"حياة ما بعد الياء" نموذجا
الحلقة الأولى:
معالجة نظرية لموضوع العنوان في الأدب
سنتعرض في هذه الحلقة النظرية لعدد من القضايا التي تدور حول العنوان في الأدب. ولقد اخترنا معالجة هذه القضايا هنا نظرا لأهميتها ليس على الصعيد النظري فحسب، وإنما أيضا على الصعيدين التطبيقي والتحليلي، لا سيما وأن قسما كبيرا من مادة العنوان النظرية هذه سيكون بمثابة نقطة انطلاق لنا في معالجتنا للقضايا الخاصة بعناوين الشاعر العراقي عبد القادر الجنابي (1944) من ديوانه "حياة ما بعد الياء"، الصادر في باريس عن منشورات فراديس عام 1995، وذلك في الحلقتين المقبلتين.
1. تعريف العنوان
يتعرض آدمس (Adams) إلى أصول كلمة "title" الإنجليزية، فيذكر أن أصل هذه الكلمة يعود إلى الكلمة اللاتينية “titulus”، التي كانت تعني كلاما مكتوبا، لقبا، ملاحظة، عنوان الشرف، الشهرة وحجة. ويضيف آدمس إلى ذلك استعمالات تاريخية عديدة لكلمة ""title، يتناسب بعضها مع الاستخدام المعاصر لهذه الكلمة، ومنها: الكلام الذي وضع حول غرض ما لمنحه اسما أو وصفا؛ الترئيسة؛ الكلام الذي يقف على رأس (1) كل جزء أو قسم صغير في الكتاب؛ الكلام الذي يقف على رأس وثيقة قانونية أو عادية، أو على رأس رسالة؛ اسم كتاب، قصيدة أو أي مؤلف آخر؛ الكلام المكتوب في بداية الكتاب لغرض وصف موضوعه، محتوياته وطبيعته، ولذكر اسم الكاتب، المصنِّف، المحرر، الناشر ومكان النشر (2).
وتعرّف فيري (Ferry) العنوان بأنه: "كلام مكتوب فوق نص القصيدة في الفضاء الذي كان قد احتله هذا الكلام منذ المراحل المبكرة للطباعة" (3). ومع أن فيري تقتصر في تعريفها هذا على عنوان القصيدة فحسب، فإننا نجده ينطبق أيضا على عناوين ألوان أدبية أخرى، كالقصة، الرسالة وغيرهما.
ويورد جينيت (Genette) في مقاله تعريف ليو هوك (Leo Hoek) ـ وهو أحد مؤسسي علم العنونة المعاصر ـ للعنوان، والذي يولي فيه القارئ أهمية قصوى، بحيث يقول: "إن العنوان مبنى وشيء مصنوع لغرض التلقي والتأويل" (4).
وتعرّف باروخ وبروخطمان (ברוך ופרוכטמן) العنوان (הכותרת) بأنه اسم يقف على رأس عمل معيّن، كالقصيدة، القصة، الكتاب، المقالة وما أشبه (5). والعنوان عند وهبة هو "الاسم الذي يدل عادة على موضوع الكتاب، كما قد يعني مكان الإقامة" (6). ونلاحظ أن التعريفين الآنفين هما تعريفان أوليان وضيقان للعنوان، لأنهما يحصران دوره في الإشارة إلى العمل فحسب.
أما الجزار فنراه يعرّف العنوان بشكل موسع مقارنة بالأبحاث الأخرى، مستعينا في ذلك بمعاني هذه الكلمة الواردة في معاجم اللغة العربية. فيبدأ في القسم الأول من كتابه بهذا التعريف اللغوي الأولي للعنوان، والذي لا يعتبره مختلفا عن التعريف الاصطلاحي له: "العنوان للكتاب كالاسم للشيء، به يعرف وبفضله يتداول، يشار به إليه، ويدل به عليه، يحمل وسم كتابه، وفي الوقت نفسه يسمى العنوان - بإيجاز يناسب البداية ـ علامة من الكتاب جعلت له؛ لكي تدل عليه" (7). وبعد هذا التعريف يخوض الجزار في الدلالات المعجمية لكلمة العنوان، بحيث يعيدها إلى مادتي "عنن" و"عنا"، ويقسمها إلى دلالات لغوية، تحوي الكلمات: "القصد والإرادة"، "الظهور والاعتراض" و"الوسم والأثر"، ودلالات اصطلاحية وردت على شكل جمل، كما في قول ابن بري (1106-1187): "كلما استدللت بشيء تظهره على غيره فهو عنوان له"، أو في قول ابن سيدة (1007-1066): "العنوان سمة الكتاب". ويرى الجزار أن قول ابن بري يدل على أن العنوان يحصر المعنى، أما قول ابن سيدة فيشير إلى اختصاص العنوان باللغة الكتابية لا الشفاهية، فهو يسم العمل، ويعوضه عن غياب السياق المنطوق في الكلام الشفهي (8).
أما بالنسبة للدلالات اللغوية التي ذكرناها سابقا فإن الجزار يعتبرها حافة وذات علاقة بالدلالات الاصطلاحية، ونراه يدأب على توضيح مثل هذه العلاقة. فإن "القصد والإرادة" يرتبطان عنده بكون المرسل ينطلق من مقاصده في إرساله العنوان للمتلقي، وهذا العنوان يحمل "المرسلة" في دلاليته، وهذا الحمل هو قصد المرسل وإرادته إبلاغ المتلقي بتلقي المرسلة على مستوى الجنس والموضوع. أما "الظهور والاعتراض" فيختصان بالمستقبل، لأن العنوان هو ما يظهر له ويعترضه من العمل، إذ أنه أول ما يتلقاه من هذا العمل، مفعّلا في ذلك معارفه الخلفية، وما يقوم به العنوان، شديد الاختصار على الصعيد اللغوي، هو تحديد هذه المعارف الخلفية. ويؤكد "الوسم والأثر" على استقلال الوسم أنطولوجيا عما يسمه، والأثر عن حامله، أي استقلال العنوان عن نصه، رغم نسبته إلى عمله أو نسبة عمله إليه (9).
وبعد تقديمنا لهذه التعريفات بإمكاننا أن نقول إن العنوان هو كلام يضعه كاتب العمل للإشارة إلى العمل، ولأغراض أخرى أرادها له، وهي أغراض لا حصر لها، تتعلق بنوع العمل وبمقاصد الكاتب، وتأخذ القارئ المتلقي بعين الاعتبار. وهذا الكلام يحتل الفضاء التدويني المخصص للعنوان. فإن كان الحديث يدور عن عنوان قصيدة فإن هذا الفضاء هو ذلك المكان المفصول طباعيا بمسافة مائزة عن السطر الأول من النص. لكن يجب التنويه إلى أنه لا يشترط أن يكون عنوان القصيدة فوق النص، لأن بإمكانه أن يقع في صفحة منفردة تقع قبل النص، كما هو الحال، مثلا، مع عنوان قصيدة الجنابي "كلُّ هذا وليس" (10). الذي يقع في صفحة خاصة به قبل النص. وإذا كان الحديث يدور عن عنوان كتاب فإن الفضاء المخصص للعنوان يجب أن يكون صفحة كاملة.
2. كاتب العنوان وقارئه
إن وجود العنوان يفترض وجود مرسِل ومتلقٍّ لهذا العنوان، فيقول الجزار في هذا الصدد إن "كل عنوان هو "مرسلة" ("Massage") صادرة من "مرسل" (Address"") إلى "مرسل إليه" ("Addressee")" (11). وبما أن العنوان يعتبر كائنا موجودا بفضل كاتبه، الذي يصنعه بالاعتماد على عدة اعتبارات جدية، وبفضل قارئه، الذي ينتج معناه ودلالاته، فلقد وجدنا أنه من الضروري التحدث عن هذين العنصرين المنتجين للعنوان وعن كيفية إنتاجهما له.
أ) كاتب العنوان
إن اعتبار كاتب العنوان هو ذاته كاتب النص يبدو وأنه أمر مُسَلَّم به في الأدب الحديث. ويجدر بنا أن ننبه هنا إلى أن الأمر لم يكن دائما كذلك، فقبل ظهور الطباعة كانت مسؤولية وضع عنوان للعمل الفني تقع على عاتق المفسرين أو المحررين، ومع ظهور الطباعة أصبح الكاتب نفسه مسؤولا عن وضع عنوان لعمله (12).
ويؤكد الباحثون آدمس، ليفينستون (Levenston) وليفينسون (Levinson) على أن العنوان الحقيقي هو ذلك العنوان الأصلي الذي اختاره كاتب النص نفسه، وذلك لأن هذا العنوان هو الوحيد الذي يضيف معاني إلى النص ويرشد القارئ في عملية التأويل (13). وينبه الباحث شاوكروس (Shawcross) إلى أن وضع عنوان لقصيدة لم يعنونها الشاعر نفسه يعتبر أمرا في غاية الخطورة، لأن العنوان الموضوع قد يؤدي إلى تضليل القارئ في عملية القراءة وجعله يقرأ النص قراءة غير كاملة (14).
ونعتقد أن التأكيد على أصالة العنوان هو أمر لا بد منه، وذلك لأن العنوان الذي يضعه الكاتب لعمله، آخذا بعين الاعتبار عدة عوامل يراها هامة، هو الوحيد الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من عملية الإبداع الفني للعمل. أما عدا ذلك من العناوين، والتي يضعها أشخاص آخرون، فإنها تعتبر مجرد اقتراحات عناوين، تنبع من تأويل أصحابها للعمل، لكنها ليست عناوين تستحق عناية الباحث أو القارئ.
وبما أن صانع العنوان الحقيقي هو كاتب النص نفسه، يهمنا أن نعالج السؤال الآتي: كيف يصنع الكاتب عنوانا لنصه؟
إن الأبحاث التي تطرقت إلى هذه القضية لم تعالج طريقة صنع الكاتب للعنوان بشكل واسع أو مفصل، إنما بشكل جزئي أو حتى هامشي، من خلال إبداء بعض الملاحظات هنا وهناك. لكن مع هذا، فلقد لاحظنا أن غالبية هذه الأبحاث تفترض فرضية مماثلة فيما يخص هذه المسألة، وهي أن العنوان يُصنع ويضاف إلى العمل بعد الانتهاء من تأليف هذا العمل (15). انطلاقا من هذه الفرضية، يمكننا أن نقول إن الكاتب يختار العنوان ونصب عينيه اعتبارات جدية، فهو يتفكر بعمق في عناصر ومركبات متعددة داخل النص نفسه، وعلى أساسها يضع العنوان.
وعندما أردنا التحقق إذا ما كانت هذه الفرضية منطبقة على الشاعر عبد القادر الجنابي قمنا بتوجيه سؤال له حول الطريقة التي يتبعها في كتابة عنوان للقصيدة. وكان من ضمن ما أجابه بأنه يكتب القصيدة أولا، وبعد أن ينتهي من كتابتها يقوم بتحليلها من خلال طرح عدة أسئلة على نفسه، وبناء على مقصديته وما يفضله يعثر لها على "العنوان اللازم". كما فهمنا من إجابته أن كتابة العنوان عنده تعد مرحلة مضاهية لعملية كتابة النص نفسه، بل قد تفوقها صعوبة وإشكالا.
ب) قارئ العنوان
يجدر بنا في هذا الموضع أن نحدد هوية قارئ العنوان بالرغم من أن هذا قد يبدو للبعض أمرا مفروغا منه، خاصة للذي يعتقد بأن قارئ العنوان هو الذي يقرأ العنوان فقط، متناسيا أن قارئ العنوان الحقيقي هو قارئ العنوان والنص معا. ولتوضيح مقصدنا نبتغي الإتيان بأقوال جينيت فيما يخص متلقي العنوان ومن ثم التعليق عليها.
إن جينيت يميز بين متلقي عنوان الكتاب ومتلقي الكتاب نفسه. فمتلقي العنوان عنده هو الجمهور (the public)، والجمهور هو ليس مجموع القراء، وإنما يتألف من مجموعة من الأفراد يفوق عددهم مجموع القراء، وذلك لأنه يشمل أناسا يعملون من أجل الكتاب، لكنهم لا يقرؤونه بالضرورة، أو لا يقرؤونه كاملا، كأولئك الذين يسهمون بنشره وتلقيه، مثل المحرر، وكلاء المبيعات، بائعي الكتب، النقاد وغيرهم. وهذا يعني أن نص الكتاب غير مرسل إليهم بالضرورة، ووظيفتهم تقتصر على جعل القراء يقرؤونه. كما يشمل الجمهور مجموعة إضافية كبيرة جدا، وهي مجموعة الزبائن الذين لا يقرؤون الكتاب الذي يبتاعونه، أو يقرؤونه بشكل جزئي. أما قارئ الكتاب الذي يستهدفه الكاتب هو ذلك الشخص الذي يقرأ نص الكتاب قراءة تامة. ويخلص جينيت في نهاية حديثه عن هذه القضية إلى القول بأن العنوان يرسل نفسه إلى عدد من الأشخاص يفوق عدد الأشخاص الذي يرسل النص نفسه إليه. وإذا كان النص عبارة عن غرض للقراءة، فإن العنوان، كاسم الكاتب، عبارة عن غرض للإحاطة والاتصال (16).
وباعتقادنا، عندما يعتبر جينيت أشخاصا لا يقرؤون النص بتاتا، أو يقرؤونه بشكل جزئي، متلقين للعنوان فإنه بهذا يتجاهل كون العنوان في الأدب جزءا لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب للعمل وبؤرة يركز فيها مقاصده واهتماماته بناء على تحليله للعمل كما أسلفنا عند حديثنا عن الفرضية المذكورة. فتلقي العنوان دون قراءة النص بشكل تام يعتبر تلقيا قاصرا. وبناء على ذلك، فإن قارئ العنوان أو متلقيه الفعلي، هو ليس مجرد متلق يمر على هذا العنوان مرورا سريعا دون قراءة النص، وإنما هو ذلك الشخص الذي يقرأ العنوان قراءة تامة، وهذه القراءة التامة تكون من خلال قراءة العنوان وقراءة النص كاملا وبحث العلاقة بينهما.
وما يؤكد على كون قارئ العنوان الحقيقي هو نفسه قارئ العنوان والنص هو تحديد شروط يجب أن تتوفر في هذا القارئ عند معالجته لعنوان النص الأدبي، تتعلق بالعنوان والنص في الوقت نفسه. ولقد تحدث الباحث طه عن هذه الشروط عند معالجته لعنوان ديوان الشاعر محمود درويش (ولد 1941) "لماذا تركت الحصان وحيدا"، وهي كالآتي: 1) "أن يكون القارئ مزودا بمعرفة قبل ـ نصيّة (pre-textual knowledge) وبمعلومات من حقول متنوعة، وقادرا على تشغيل هذه المادة المتراكمة" 2) "أن يمتلك القارئ مقدرة تحليلية لغرض التنقل ما بين العنوان والنص اتباعا لمقتضيات عملية القراءة والتأويل" 3) "أن يكون القارئ متضلعا في نتاج الكاتب العام حتى يتمكن من رسم استنتاجات عامة" (17). ومن هذه الشروط (وبخاصة من الشرطين الثاني والثالث) نرى أن قارئ عنوان النتاج الأدبي لا يستطيع أن يتنصل من النص نفسه، أو حتى من نصوص أخرى تدخل في إطار نتاج الكاتب العام. كما تؤكد هذه الشروط على اعتبار العنوان موضعا للقراءة والتأويل كالنص نفسه، وليس مجرد غرض للاتصال، كاسم الكاتب، كما قال جينيت.
وبعد أن حددنا هوية قارئ العنوان يجدر بنا أن نتطرق إلى عملية قراءته للعنوان. إن موقع العنوان في مكان قبل النص، يؤدي إلى اعتباره مقدِّما للعمل (18)، وهذا بالتالي يفترض قارئا يُقدَّم إليه هذا العمل. وهذا القارئ يتوجه إلى العنوان ليقرأه قبل النص، بسبب موقعه، ويؤثر العنوان في القارئ في هذه المرحلة، من خلال تفعيل معارفه الخلفية وتركيزها وتحديدها باتجاهه. فيطرح القارئ عدة تأويلات للعنوان بالاعتماد على معارفه الخلفية، ومن ثم يتوجه إلى النص وفي ذهنه قد علقت هذه التأويلات، التي قد تنتفي أو تتعزز عند قراءة النص. وقارئ العنوان يسعى بشكل دائب إلى التوصل إلى معنى العنوان ودلالاته داخل طبقات النص العميقة، هذا إذا كان العنوان يتطلب من القارئ بذل مثل هذا السعي، ولا يكشف عن معناه بسهولة.
3. أهمية العنوان في العمل الأدبي
على الرغم من أن العنوان نص مختصر مقلص فإنه يلعب دورا هاما وحاسما في الأعمال الأدبية خاصة وفي الأعمال الفنية عامة (19). فهو، كما ذكرنا، جزء لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب للعمل، كما أنه يلعب دورا مركزيا في عملية إنتاج القارئ لمعنى العمل ودلالاته، ويقوم بوظائف متعددة ومتنوعة. وتبرز أهمية العنوان في الأدب الحديث بصورة عامة وفي الشعر الحديث بصورة خاصة، اللذين لم يعد فيهما العنوان مجرد مرشد للعمل، يمر عليه القارئ مرورا سريعا متوجها إلى النص، وإنما أصبح جزءا من المبنى الاستراتيجي للنص (20). ويعزو العلاق ازدياد الوعي بأهمية العنوان إلى كون علاقته بالنص أصبحت بالغة التعقيد وإلى امتلاكه طاقة توجيهية (21). وتنبه فيري إلى أن موقع العنوان فوق النص يمنحه سلطة، لأنه يخبر القارئ الذي لم يقرأ النص شيئا ما عن هذا النص (22).
وتزداد أهمية العنوان، سواء في النثر أو في الشعر، خلال قراءة النص، وذلك لأن القارئ يتوجه إلى النص وقد علقت في ذهنه إيحاءات العنوان ورموزه، وهو يقوم بربط كل هذا بما يلاقيه أثناء عملية قراءة النص وتأويله. وإذا كان الحديث يدور عن قصيدة بشكل خاص، فإن العنوان يتخذ أهمية أكبر بعد قراءتها، لاتخاذه طبقات من المعنى أكثر عمقا في سياق ثيمات القصيدة المتعددة، هذا بالإضافة إلى أن العنوان في حالات كثيرة يمكنه إعادة خلق قطعة أدبية ما (23).
