.
(71) Genette 1988, p. 718.
(72) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 13-14.
(73) Taha 2000, pp. 66, 83.
(74) וייסמן 2000, עמ' 16;
Booth, W. C. 1961. The Rhetoric of Fiction. Chicago: University of Chicago Press. Footnote 25, p. 198.
(75) لقد تحدث نير (ניר) عن هذا الوظيفة في العناوين الصحفية، بحيث يذكر، بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه، بأن الغموض في العنوان الإخباري ينكشف فور قراءتنا للنص بأكمله (ניר, ר'. 1994. "ניתוח השיח של הכותרת החדשותית". בלשנות עברית 37, עמ' 24). وهو بذلك يخالف العنوان الجمالي الذي يظل غامضا في أحايين كثيرة بعد قراءة النص.
(76) וייסמן 2000, עמ' 18.
(77) يذكر ليفينستون أنه بإمكان العنوان في الأدب، المصنوع من الكلمات، أن يكون جزءا من العمل، بخلاف العناوين في الرسم والموسيقى، وذلك لأنه لا يمكننا، على سبيل المثال، رسم لوحة حتى نعنون لوحة أخرى (Levenston 1978, pp. 66, 69). ويذكر طه بأنه لا يوجد عنوان إلا ويتبع بطريقة ما إلى المعلومات الموجودة في النص نفسه، وبصورة عامة، إن العنوان الأدبي هو عبارة عن تركيز وتوجيه لمقاصد الكاتب (Taha 2000, p. 68).

 

الحلقة الثانية:

معاني عناوين الجنابي ودلالاتها
ننوي في هذه الحلقة قراءة عناوين للشاعر عبد القادر الجنابي من ديوانه "حياة ما بعد الياء"، المقسم إلى ثمانية فصول. والعناوين المختارة هي عنوان الديوان "حياة ما بعد الياء"، وعنوان الفصل الأول من الديوان "تأصيل بلا ينابيع"، وعناوين ست قصائد تدخل في إطار هذا الفصل وهي: "مهاجرو الداخل"، "حُلُم"، "صناعة الشِّعْر"، "الله في كلمة"، "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج" و"ليت الحصان كان وحيدا". أما هدفنا من وراء هذه القراءة فهو استخراج معاني هذه العناوين ودلالاتها. وإن هذا سوف يتاح لنا من خلال اعتماد الطريقتين الآتيتين:

أ)  طريقة آن فيري (Anne Ferry):
تقدم آن فيري في كتابها (The Title to the Poem) طريقة لقراءة عناوين القصائد. وهذه الطريقة تتطلب منا قراءة العنوان ثلاث قراءات (1):
1) قراءة العنوان كوحدة نحوية مستقلة
2) قراءة العنوان من خلال ربطه بنص القصيدة
3) قراءة العنوان بناء على علاقاته بعناوين أخرى للشاعر ذاته أو لغيره من الشعراء

ولا بد من الإشارة إلى أنه ستتم معالجة عنوان الديوان وعنوان الفصل المختار فحسب بموجب هذه الطريقة، أما عناوين القصائد فستتم معالجتها وفقا للطريقة الثانية. كما وعلينا أن ننبه إلى أننا لن نتمكن من اتباع طريقة فيري بحذافيرها في قراءة عنواني الديوان والفصل، لأنه يتعذر علينا ذلك. فما سنفعله هو القيام بالقراءة الأولى والثالثة دون القراءة الثانية، وذلك لأنه لا توجد في الديوان قصيدة تحمل العنوان "حياة ما بعد الياء". وهذا يعد أمرا نادرا بعض الشيء، لأننا نجد عادة أن إحدى قصائد الديوان تحمل عنوانا مماثلا لعنوان هذا الديوان. وكذلك لا نجد في الفصل المختار قصيدة تحمل عنوان هذا الفصل. وبالإضافة إلى ذلك، سنقوم بإجراء إضافة طفيفة على القراءة الثالثة لملاءمتها للحالة التي نعالجها. وهذه الإضافة تتجلى في عدم اكتفائنا بقراءة عنوان الديوان قراءة ثالثة من خلال بحث علاقته بعنوان الفصل وبعناوين القصائد المختارة فحسب، وإنما أيضا من خلال بحث علاقته بالنصوص التي تتبع لتلك العناوين. ولن نبالغ إن قلنا بأن هذا ما نبتغيه في الأساس من هذه القراءة.  والسبب في ذلك يعود إلى أن معالجة العنوان تعني معالجة النص الذي يخضع له أيضا. وسندعو هذه القراءة في دراستنا بالقراءة الثانية، سيما وأن قراءة فيري الثانية غير متحققة في حالتنا.