لقد بذل الفنانون في الأدب الغربي في القرن التاسع عشر جهودا جمة في اختيار العنوان. وعلى الرغم من هذا فقد وجدت قصائد غير معنونة، لكنها تمكنت من أن تصمد مع عدم وجود عناوين لها. ويرى كلمان (Kellman) أن هذا الأمر يدل على أن العناوين كانت أمورا بالإمكان الاستغناء عنها في التجربة الجمالية (24). ونطرح سؤالا لا بد منه في هذا السياق: هل يقوم العنوان في الأدب الحديث بدور هام إلى درجة لا يمكننا معها اعتبار عمل أدبي ما، كالقصيدة، قصيدة لأنه لا يحمل عنوانا؟ إن هولاندر (Hollander) وفايسمن (וייסמן) لا يوافقان على عدم اعتبار لوحة ما لوحة، أو قصيدة ما قصيدة، لأنها لا تحوي عنوانا. وتضيف فايسمن إلى هذا، وبشكل أكثر مباشرة من هولاندر، بأنه يمكن للأعمال سواء كانت أدبية أو غير أدبية أن تصمد دون وجود عناوين لها. كما ينبه هذان الباحثان إلى أن العناوين برزت كغرض ضروري في نقطة تاريخية معينة ووفقا لعادة العنونة التي بدأت تسود، ولهذا السبب سعى الكتّاب بشكل دائب إلى وضع عناوين لأعمالهم (25).
ولا بد أن نشير إلى أن وجود قصائد غير معنونة ليس مقصورا على أدب القرون الوسطى أو القرن التاسع عشر، وذلك لأننا نعثر في عصرنا الحالي على قصائد حديثة غير معنونة، وهي بنظرنا قصائد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. ولنأخذ مثالا على ذلك القصيدة التالية للشاعرة السريالية جويس منصور (1928-1986)، والتي هي بضمن أربعين قصيدة، ترجمها عن الفرنسية الشاعر عبد القادر الجنابي:
في الليل شحّاذة أنا في وطن الدماغ
نفسي متمددة فوق قمرٍ من الأسمنت
تتنفسُ وقد روّضتها الريحُ
وموسيقى أنصاف المجانين
الذين يمضغون شعير المعدن القمري
الذين يطيرون ويطيرون ثم يسقطون على رأسي
بكلّ قواهم
ذا أنا أرقص رقصة الفراغ
أرقص فوق ثلوج التعاظم البيضاء
وأنت خلف نافذتك المحلاة بسكر الغيظ
تلطّخ فراشك بالأحلام انتظارًا لي (26)
ويستطيع قائل أن يقول بأنه لو حوت هذه القصيدة عنوانا لربما كانت ستبدو أجمل أو أغنى معنى أو أكثر إيحاء. ربما! لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال عدم اعتبارها قصيدة لأنها لا تحمل عنوانا. فكلماتها تحوي طاقة شعرية هائلة، تتجلى في الصور الشعرية المبتكرة الموجودة على طول القصيدة. ويجدر بنا أن ننبه إلى أن هناك قصائد من قصائد الشاعرة الأربعين تحوي عناوين، مما يدلنا على أن الشاعرة واعية لقضية العنونة. وفوق ذلك إن هذا يدلنا على أن وضع عنوان للنص في الشعر الحديث أو عدم وضعه لا يتعلق على الغالب بوعي الشاعر لقضية العنونة، وإنما برغبته واختياره الشخصي.
4. خصائص العنوان في الأدب
سنشير في هذا القسم إلى خصائص عامة للعنوان الأدبي، تشترك فيها كافة الفنون الأدبية. لكن هذا لن يمنعنا من التطرق بعض الشيء إلى ميزات خاصة بالعنوان الشعري، مع العلم بأن كافة الخصائص العامة التي سنتعرض لها متوفرة في العنوان الشعري بشكل ملحوظ. وسنقدم فيما يأتي هذه الخصائص من خلال النقاط الآتية:
* إن العنوان في الأدب، بخلاف الفنون الأخرى، كالرسم، النحت والموسيقى، مصنوع من مادة العمل الأدبي، ألا وهي اللغة، التي تلعب دور الوسيط بينه وبين النص.
* إن العنوان، وبالأخص عنوان القصيدة، يعمل كنوع من الإطار الذي يحيط اللوحة مع أنه مصنوع من الكلمات. وهذا ينبع من كونه مفصولا طباعيا عن النص بمسافة مائزة، تجعله يرسم حدود هذا النص ويؤثر في شكله (27).
* قد يعتبر العنوان بداية النص، أو شكلا من أشكال البداية (28)، وذلك لأن عملية القراءة تبدأ من خلاله، وهو يشترك مع بداية النص في كونه الأكثر تأثيرا في خلق الانطباع الأولي لدى القارئ (29). لكن يجب التنبيه إلى أن العنوان عادة أقصر من البداية وأبعد منها عن جسد النص، كما أنه يقدم إيحاءات أكثر مما يقدم معنى محددا، ولذا يفترض أن يزودنا بمعلومات أقل من تلك التي تزودنا بها البداية.
* إن العنوان نص موجز مختصر، شديد الافتقار، وبخيل بالمعطيات، ومحدد من ناحية دلالية وكمية (30). وهذه الخصيصة تعتبر هامة جدا، وذلك لأن كون العنوان يمثل أعلى اقتصاد لغوي ممكن من شأنه أن يجعل المتلقي فعالا بشكل كبير في عملية تلقيه للعنوان. وهذه الفعالية تتجلى في السعي الدائب من أجل البحث عن دلالات العنوان من خارج النص، وعن تفاصيل كاملة من داخله، وحين يدخل القارئ العمل فإن الدلالات التي استقاها من خارج النص تأخذ بالتحدد (31).
* إن كون العنوان الأدبي فقيرا على مستوى الدلائل من الممكن أن يجعل منه في أحايين كثيرة عنوانا غامضا، وقد يتلاشى هذا الغموض فور قراءة النص وقد يتضاعف. فهذا الأمر يتعلق بإرادة الكاتب صانع العنوان. ويجدر بنا في هذا الصدد أن نأتي بقول ليسنغ (Lessing)، الذي يسوقه أدورنو (Adorno) في كتابه، وهو أن "العنوان لا يجب أن يكون مثل قائمة الطعام، فكلما أفشى هذا العنوان بمحتوياته أقل كلما كان أفضل" (32).
* يذكر الجزار في كتابه بأن العنوان محروم من السياق اللغوي، فلا يمكن أن نجد فيه سياقا خارجيا يجمع ما بين كاتب العمل وقارئه في زمكانية واحدة، أو وضعا تخابريا مباشرا كما في الحديث الكلامي (33). ويعزو الجزار هذا إلى عدم ارتباط العنوان بشكل مباشر بأي تركيب كان، على الرغم من العلاقة الوظيفية بينه وبين عمله، والتي تحدد وتنظم دلالاته التي تثار عند قراءتنا له قبل قراءة النص، وبينه وبين نصوص خارجية مكتوبة أو محكية. ويضيف الجزار إلى ذلك بأن غياب السياق يجعل العنوان منفتحا بشكل كبير على احتمالات تأويلية مختلفة ومتعددة، ويزيد من حرية المستقبل في تلقيه، كما ويجعل منه ضرورة كتابية، تعوض عن سياق الموقف في الاتصال الشفاهي (34).
* لقد عالج عدد من الباحثين مسألة اعتبار العنوان اسما، له تأثير كتأثير الاسم الشخصي. وهذا النقاش نبع من كون العنوان يشير إلى العمل ويعيّنه كالاسم الشخصي الذي يعيّن المرء. فيعتبر ديريدا (Derrida) العنوان ذا صيغة اسمية حتى لو لم يكن اسما من ناحية نحوية (35). ومع أن فيشر (Fisher) يشير هو الآخر إلى أن العناوين تعتبر أسماء، لأنها تشير إلى شيء نود أن نعود إليه باستمرار، فإنه ينبه إلى أن العناوين هي ليست مجرد أسماء وضعت لغرض التعيين فحسب، وإنما هي أسماء وضعت لغرض الإرشاد في عملية تأويل العمل الفني (36). وينتقد آدمس فيشر على اعتباره العناوين أسماء ترشد للتأويل، قائلا بأن أي شيء في العمل الفني يمكن أن يعمل كمرشد للتأويل، وعليه فإن فيشر لا يفرق بين العناوين وأجزاء أخرى من العمل (37). وبخلاف فيشر، يعتبر آدمس العنوان موضوعا للتأويل، خاصة في الأعمال المعاصرة التي كثيرا ما يلعب العمل فيها دور المرشد لتأويل العنوان وليس العكس (38). ويؤكد يحياوي رأي آدمس من خلال قوله إن من "المزالق أن نكتفي باعتبار العنوان عتبة للنص. لماذا لا نقول مثلا إن النص هو مناص العنوان؟" (39).
* إن تراكيب العنوان النحوية لا يحدها أي شرط مسبق. ويقول الجزار في هذا الخصوص: "إن إمكانات التراكيب التي تقدمها اللغة كافة قابلة لتشكيل العنوان دون أي محظورات، فيكون "كلمة" و"مركبا وصفيا" و"مركبا إضافيا" كما قد يكون "جملة" فعلية أو اسمية وأيضا قد يكون أكثر من جملة" (40). وبإيجاز، فإن تراكيب العنوان تعتبر لا نهائية، مما يمنح الكاتب حرية واسعة في اختيار التركيب الذي يفضله. وفوق هذا، لا يمكننا أن نفضل تركيبا نحويا على آخر في العنوان، لأن كل تركيب وضعه الكاتب، من الكلمة إلى الجملة الكاملة، يخدم أغراضا معيّنة أرادها له. وإن هذا التكافؤ في تراكيب العنوان المتنوعة والمختلفة يدلنا، كما يقول الجزار، على أن فائدة العنوان تعتمد في الأساس على وظيفته الإحالية إلى ما يعنونه، أي على المعلومات التي يحويها، والتي تمكّن القارئ من التعرف على النص (41). لكن على الرغم من هذا، فإن تركيب العنوان النحوي لا يعتبر أمرا شكليا، لأنه يؤثر في معنى العنوان. فمثلا، إن استخدام الشاعر جملة اسمية في العنوان، لا فعلية، قد يعني أنه يريد التحدث عن شيء ثابت، يتجاوز حدود الزمن. وسوف نرى في هذه الدراسة كيفية تأثير تركيب العنوان النحوي في معنى العنوان ودلالاته.
5. أصناف العناوين
إن الأبحاث تصنف العناوين من حيث دلالاتها وعلاقتها بمضمون النصوص التي تحملها إلى أصناف كثيرة ومتعددة. ويمكننا تقسيم هذه الأصناف إلى مجموعتين أساسيتين: المجموعة الأولى هي مجموعة العناوين المؤشِّرة، والمجموعة الثانية هي مجموعة العناوين الدلاليّة. وننوي فيما يلي تقديم الأصناف التي تدخل في إطار كل مجموعة من المجموعتين مع إيراد شرح لكل منها.
أ) العناوين المؤشِّرة
هذه العناوين تشبه الاسم الذي ندعو به غرضا أو إنسانا، وهدفها الأساسي هو مساعدة القارئ على إيجاد العمل المطلوب في فهرس الكتاب، وتمييز هذا العمل عن أعمال أخرى (42). كما تكون هذه العناوين قصيرة بصورة عامة، بحيث تتألف من كلمة أو عبارة، وتعرض الموضوع المعالج بشكل موضوعي وحيادي، دون الإفصاح عن رسالة النص (43). وتضيف باروخ وبروخطمان إلى ذلك بأنه إن تواجد هذا الصنف من العناوين في الشعر، فإنه يترك القصيدة مفتوحة، ولا يثير توقعات القارئ، ومن ثم تقسمانه إلى الأقسام الثلاثة الآتية (44):
* "عناوين عبارة عن أرقام عددية أو ترتيبية ("القصيدة الأولى"، "القصيدة الأخيرة")، أو عناوين ذات صلة بمكان الكتابة، أو بتاريخ معيّن، لكن لا توجد لها أية علاقة بما يقال في العمل نفسه".
"العناوين التي تعتمد على الكلمة الأولى أو القريبة من الأولى أو على مجموعة الكلمات الأولى من العمل".
* "إشارة نجمة أو ثلاث نجمات توضع في رأس العمل".
تعلق الباحثتان على هذه العناوين قائلتين بأنه قد يظن القارئ أن النوعين الأول والثاني يشيران إلى مضمون القصيدة أو جودتها، وذلك لأن القارئ يميل إلى الافتراض بأن العنوان غير اعتباطي، وإنما هو حكم خفي يطلقه الشاعر على قصيدته. فمثلا، إن العنوان "القصيدة الأولى" قد يُفسَّر بأن القصيدة هي أفضل أو أهم قصيدة في المجموعة. وكذلك الأمر بالنسبة للعنوان الذي يتألف من مجموعة الكلمات الأولى من النص، فهذه الكلمات قد تُفسَّر بأنها الكلمات الأكثر مركزية، مما يجعل القارئ يبني توقعاته من القصيدة بالاستناد إليها، لكن بعد قراءته لهذه القصيدة يتضح له أن العنوان هو إرشادي فحسب (45). وهنا لا بد من التنبيه إلى أن هذا الأمر ليس صحيحا في كل الحالات، لأن هناك عناوين تبدو لنا مؤشرة لأنها عبارة عن تكرار لكلمات البداية، لكن بعد التعمق في قراءة النص يتضح لنا أن العنوان لا يهدف مجرد إلى الإشارة إلى النص، وإنما له هدف دلالي يتعلق بمضمون القصيدة. وهذا ما تؤكد عليه باروخ نفسها في موضع آخر، وفايسمن أيضا، وذلك حينما تقولان بأن هناك مجموعة من العناوين تبدو مؤشرة، لكن عند الوصول إلى نهاية القصيدة تظهر هذه العناوين كعناوين دلالية (46). أما كلمان فإنه يعتبر العناوين التي تكرر السطر الأول من النص عامة أجزاء من التجربة الجمالية (47). وهو بذلك يناقض فيري التي تقول بأنه عندما يُملأ فضاء العنوان باقتباس يكرر سطرا أو عبارة من النص، فإنه ليس للكلمات المقتبسة، خاصة إن كانت عبارة عن السطر الأول من النص أو الكلمات الأولى منه، مكانة العنوان. أما إن كانت الاقتباسات من أماكن أخرى من النص فإن الأمر يختلف، لأن هذه الكلمات تبدو على الأقل وكأنها تقول شيئا ما عن القصيدة (48). ونعتقد أن القول عن عنوان ما، يكرر الكلمات الأولى من النص، بأنه مؤشر أو دلالي يتعلق بمقاصد الكاتب التي يمكن الوقوف عليها خلال قراءة النص. أما النوع الثالث من العناوين المؤشرة فيعتبر بنظر باروخ وبروخطمان إشكاليا أكثر من سابقيه؛ إذ لا يمكنه الإشارة إلى النص أو التمييز بين نتاج وآخر، مما يعني أنه لا يستطيع القيام حتى بالوظيفة الإشارية (49).
ب) العناوين الدلاليّة
بالإضافة إلى كون هذه العناوين تقوم بالوظيفة الإشارية، فإنها تهدف أيضا إلى الإشارة إلى مضمون العمل الأدبي، كالقصيدة مثلا، وتوجيه ذهن القارئ إليه بطرق مختلفة (50). وسنتعرض فيما يلي لكل طريقة من هذه الطرق من خلال الحديث عن كل قسم من أقسام العنوان الدلالي الآتية:
* العنوان الاختصاري (הכותרת הממצה): وهو يلخص فكرة القصيدة المركزية، ويحوي بصورة عامة تلخيصا قصيرا للعمل من وجهة نظر الكاتب. وهذا العنوان يثير توقعات في القارئ، ومن ثم يقوم بتحقيقها. وإذا كان الحديث يدور عن عنوان قصيدة فيمكن القول بأنه كلما كانت الروابط بين تفاصيل القصيدة وهذا العنوان أكبر كلما ازدادت قوته الاختصارية. وفي مجال هذا الصنف من العناوين تدخل تلك العناوين التي تحوي أسماء مجردة أو محسوسة، يعتبرها الشاعر مركز القصيدة (51).
* العنوان الساخر (הכותרת האירונית): وهو يوجه توقعات القارئ لموضوع معيّن، إلا أن هذه التوقعات تكسر أثناء قراءة القصيدة (52).
* العنوان المتمِّم (הכותרת האינטגראלית): يعتبر هذا العنوان جزءا متمِّما للقصيدة، قد تتضرر بدونه، وقد لا تُفهم على الإطلاق، وذلك لأن هذا العنوان يحوي مركز هذه القصيدة. وغالبا ـ لكن ليس دائما ـ ما يلعب هذا العنوان دور افتتاحية القصيدة، وفي هذه الحالة نجد له ارتباطا مباشرا بالسطر الأول من النص، مما يجعله جزءا لا يتجزأ من القصيدة (53).
* العنوان المُحيط (הכותרת המקיפה): هذا العنوان يناسب عوامل مختلفة في القصة أو القصيدة، ونجد فيه بعض التعقيد، ينبع من عدم التزامه لمضمون النص. وهو عنوان تعميمي بدرجة كبيرة، بحيث يمكنه أن يخلق جهاز توقعات متنوعا ومتعدد الإمكانيات. وقد يكون ذا علاقة بتفاصيل مختلفة في النتاج، كما قد يوجه القارئ إلى موضوع معيّن، لكنه يمكّنه من تفسير الأمور بأشكال مختلفة (54). وتكون العناوين المحيطة، بصورة عامة، عبارة عن أسماء (على الغالب أسماء مجردة)، لا تلزم القارئ بأي تأويل، وذلك لأن هذه الأسماء لا تمتلك صفة معيّنة. ومثال ذلك العناوين: "أساطير"، "ندم" و"فشل" (55). وتتحدث فايسمن عن أربعة طرق يحيط بها العنوان نص القصيدة (56): أ) كلمة تلخص وضعا ما، وتكون بصورة عامة مجردة. مثال: "خطأ"، "كلمات"، "صورة" ب) أسماء عامة، مثلا: "صديق"، "شاعر"، "فتاة" ج) أسماء شخصية، توجهات وإهداءات. وهناك عناوين تربط الأحداث الحاصلة في النص بشخصية معيّنة. مثلا: "فرعون"، "إلى روبرت فروست" د) أسماء غامضة، كأسماء الإشارة والضمائر التي تدل على الغائب، وتؤدي إلى غموض العنوان.