بالاستعانة بطريقة فيري سنقوم في القراءة الأولى بتحليل عنوان الديوان وعنوان الفصل دلاليا كنصين مستقلين، وذلك بالاعتماد على معارفنا الخلفية في الأساس. وفي القراءة الثانية سوف نبحث في العلاقة التي تربط عنوان الفصل المختار بالقصائد المعالجة الداخلة في إطاره، وفي العلاقة التي تربط عنوان الديوان بهذا الفصل. وكل هذا سيجري من خلال جمع معطيات من نصوص القصائد وعناوينها تتناسب مع عنوان الفصل وعنوان الديوان من ناحية دلالية. ويجب أن ننبه أيضا إلى أننا سنقوم بالقراءة الثانية لعنوان الفصل بعد قراءة عناوين القصائد المختارة، كما سنقوم بقراءة عنوان الديوان قراءة ثانية بعد قراءة عناوين القصائد الست وعنوان الفصل. والسبب في ذلك يعود إلى أن قراءة عنوان الفصل قراءة ثانية تتطلب منا معرفة دلالات عناوين القصائد التابعة له ودلالات نصوصها في الوقت ذاته، كما أن قراءة عنوان الديوان قراءة ثانية تتطلب منا معرفة دلالات عناوين هذا الفصل.

ب) قراءة نص القصيدة قبل قراءة عنوانها
لغرض معالجة عناوين القصائد نقترح قراءة نص القصيدة قبل قراءة عنوانها. وسنحاول في هذه القراءة استخلاص الفكرة المركزية من نص القصيدة، واعتبارها بمثابة عنوان طويل لها، وذلك لأننا نفترض أن يكون عنوان القصيدة الحقيقي عبارة عن تلخيص مركّز لهذه الفكرة، أو متصلا بها بوجه ما إن لم يكن تلخيصا لها. وإن هذه القراءة مخالفة بطبيعة الحال لما نقوم به عادة، وهو قراءة عنوان القصيدة في البداية، وتخميننا من خلال هذه القراءة موضوع النص. وبعد قراءة النص واستخلاص فكرته الأساسية، نقوم بقراءة عنوان القصيدة الحقيقي، أي بتحليله دلاليا بناء على علاقته بالنص. وما يهم في هذه القراءة هو كونها تمكننا من امتحان العنوان وفحص أهميته من خلال طرح عدة أسئلة في ذهننا بعد قراءته، مثلا: ماذا أضاف العنوان للنص؟ أأمكننا فهم النص فهما كافيا دون قراءة العنوان؟ هل غير العنوان المعنى الذي بلورناه من خلال قراءتنا للنص؟ هل وضّح لنا أمورا كانت غامضة؟ أم خلق فجوات جديدة؟
وبالإضافة إلى ما قيل، فإن هذه الطريقة تمكننا من معرفة أصناف عناوين القصائد، وظائفها، مدى ارتباطها بالنصوص واستقلالها عنها من قراءة واحدة للعنوان. إلا أنه علينا أن ننبه إلى أن هذه الطريقة أتت لغرض البحث ليس إلا، لا لكي تقترح على القارئ أن يقرأ نص القصيدة قبل قراءة عنوانها، لما في هذا الأمر من مخالفة لمنطق عملية القراءة التي تبدأ من العنوان. ومع ذلك، فإن هذه الطريقة تفترض قارئا واحدا على الأقل، ألا وهو كاتب النص، الذي يصنع العنوان بعد كتابة النص بموجب الفرضية التي تحدثنا عنها، والتي تنطبق على طريقة كتابة الجنابي للعنوان.