* العنوان الاتجاهي (הכותרת המגמתית): وهو يشير إلى موقف الكاتب فيما يتعلق بموضوع معيّن، ويصاغ بقصد التأثير في رأي الجمهور وبلورته، وذلك من خلال الإقناع، النقد، التحذير، التشويق أو مساندة موقف معيّن (57). ويجدر بنا أن ننبه هنا إلى أن اتجاهية هذا العنوان قد تكون واضحة، غامضة أو واقعة ما بين الوضوح والغموض.
* العنوان المثير (הכותרת הפיקנטית): يهدف إلى جذب القارئ من خلال إبراز الجانب المسلي في النص، وذلك بواسطة استخدام التضاد أو التأكيد على أمر شاذ (58).
* العنوان الموجِّه (הכותרת המכוונת): وهو مفسر بعض الشيء، ويوجه القارئ. ويمكنه أن يعبر عن موقف، قصد أو ادعاء، أو يلخص مجموعة من الأفكار، أو يطرح سؤالا مبدئيا، أو يثير تداعيات. وهذا العنوان يدخل في إطار العناوين الواضحة في توصيل رسالة النص إلى القارئ (59).
* العنوان الإهدائي: وهو صنف معروف في الأدب، يُكرس لشرف شخص ما، قد تكون له أو لا تكون له علاقة بالنص (60).
وبعد أن قدمنا أحد عشر صنفا من أصناف العناوين (المؤشرة والدلالية)، أغلبها يرد في مراجع عبرية، تناولت أصناف العنوان في الأدب العبري عموما وفي الشعر العبري خصوصا، يجدر بنا أن ننتقل لنتحدث عن أصناف العناوين في الأعمال الفنية عامة (الأدب، الرسم والموسيقى)، التي عالجها ليفينسون في مقاله (61). ويجب التنبيه إلى أن قسما من هذه الأصناف يشترك مع بعض الأصناف السابقة في عدد من الميزات، ومع ذلك، فإننا أفردناه عنها مراعاة للدقة، ولوجود ميزات إضافية ومختلفة فيه.
إحدى النقاط التي يؤكد عليها ليفينسون في مقاله هي أنه لا يمكن أبدا أن يكون العنوان خاليا من القدرة الجمالية، التي بفضلها يمتلك قوة معيّنة ويسهم في عملية قراءة العمل (62). ويخوض ليفينسون في هذه القضية من خلال مناقشته لكيفية تأثير الأصناف السبعة الآتية في محتوى العمل (63):
العناوين المحايدة (neutral titles): وهي تشبه العناوين المؤشرة إلى حد ما، ويعتبرها ليفينسون أبسط أصناف العناوين، لكون اختيارها أوتوماتيكيا عادة، ولكونها تعد هامشية للعمل. وهذه العناوين هي عادة عبارة عن أسماء شخصيات، أغراض وأماكن، تظهر بشكل بارز في جسد العمل. مجموعة أخرى من العناوين المحايدة، والتي قد تتواجد في القصائد، هي تلك العناوين التي تكرر الأسطر الأولى من القصيدة. ومثل هذه العناوين لا يلعب دورا جوهريا على الإطلاق، ولا يغير شيئا في القصيدة، ولا يؤثر في محتوى النص، ويهدف فقط إلى منح العمل اسما، أو السير وفق عادة منح العمل عنوانا. لكن يجب التنبيه إلى أن ليفينسون لا يقصد بهذا أن يقول إن هذه العناوين لا تحوي قدرة جمالية ما، لأنه يوضح فيما بعد بأنه إن كان هناك اهتمام بمسألة العنونة فمن الضروري أن تمتلك هذه العناوين طاقة فنية.
العناوين المشدِّدة (underlining titles): وهذه العناوين، بخلاف السابقة، تعتبر عامة أو جوهرية، لأنها تضيف وزنا إضافيا على لب محتوى العمل، أو تشدد على موضوع يعتبر جزءا منه. كما أن هذه العناوين تشهد على أهمية المسمى، وتؤكد وتثبّت ما يقوله جسد النص بشكل مستقل. وهي بذلك تشبه إلى حد ما العناوين الاختصارية.
* العناوين المركّزة/ المبئّرة (focusing titles): وهذه العناوين تلعب دورا فنيا بشكل أكبر. فالعنوان منها ينتقي موضوعا واحدا من المواضيع الرئيسية التي تكوّن لب محتوى النص ويجعله قائدا للعمل. وحتى نتمكن من اعتبار هذا العنوان مركزا، لا مشددا، يجب أن يكون هناك غنى معيّن في محتوى العمل، يتجلى في وجود عنصرين أو أكثر في داخله يعتبران هامين، وما يفعله العنوان المركز هو اقتراح ثيمة من بين الثيمات المتنازعة وإعطاؤها مكانة مركزية في عملية تأويل العمل. وينبه ليفينسون إلى أن العناوين المركزة لا تقوم بهذه الأمور بشكل مطلق، وإنما بنسبة معينة.
* العناوين المقوِّضة (undermining/ opposing titles): وتشبه إلى حد ما العنوانين الساخر والجزئي. إن ظاهر مضمون هذه العناوين مضاد لما تقصده بالفعل، وهي تناقض التصريح المؤقت بتصريح يميل إلى الاتجاه المعاكس. وعندما تستخدم هذه العناوين في الأعمال المركبة والطويلة، كالروايات والأفلام، فإنها تعتبر ساخرة (ironic)، لأنها تعني عكس ما تصرّح به. وبعض العناوين المقوِّضة لا يستوعب على أنه ساخر، بل كمؤكد من خلال تقويضه على فكاهة، هزة معيّنة أو حيرة.
* العناوين المربِكة (mystifying titles): بدل أن تعزز هذه العناوين أو تحصر شيئا ما في جسد النص فإنها تنحرف تماما عن هذا الشيء. هذا الصنف من العناوين يعتبر الحيلة المفضلة عند الدادائيين والسرياليين. ومثال ذلك عناوين بعض اللوحات السريالية التي لا توجد بينها وبين اللوحة التي تحملها علاقة واضحة، وتدفع المتأمل إلى اكتشاف أو اختراع صلة بينها وبين هذه اللوحة.
* العناوين غير الملبِسة (disambiguating titles): وهي تشبه إلى حد ما العناوين المتممة. فهذا الصنف من العناوين يقوم بتحديد محتوى العمل بشكل أكبر مما كان عليه إن كان هذا العمل يبدو غامضا، ودون مساعدة هذه العناوين يبدو العمل طلسما.
* العناوين التلميحية (allusive titles): تتبع هذه العناوين بشكل غير مباشر لأعمال أخرى، لفنانين آخرين، لأحداث تاريخية وغير ذلك، فهي تربط العمل بأمور خارجية محددة. وبإمكان هذه العناوين أن تعمل على محتوى النص بالطرق الستة المذكورة، فتستطيع أن تشدّد، تبئّر، تقوّض وتخصّص محتوى العمل. وإن علاقة العنوان بأمور من خارج العمل تمنحه أهمية فنية معتبرة.
6. وظائف العناوين
إن الأبحاث حددت وظائف مختلفة للعناوين، وينبه يحياوي إلى أن التوصل إلى هذه الوظائف ليس بالأمر اليسير في مجال الإبداع، وذلك لأن العلاقة بين العنوان والنص معقدة جدا (64). لكننا نعتقد أن مسألة التعقيد في العلاقة بين العنوان والنص ليست متحققة في كل الحالات، لأن هناك تفاوتا فيما يخص هذه المسألة بين الشعراء أنفسهم، وبين عناوين لنفس الشاعر حتى. وهذا التفاوت يبرر لنا تنوع وظائف العناوين، الذي يتجلى في وجود وظائف بسيطة، ووظائف أكثر تركيبا، ووظائف معقدة للغاية ولا تكتشف بسهولة. كما علينا أن نشير إلى أننا قد نجد للعنوان الواحد أكثر من وظيفة، وهذا ما يحدث في الغالب.
قلة قليلة من الأبحاث عالجت موضوع وظائف العنوان رغم أهميته، ومن الذين عالجوا هذا الموضوع بشكل مركّز هو جينيت. فيذكر هذا الباحث أن الباحثين شارلز وهوك ( Charles & Hoek) حددا ثلاث وظائف للعنوان هي: 1) تعيين العمل 2) تعيين محتوى العمل 3) جذب الجمهور. ويبدي جينيت ملاحظاته حول هذه الوظائف قائلا، أولا: بأنه لا يشترط توفرها في العنوان في آن واحد، إلا أنه ينبه إلى أن الوظيفة الأولى هي وظيفة إلزامية، بخلاف الوظيفتين الثانية والثالثة، اللتين تعتبران بنظره وظيفتين إضافيتين؛ وثانيا: إن هذه الوظائف الثلاث غير متعلقة ببعضها البعض؛ وثالثا: إن الوظيفة الأولى لا تتحقق بشكل قاطع، وذلك لأن هناك كتبا كثيرة تشترك في عناوين متطابقة اللفظ، ولذا لا يمكن بناء عليها الفصل بين عمل وآخر؛ ورابعا: إذا كان في الوظيفة التعيينية نقص أحيانا فيمكن مناقشة الوظيفتين المتبقيتين، لأن العلاقة بين العنوان وبين معنى النص العام هي علاقة متغيرة بصورة ملحوظة، تبدأ من التعيين الأكثر مباشرة وتصل إلى العلاقات الرمزية الأكثر غموضا، التي تتطلب من القارئ بذل جهد في التأويل (65). وبعد هذا، يقترح جينيت تقسيما لوظائف العنوان يختلف بعض الشيء عن التقسيم الآنف، بحيث يتضمن الوظائف الأربع الآتية:
* الوظيفة التعيينية (designation): بموجب هذه الوظيفة يعيّن العنوان النص ويشخصه، فهو اسم الكتاب، ويستخدم ليسمي هذا الكتاب، وهذا يعني تعيينه بدقة قدر الإمكان، دون وجود خطر الفوضى أو الاضطراب. ويذكر جينيت أنه بإمكان هذه الوظيفة أن تعمل دون وجود الوظائف الأخرى، ويؤكد مجددا على أنها أهم وظيفة للعنوان (66).
وبالإضافة إلى كون هذه الوظيفة أهم وظيفة للعنوان، فإنها تعد أبسط وظيفة يقوم بها؛ إذ أنها لا تخوض في إشكاليات علاقة العنوان بالنص.
* الوظيفة الوصفية (descriptive): وبموجبها يصف العنوان النص من خلال إحدى ميزاته، وتقسم إلى قسمين:
أ) وظيفة يصف العنوان بموجبها موضوع النص، ويتعلق به بعدة طرق. وتدعى العناوين التي تقوم بها بالعناوين الثيماتية (thematic titles). إن هذه العناوين تولي الموضوع الذي يتناوله العمل اهتماما، وهي تصف هذا الموضوع بموجب طرق متعددة، يتطلب كل منها تحليلا دلاليا معيّنا. فهناك عناوين أدبية تعيّن الموضوع المركزي أو الغرض المركزي في العمل دون تمويه أو استخدام المجاز. وهناك عناوين ترتبط بالغرض المركزي بطريقة أقل وضوحا، من خلال استخدام المجاز والكناية. ونوع ثالث هو النوع الاستعاري الذي يعمل وفق نظام رمزي. ونوع رابع يعمل من خلال أسلوب التهكم أو السخرية، إما بسبب كون العنوان مضادا للعمل، أو لعدم وجود صلة بينه وبين موضوع النص، كما هو الحال مع غالبية العناوين السريالية. ويضيف جينيت إلى ذلك بأن العلاقة الثيماتية بين هذه العناوين والنصوص التابعة لها يمكن أن تكون غامضة أو مفتوحة للتأويل (67).
ب) الوظيفة التي يصف العنوان بموجبها الجنس الأدبي للنص. وتدعى العناوين التي تقوم بهذه الوظيفة بالعناوين الريماتية (rhematic titles). إن هذه العناوين برزت في الشعر من خلال دواوين ذات عناوين دالة على الجنس الأدبي، كالعناوين: "قصائد غنائية" ("Odes")، "مرثيات" ("Elegies")، "قصائد" ("Poems") وغيرها. لكن هناك عناوين، وهي أقل كلاسيكية، تحدد الجنس الأدبي للعمل بشكل مبتكر أكثر أو بشكل غامض (68)، مما يدل على أن هذه الوظيفة لا تكون واضحة أو مباشرة في كل الحالات.
ويشير جينيت في نهاية حديثه عن قسمي هذه الوظيفة إلى وجود عناوين تحوي عناصر من القسمين، فتبدأ بتعيين جنس العمل، ومن ثم تحدد موضوعه (69).
* الوظيفة الإيحائية: هناك عناوين لها إيحاءات تاريخية، أو إيحاءات خاصة بالجنس الأدبي، كاستخدام اسم البطل وحده في التراجيديا واسم شخصية واحدة في الكوميديا، أو استخدام المقطع "ad" في نهاية العناوين الملحمية الطويلة، كالإلياذة"Iliad" . ولهذه العناوين الأخيرة إيحاءات ثيماتية من خلال استخدام الاسم، وإيحاءات ريماتية من خلال استخدام المقطع الإضافي "ad" (70).
* إغواء القارئ وإثارة فضوله: ويأتي جينيت بآراء بعض الباحثين بصدد هذه الوظيفة، مثل رأي ليسنغ الذي ذكرناه آنفا، والذي ينص على أنه كلما كان كشف العنوان للمحتويات أقل كلما كان أفضل، ورأي إيكو (Eco)، الذي ورد فيه أنه على العنوان أن "يشبك ما بين الأفكار وألا يجسر بينها" (71). وكل هذا يعني أن العنوان يغوي القارئ بواسطة ميزة الغموض.
لكن يجب أن ننبه هنا إلى أن جعل العنوان غامضا لا يُعد الطريقة الوحيدة لإغواء القارئ، لأنه يمكن أن يغوي العنوان القارئ بواسطة موضوع يحويه أيضا، أو بواسطة استخدام حيلة نحوية، كتلك العناوين المبنية بصيغة سؤال، أو تلك العناوين المبنية على شكل جملة مقطوعة تلح على القارئ بأن يتممها (72).
وبالإضافة إلى الوظائف الأربع المذكورة، عثرنا على وظائف أخرى، ترد في بعض المراجع، ومنها:
* تمثيل النص: يذكر طه في مقاله بأنه يمكن لكل عنوان أدبي أن يحوي بعدا تمثيليا، بالإضافة إلى البعدين التلخيصي والتركيزي. ولقد تعرض إلى هذه الوظيفة خلال معالجته لعنوان ديوان الشاعر محمود درويش لماذا تركت الحصان وحيدا، بحيث وجد أنه يحوي قوة تمثليه تنبع من قدرته على تمثيل كل قصائد المجموعة من ناحية دلالية (73). وعلى الرغم من أن كل عنوان أدبي يقوم بتمثيل النص بنسبة معيّنة، فإن هذه الوظيفة تبدو أكثر أهمية إن تعلقت بعنوان ديوان كامل، لأن القارئ يتوقع دائما أن يجد عناصر عنوان الديوان مبعثرة في قصائده.
* إطلاق حكم بشكل سري: قد نجد العنوان في بعض الأحيان يصرح بوجهة نظر الكاتب، كما قد تكون كلمات العنوان هي الملاحظات المباشرة الوحيدة التي يحصل عليها القارئ من الكاتب (74).
* الوظيفة الميتا ـ نصية: إن كل عنوان، سواء كان أدبيا أو غير أدبي، يرتبط بالنص الذي تحته برابط ما، يتجلى في قول العنوان شيئا ما عن جسد النص، أحيانا بصورة واضحة وأحيانا أخرى بصورة رمزية غير واضحة. وبناء على ذلك، فإن العنوان يقوم بوظيفة ميتا ـ نصية لأنه عبارة عن ميتا ـ نص يتعلق بالنص الأوسع (75).
7. مكانة العنوان كوحدة نصية
إن مكانة العنوان كوحدة نصية تتناول مدى ارتباط العنوان وتعلقه بالنص التابع له ومدى استقلاله عنه. فيطرح دائما السؤال الآتي: أيُعتبر العنوان جزءا لا يتجزأ من التجربة الجمالية أم جزءا قائما بحد ذاته، له مكانته المستقلة عن النص الذي يحمله؟ (76) ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الأمر يتعلق بنوعية الفن المتحدث عنه، وبنوعية العنوان نفسه إذا كان الحديث يدور عن الفنون الأدبية. ففي فنون، كالرسم، النحت والموسيقى نجد العنوان مصنوعا من مادة مخالفة لمادة العمل، الأمر الذي يمنحه مكانة مستقلة عن العمل. أما في الفنون المكتوبة، كالشعر، والتي يصنع فيها العنوان من مادة العمل نفسها، فإن استقلالية العنوان أبدا لن تكون تامة مهما تحققت؛ فدائما يرتبط العنوان على نحو ما بالنص، حتى ولو بجزء ضئيل منه، قد يصل في ضآلته إلى جملة واحدة (77). لكن يجب التنبيه إلى أن هذا الارتباط متحقق طالما أن العنوان مصنوع بشكل واع، وله أهداف جمالية. وبعبارة أخرى، إن كان العنوان مؤشرا فإنه يعتبر مستقلا عن النص لعدم وجود علاقة ضرورية تربطه بمضمون النص. أما إن كان العنوان دلاليا فمن الضروري أن يتعلق بوجه ما بالنص. هذا مع العلم بأن العناوين الدلالية تتفاوت فيما بينها في مدى ارتباطها بالنص واستقلالها عنه. فعلى سبيل المثال، يعتبر العنوان المحيط أقل ارتباطا بالنص من العنوان المتمم القريب جدا من النص، والذي يكاد يعتبر جزءا منه. لكن مهما بلغت درجة ارتباط العنوان الأدبي بالنص فإنه يظل مستقلا عنه طباعيا لوجود مسافة ما تفصله عن جسد النص. وهذا الأمر يجر وراءه أمورا أخرى؛ فكون العنوان مفصولا عن العمل طباعيا، يجعل القارئ يتوجه إليه كنص مستقل إلى حد ما، فيبدأ بتحليله من خلال طرح عدة تأويلات له، لكنها بالطبع تعتبر تأويلات ناقصة وقاصرة، وقد تتعزز أو تنتفي عندما يتخطى القارئ العنوان متوجها إلى النص.
الهوامش
(1) الترئيسة أو الترويسة وهذه مقابل عربي قريب لكلمة “Heading” الإنجليزية أي "الكلام الذي يقف على رأس..."، والتي تترجمها المعاجم إلى العربية عنوانا. ولقد فضلنا عدم استخدام كلمة "عنوان" هنا حتى لا يظن القارئ أن المقصود هو كلمة “title”، التي ترجمناها عنوانا.
(2) Adams, H. 1987. "Titles , Titling, and Entitlement to". The Journal of Aesthetics and Art Criticism 46. p. 8.
(3) Ferry, A. 1996. The Title to the Poem. Stanford: Stanford University Press. p. 1.
(4) Genette, G. 1988. "Structure and Functions of the Title in Literature". Critical Inquiry 14. pp. 692-693.
(5) ברוך, מ' ופרוכטמן, מ'. 1982. לכל שיר יש שם: עיוני ספרות ולשון בשירת ילדים. תל-אביב: פפירוס. עמ' 7.
(6) وهبة، مجدي.1984. معجم مصطلحات العربية في اللغة والأدب. بيروت: مكتبة لبنان. ص 262.
(7) الجزار، محمد فكري. 1998. العنوان وسميوطيقا الاتصال الأدبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ص 15.
(8) الجزار 1998، ص 16-18.
(9) الجزار 1998، ص 20-23.
(10) الجنابي، عبد القادر. 1995. (1) حياة ما بعد الياء. باريس: منشورات فراديس. ص 129.
(11) الجزار 1998، ص 19.
(12) Fowler, A. 1982. Kinds of Literature: An Introduction to the Theory of Genres and Modes. Oxford: Clarendon Press. p. 92.
(13) Adams 1987, pp. 9, 12; Levenston, E. A. 1978. "The Significance of the Title in Lyric Poetry". Hebrew University Studies in Literature 6. p. 72; Levinson, J. 1985. "Titles". The Journal of Aesthetics and Art Criticism 44. p. 33.
(14) Shawcross, J. T. 1988. “But Is It Donne’s? The Problem of Titles on His Poems”. John Donne Journal 7. p. 147.
(15) Fowler 1982, p. 96; Taha, I. 2000. “The Power of the Title: ‘Why Have You Left the Horse Alone’ By Mahmud Darwish”. Journal of Arabic and Islamic Studies 3. p. 67; Ferry 1996, p. 3.
وأثناء حديثها عن العناوين التي تعتبر تكرارا لجملة أو عبارة ترد في النص نفسه، والموضوعة داخل علامات تنصيص، تشير فيري إلى أن هذه العلامات تؤكد الفرضية القائلة بأن العنوان يصاغ بعد الانتهاء من تأليف نص القصيدة (Ferry 1996, p. 213). وبخلاف الباحثين الآخرين، فإن الجزار يعتبر ابتداء الكاتب بالعمل وانتهاءه بوضع العنوان قاعدة وليس مجرد فرضية (الجزار 1998، ص 8).
(16) Genette 1988, pp. 706-707.
(17) Taha 2000, p. 69.
(18) إن العناوين تقدم العمل للقارئ بشكل غير مباشر عادة، فلا تقول للقارئ: هذا العمل موجه إليك. وهذا ما يؤكده ديريدا (Derrida) حينما يقول بأن العناوين لا يمكن أن تُقدَّم بلغة الخطاب الحالي ( Derrida, J. 1981. "Title" (to be specified). Sub-Stance 31. p. 10).
(19) يذكر ليفينسون أن العنوان في الأعمال الجمالية عامة يعيننا على تحديد سمة هذا العمل، كما أنه ليس مجرد شيء عرضي، أو اسما يهدف إلى مساعدتنا على العودة إلى العمل وتمييزه عن الأعمال الأخرى فحسب، وإنما هو أيضا عنصر أساسي في هذا العمل (أنظر: Levinson 1985, p. 29).
(20) يحياوي، رشيد. 1998. الشعر العربي الحديث: دراسة في المنجز النصي. بيروت: أفريقيا الشرق. ص 110.
(21) العلاق، علي جعفر. 1997. الشعر والتلقي: دراسات نقدية. عمان: دار الشروق. ص 173.
(22) Ferry 1996, p. 2.
(23) Myres, J. & Michael, S. 1989. The Longman Dictionary of Poetic Terms. New York: Long – man. p. 309.
(24) Kellman, S. 1975. “Dropping Names: the Poetics of Titles”. Criticism 17. p. 156.
(25) וייסמן, ה'. 2000. הכותרת כיחידת טקסט: עיון תחבירי, סימנטי ופרגמטי בכותרות של שירי נתן זך. רמת-גן: חמו"ל. עמ' 24.
Hollander, J. 1975. Vision and Resonance: Two Senses of Poetic Form. New York: Oxford University Press. P. 213.
(26) منصور، جويس. 1996. ذكر ومومياءات: أربعون قصيدة (ترجمة عبد القادر الجنابي). باريس: منشورات فراديس. ص 29-30 .
(27) Ferry 1996, p. 211.
(28) نور الدين، صدوق. 1994. البداية في النص الروائي. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع. ص 69.
(29) حمد، محمد. 2002. شعرية البداية في النص القصصي: "يوسف إدريس نموذجا" (أطروحة ماجستير). حيفا: [د. ن.]. ص 37 .
(30) الجزار 1998، ص 21.
Taha 2000, p. 72; Derrida 1981, p. 12.
(31) الجزار 1998، ص 10؛ Taha 2000, p. 72.
(32) Adorno, T. W. 1969-1971. Noten zur literatur. Frankfurt a. Main: Suhrkamp. s. 7.
(33) الجزار 1998، ص 39.
(34) الجزار 1998، ص 15، 28-30.
(35) Derrida 1981, pp. 8, 10.
(36) Fisher, J. 1984. "Entitling". Critical Inquiry 11. p. 288.
(37) Adams 1987, p. 10.
(38) Adams 1987, p. 12.
(39) يحياوي 1998، ص 114.
(40) الجزار 1998، ص 39.
(41) الجزار 1998، ص 39.
(42) ברוך, מ'. .1979 הרומנטיקן המר: עיונים בשירתו של נתן זך. תל-אביב: אל"ף. עמ' 103, ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 7, פרילוק, נ' ווגה, ש'. 1989. "הכותרת – טיפוסי כותרות ומאפייניהם". לשון, הבעה, הבנה: עיונים ודרכי הוראה. ירושלים: משרד החינוך והתרבות. עמ' 59.
(43) פרילוק ווגה 1989, עמ' 59.
(44) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 7-8.
(45) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 8.
(46) ברוך 1979, עמ' 107, וייסמן 2000, עמ' 213.
(47) Kellman 1975, p. 160.
(48) Ferry 1996, pp. 211-212.
(49) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 8.
(50) ברוך 1979, עמ' 103, ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 7, וייסמן 2000, עמ' 213.
(51) ברוך 1979, עמ' 105, ברוך ופרוכטמן, עמ' 9.
(52) ברוך 1979, עמ' 105.
(53) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 9, 12, ברוך 1979, עמ' 104.
(54) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 9, 11, ברוך 1979, עמ' 110.
(55) ברוך 1979, עמ' 110.
(56) וייסמן 2000, עמ' 219-232.
(57) פרילוק ווגה 1989, עמ' 58, פרילוק 1996, עמ' 27.
(58) פרילוק ווגה 1989, עמ' 58.
(59) פרילוק ווגה 1989, עמ' 59. وبالنسبة لإثارة التداعيات، نعتقد بأن كل عنوان بإمكانه أن يقوم بهذا، ولذا فإن هذا ليس مقصورا على العنوان الموجِّه.
(60) Myres & Michael 1989, p. 316.
(61) Levinson,J. 1985. "Titles". The Journal of Aesthetics and Art Criticism 44, pp. 29-39.
(62) Levinson 1985, pp. 29, 33.
(63) Levinson 1985, pp. 34-37.
(64) يحياوي 1998، ص 113.
(65) Genette 1988, p. 708.
(66) Genette 1988, pp. 710-711, 719.
(67) Genette 1988, pp. 711-713.
(68) Genette 1988, p. 715.
(69) Genette 1988, p. 716.
(70) Genette 1988, p. 717.
(71) Genette 1988, p. 718.
(72) ברוך ופרוכטמן 1982, עמ' 13-14.
(73) Taha 2000, pp. 66, 83.
(74) וייסמן 2000, עמ' 16;
Booth, W. C. 1961. The Rhetoric of Fiction. Chicago: University of Chicago Press. Footnote 25, p. 198.
(75) لقد تحدث نير (ניר) عن هذا الوظيفة في العناوين الصحفية، بحيث يذكر، بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه، بأن الغموض في العنوان الإخباري ينكشف فور قراءتنا للنص بأكمله (ניר, ר'. 1994. "ניתוח השיח של הכותרת החדשותית". בלשנות עברית 37, עמ' 24). وهو بذلك يخالف العنوان الجمالي الذي يظل غامضا في أحايين كثيرة بعد قراءة النص.
(76) וייסמן 2000, עמ' 18.
(77) يذكر ليفينستون أنه بإمكان العنوان في الأدب، المصنوع من الكلمات، أن يكون جزءا من العمل، بخلاف العناوين في الرسم والموسيقى، وذلك لأنه لا يمكننا، على سبيل المثال، رسم لوحة حتى نعنون لوحة أخرى (Levenston 1978, pp. 66, 69). ويذكر طه بأنه لا يوجد عنوان إلا ويتبع بطريقة ما إلى المعلومات الموجودة في النص نفسه، وبصورة عامة، إن العنوان الأدبي هو عبارة عن تركيز وتوجيه لمقاصد الكاتب (Taha 2000, p. 68).
الحلقة الثانية:
معاني عناوين الجنابي ودلالاتها
ننوي في هذه الحلقة قراءة عناوين للشاعر عبد القادر الجنابي من ديوانه "حياة ما بعد الياء"، المقسم إلى ثمانية فصول. والعناوين المختارة هي عنوان الديوان "حياة ما بعد الياء"، وعنوان الفصل الأول من الديوان "تأصيل بلا ينابيع"، وعناوين ست قصائد تدخل في إطار هذا الفصل وهي: "مهاجرو الداخل"، "حُلُم"، "صناعة الشِّعْر"، "الله في كلمة"، "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج" و"ليت الحصان كان وحيدا". أما هدفنا من وراء هذه القراءة فهو استخراج معاني هذه العناوين ودلالاتها. وإن هذا سوف يتاح لنا من خلال اعتماد الطريقتين الآتيتين:
أ) طريقة آن فيري (Anne Ferry):
تقدم آن فيري في كتابها (The Title to the Poem) طريقة لقراءة عناوين القصائد. وهذه الطريقة تتطلب منا قراءة العنوان ثلاث قراءات (1):
1) قراءة العنوان كوحدة نحوية مستقلة
2) قراءة العنوان من خلال ربطه بنص القصيدة
3) قراءة العنوان بناء على علاقاته بعناوين أخرى للشاعر ذاته أو لغيره من الشعراء
ولا بد من الإشارة إلى أنه ستتم معالجة عنوان الديوان وعنوان الفصل المختار فحسب بموجب هذه الطريقة، أما عناوين القصائد فستتم معالجتها وفقا للطريقة الثانية. كما وعلينا أن ننبه إلى أننا لن نتمكن من اتباع طريقة فيري بحذافيرها في قراءة عنواني الديوان والفصل، لأنه يتعذر علينا ذلك. فما سنفعله هو القيام بالقراءة الأولى والثالثة دون القراءة الثانية، وذلك لأنه لا توجد في الديوان قصيدة تحمل العنوان "حياة ما بعد الياء". وهذا يعد أمرا نادرا بعض الشيء، لأننا نجد عادة أن إحدى قصائد الديوان تحمل عنوانا مماثلا لعنوان هذا الديوان. وكذلك لا نجد في الفصل المختار قصيدة تحمل عنوان هذا الفصل. وبالإضافة إلى ذلك، سنقوم بإجراء إضافة طفيفة على القراءة الثالثة لملاءمتها للحالة التي نعالجها. وهذه الإضافة تتجلى في عدم اكتفائنا بقراءة عنوان الديوان قراءة ثالثة من خلال بحث علاقته بعنوان الفصل وبعناوين القصائد المختارة فحسب، وإنما أيضا من خلال بحث علاقته بالنصوص التي تتبع لتلك العناوين. ولن نبالغ إن قلنا بأن هذا ما نبتغيه في الأساس من هذه القراءة. والسبب في ذلك يعود إلى أن معالجة العنوان تعني معالجة النص الذي يخضع له أيضا. وسندعو هذه القراءة في دراستنا بالقراءة الثانية، سيما وأن قراءة فيري الثانية غير متحققة في حالتنا.
بالاستعانة بطريقة فيري سنقوم في القراءة الأولى بتحليل عنوان الديوان وعنوان الفصل دلاليا كنصين مستقلين، وذلك بالاعتماد على معارفنا الخلفية في الأساس. وفي القراءة الثانية سوف نبحث في العلاقة التي تربط عنوان الفصل المختار بالقصائد المعالجة الداخلة في إطاره، وفي العلاقة التي تربط عنوان الديوان بهذا الفصل. وكل هذا سيجري من خلال جمع معطيات من نصوص القصائد وعناوينها تتناسب مع عنوان الفصل وعنوان الديوان من ناحية دلالية. ويجب أن ننبه أيضا إلى أننا سنقوم بالقراءة الثانية لعنوان الفصل بعد قراءة عناوين القصائد المختارة، كما سنقوم بقراءة عنوان الديوان قراءة ثانية بعد قراءة عناوين القصائد الست وعنوان الفصل. والسبب في ذلك يعود إلى أن قراءة عنوان الفصل قراءة ثانية تتطلب منا معرفة دلالات عناوين القصائد التابعة له ودلالات نصوصها في الوقت ذاته، كما أن قراءة عنوان الديوان قراءة ثانية تتطلب منا معرفة دلالات عناوين هذا الفصل.
ب) قراءة نص القصيدة قبل قراءة عنوانها
لغرض معالجة عناوين القصائد نقترح قراءة نص القصيدة قبل قراءة عنوانها. وسنحاول في هذه القراءة استخلاص الفكرة المركزية من نص القصيدة، واعتبارها بمثابة عنوان طويل لها، وذلك لأننا نفترض أن يكون عنوان القصيدة الحقيقي عبارة عن تلخيص مركّز لهذه الفكرة، أو متصلا بها بوجه ما إن لم يكن تلخيصا لها. وإن هذه القراءة مخالفة بطبيعة الحال لما نقوم به عادة، وهو قراءة عنوان القصيدة في البداية، وتخميننا من خلال هذه القراءة موضوع النص. وبعد قراءة النص واستخلاص فكرته الأساسية، نقوم بقراءة عنوان القصيدة الحقيقي، أي بتحليله دلاليا بناء على علاقته بالنص. وما يهم في هذه القراءة هو كونها تمكننا من امتحان العنوان وفحص أهميته من خلال طرح عدة أسئلة في ذهننا بعد قراءته، مثلا: ماذا أضاف العنوان للنص؟ أأمكننا فهم النص فهما كافيا دون قراءة العنوان؟ هل غير العنوان المعنى الذي بلورناه من خلال قراءتنا للنص؟ هل وضّح لنا أمورا كانت غامضة؟ أم خلق فجوات جديدة؟
وبالإضافة إلى ما قيل، فإن هذه الطريقة تمكننا من معرفة أصناف عناوين القصائد، وظائفها، مدى ارتباطها بالنصوص واستقلالها عنها من قراءة واحدة للعنوان. إلا أنه علينا أن ننبه إلى أن هذه الطريقة أتت لغرض البحث ليس إلا، لا لكي تقترح على القارئ أن يقرأ نص القصيدة قبل قراءة عنوانها، لما في هذا الأمر من مخالفة لمنطق عملية القراءة التي تبدأ من العنوان. ومع ذلك، فإن هذه الطريقة تفترض قارئا واحدا على الأقل، ألا وهو كاتب النص، الذي يصنع العنوان بعد كتابة النص بموجب الفرضية التي تحدثنا عنها، والتي تنطبق على طريقة كتابة الجنابي للعنوان.
قراءة أولى لعنوان الديوان
إن كون كلمة "حياة" نكرة يعني بالنسبة لنا أنها حياة مجهولة، وما يزيد من صبغة المجهول فيها هو وقوع "ما" النكرة بعدها. كما أن كلمة "حياة" هي كلمة واسعة وعامة على الصعيد الدلالي، فقد تدل على كلمات مثل معيشة، وجود، دنيا، كينونة، موت، تقلب، مجهول وغير ذلك، ولن نبالغ إن اعتبرناها أوسع كلمة في وجودنا نظرا لإيحاءاتها اللانهائية. وما يضاعف من إيحاءات اللانهاية في هذه الكلمة عبارة "بعد الياء" بعدها. فالظرف "بعد" يصح أن يكون ظرف زمان أو/ و مكان، و"الياء" هي آخر حروف العربية من ناحية ترتيبية، مما يعني أنها تشير إلى النهاية والحدود، وعليه تأتي عبارة "بعد الياء" ككل لتقول بأن الـ"حياة" المذكورة تخترق الزمان أو/ و المكان المحدودين. وبرغم ما قلناه فإننا نجهل ماهية مركّبات هذه الـ"حياة"، نظرا لعمومية العنوان، وبالأخص كلمة "حياة".
أمر إضافي يلفت نظرنا في العنوان هو الربط ما بين شيئين من صنفين مختلفين، وهما الـ"حياة" بكل ما فيها مع حرف "الياء" ذي الدلالات الأضيق والمأخوذ من عالم اللغة. ونعتقد بأن هذا الربط هو غاية في الأهمية، لما فيه من إشارة منذ البداية إلى غرض لغوي، يتعلق باللغة الشعرية، يريد الشاعر طرقه في الديوان. فالـ"حياة" التي قد تحوي الشعر ترتبط بلغة تتجاوز حدود اللغة العادية ـ "الياء" ـ وتقفز ما وراءها. وإلى هنا نكون قد عثرنا بواسطة العنوان على أحد مركبات الـ"حياة" ألا وهو اللغة المتجاوزة للحدود. ونخمن وجود مركبات أخرى لهذه الـ"حياة" نجهلها لغاية الآن، لكن ما نعلمه هو أن هذه المركبات تشترك فيما بينها في اختراق الحدود.