  قراءة أولى لعنوان الديوان
إن كون كلمة "حياة" نكرة يعني بالنسبة لنا أنها حياة مجهولة، وما يزيد من صبغة المجهول فيها هو وقوع "ما" النكرة بعدها. كما أن كلمة "حياة" هي كلمة واسعة وعامة على الصعيد الدلالي، فقد تدل على كلمات مثل معيشة، وجود، دنيا، كينونة، موت، تقلب، مجهول وغير ذلك، ولن نبالغ إن اعتبرناها أوسع كلمة في وجودنا نظرا لإيحاءاتها اللانهائية. وما يضاعف من إيحاءات اللانهاية في هذه الكلمة عبارة "بعد الياء" بعدها. فالظرف "بعد" يصح أن يكون ظرف زمان أو/ و مكان، و"الياء" هي آخر حروف العربية من ناحية ترتيبية، مما يعني أنها تشير إلى النهاية والحدود، وعليه تأتي عبارة "بعد الياء" ككل لتقول بأن الـ"حياة" المذكورة تخترق الزمان أو/ و المكان المحدودين. وبرغم ما قلناه فإننا نجهل ماهية مركّبات هذه الـ"حياة"، نظرا لعمومية العنوان، وبالأخص كلمة "حياة".
أمر إضافي يلفت نظرنا في العنوان هو الربط ما بين شيئين من صنفين مختلفين، وهما الـ"حياة" بكل ما فيها مع حرف "الياء" ذي الدلالات الأضيق والمأخوذ من عالم اللغة. ونعتقد بأن هذا الربط هو غاية في الأهمية، لما فيه من إشارة منذ البداية إلى غرض لغوي، يتعلق باللغة الشعرية، يريد الشاعر طرقه في الديوان. فالـ"حياة" التي قد تحوي الشعر ترتبط بلغة تتجاوز حدود اللغة العادية ـ "الياء" ـ وتقفز ما وراءها. وإلى هنا نكون قد عثرنا بواسطة العنوان على أحد مركبات الـ"حياة" ألا وهو اللغة المتجاوزة للحدود. ونخمن وجود مركبات أخرى لهذه الـ"حياة" نجهلها لغاية الآن، لكن ما نعلمه هو أن هذه المركبات تشترك فيما بينها في اختراق الحدود.
أما بالنسبة لكاتب العنوان نفسه، أي الجنابي،  فإن العنوان يدلنا على أنه شخص متحدٍّ، لا يقيّده قيد، وإلا لما جرأ على تجاوز "الياء". وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نأتي بالحوار الذي اقتبسه الجنابي عن كتاب الدكتور عبد الستار إبراهيم آفاق جديدة في دراسة الإبداع، ووضعه قبل النص الأول من الديوان، الذي يحمل العنوان "مفاتيح، أو تمهيدات قبل التحليق":

"الصديق الأول : والآن.. إنني قد عرفت كل شيء.. كل شيء من البداية حتى النهاية.. أليست ((الياء)) هي نهاية الحروف الهجائية.
 الصديق الثاني : تستطيع أن تقف عند ((الياء)) إذا شئت هذا.. الكثيرون يفعلون هذا وينتهي مطافهم ((بالياء)).. ولكن ما أبلغ الدهشة التي ستعتريك إذاحاولت المضي ما بعد ((الياء)) مطلعًا على عوالم أخرى لا متناهية"


إن هذا الاقتباس، الذي يلفت انتباهنا إلى التناص الموجود في عنوان الديوان، يجعلنا نتساءل: ألا يمثل الجنابي في ديوانه هذا الصديق الثاني، المتحمس لما بعد النهاية ولاختراق المجهول؟ فالعنوان لا يصرح لنا بموقف الجنابي من "حياة ما بعد الياء" بشكل مباشر، ولا نعتقد بأنه يجدر به أن يقدم لنا مثل هذا التصريح، لكن من خلال معرفتنا لمواقف الجنابي المتحدية للموروث العربي والإسلامي وللأنظمة العربية السائدة وللشعراء السائرين في ركابها، والتي تتجلى بشكل متكرر في كتبه ومقالاته المتعددة، نستطيع أن نكون على يقين بأنه يدعم الـ"حياة" الموصوفة في عنوان الديوان وينادي بها.


قراءة في عناوين من الفصل: "تأصيل بلا ينابيع"

قراءة أولى لعنوان الفصل

قد نجد لكلمة "تأصيل" عدة إيحاءات، كالتثبيت والتجذير، كما أننا كثيرا ما نراها مرتبطة بكلمات مجردة، كالفكرة، المبدأ، العقيدة، العادة وغيرها. فنقول مثلا: "أصّل أحدهم الفكرة في رأس فلان". ومن هذا المنطلق قد تتبع عدة طرق ووسائل لتحقيق التأصيل، كالإقناع، الوعظ، التكرار، أو حتى غسل الدماغ. وبما أن العنوان نص بخيل بالمعطيات فإنه لا يذكر لنا لأي شيء سيكون الـ"تأصيل" وكيف، وما يركز عليه هو وصف هذا الـ"تأصيل" بأنه "بلا ينابيع". وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن الصفة، كما تقول فيري، تلعب دورا هاما عند ارتباطها بالاسم، لأنها تمنحه هيئة معيّنة من خلال الإعلان عن وجهة نظر تجاهه. وتقسم فيري هذه الصفات إلى قسمين: قسم يعبر عن مشاعر ما تجاه الموصوف، وقسم آخر يعبر عن موقف تجاه الموصوف، ولا يهدف إلى إثارة أي مشاعر في القارئ (2). والصفة التي لدينا تنتمي بلا شك إلى القسم الثاني، لأن الجنابي يعبر بواسطتها عن اعتراض خفي على ارتباط الـ"تأصيل" بالـ"ينابيع"، دون إثارة أي مشاعر في القارئ. أما كلمة "ينابيع" فتعبر عن شيء ملموس. ويقال: "نبع الماء نبوعا يعني تفجر، أو خرج من العين، ولذلك سميت العين ينبوعا" (3).وهذا يدل على أن كلمة ينبوع تشير إلى تدفق الماء أو أي شيء آخر بغزارة. واستخدام صيغة الجمع "ينابيع" يزيد من قوة الانفجار وكثرة خروج الماء. وبالاستناد إلى هذا، فقد تشير هذه الكلمة أيضا إلى التهويل والتعظيم، خاصة وأن جرسها يوحي بذلك. وإن ارتباط عبارة "بلا ينابيع" بكلمة "تأصيل" يدلنا على أن الـ"تأصيل" يتم عادة بواسطة الـ"ينابيع" مع كل ما توحي به هذه الكلمة، أما في الحالة التي أوحى بها العنوان فإن الـ"تأصيل" سيكون بغير "ينابيع". ولهذا يبدو لنا أن العنوان يعبر عن موقف سلبي تجاه كلمة "ينابيع"، مما يدفعنا إلى القول بأنها تحمل إيحاءات سلبية، بعكس ما هو متعارف عليه، وهو أن كلمة ينبوع أو ينابيع تشير إلى مصدر للخيرات الكثيرة، لا إلى مصدر سلبي. وما جعلنا نلمس السلبية في استخدام هذه الكلمة هو اقترانها بـ"بلا"، وبهذا جعل كلمة "تأصيل"، التي تشير إلى الثبات والرسوخ، مناقضة لها.
وبناء على ما ذكرناه، فإن العنوان قد يعني أنه إذا كان المراد بكلمة "تأصيل"، على سبيل المثال، تجذير فكرة ما فإن التجذير لن يتم بواسطة الـ"ينابيع"، أي ليس بطريق التهويل والتعظيم، أو باستعمال أية وسيلة سلبية أخرى، وإنما بطرق ووسائل مغايرة، لا نعرفها في هذه المرحلة. أما إذا كان المراد بهذه الكلمة التعبير عن مصدر لشيء ما فإن الـ"تأصيل" ينبذ هذا المصدر.

قراءة في عناوين قصائد من الفصل

أ) "مهاجرو الداخل" (4)

مهاجرو الداخل

ما نريده
ليسَ مصعدًا في مبنى الأسماء
ساحة لجنديّ مجهول
 مقصًا ينتظرُ قصيدة
خرجت على القافية
بلا ثياب.

                               قد يذهب الرجل إلى لا رجعة
                                قد يأتيها في ثنايا الليل
                                قد ينتفض 
                                فتكون عيناه
                                صحو البديل.

نريد
ظهيرة في منتصف الليل
قمرًا في حضن الشمس
غرفا لا يثكلُ فيها
ضوءُ النهار
وكتلة هذا النديد
لتزويق القشعريرة
وندبة الخوف

ما نريده،
أصلا في الأرض.

شكٌ وميثاق
شهادات نحملها معنا
إلى العالم الآخر
صوبَ الأحياء :

ليس الرأس
 ولا اليد،
 ولا الذراع
ولا حتى ذاك التراث

وإنما خُصلة تاريخ
في مهب الأوراق
يسرّحها مشط الاختلاف.