أما بالنسبة لكاتب العنوان نفسه، أي الجنابي، فإن العنوان يدلنا على أنه شخص متحدٍّ، لا يقيّده قيد، وإلا لما جرأ على تجاوز "الياء". وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نأتي بالحوار الذي اقتبسه الجنابي عن كتاب الدكتور عبد الستار إبراهيم آفاق جديدة في دراسة الإبداع، ووضعه قبل النص الأول من الديوان، الذي يحمل العنوان "مفاتيح، أو تمهيدات قبل التحليق":
"الصديق الأول : والآن.. إنني قد عرفت كل شيء.. كل شيء من البداية حتى النهاية.. أليست ((الياء)) هي نهاية الحروف الهجائية.
الصديق الثاني : تستطيع أن تقف عند ((الياء)) إذا شئت هذا.. الكثيرون يفعلون هذا وينتهي مطافهم ((بالياء)).. ولكن ما أبلغ الدهشة التي ستعتريك إذاحاولت المضي ما بعد ((الياء)) مطلعًا على عوالم أخرى لا متناهية"
إن هذا الاقتباس، الذي يلفت انتباهنا إلى التناص الموجود في عنوان الديوان، يجعلنا نتساءل: ألا يمثل الجنابي في ديوانه هذا الصديق الثاني، المتحمس لما بعد النهاية ولاختراق المجهول؟ فالعنوان لا يصرح لنا بموقف الجنابي من "حياة ما بعد الياء" بشكل مباشر، ولا نعتقد بأنه يجدر به أن يقدم لنا مثل هذا التصريح، لكن من خلال معرفتنا لمواقف الجنابي المتحدية للموروث العربي والإسلامي وللأنظمة العربية السائدة وللشعراء السائرين في ركابها، والتي تتجلى بشكل متكرر في كتبه ومقالاته المتعددة، نستطيع أن نكون على يقين بأنه يدعم الـ"حياة" الموصوفة في عنوان الديوان وينادي بها.
قراءة في عناوين من الفصل: "تأصيل بلا ينابيع"
قراءة أولى لعنوان الفصل
قد نجد لكلمة "تأصيل" عدة إيحاءات، كالتثبيت والتجذير، كما أننا كثيرا ما نراها مرتبطة بكلمات مجردة، كالفكرة، المبدأ، العقيدة، العادة وغيرها. فنقول مثلا: "أصّل أحدهم الفكرة في رأس فلان". ومن هذا المنطلق قد تتبع عدة طرق ووسائل لتحقيق التأصيل، كالإقناع، الوعظ، التكرار، أو حتى غسل الدماغ. وبما أن العنوان نص بخيل بالمعطيات فإنه لا يذكر لنا لأي شيء سيكون الـ"تأصيل" وكيف، وما يركز عليه هو وصف هذا الـ"تأصيل" بأنه "بلا ينابيع". وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن الصفة، كما تقول فيري، تلعب دورا هاما عند ارتباطها بالاسم، لأنها تمنحه هيئة معيّنة من خلال الإعلان عن وجهة نظر تجاهه. وتقسم فيري هذه الصفات إلى قسمين: قسم يعبر عن مشاعر ما تجاه الموصوف، وقسم آخر يعبر عن موقف تجاه الموصوف، ولا يهدف إلى إثارة أي مشاعر في القارئ (2). والصفة التي لدينا تنتمي بلا شك إلى القسم الثاني، لأن الجنابي يعبر بواسطتها عن اعتراض خفي على ارتباط الـ"تأصيل" بالـ"ينابيع"، دون إثارة أي مشاعر في القارئ. أما كلمة "ينابيع" فتعبر عن شيء ملموس. ويقال: "نبع الماء نبوعا يعني تفجر، أو خرج من العين، ولذلك سميت العين ينبوعا" (3).وهذا يدل على أن كلمة ينبوع تشير إلى تدفق الماء أو أي شيء آخر بغزارة. واستخدام صيغة الجمع "ينابيع" يزيد من قوة الانفجار وكثرة خروج الماء. وبالاستناد إلى هذا، فقد تشير هذه الكلمة أيضا إلى التهويل والتعظيم، خاصة وأن جرسها يوحي بذلك. وإن ارتباط عبارة "بلا ينابيع" بكلمة "تأصيل" يدلنا على أن الـ"تأصيل" يتم عادة بواسطة الـ"ينابيع" مع كل ما توحي به هذه الكلمة، أما في الحالة التي أوحى بها العنوان فإن الـ"تأصيل" سيكون بغير "ينابيع". ولهذا يبدو لنا أن العنوان يعبر عن موقف سلبي تجاه كلمة "ينابيع"، مما يدفعنا إلى القول بأنها تحمل إيحاءات سلبية، بعكس ما هو متعارف عليه، وهو أن كلمة ينبوع أو ينابيع تشير إلى مصدر للخيرات الكثيرة، لا إلى مصدر سلبي. وما جعلنا نلمس السلبية في استخدام هذه الكلمة هو اقترانها بـ"بلا"، وبهذا جعل كلمة "تأصيل"، التي تشير إلى الثبات والرسوخ، مناقضة لها.
وبناء على ما ذكرناه، فإن العنوان قد يعني أنه إذا كان المراد بكلمة "تأصيل"، على سبيل المثال، تجذير فكرة ما فإن التجذير لن يتم بواسطة الـ"ينابيع"، أي ليس بطريق التهويل والتعظيم، أو باستعمال أية وسيلة سلبية أخرى، وإنما بطرق ووسائل مغايرة، لا نعرفها في هذه المرحلة. أما إذا كان المراد بهذه الكلمة التعبير عن مصدر لشيء ما فإن الـ"تأصيل" ينبذ هذا المصدر.
قراءة في عناوين قصائد من الفصل
أ) "مهاجرو الداخل" (4)
مهاجرو الداخل
ما نريده
ليسَ مصعدًا في مبنى الأسماء
ساحة لجنديّ مجهول
مقصًا ينتظرُ قصيدة
خرجت على القافية
بلا ثياب.
قد يذهب الرجل إلى لا رجعة
قد يأتيها في ثنايا الليل
قد ينتفض
فتكون عيناه
صحو البديل.
نريد
ظهيرة في منتصف الليل
قمرًا في حضن الشمس
غرفا لا يثكلُ فيها
ضوءُ النهار
وكتلة هذا النديد
لتزويق القشعريرة
وندبة الخوف
ما نريده،
أصلا في الأرض.
شكٌ وميثاق
شهادات نحملها معنا
إلى العالم الآخر
صوبَ الأحياء :
ليس الرأس
ولا اليد،
ولا الذراع
ولا حتى ذاك التراث
وإنما خُصلة تاريخ
في مهب الأوراق
يسرّحها مشط الاختلاف.
قراءة النص
يقسم نص القصيدة إلى سبعة مقاطع، يسهم كل منها بفكرة جديدة. فالمقطع الأول عبارة عن عرض لأمور لا تريدها مجموعة المتكلمين، وهذه الأمور هي: علو أسمائهم واشتهارها ("مصعدا في مبنى الأسماء")، أو "ساحة" تُكرس "لجندي مجهول"، والتي قد تعبر عن عظمة، أو عن موضع افتخار بالنسبة للناس عادة. وابتداء من السطر الرابع من هذا المقطع، ومن خلال كلمة "قصيدة"، نكتشف أن "للنحن" علاقة بالشعر، وليس من المستبعد أن يكونوا شعراء. وقد تعني الأسطر 4-6 أن "النحن" لا يريدون شهرة للقصيدة، من خلال انتظار مقص، أو بالأحرى قارئ يحمل مقصا ليقص هذه القصيدة ويحتفظ بها. أما وصف القصيدة بأنها "خرجت على القافية/ بلا ثياب" فقد يقصد به أن هذه الـ"قصيدة" تبدو حديثة، لأنها خالية من القافية، لكنها في الواقع قصيدة فارغة المعنى، لا "ثياب" لها، مما يعني أنها خالية من الأدوات التي تجعل منها قصيدة. أما في المقطع الثاني فينتقل الجنابي ليتحدث عن قضية أخرى، وهي عملية خلق الشاعر، "الهو"، للقصيدة. وهذه العملية تحدث "في ثنايا الليل"، بحيث يكون الشاعر في هذا الوقت في حالة ما بين النوم واليقظة (5). ومن ثم يستيقظ ليرى الأمور بشكل واع، بعد ذهاب الوحي الشعري عنه. وهو في هذا كـ"البديل"، أي الرجل المقدس العالم بأمور الكون، والذي يمر بتجربة روحية يصحو من بعدها. وينتقل المتكلمون في المقطع الثالث إلى الحديث عن الأمور التي يريدونها فعلا، وهي أمور مستحيلة ومقلوبة، تعارض التعتيم، وتوحي بالتمرد على عالم قائم وقلبه. ويصرّح "النحن" في المقطع الرابع مرة أخرى بما يريدونه، وهو "أصلا في الأرض"، وسيحصلون على هذا الأصل من خلال الأمور المذكورة في المقطعين الخامس والسابع. فالكلمات "شك وميثاق" و"شهادات" قد ترمز إلى القصائد في حال كون "النحن" شعراء، وهذه القصائد مخصصة إلى "العالم الآخر"، الذي يرمز إلى عالم القراء ـ "الأحياء". وتتوضح ماهية هذه الأمور في المقطع السادس من خلال النفي، فـ"النحن" لا يريدون بذل أمور محسوسة، مثل "اليد"، "الذراع" و"التراث"، مما يعني أنهم يدعون إلى التجديد الشعري والتخلص من قيود الماضي، بما في ذلك التراث العربي. وبدلا من كل هذا يبتغون الجديد والمختلف، كما يتضح لنا من المقطع السابع.
• الفكرة المركزية: "النحن" الشعراء يرفضون مفاهيم سائدة في عالم الشعر، وينادون بإحداث التغيير وقلب هذه المفاهيم لصالح مفاهيمهم، التي تدعو إلى ترك القديم والتشبث بالحديث المختلف.
قراءة العنوان
على الرغم من أننا تمكنا من معرفة ما يرمي إليه النص بنسبة معيّنة، فإن العنوان يضيف لنا معلومات أخرى من خلال تحديده لنا هوية "النحن". فإن "مهاجرو الداخل" هم مجموعة المتكلمين في النص. ولقد سبق وأن استخدم الجنابي عبارة العنوان هذه في مدخل كتابه انفرادات الشعر العراقي الجديد، بحيث وضح فيه أن "مهاجرو الداخل" هم الشعراء وأصدقاؤه الموجودون داخل العراق (6). لكن الجنابي يقول في رسالته إلى الشاعر أدونيس (ولد 1930) بأن "الداخل" هو عبارة عن داخل البلدان العربية عامة، والتي تعتبر بنظره منفى حقيقيا (7). فإذًا، إن "الداخل" ليس مقصورا على العراق فحسب، لأنه يقصد به أيضا البلدان العربية عامة، التي يشعر الشاعر المجدد فيها بوحشة وغربة، وكأنه مهاجر، وذلك على الصعيد الفكري، سيما وأنه لا يجد من يشاطره أفكاره وآراءه، بل من يلاحقه بسببها. ومن هنا نفهم سبب الجمع ما بين كلمتين متناقضتين في العنوان. وهذا التناقض بين كلمتي العنوان يتناسب مع النص نفسه، وخاصة مع المقطعين الثالث والسابع منه، اللذين يؤكدان على قلب المعايير والاختلاف، وعلى وجهة النظر المتحدية التي يحملها "النحن".
ب) "حُلُم" (8)
حُلُم
"... بهذه الطريقة يدخل البطلُ الغابـة. لم ينتبه إلى أن المخرج أنأى مـن هذه الكواكب المندثرة في طمي السماء. توقف عند أوّل شجرةٍ انتصبت أمامه بكل ذكرياتها المليئة بأبطال أشدّ بأسًـا منه. أخذ ينظر إليها، رأى عصفورًا جد صغير يحاول أن يحط على أحد أغصانها الذي يَغزو إلى السّحاب. والساعات تسري زفرات في الأعالي مختلطة بطشيش الهواء
الـذي تحدثـه عصـابة الطـير وهي تبـرق خـلل الشجر. علـى أنّ سنوات عمره تعبر فيلمًا في وحشة الغاب. وكأن أشجارًا ترْدفه بأشجار أخرى؛ بأزمنـة لا متنـاهية، تصيّره إشارة برّاقـة في قـلب الشيء، يتكثف حتــى تصير أشياؤه زمنا شعريا لا نهائيا. أوراق تتساقط من رحلته. طفق يَنفـذ بعينيـه إلى أدق التفاصيل. وبِخطفةِ البرق راح حَمار العين اليمنى يصبغُ الغابة كلها، بينما يتطاير شررٌ من العين اليسرى، فيحرق صـورة غابـةٍ معلقة بشكلٍ مضبوط جدا في غرفة طفلٍ صغير."
قراءة النص
يبدو لنا النص بمجمله وكأنه لقطة سينمائية، خاصة وأن الشاعر يستعير كلمات من عالم السينما، مثل "المخرج"، "البطل"، "فيلما". فنتخيل أن أحدهم يحمل كاميرا ويرصد تحركات "البطل"، ويخبرنا بها. وهذا الرصد بصورة عامة، وجملة "يتكثف حتى تصير أشياؤه زمنا شعريا لا نهائيا" بصورة خاصة، يجعلاننا نخمن أن يكون "البطل" هو الشاعر. وإذا ربطنا الكلمات: "البطل"/"الأبطال"، "شجرة"/"أشجار"، "عصفور"، "الطير" بعالم الشعر توصّلنا إلى أن الـ"شجرة" ترمز إلى القصيدة التي تقف أمام الشاعر وتتحداه، و"العصفور" قد يرمز إلى الكلمة أو العبارة التي أغوت الشاعر بكتابة القصيدة، و"الغابة" قد ترمز إلى عالم الشعر، أما كلمة "أبطال" فقد ترمز إلى شعراء آخرين سبقوا "البطل" ـ الشاعر في ممارسة العملية الشعرية، وأكثر تمرسا منه في هذه العملية. و"البطل" ـ الشاعر يراجع القصيدة وينقحها، فيكتب عدة مسودات لها، ولذا يقول الجنابي: "أوراق تتساقط من رحلته"، كإشارة إلى الأوراق التي يملؤها الشاعر في مرحلة الكتابة. والشاعر في تنقيحه للقصيدة يحاول صياغة المعنى بدقة متناهية، وهذا ما رمى إليه الجنابي حين قال: "طفق ينفذ بعينيه إلى أدق التفاصيل". أما نهاية القصيدة ("وبخطفة البرق راح حَمارُ العين ...") فتعتبر بنظرنا نهاية مشكلة وأشد غرابة من النص نفسه، وقد تعبر هذه النهاية عن كتابة الشاعر السريعة واللامعقولة للقصيدة، وكأن مسا قد أصابه.
• الفكرة المركزية: الجهد الذي يبذله الشاعر في عالم الشعر حتى ينتج القصيدة، ويثبت نفسه أمام "أبطال" ـ شعراء "أشد بأسا منه".
قراءة العنوان
إن العنوان يفاجئنا لبساطته وسذاجته وحياديته الظاهرة، لكن إعادة النظر فيه، من خلال ربطه بتفاصيل النص، تبرز لنا شدة كثافته. فإن هذا العنوان يطالب القارئ بإعادة النظر في مركبات القصيدة، والبحث عن عناصر الـ"حلم" فيها. لكن بعد هذا البحث لا يجد القارئ مركبا بعينه يرتبط بالعنوان مباشرة، وإنما يجد أن النص ككل يرتبط بهذا العنوان. فقبل قراءتنا للعنوان قلنا إن النص يبدو كمشهد سينمائي، لكن بعد قراءته اكتشفنا أن النص عبارة عن مشهد حلمي، يتخطى حدود الواقع والوعي. وهنا يتحتم علينا أن ننبه إلى أن الـ"حلم" المقصود في العنوان هو ليس الحلم الذي يألفه الإنسان العادي، وإنما ذلك الحلم الشعري، الذي يعتبر أساس كل قصيدة، ويبرز بشدة في هذه القصيدة بدءا من عنوانها. ولقد تحدث الشاعر فاضل العزاوي (ولد 1940) عن "صناعة الحلم" الشعري في البيان الشعري الذي كتبه ونشره في مجلة الشعر عام 1969 (9). وكان مما قاله فيه بأنه في الشعر "يتداخل الحلم بالواقع لتشكيل عالم واحد هو عالم الواقع ـ الحلم، أو الحلم ـ الواقع. والشاعر كائن يخلق عوالمه من أشياء الواقع، وهي مصدر بهجته وانبهاراته وأحزانه، فالأشجار والأرض والصحراء والنهر والبحر والليل والنهار في نظر هذا الكائن الذي يمتهن كتابة الشعر بساطه السحري إلى عالم الحلم الخاص به. في القصيدة تفقد هذه الأشياء جوهرها الواقعي وتتحول إلى مجرد رموز وإشارات مضيئة في أفق مدفون داخل ليل الرحلة"(10). وهذا ما وجدناه في قصيدة الجنابي، إذ أن "البطل"، "الأشجار" و"الطير" هي رموز استمدها الجنابي من الواقع لصياغة مادته الحلمية. أما كلمة "رحلته"، والتي استخدمها العزاوي أيضا، فإنها تشير إلى رحلة الشاعر الحلمية أثناء عملية الإبداع الشعري. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العزاوي يشير إلى نقطة هامة تتبدى في هذه القصيدة بشكل واضح، ألا وهي الهلوسة التي يتضمنها الحلم أحيانا (11). ولقد لاحظنا هذه الهلوسة في النص، أو بالأحرى هذا التظاهر بالهلوسة، بدءا من عبارة "وبخطفة البرق" وحتى نهاية القصيدة، والتي يبدو فيها الشاعر وكأنه يهذي.