قراءة النص
يقسم نص القصيدة إلى سبعة مقاطع، يسهم كل منها بفكرة جديدة. فالمقطع الأول عبارة عن عرض لأمور لا تريدها مجموعة المتكلمين، وهذه الأمور هي: علو أسمائهم واشتهارها ("مصعدا في مبنى الأسماء")، أو "ساحة" تُكرس "لجندي مجهول"، والتي قد تعبر عن عظمة، أو عن موضع افتخار بالنسبة للناس عادة. وابتداء من السطر الرابع من هذا المقطع، ومن خلال كلمة "قصيدة"، نكتشف أن "للنحن" علاقة بالشعر، وليس من المستبعد أن يكونوا شعراء. وقد تعني الأسطر 4-6 أن "النحن" لا يريدون شهرة للقصيدة، من خلال انتظار مقص، أو بالأحرى قارئ يحمل مقصا ليقص هذه القصيدة ويحتفظ بها. أما وصف القصيدة بأنها "خرجت على القافية/ بلا ثياب" فقد يقصد به أن هذه الـ"قصيدة" تبدو حديثة، لأنها خالية من القافية، لكنها في الواقع قصيدة فارغة المعنى، لا "ثياب" لها، مما يعني أنها خالية من الأدوات التي تجعل منها قصيدة. أما في المقطع الثاني فينتقل الجنابي ليتحدث عن قضية أخرى، وهي عملية خلق الشاعر، "الهو"، للقصيدة. وهذه العملية تحدث "في ثنايا الليل"، بحيث يكون الشاعر في هذا الوقت في حالة ما بين النوم واليقظة (5). ومن ثم يستيقظ ليرى الأمور بشكل واع، بعد ذهاب الوحي الشعري عنه. وهو في هذا كـ"البديل"، أي الرجل المقدس العالم بأمور الكون، والذي يمر بتجربة روحية يصحو من بعدها. وينتقل المتكلمون في المقطع الثالث إلى الحديث عن الأمور التي يريدونها فعلا، وهي أمور مستحيلة ومقلوبة، تعارض التعتيم، وتوحي بالتمرد على عالم قائم وقلبه. ويصرّح "النحن" في المقطع الرابع مرة أخرى بما يريدونه، وهو "أصلا في الأرض"، وسيحصلون على هذا الأصل من خلال الأمور المذكورة في المقطعين الخامس والسابع. فالكلمات "شك وميثاق" و"شهادات" قد ترمز إلى القصائد في حال كون "النحن" شعراء، وهذه القصائد مخصصة إلى "العالم الآخر"، الذي يرمز إلى عالم القراء ـ "الأحياء". وتتوضح ماهية هذه الأمور في المقطع السادس من خلال النفي، فـ"النحن" لا يريدون بذل أمور محسوسة، مثل "اليد"، "الذراع" و"التراث"، مما يعني أنهم يدعون إلى التجديد الشعري والتخلص من قيود الماضي، بما في ذلك التراث العربي. وبدلا من كل هذا يبتغون الجديد والمختلف، كما يتضح لنا من المقطع السابع.
• الفكرة المركزية: "النحن" الشعراء يرفضون مفاهيم سائدة في عالم الشعر، وينادون بإحداث التغيير وقلب هذه المفاهيم لصالح مفاهيمهم، التي تدعو إلى ترك القديم والتشبث بالحديث المختلف.

قراءة العنوان
على الرغم من أننا تمكنا من معرفة ما يرمي إليه النص بنسبة معيّنة، فإن العنوان يضيف لنا معلومات أخرى من خلال تحديده لنا هوية "النحن". فإن "مهاجرو الداخل" هم مجموعة المتكلمين في النص. ولقد سبق وأن استخدم الجنابي عبارة العنوان هذه في مدخل كتابه انفرادات الشعر العراقي الجديد، بحيث وضح فيه أن "مهاجرو الداخل" هم الشعراء وأصدقاؤه الموجودون داخل العراق (6). لكن الجنابي يقول في رسالته إلى الشاعر أدونيس (ولد 1930) بأن "الداخل" هو عبارة عن داخل البلدان العربية عامة، والتي تعتبر بنظره منفى حقيقيا (7). فإذًا، إن "الداخل" ليس مقصورا على العراق فحسب، لأنه يقصد به أيضا البلدان العربية عامة، التي يشعر الشاعر المجدد فيها بوحشة وغربة، وكأنه مهاجر، وذلك على الصعيد الفكري، سيما وأنه لا يجد من يشاطره أفكاره وآراءه، بل من يلاحقه بسببها. ومن هنا نفهم سبب الجمع ما بين كلمتين متناقضتين في العنوان. وهذا التناقض بين كلمتي العنوان يتناسب مع النص نفسه، وخاصة مع المقطعين الثالث والسابع منه، اللذين يؤكدان على قلب المعايير والاختلاف، وعلى وجهة النظر المتحدية التي يحملها "النحن".