وبالاعتماد على ما سقناه، يمكننا أن نقول إن الجنابي بواسطة عنوانه هذا زاد من كثافة القصيدة، وأطلعنا على موضوعها الأساسي، وهو دخول الحلم في عملية الإبداع الشعري.
(ج) "صناعة الشِّعْر" (12)
صناعة الشِّعْر
مِـنْ ضلع الأفعال تنبجسُ الأسماء، ومـن عين الأسماء تنبجسُ الأفعال درجة في سلّم الخلق : "فليكن..." وها هي ولادة جديدة للكون. كـان المبنى خاليا عندما انفتح ثقبٌ صغير يؤدّي إلى دائرة السلّم. إنها ساعـة الغروب، علـى أنه في اللحظة التي ارتقيت فيها السلم، بين الـنائم والـيقظـان، كـان الرجل الذي يعيش في الطبقة العليا مع الجـنّ والملاك ، قـد وصل إلــى الدرجة الثالثة نزولا، بينما رجلي اليمنى بلغت الدرجة الرابعة صعودا. لــكن كـلما تمر ثانية ، أشعر بأن الدّرَجات تأخذ بالازدياد. وكلّما يُسرى بـي، أسمع صوتا يفيد بـأن ربَّ البيت سيرسلُ دابّـة يُقـالُ لهــا الـبُراق، دون البغل وفوق الحمار، يصعد بي إلى سدرة المبنى. كــان مجموع درجات السلم ستّ عشرة درجـة. أنّـى ينزل أصعـد، أنّى أصعد ينـزل : مبـاراة في القــدرة علـى بلـوغ الغاية! وما إن بلغت ، حتـى تراءت الدرجات وكـأنها زحافــات يجهـش إليهـا الإيقاع! طفق الرجل يتوقد فيتأجّج وكاد يُشطّر بعضُه عن بَعض من أجل نزلةٍأخرى ؛ فاصلـة مشدودة إلـى وتِد بعيد يمكّنه من الثبـات. غيـر أن علة جعلته يتهـاوى كتلة نـورٍ ترتطم بأسفل السلم فتتشظّى إلـى شعل صغيرة سرعان مـا
يكتنفها رجالُ الإرصاد الطاعون من حوائط المبنى.
قراءة النص
إن السطرين الأول والثاني من النص يتحدثان عن عملية تكوين لغوية، تسفر عنها ولادة مخلوق لغوي. وبما أن الكلام يدور بأدوات لغوية ("الأسماء"، "الأفعال") داخل سياق شعري، نخمن أن يكون الموضوع هنا عملية الخلق الشعري التي تتولد عنها القصيدة. فـ"سلم الخلق" يرمز إلى سلم الخلق الشعري. ويتحدث المتكلم، وهو شاعر، في السطرين الرابع والخامس عن ارتقائه "السلم"، أي دخوله في عملية الخلق الشعري، وهو "بين النائم واليقظان". والحالة التي يتأرجح فيها الشاعر ما بين النوم واليقظة تعد إحدى الطرق التي تعينه على الوصول إلى الحلم الشعري (13)، الذي تحدثنا عنه في قصيدة "حُلُم". ويورد المتكلم أثناء ارتقائه، الذي يتم بشكل شاق ("لكن كلّما تمر ثانية، أشعر بأن الدَرَجات تأخذ بالازدياد")، ذكر رجل آخر آخذ بالنزول من سلم الشعر، خلافا له. ونخمن أن يكون ذلك "الرجل"، الذي "يعيش في الطبقة العليا مع الجنّ والملاك"، هو الشاعر التقليدي، الذي يتعلق مصير قصيدته بوحدات الوزن، كالـ"وتد" والـ"فاصلة"، وأي تغيير طفيف في التفعيلة، كالـ"علّة"، قد يوقعه، بمعنى يوقع قصيدته، نتيجة اهتمامه بأمور متعلقة بمبنى القصيدة التقليدي وليس بجوهر الشعر. وهذا الشاعر المقيد بالأوزان يتلقى في النهاية نقادا تقليديين، مثله، يهتمون بشعره، وهذا ما عناه الجنابي حينما قال: "رجال الإرصاد الطالعون من حوائط المبنى". وما دام "الرجل" يمثل الشاعر التقليدي، فإن "مجموع درجات السلم" الذي يبلغ "ستّ عشرة درجة" قد يرمز إلى بحور الخليل الستة عشر. وأمر آخر لا بد من الإشارة إليه هنا هو التناص في الأسطر 7-9 ("وكلما يُسرى بي، أسمع صوتا يفيد بأن ربَّ البيت سيرسلُ دابّة يُقالُ لها البُراق، دون البغل وفوق الحمار، يصعد بي إلى سِدرة المبنى") مع قصة الإسراء القرآنية. ولقد وظف الجنابي هذا التناص ليقول بأن الشاعر في عملية خلقه للقصيدة، يرتقي إلى سماء القصيدة، كالنبي محمد، الذي وصل بواسطة البراق إلى سدرة المنتهى في السماء.
• الفكرة المركزية: "مباراة"، تتعلق بعملية الخلق الشعري، بين نوعين من الشعراء: شاعر محدث يكتب قصيدة بطريقة حديثة، ويبلغ في النهاية غايته، وهي كتابة القصيدة؛ وشاعر تقليدي في نزول دائم، وأي تغيير طفيف في الأوزان التقليدية يتهدد قصيدته، وهو في النهاية يقع من سلم الشعر.
ولا بد من الملاحظة قبل قراءة العنوان بأن كون النص يعالج عمليتين مختلفتين تتناولان الخلق الشعري يدل على أنه نص ميتا ـ شعري.
قراءة العنوان
نشير في البداية إلى أن الجنابي نشر هذا النص مع تغيير طفيف فيه في جريدة إيلاف الإليكترونية، وهذا التغيير تجلى في العنوان، الذي أصبح "صنعة الشعر"، وفي استخدام كلمة "تتسامى" ("الأفعال") بدلا من "تنبجس" (14). ويتناسب هذا التغيير مع ما قاله الجنابي في مقدمة الديوان: "القصيدة غرفة. بيوت الشعر فيها موجودة وجود الأثاث. من حين لآخر، لا بد من نفض الغبار، إعادة تركيب، رمي ما رثَّ منه ثم الإتيان بغرض جديد" (15). وبعد هذا نقول بأن عنوان القصيدة لا يفاجئنا على الإطلاق، وذلك لأن النص، ومنذ السطر الأول منه، كان كفيلا بأن يكشف لنا أن القصيدة تدور حول عملية الإبداع الشعري. كما أنه عنوان واضح وبسيط، بخلاف النص، الذي نجد فيه رموزا عديدة وتناصا، مما يثري معناه. لكن مع هذا، فإن هذا العنوان يؤكد على قضية هامة، وهي أن الشعر يعتبر "صناعة"، أي عملا واعيا ومنظما. وتغيير الجنابي العنوان إلى "صنعة الشعر" وما قاله في مقدمة الديوان يؤكدان هذا الأمر.
د) "الله في كلمة" (16)
الله في كلمة
العجوزُ التي تعيش في الغرفة المقابلة لشقّتنا، والتي كـثيرا مــا كـانت تتأمـل، في مرآةٍ مشروخة، أحنـاء جمالهـا المترهل، العجوزُ هذه... لا أظنّهــا إلا قــد ماتت. منذ ثلاثة أيام وغرفتهـا في ظلام يثير أسئلة جـدّ متضاربـة في أذهــاننُزلاء البناية التـي أسكن. لكـن...، لِـم هذا الشعور المتشائم بأنّ كلّ غيابٍ هـو موتٌ نهائي؟ العجوز هذه، إمّا انزوت عن أنظارنـا لغرضٍ إبداعي (ألـم تقـل لنا أنها تنادم الكتابة أياما لكي تتخلص من الصور التي جعلتها ضريرة) وإمـّا ذهبت إلى بلد آخر للاستراحـة، للتأمل : ربّ هواءٍ صحيح يتسرب من نافذة - ذاكرة بعيدة... إنّها عجوز قبل كلّ شيء. غيرَ أنَّ ليلة أخرى قد مرّت والظلام هو إزاءُهُ؟ "فليكن"، صرّح أحدُ النزلاء: "ما دام ليس هنالك من مَعلَم يؤكد لنا موت عجوز. البابُ مبهمٌ فحسب".
إنّهُ على حق : "مبهمٌ فحسب".
إذن،
شيءٌ ما يسري .
قراءة النص
إن النص بأكمله يتناول موضوعا أساسيا، وهو اختفاء "العجوز"، وما أثار ذلك من نقاش جرى بين "نزلاء البناية". فيبدأ الجنابي بسرد معلومات، يكشف لنا من خلالها عددا من الأمور عن "العجوز". فجملة "والتي كثيرا ما كانت تتأمل، في مرآةٍ مشروخة، أحناءَ جمالها المترهل" تدلنا على أنها عجوز غير اعتيادية، وذلك لأن المرء يتأمل نفسه عادة في مرآة سليمة لا مشروخة. وهذا يدفع بنا إلى القول إن "العجوز" تنظر في الأمور بطريقة غير معهودة. لكن لا يشترط أن يكون التأمل هنا بصريا، فقد يكون بصيريا باطنيا. في السطر الثاني ترد كلمة "العجوز" مرة أخرى، مما يؤكد على أهميتها في النص، سيما وأن القصيدة التي أمامنا هي قصيدة نثر، من سماتها التكثيف الشديد وعدم تكرار الكلمات فيها عبثا. أما جملة "لا أظُنُّها إلا قد ماتت" تزيد من جو الكآبة الذي شعرنا به من قراءتنا للسطرين الأول والثاني. والجملة التالية ("منذ ثلاثة أيام...") تكشف لنا السبب الذي أدى بالمتكلم إلى الظن بأن "العجوز" "قد ماتت"، وتشكل المحور الذي تدور حوله أحداث النص فيما بعد. إن اختفاء "العجوز" لم يثر المتكلم فحسب، وإنما أيضا "نزلاء البناية" التي يسكن فيها. والسؤال: "لِم هذا الشعور المتشائم بأن كلَّ غيابٍ هو موتٌ نهائي؟"، الذي ينقطع السرد ابتداء منه، يبدو وكأنه رد على من قال إن "العجوز" "قد ماتت". وهذا القائل قد يكون شخصا آخر غير المتكلم، أو المتكلم نفسه إذا كان يقيم مونولوجا مع نفسه. وتكشف لنا الجملة اللاحقة أن "العجوز" مبدعة، مما يؤكد على كونها عجوزا غير اعتيادية. وإن الجملة التي تبدأ بـ "ألم" تضفي إبهاما آخر على "العجوز"؛ إذ ما دامت "العجوز" "ضريرة"، فكيف يمكنها التأمل في المرآة؟ ثم أي صور هي هذه التي "جعلتها ضريرة"؟ وقد نعيد القول بأن تأمل العجوز هو بصيري، وبهذا نكون قد أجبنا عن السؤال الأول، أما السؤال الثاني فنعجز عن الإجابة عنه، وبهذا لا يمكننا إغلاق الفجوة التي يخلقها. ويستمر المتكلم في تبرير سبب غياب "العجوز"، وكأنه شخص ذو علاقة قريبة بها. أما جملة "إنَّها عجوزٌ قبل كلّ شيء" فيحتمل أن يكون قائلها شخصا يتغاضى عن إبداع "العجوز" ويستهتر بها، وهو بذلك بخلاف المتكلم الذي ينظر إليها نظرة مغايرة، تنم عن تعاطف معها. وقول أحد النزلاء الذي يأتي به الجنابي قبل نهاية النص يكشف لنا بشكل أكيد عن استهتاره بالـ"عجوز" وتعاليه عليها، وذلك من خلال استخدامه لكلمة الحضرة الإلهية "فليكن"، وكلمة "عجوز" بدلا من "العجوز"، وفوق ذلك إقران الفعل "صرّح" به، والذي يستخدم عادة في الصحافة ويرتبط بأناس يلعبون دورا مركزيا من الناحية السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية وغير ذلك. وبالإضافة إلى ذلك، إن هذا النزيل لا يهتم باختراق الإبهام الذي يتعلق باختفاء "العجوز". أما جملة "إنه على حق: مبهمٌ فحسب" فيبدو وأن لها وظيفة معيّنة، وإلا لما كررها الجنابي. ونعتقد بأن هذه الجملة هي عبارة عن تعليق صادر من المتكلم، يهدف بواسطته إلى السخرية من النزيل المصرّح، كما قد تعني أن إبهام "الباب" يثير تأمله وتفكيره، وهذا ما تؤكد عليه نهاية النص "إذن،/ شيءٌ ما يسري ."، التي تفصح عن تفكير المتكلم ورغبته في معرفة ما يجري خلف باب بيت "العجوز". كما أن هذه الجملة تدل على أن هناك أمرا عظيما هائلا مبهما يحدث في الداخل، خاصة بسبب استخدام "ما" الإبهامية، والنص نفسه لا يكشف عنه. وتجب الإشارة إلى أن الغموض لا يكتنف اختفاء العجوز فحسب، وإنما النص ككل أيضا، الذي لا يشفي غليل القارئ ولا يخرجه بشيء أكيد حتى لو وصل في قراءته إلى نهايته.
• الفكرة المركزية: لا توجد فكرة مركزية محددة وواضحة للنص، لكن مع ذلك، فإننا لاحظنا أن "العجوز" هي محور النص. وقد يريد الجنابي من خلال هذا النص الكشف لنا عن أفكار وآراء وقناعات "نزلاء البناية" فيما يخص "العجوز"، المخلوق الغامض الخارق. وهؤلاء "النزلاء"، وبضمنهم "الأنا"، قد يمثلون فئتين من الناس: فئة تأنف من الغريب الغامض، وفئة، يمثلها "الأنا"، تتعاطف معه وتسعى إلى كشف غموضه. وبما أن الغموض الذي يكتنف "العجوز" يكتنف النص أيضا فقد ترمز هذه "العجوز" إلى النص الشعري الغامض، الذي يمثله هذا النص بالتحديد، خاصة وأن الجنابي يذكر فيه أن لهذه "العجوز" علاقة بـ"الكتابة". أما "نزلاء البناية" فقد يرمزون إلى قراء الشعر المختلفين، فمنهم من ينبذ هذا النص وأمثاله، لأنه لا يريد تفعيل ذهنه وفك أسراره، ومنهم، كالمتكلم في النص، من يصر على التعامل مع هذا النص الغريب وكشف مكامنه. كما قد ترمز "العجوز" إلى عالم الشعر، و"النزلاء" إلى الشعراء المختلفين، فمنهم من لا يدأب على اختراق خفايا عالم الشعر، ومنهم من يدأب ويصر على اختراق مجاهيل هذا العالم، كالمتكلم، الذي يمثل في هذه الحالة الشاعر الحقيقي. لكن هذه التأويلات هي مجرد افتراضات قد يدعمها العنوان أو ينفيها، وقد لا يتعلق بها حتى. لكن ما نفترضه هو وجوب تعلق العنوان بـ"العجوز" بصورة ما.
قراءة العنوان
إن العنوان لا يكشف لنا شيئا عن مضمون النص، بل على العكس من ذلك، فإنه يتطلب منا إعادة قراءة شاملة للنص للبحث عن دلالاته فيه. وهذا يعود إلى غموض النص والعنوان في آن واحد وتكثيفهما. وإن التكثيف يبدو في العنوان من خلال حصر "الله" اللانهائي في "كلمة" ومن غموض مفهوم هذا الحصر. وإن الغموض لا يتجلى في العنوان والنص فحسب، وإنما أيضا في العلاقة بينهما، التي تبدو عبثية، مما يضطرنا إلى محاولة اختراع صلة بينهما.
لقد لمسنا أثناء قراءة النص أن "العجوز" هي الكلمة المركزية فيه، وقد تشير كلمة "كلمة" إليها وتمثلها، أولا: لأن "العجوز" تشترك مع الـ"كلمة" في ناحية كونها أمرا يبدو هامشيا، خاصة وأن بعض "نزلاء البناية" قزّم "العجوز" ولم يُعن بأمرها. لكنَّ هذه "العجوز"، الشيء المهمل، والذي يبدو ضئيلا، هي مخلوق مبهم ومبدع. ومقابل ذلك، نجد في العنوان أن الـ"كلمة" تحوي "الله" بكل ما يوحي به من أمور لا نهائية، خفية ومبهمة، الأمر الذي يؤكد على أهمية هذه الـ"كلمة" وعظمتها، كـ"العجوز"، التي لمسنا تقدير المتكلم لها. وثانيا: إن اعتبار "العجوز" رمزا لقصيدة النثر الغامضة، أو لهذه القصيدة بالتحديد، يتفق مع ما تشير إليه الـ"كلمة"، وهو النص الكامل. فالـ"كلمة" إذًا، هي كناية عن عدة كلمات تؤلف قصيدة. وبناء على ذلك فإن المعادلة التي تتشكل لدينا هي: "العجوز" = "كلمة"= النص. أما "الله" الذي يشير إلى الغموض والإبهام والعظمة فإنه يتواجد في "العجوز" ـ الـ"كلمة" ـ النص. وبهذه الطريقة يشترك العنوان مع النص في سمة الميتا ـ شعرية، فالنص، كما ذكرنا، قد يشير إلى الغموض والإبهام في قصيدة النثر، والعنوان كذلك يشير إلى هذا الأمر. كما قد يتناول العنوان والنص معا القوة التي يمكن أن تحملها الكلمة في النص الشعري.
هـ) "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج" (17)
هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج
قُم اطلع أيها الشاعر :
كم من سماءٍ
تتجعدُ جبهتُها في الهاوية،
تُرْدِف أشعارَكَ المتظاهرة بالحياء،
وأنت تريد أن ترتعي في خبز الشهرة.
أين لحنُك.
ذرِ الذينَ...
تِه بالمجهول مسحورا
إلقِ بخبزك في المياه الراهفة :
فليس من مثوى.
القصيدة رسمٌ في بؤبؤ التنحّي :
بين الفوهة والهدف،
السرّة وبثور العيش...
كم من عالم يتراءى في شُقة القول
كِسرة فردوسٍ تَسْفكُ كلَّ ما فيه
وبشرخ لحظة
يَنْدُرُ في متحف وهميّ،
ممدّدًا بلا هرير،
لا يُكشّرُ حتى عن هَمهمةِ ضوءٍ
يستوقدُها منبوذون في أطواء المدينة.
قم أيّها الشاعر :
إنّك لست إلا...
بهذا
أو مت.
قراءة النص
يتألف نص القصيدة من ستة مقاطع. في المقطع الأول يحث الجنابي "الشاعر" على القيام والطلوع. ويبدو من هذا أن "الشاعر" غارق في أمور أخرى. وتأتي الأسطر اللاحقة لتعْلِمنا بأن هذا "الشاعر" يجعل المصائب ("سماء تتجعد جبهتها في الهاوية") مصدرا لأشعاره، مما يعني أن شعره مقترن بالحادثة. وفوق ذلك، إن هذا "الشاعر" يسخّر الشعر لخدمة مآربه الشخصية، كالشهرة. أما السؤال الذي يؤلّف المقطع الثاني من النص فقد يعني أن الجنابي يسأل ذلك "الشاعر" عن شعره الحقيقي الأصيل، النابع من دوافع شعرية فحسب، وكأنه يقول له: أين أصالتك. وإن عدم وجود علامة استفهام في نهاية السؤال قد يدلنا على أن الجنابي لا يريد الاستفسار عن لحن "الشاعر"، وإنما التعبير عن عدم وجود لحن له ونقده لذلك. ويأمر الجنابي "الشاعر" في المقطع الثالث بأن يترك "الذين"، وهو اسم موصول، لا توجد له جملة صلة في النص، وبهذا فإنه يدل على جماعة غير محددة. لكن مع هذا، بإمكاننا أن نقول بأن لـ"الذين" تأثيرا سلبيا على "الشاعر"، وإلا لما أمِر بتركهم. ومن ثم يأمر الجنابي "الشاعر" بأن يتفرغ للمجهول، وينطلق غير مقيد بأي قيد. وجملة "إلقِ بخبزك في المياه الراهفة" قد تعني طلب البحث عن الدقة في الشعر. أما في المقطع الرابع فإن الجنابي يعرّف "الشاعر" بماهية القصيدة الحقيقية. وقد تعني عبارة "رسم في بؤبؤ التنحي" أنه على القصيدة أن تكون دقيقة، ونقية جدا، بحيث تتنزه عن الأطماع المادية (18)، وهذا لأن "التنحي" يعني الكلام النقي الفصيح الخالي من الأخطاء. وفي المقطع الخامس يلمح الجنابي إلى الشعر المزيف الذي يغذي الأوهام، فيتحدث عن القصيدة ("شُقة القول") التي تصور العالم وكأنه "كسرة فردوس". وجملة "تسْفكُ كلَّ ما فيه" لها إيحاء سلبي، لأن الفعل "تسفك" يقترن عادة بالدماء. وعليه، فإن "كسرة" الـ"فردوس" تصب كل ما في العالم بشكل سلبي، أي أن القصيدة هذه تشوه العالم، الذي سرعان ما يبدو ككلب ممدد لا يقوى على الـ"هرير" حتى، أو على إشعال القليل من الضوء. وهذا يعني أن هذا الشعر هو شعر معتم، لا يقدم أية خدمة إيجابية، وبهذا فهو يناقض رسالة الشعر الحقيقية. ونشعر بأن الجنابي أراد في هذا المقطع تحذير "الشاعر" وجعله يعتبر. أما في المقطع السادس فإن الجنابي يكرر حث "الشاعر" على النهوض مما هو فيه. وجملة "إنك لست إلا .../ بهذا" قد تعني أن "الشاعر" لن يبقى أو يكون إلا إذا اتبع ما أمِر به في النص وحمله محمل الجد، أما إن لم يفعل ذلك فيأمره الجنابي بأن يموت، والموت هنا يعني الموت شعريا، أي أن يتوقف "الشاعر" عن الكتابة وبث أشعاره.
• الفكرة المركزية: حث "الشاعر" الوصولي على الكف عن العبث بالشعر، والحذر عند تناوله هذا الموضوع.
قراءة العنوان
قبل الشروع في تأويل هذا العنوان يهمنا أن نشير إلى أن الجنابي نشر النص الذي نحن بصدده في كتابه شيء من هذا القبيل (1992) تحت العنوان: "هذا الصباح، الليل". ويشير الجنابي في هذا الكتاب إلى أن هذه القصيدة كتبت في الأساس ضد الشعراء المشاركين في مهرجانات المربد، وإلى أنه فكر بنشرها تحت العنوان: "ضد سعدي يوسف حتى!"، إثر سماعه حصول الشاعر سعدي يوسف (ولد 1934) على جائزة الإمارات لعام 1992 (19). لكنَّ هذا العنوان الأخير هو أوضح بكثير من العنوانين الآنفين، وخاصة من العنوان الذي نحن بصدده. فلو جعل الجنابي عنوان قصيدته "ضد سعدي يوسف حتى!" لأصبحت علاقته بالنص واضحة، وذلك لأن هذا العنوان سيعبر في هذه الحالة عن انتقاد الجنابي للشعراء الذين يخدمون النظام بشعرهم لغاية التكسب، ومنهم الشاعر سعدي يوسف (20). ويبدو أن كون العنوان "ضد سعدي يوسف حتى!" يميل إلى الوضوح والمباشرة أدى بالجنابي إلى التنازل عن فكرته، ووضع عنوان آخر للنص، قد يفوق العنوان الأول "هذا الصباح، الليل" كثافة، بسبب التركيب الأكسيموروني (21) "ليلٌ يتوهّج".
إن العنوان الذي نحن بصدده يصدمنا؛ إذ يبدو وأنه لا يتعلق بتاتا بـ"الشاعر" أو بالعمل الشعري، مما يؤدي بنا إلى اختراع رابط بينه وبين النص، يعيننا على تأويله. فإن الشق الأول من العنوان ("هذا الصباح") لا يرتبط بأية كلمة في النص تقريبا، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار إيحاءات كلمة "الصباح" المختلفة، ومنها: النهوض، العمل، التجدد، طلوع الشمس وغيرها. فهذه الإيحاءات ترتبط بالسطر الأول من النص، وذلك لأن القيام والطلوع يحدثان في الصباح عادة. لكنَّ "الصباح" لا يعني "الشاعر"، الذي يبقى عالقا في أمور أخرى، تخالف النهوض، القيام والعمل. وبدلا من أن يكون الشق الثاني من العنوان متناسبا مع إيحاءات الصباح (مثلا: "هذا الصباح، شمس تتوهج") نجده مخالفا لها، لأنه يوحي بسلبية شديدة، لا سيما وأنه يعني ليلا شديد الظلمة. ولقد ذكرنا خلال قراءتنا للنص أن ذلك "الشاعر" يهدف إلى التكسب بواسطة الشعر، وينتج شعرا مظلما، يقتل العالم، ولهذا السبب فإنه يتناسب مع "ليل يتوهّج"، لأنه يشيع الظلمة الشديدة، كالليل، وذلك من خلال أشعاره التي تنشر الجهل وتسيء للأصالة الشعرية. كما قد تعني عبارة "ليل يتوهّج"، بالإضافة إلى العتمة الشديدة، أن هذه العتمة بارزة وواضحة للعيان، أي أن قصائد ذلك الشاعر سلبية بشكل واضح ومكشوف.
و) "ليت الحصانَ كان وحيداً" (22)
ليت الحصانَ كان وحيدًا
إلى محمود درويش
القضيّة ينزُُّ من شفتيها الدم
متمددة على رمل النسيان
يدلك ظهرَها شعاعٌ من الحنين
يوقظُها أدنى الذكريات
القضيّة شلال من الأوراق
آتٍ بلا مجيء
في لمح البصر
يتلاشى
بين أرجل الشعارات
وحجر الصّوان
القضيّة حصان
أنْ يخرجَ
ذات يوم كالطفل
من حمّام الجميع.
"يمضغ الريحَ"
"ويؤنس البيتَ"
فتُسْجَر آبار
فيها مَصْحاة
من سُكْر التي واللتيّا
القضيّة، ذا هي ...
كيلومترات
نجمٌ بَليلٌ
في موجهة البرد،
في لجّ سلام
تلحسُ الحربُ ضفافَه.
قراءة النص
إن النص مقسم إلى أربعة أقسام، يحمل كل منها فكرة معيّنة. فنجد أن موضوع القسم الأول هو "القضية" المُهْمَلة المنسية، والتي لا يعتني بها أحد. بيد أننا لا نعرف في هذه المرحلة عن أية قضية يتحدث الشاعر بالضبط. ويتناول القسم الثاني السبب المؤدي إلى السوء المهيمن على حال "القضية"، وهو السطحية في معالجتها. وإن كلمة "حجر" في هذا القسم توحي لنا بأن القضية المتحدث عنها هي القضية الفلسطينية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه كثيرا ما تستعمل كلمة "القضية" وحدها بينما يراد بها الكلمتين: "القضية الفلسطينية". أما عبارة "شلال من الأوراق" فقد تشير إلى الكتابات التي تكتب حول "القضية"، والتي على الرغم من كثرتها فإنها لا تفيد هذه "القضية". كما نلاحظ أن توظيف الجنابي لكلمة "شلال" يفيد السخرية، وما يدل على هذه السخرية هو وصف الـ"شلال" بأنه "آتٍ بلا مجيء"، أي لا فائدة منه. ويقترح الجنابي في القسم الثالث تحرير "القضية" من السطحية في معالجتها، من خلال تعريف ماهيتها. وأكثر ما يلفت انتباهنا في هذا القسم هو التناص مع قصيدة محمود درويش "أبد الصُبَّار" (23) من الديوان لماذا تركت الحصان وحيدا. وما يدلنا على وجود التناص هو استعمال كلمة "حصان" والجملتين: "يمضغ الريحَ" و"يؤنس البيتَ". وإذا عدنا إلى "أبد الصُبَّار" لوجدنا أن درويش يوظف هذه الكلمات توظيفا ضخما ومؤثرا في نفس القارئ، أما الجنابي فيوظفها بشكل مغاير، يجعلنا نشعر بأنه أراد أن يبطل من سحرها وقوة تأثيرها الموجودين في قصيدة درويش. ففي البداية نلاحظ السخرية الناتجة عن الربط بين الكلمتين "حمّام" و"حصان"، ولقد أراد الجنابي من خلال هذا الربط المطالبة بعدم العبث بـ"القضية". كما أن "يمضغ الريح" عند الجنابي تعني مقاومة الغربة والشدة، المشار إليهما بكلمة "ريح"؛ أما "ويؤنس البيت" فيقصد بها إلغاء الوحشة المخيمة على وضع "القضية" في ظل معالجتها بطرق غير سليمة، لا إيناس بيت بعينه والمحافظة عليه وقت غياب أصحابه كما نجد في قصيدة درويش. ونعتقد أن الجنابي أراد بواسطة هذا التناص مع قصيدة درويش توجيه نقد إلى الشاعر درويش، وربما إلى غيره من الشعراء والكتاب الذين، كما يلمح الجنابي، يكثرون الحديث عن القضية الفلسطينية في كتاباتهم إلى درجة تضخيمها وتهويلها دون المساهمة في حلها فعلا. أما الجنابي فيحاول التخفيف من حدة هذين التهويل والتضخيم. ويمكن أن يكون الجنابي قد اختار كلمات من قصيدة درويش بالذات لأنه أشهر شاعر فلسطيني تحدث عن القضية الفلسطينية في شعره. ويقدم الجنابي في القسم الرابع نتيجة معالجة "القضية" بطرق سليمة، وهي الـ"سلام". فعندما يخرج الـ"حصان" من "حمّام الجميع"، أي عندما يُكف عن العبث بالقضية، ستبدو هذه "القضية" كائنة في عرض الـ"سلام".
• الفكرة المركزية: نقد الجنابي لظاهرة العبث بالقضية الفلسطينية بواسطة الكتابة.
قراءة العنوان
عند قراءتنا للعنوان لا نفاجأ، لأن النص كان قد مهدنا للقاء مثل هذا العنوان الذي نجد عناصره منتشرة في هذا النص، وخاصة في القسم الثالث منه. ويهمنا أن نشير إلى التناص الموجود في العنوان، وذلك مع قصيدة "أبد الصُبَّار" ومع عنوان ديوان درويش لماذا تركت الحصان وحيدا. وهذا التناص أنتج مفهوما جديدا لعنوان الجنابي. ففي قصيدة درويش يحتج الابن أمام أبيه على كونه ترك "الحصان وحيدا"، ويطغى الاحتجاج على كل الديوان من خلال عنوانه لماذا تركت الحصان وحيدا، الذي يصبح فيه هذا الاحتجاج فلسفيا وواعيا بخلاف احتجاج الصبي في "أبد الصُبَّار" (24). أما في عنوان القصيدة التي نحن بصددها فيتمنى الجنابي لو كان "الحصان وحيدا". لكن يجب أن ننبه إلى أن كلمتي "الحصان" و"وحيدا" تتخذان عند الجنابي دلالات مجردة ومغايرة، فكلمة "الحصان" أصبحت تدل على القضية الفلسطينية، أما كلمة "وحيدا" فإنها عند درويش تعني أن الحصان تُرك وحده دون وجود أحد يرعاه، لكن عند الجنابي فإنها تعني عدم وجود شعارات وأشعار تعبث وتتأرجح بهذا "الحصان"، أي بالقضية الفلسطينية.
وبعد هذا، يمكننا أن نقول إن العنوان لم يخالف تأويلنا للنص ولم يقلب المعنى الذي بلورناه في ذهننا، لكنه ركز لنا المعطيات في هذا النص، وذلك من خلال التشديد على أحد العناصر التي وجدناها فيه، وهو الكف عن العبث والتأرجح بالقضية الفلسطينية من خلال الكتابة، وجعله عنصرا مركزيا.
الإهداء: "إلى محمود درويش"
في ضوء قراءتنا للنص وللعنوان المركزي نجد أن هذا الإهداء يعبّر عن نقد للشاعر محمود درويش. فكون درويش شاعرا ملتزما، أخذ على عاتقه معالجة القضية الفلسطينية في شعره، دفع الجنابي إلى انتقاده ولفت انتباهه إلى كثرة التلاعب بالقضية الفلسطينية في الشعر، أو حتى مهاجمته، لا سيما وأن الجنابي يتهمه في أكثر من موضع بأنه يعتاش ويشتهر على مآسي الشعب الفلسطيني من خلال إلصاق شعره بالقضية الفلسطينية (25). لكن قد يكون الجنابي أراد من خلال الإهداء دعوة درويش لأن يقف بدوره ضد الشعارات وكثرة القصائد غير القيّمة التي تدور في فلك القضية دون أن تعود بالنفع عليها.
وإذا انتقلنا في تأويلنا إلى نطاق أوسع، يمكننا أن نقول إن الجنابي يعارض الشعر الذي يتاجر بالقضايا الوطنية والسياسية لإبراز ذاته، أو بعبارة أخرى: شعر الحادثة. ولقد وضح الجنابي هذا الأمر مرارا في كتبه ومقالاته المختلفة (26). وموقف الجنابي هذا ينبع، بالطبع، من كونه شاعرا أمميا، ينتمي إلى الحركة السريالية التي تنبذ التذبذب السياسي وجعل الشعر في خدمة السياسة.
قراءة ثانية لعنوان الفصل
علينا أن نشير في البداية إلى أننا لا ننوي قراءة عنوان هذا الفصل من خلال التنقيب داخل القصائد عن كلمتي "تأصيل" و"ينابيع" أو عن مشتقاتهما ومرادفاتهما فحسب، وإنما أيضا عن إيحاءاتهما ودلالاتهما المختلفة والمتعددة داخل هذه القصائد، وذلك لأن البحث عن الكلمتين عينهما، أو عن مرادفات ومشتقات لهما، لن يساعدنا كثيرا في هذه الحالة، كما أنه يعطينا صورة مغلوطة عن قوة العنوان التمثيلية، سيما وأن كلمتي العنوان ومرادفاتهما تعد نادرة داخل قصائد الفصل عامة، والقصائد المعالجة خاصة.
ونود فيما يلي البحث عن تعالقات عنوان الفصل بكل قصيدة من القصائد الست التي بحثنا في عناوينها:
أ) "مهاجرو الداخل"
إن المقطع الأول من القصيدة يرتبط بناحيتي التهويل والتضخيم اللتين أوحت بهما كلمة "ينابيع"، وذلك من خلال تعرضه لأمور تعتبر بالنسبة للبعض عظيمة وموضع افتخار ("مصعدا"، "ساحة" و"مقصا")، لكنها في الواقع أمور يرفضها "مهاجرو الداخل". أما المقطع الرابع فإنه يرتبط بقوة بكلمة "تأصيل" بواسطة كلمة "أصلا"، التي تعود إلى الجذر ذاته (أصل). ويوضح المتكلمون ماهية الأصل الذي يريدونه في المقاطع 5-7، والتي نفهم منها بأن هذا الأصل هو قصائد جديدة ومختلفة، لا أمور محسوسة، كتلك التي ترد في المقطع السادس ("الرأس"، "اليد"، "الذراع" و"التراث")، والتي تتوافق مع التهويل والتضخيم في كلمة "ينابيع". وبإيجاز، يمكننا أن نقول إن كلمة "تأصيل" تتناسب مع الشعر الحقيقي المختلف الذي يطالب به "مهاجرو الداخل"، والخالي من الـ"ينابيع"، أي من الأمور الهائلة في ظاهرها والفارغة في باطنها.
ب) "حُلُم"
إن ارتباط عنوان الفصل بهذه القصيدة يعتبر أقل وضوحا من ارتباطه بالقصيدة السابقة. ولقد ذكرنا أن موضوع هذه القصيدة هو دخول الحلم في عملية الإبداع الشعري، باعتباره المادة الأساسية لكل قصيدة. ونعتقد بأن الـ"تأصيل" هنا يتم من خلال إعلام القارئ بأن الـ"حلم" هو من أصول عملية كتابة القصيدة وأحد دعائمها. أما كلمة "ينابيع" فلم نجد ما يناسبها في القصيدة لا من قريب ولا من بعيد.