ب) "حُلُم" (8)

حُلُم

"... بهذه الطريقة يدخل البطلُ الغابـة. لم ينتبه إلى أن المخرج أنأى مـن هذه الكواكب المندثرة في طمي السماء. توقف عند أوّل شجرةٍ انتصبت أمامه بكل ذكرياتها المليئة بأبطال أشدّ بأسًـا منه. أخذ ينظر إليها، رأى عصفورًا جد صغير يحاول أن يحط على أحد أغصانها الذي يَغزو إلى السّحاب. والساعات تسري زفرات في الأعالي مختلطة بطشيش الهواء
الـذي تحدثـه عصـابة الطـير وهي تبـرق خـلل الشجر. علـى أنّ سنوات عمره تعبر فيلمًا في وحشة الغاب. وكأن أشجارًا ترْدفه بأشجار أخرى؛ بأزمنـة لا متنـاهية، تصيّره إشارة برّاقـة في قـلب الشيء، يتكثف حتــى تصير أشياؤه زمنا شعريا لا نهائيا. أوراق تتساقط من رحلته. طفق يَنفـذ بعينيـه إلى أدق التفاصيل. وبِخطفةِ البرق راح حَمار العين اليمنى يصبغُ الغابة كلها، بينما يتطاير شررٌ من العين اليسرى، فيحرق صـورة غابـةٍ  معلقة بشكلٍ مضبوط جدا في غرفة طفلٍ صغير."

قراءة النص
يبدو لنا النص بمجمله وكأنه لقطة سينمائية، خاصة وأن الشاعر يستعير كلمات من عالم السينما، مثل "المخرج"، "البطل"، "فيلما". فنتخيل أن أحدهم يحمل كاميرا ويرصد تحركات "البطل"، ويخبرنا بها. وهذا الرصد بصورة عامة، وجملة "يتكثف حتى تصير أشياؤه زمنا شعريا لا نهائيا" بصورة خاصة، يجعلاننا نخمن أن يكون "البطل" هو الشاعر. وإذا ربطنا الكلمات: "البطل"/"الأبطال"، "شجرة"/"أشجار"، "عصفور"، "الطير" بعالم الشعر توصّلنا إلى أن الـ"شجرة" ترمز إلى القصيدة التي تقف أمام الشاعر وتتحداه، و"العصفور" قد يرمز إلى الكلمة أو العبارة التي أغوت الشاعر بكتابة القصيدة، و"الغابة" قد ترمز إلى عالم الشعر، أما كلمة "أبطال" فقد ترمز إلى شعراء آخرين سبقوا "البطل" ـ الشاعر في ممارسة العملية الشعرية، وأكثر تمرسا منه في هذه العملية. و"البطل" ـ الشاعر يراجع القصيدة وينقحها، فيكتب عدة مسودات لها، ولذا يقول الجنابي: "أوراق تتساقط من رحلته"، كإشارة إلى الأوراق التي يملؤها الشاعر في مرحلة الكتابة. والشاعر في تنقيحه للقصيدة يحاول صياغة المعنى بدقة متناهية، وهذا ما رمى إليه الجنابي حين قال: "طفق ينفذ بعينيه إلى أدق التفاصيل". أما نهاية القصيدة ("وبخطفة البرق راح حَمارُ العين ...") فتعتبر بنظرنا نهاية مشكلة وأشد غرابة من النص نفسه، وقد تعبر هذه النهاية عن كتابة الشاعر السريعة واللامعقولة للقصيدة، وكأن مسا قد أصابه.

• الفكرة المركزية: الجهد الذي يبذله الشاعر في عالم الشعر حتى ينتج القصيدة، ويثبت نفسه أمام "أبطال" ـ شعراء "أشد بأسا منه".

قراءة العنوان
إن العنوان يفاجئنا لبساطته وسذاجته وحياديته الظاهرة، لكن إعادة النظر فيه، من خلال ربطه بتفاصيل النص، تبرز لنا شدة كثافته. فإن هذا العنوان يطالب القارئ بإعادة النظر في مركبات القصيدة، والبحث عن عناصر الـ"حلم" فيها. لكن بعد هذا البحث لا يجد القارئ مركبا بعينه يرتبط بالعنوان مباشرة، وإنما يجد أن النص ككل يرتبط بهذا العنوان. فقبل قراءتنا للعنوان قلنا إن النص يبدو كمشهد سينمائي، لكن بعد قراءته اكتشفنا أن النص عبارة عن مشهد حلمي، يتخطى حدود الواقع والوعي. وهنا يتحتم علينا أن ننبه إلى أن الـ"حلم" المقصود في ا