ج) "صناعة الشِّعْر"
إن كلمة "تأصيل" ترتبط بعملية التكوين الشعري في هذه القصيدة، فنلاحظ أن كلمة "ضلع" في بداية النص تدل على أصل من خلال إيحائها لنا بأصل تكوين حواء. ويركز النص على طريقتين لصناعة الشعر. الطريقة الأولى هي طريقة "الأنا"، التي يبلغ بمساعدتها غايته، ولذا نعدها طريقة أصيلة راسخة في خلق الشعر، وبهذا فإنها تتناسب مع كلمة "تأصيل". ومقابل هذه الطريقة يقدم الجنابي طريقة الشاعر التقليدي المتشبث بالأوزان التي تمنح القصيدة موسيقى خارجية، لكنها لا تضيف شيئا جوهريا إليها. والأوزان التي يعتبرها الجنابي شيئا غير جوهري، يوقع الشاعر من سلم الشعر، تتناسب مع كلمة "ينابيع" التي تدل على التهويل والخلو من الجوهر.
د) "الله في كلمة"
إن عنوان الفصل يرتبط بهذه القصيدة بشكل غامض للغاية. وإذا قلنا إن عنوان الفصل يدعو إلى التمسك بالجوهر ونبذ السطحي، فإننا نجده يرتبط بعنوان القصيدة ونصها في آن. فعنوان القصيدة، كما ذكرنا، يتحدث عن الغموض والقوة الكامنين في الـ"كلمة"، التي تبدو شيئا ضئيلا هامشيا. وبهذا نجده يُبرز نظرة الجنابي المتحدية للشعر الذي يهوّل الأمور، بدلا من يقدمها بشكل بسيط، لكنه يخبئ قوة هائلة. وهذه النظرة تتناسب بلا شك مع كلمة "تأصيل". أما النص نفسه فيكشف عن نظرة نزلاء البناية للعجوز، وهي نظرة تنم عن سطحية في التفكير، مما يجعلها متناسبة مع كلمة "ينابيع"، وعن نظرة "الأنا" العميقة للعجوز، والتي تتناسب مع كلمة "تأصيل".
هـ) "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج"
إن الإيحاءات السلبية في كلمة "ينابيع"، كالتهويل والتضخيم، تتعلق بالشاعر الوصولي وبأشعاره غير الحقيقية، التي تفرزها الظروف العصيبة. أما الـ"تأصيل" فيتجلى في محاولة الجنابي تعليم ذلك "الشاعر" ماهية الشعر الحقيقي وتحذيره من كتابة الشعر غير الحقيقي.
و) "ليت الحصان كان وحيدا"
إن كلمة "تأصيل" تتناسب في هذه القصيدة مع محاولة الجنابي تقديم حل راسخ ثابت للقضية الفلسطينية، دون المتاجرة بها من خلال "ينابيع" من القصائد التي لا تساهم في حلها. وبالإضافة إلى ذلك، إننا نجد كلمات معيّنة في النص ترتبط بعنوان الفصل. فكلمة "شلال" تتناسب مع كلمة "ينابيع"، لأنها تنتمي مثلها إلى معجم الماء، وتشير إلى الفوران والتهويل والخلو من الجوهر. كما أن كلمة "حمّام"، التي تشير إلى الكثرة والاستهتار في آن، قريبة بهذا المفهوم من كلمة "ينابيع" وإيحاءاتها. أما كلمة "تأصيل" فإن المعطيات القريبة منها في النص تعتبر أقل وضوحا. لكن مع ذلك، فإذا نظرنا إلى كلمة "آبار" نجدها تشير إلى العمق، وبهذا ترتبط بكلمة "تأصيل"، وبعد خروج "الحصان من حمّام الجميع" ستُملأ هذه الـ"آبار"، أي ستتم معالجة القضية بعمق. وفوق ذلك، إننا نجد علاقة وثيقة بين كلمة "تأصيل" وكلمة "لج" في المقطع الأخير من النص، مما يدفع بنا إلى القول إن "تأصيل" القضية كائن في عمق الـ"سلام" وعرضه.
"سراب العارف" (27)
لقد نوينا التوقف عند قصيدة "سراب العارف"، المهداة إلى الشاعر أنسي الحاج (ولد 1937)، لعلاقتها الوطيدة بعنوان الفصل، والتي من شأنها أن تؤكد على الصبغة السلبية في كلمة "ينابيع".
إن الجنابي يخاطب في نص القصيدة شخصا، لا نستبعد أن يكون الشاعر أنسي الحاج نفسه، لا سيما وأن هناك إشارات عديدة داخل القصيدة تكشف لنا أن المخاطب هو أنسي الحاج. فالعنوان "سراب العارف" يشير، كما يقول الجنابي في هامش القصيدة، إلى الاسم الذي كان يوقع به أنسي الحاج معظم مقالاته في "النهار" بين 1976 و1980، هذا بالإضافة إلى الإهداء "إلى أنسي الحاج"، الذي يعتبر الجزء الثاني من العنوان. أما النص نفسه فإنه يحوي أسماء أعمال لأنسي الحاج، وإشارة إلى "برج الأسد" الذي ينتمي إليه الحاج (28).
ويبدأ الجنابي النص قائلا: "إذا حاقت بك كتلة الضوء، اصعد الجبلَ، اعتلِ كلّ شيء، الجلامدَ الجرداء والسارحين أنبياءَ فوق الشعوب وذراهم العاليات، فكأنك سماء تمتد فوق قباب الخطب ونوافل الكلام". ويعدد الجنابي بهذه الكلمات أمورا هائلة في ظاهرها، ويطلب من المخاطب العلو فوقها وتجاوزها، مما يدل على أنها أمور سلبية، وهي بهذا تتناسب مع الإيحاءات السلبية في كلمة "ينابيع". ويؤكد الجنابي دعوته هذه في السطر الثالث قبل الأخير من النص، قائلا: "اصعد، إذا حاقت بك كتلة الضوء من كل هذه الينابيع". ومن هنا نلاحظ أن كلمة "الينابيع" موجودة داخل سياق سلبي، لأنها باعتقادنا تعود على الكلمات التي ذكرها الجنابي في بداية النص ("الجلامد الجرداء والسارحين أنبياء فوق الشعوب وذراهم العاليات...")، وبهذا تتأكد الصبغة السلبية في كلمة "ينابيع" في عنوان الفصل أيضا.
وإن أمر الجنابي للمخاطب، الذي نظن بأنه أنسي الحاج، بأن يصعد من "الينابيع" يأتي في ضوء عدم فهم المجتمع العربي الإسلامي لشعرية الحاج التجديدية وعدم تقبله لها. ولهذا السبب نلحظ تشجيع الجنابي لهذا الشاعر ومؤازرته له على طول القصيدة (29).
وبعد هذه القراءة لعنوان الفصل بإمكاننا أن نقول إن موضوع هذا الفصل هو شعري بحت، بحيث أن كل قصيدة من قصائده ابتداء من عنوانها تعالج جانبا من جوانب موضوع الشعر، كقضية الشعراء المجددين الذين يشعرون غرباء في أوطانهم لنشاطاتهم التجديدية في "مهاجرو الداخل"، وقضية الحلم في عملية الإبداع الشعري في قصيدة "حُلُم"، والاعتراض على الشعر الذي يستغل القضايا الوطنية والسياسية لإبراز ذاته في "ليت الحصان كان وحيدا"، وعلى الشعراء الوصوليين الذين يخدمون النظام في "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج". وكل هذه القصائد مجتمعة تبرز ماهية الشعر الحقيقي الذي يؤمن به الجنابي. ولقد كان عنوان الفصل بمثابة الصدى الذي يتردد في كافة القصائد، وذلك من خلال نبذها للسطحي ("ينابيع") وتمسكها بالجوهر ("تأصيل") فيما يخص عالم الشعر.
قراءة ثانية لعنوان الديوان
سوف نبحث في هذه القراءة عن كلمات عنوان الديوان وعن حقولها الدلالية داخل الفصل "تأصيل بلا ينابيع" على وجه الخصوص، متركّزين في القصائد التي بحثنا في عناوينها، إلا أن هذا لن يمنعنا من التعرض أيضا لقصائد أخرى في نفس الفصل، خاصة وأن هذا الأمر يعيننا على تأويل عنوان الديوان بشكل أدق.
ويجدر بنا أن ننبه إلى أمر هام بصدد البحث في كلمة "حياة"، الكلمة الرئيسية في عنوان الديوان، وهو أننا نبتغي البحث في هذه الكلمة في الأساس من خلال اقترانها بالحرف "ما"، الذي يفيد الإبهام والمجهول، وبعبارة "بعد الياء"، التي تفيد اللانهائية واللامحدودية والتجاوز، وذلك لأن تميز الـ"حياة" التي يقدمها عنوان الديوان متوقف على ارتباطها بتتمتها "ما بعد الياء". وبالإضافة إلى ما قيل، يجب ألا ننسى أن كلمة "الياء"، التي لا تظهر على الإطلاق في متن الديوان، تربط كلمة "حياة" بعنصر اللغة كما أسلفنا، وتنقل العنوان ككل إلى مستوى ميتا ـ شعري. وإن قوة العبارة "بعد الياء" التي تحوي هذه الكلمة تعود إلى كون الانطلاقية والتجاوز اللذين تعبر عنهما يتعلقان باللغة وبغيرها من الأمور في الوقت نفسه. فلو شاء الشاعر تجاهل الانطلاقية في اللغة لوضع كلمة "النهاية" بدلا من كلمة "الياء"، لكن باستخدامه لهذه الكلمة يوسع مجالات انطلاقية هذه الـ"حياة" لتشمل اللغة أيضا.
وبناء على ما قلناه، فإن البحث بصورة عامة لن يتم عن الـ"حياة" ذاتها، وإنما عن عناصر التجاوز، التحدي، قلب المعايير، اللاتناهي والغموض في هذه الـ"حياة"، وذلك فيما يتعلق بالمجال اللغوي على وجه الخصوص.
أ) عناصر التجاوز التحدي وقلب المعايير
إن المشترك بين هذه العناصر هو الثورة على السائد وكسره. وتبرز هذه العناصر في هذا الفصل من خلال طرح مفهوم الجنابي الشعري المغاير للمفاهيم الشعرية السائدة والثائر عليها. ففي قصيدة "مهاجرو الداخل" نجد هذا التجاوز بدءا من العنوان، وذلك لأنه يتعرض لقضية الشعراء الحقيقيين ذوي الرؤيا المخالفة للسائد، والذين يُعدّون غرباء في أوطانهم. ويأتي النص ليركز على التغيير والتجديد وتجاوز المألوف شعريا. فالمقطع الثالث، مثلا، يركز بشكل حاد على عنصري الثورة على السائد وقلب المفاهيم، والمقطع الخامس يدلنا على أن "مهاجرو الداخل" يحيون حياة ثورية مغايرة لحياة "الأحياء"، يأتون فيها بقصائد متجاوزة مختلفة عن تلك التي يألفها "العالم الآخر". ويبرز عنصر التحدي فكريا ولغويا في قصيدة "الحنين رغيف تأكله زوجتي"، وخاصة حينما يقول الجنابي: "ماذا أفعل حتى تكون للإيمان يدٌ بيضاء/ وحجري الأسودُ كتلة نهار في مخدعٍ/ وسجادتي في إحدى الحانات/ صلاةُ رئةٍ مليئةٍ بأوكسجين الخيال" (30). وهنا لا يتحدى الجنابي عناصر مقدسة في الدين الإسلامي فحسب، وإنما أيضا يجند هذه العناصر بطريقة لغوية خاصة ليعبر عن انطلاقية فكره. أما في قصيدة "سراب العارف" فيحث الجنابي المخاطب، الذي قد يكون أنسي الحاج، بشكل بارز وواضح على الصعود والانطلاق وتجاوز كل شيء. كما أن استخدام الاسم "أنسي الحاج" في عنوان القصيدة ووجود عدد كبير من عناوين أعمال هذا الشاعر في النص هما أمران بحد ذاتهما يتضمنان تحديا وثورة، لكون أنسي الحاج شاعرا مجددا ثائرا على الأعراف والتقاليد كالجنابي. ونعثر في قصيدة "صناعة الشِّعْر" على طريقة غريبة، تكسر المألوف، في صناعة الشعر. فالمتكلم هو شاعر يكوّن القصيدة وهو في حالة ما بين النوم واليقظة، ويتقمص دور النبي محمد، الذي صعد إلى السماء، ليصعد إلى عالم الشعر وينطلق فيه، وهو في النهاية يصل إلى هدفه، وهو تكوين قصيدة. ومن خلال تقديم الجنابي للقارئ طريقة "الرجل"، الذي يمثل الشاعر المقيد بالأوزان، في تكوين القصيدة أراد أن يؤكد على تجاوز الحدود والقيود الشعرية التقليدية وعلى تجاوز الشعراء التقليديين الذين يسقطون من سلم الشعر نتيجة هذه القيود. ويبرز عنصر الانطلاق واختراق الحدود في قصيدة "الله في كلمة"، متمثلا في شخص المتكلم الذي قد يكون كاتب قصيدة النثر أو قارئها، غير المقتنع بإجابة الـ"نزلاء": "الباب مبهم فحسب"، وإنما يقف عند ذلك "الباب" مصرا على اختراق مكنونات عالم "العجوز"، الذي يمثل عالم الشعر الغامض. وتبرز دعوة الجنابي إلى إطلاق الشعر وعدم تقييده بمطامع شخصية أو بآراء سياسية في "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج" وفي "ليت الحصان كان وحيدا". ففي "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج" يحث الجنابي الشاعر الذي يستغل الشعر للتكسب والشهرة على الانطلاق في عالم الشعر وخوض مكامنه ليصبح شاعرا حقيقيا يخدم الشعر، لا أن يستخدمه لخدمة مآربه الشخصية. وفي "ليت الحصان كان وحيدا" يدعو الجنابي إلى عدم تسخير الشعر لخدمة القضايا الوطنية والسياسية.
ب) اللاتناهي
إن هذا العنصر هو شديد الارتباط بالعناصر السابقة ومكمل لها، وذلك لأن اختراق الحدود وقلب المعايير يوصلان إلى اللانهاية.
لقد ذكرنا أن الـ"حياة" التي يقدمها عنوان الديوان هي ضد للنهاية ("الياء")، مما يعني أنها حياة لا نهائية، تتجاوز حدود الزمان والمكان. ويبرز عنصر اللاتناهي في قصيدة "حُلم"، وذلك عندما يقول الجنابي في سياق حديثه عن "البطل": "وكأن أشجارا تردفه بأشجار أخرى؛ بأزمنة لا متناهية، تصيّره إشارة برّاقة في قلب الشيء، يتكثف حتى تصير أشياؤه زمنا شعريا لا نهائيا". و"أشياء" الشاعر قد تكون قصائده، التي يتجاوز الزمن الشعري فيها حدود الزمن العادي إلى أزمنة لا نهائية، الأمر الذي قد يعني أن القصيدة لا تنتهي حتى بعد الانتهاء من كتابتها أو قراءتها. ويبرز عنصر اللاتناهي أيضا في قصيدة "انتفاضة عند حافة التفسير"، وذلك حينما يقول الجنابي: "صحائف النقد تتجمّع في يدي: العالم له بداية (وحدّ) في الزمان والمكان. لكن، من نافذة النقيض المواجهة لشارع أشجار الزيزفون، "العالم في الزمان والمكان، لا متناه" (31). فيقدم الجنابي في قوله هذا وجهة النظر المألوفة أولا، وهي أن للعالم بداية ونهاية، ومن ثم يأتي بوجهة النظر المخالفة لها. وتبدو جملة "العالم في الزمان والمكان، لا متناه" قريبة جدا من المفهوم الذي يطرحه عنوان الديوان، وذلك من خلال التقارب ما بين "العالم" والـ"حياة"، وما بين "بعد الياء" و"الزمان والمكان، لا متناه".
ج) الغموض
لا نقصد بهذا العنصر الغموض الذي ينكشف للقارئ بسهولة، وإنما ذلك الغموض الذي يكشفه القارئ بعد جهد جهيد، على أن هذا الكشف لا يوصله غالبا إلى دلالات أكيدة أو محسومة. ويبرز هذا العنصر في عنوان الديوان ليس فقط من خلال اختصاره وتكثيفة، وإنما أيضا من خلال استخدام "ما" الإبهامية فيه. ويظهر هذا النوع من الغموض الموجود في عنوان الديوان في قصيدة "الله في كلمة" بشكل خاص. فإن الغموض في هذه القصيدة هو ذو طبقتين: الطبقة الأولى هي الغموض الذي يحيط سبب اختفاء العجوز، والطبقة الثانية هي غموض النص نفسه بالنسبة للقارئ، لا سيما وأن القضية التي يعالجها هذا النص غير محددة، وإنما قابلة لعدة تخمينات. وما يزيد من عنصر الغموض في النص جملة النهاية "شيءٌ ما يسري"، بحيث تظهر فيها "ما" الإبهامية، التي تفيد التعظيم أيضا، لتدلنا على أن شيئا غامضا عظيما يحدث في شقة "العجوز" الموازية لعالم الشعر.
الهوامش
(1) Ferry, A. 1996. The Title to the Poem. Stanford: Stanford University Press. p. 32.
(2) Ferry 1996, pp. 203-204.
(3) ابن منظور، محمد بن مكرم. 1988. لسان العرب. بيروت: دار إحياء التراث العربي، مج 14، مادة "نبع"، ص 22.
(4) الجنابي، عبد القادر. 1995. (1) حياة ما بعد الياء. باريس: منشورات فراديس. ص 15-16.
(5) تعرض الشاعر فاضل العزاوي (ولد 1940) إلى هذه الحالة خلال حديثه عن طرق الوصول إلى الوعي الحلمي من أجل خلق قصيدة. الجنابي، عبد القادر. 1993. (1) انفرادات الشعر العراقي الجديد. الجزء الأول : الستينيون. كولن: منشورات الجمل. ص 464.
(6) أثناء حديث الجنابي عن صعوبات واجهها في الحصول على مواد تخص فترة الستينات العراقية يقول: "وثمة صعوبة أخرى هي الحصار المضروب على العراق مما عرقل الاتصال مع مهاجري الداخل من الشعراء والأصدقاء" (الجنابي 1993 انفرادات)، ص 13).
(7) الجنابي، عبد القادر. 1996. رسالة مفتوحة إلى أدونيس في "الصوفية" والسوريالية ومدارس أدبية أخرى. بيروت: دار الجديد. ص 11.
(8) الجنابي 1995 (1)، ص 17.
(9) الجنابي 1993 (1)، ص 452.
(10) الجنابي 1993 (1)، ص 460.
(11) الجنابي 1993 (1)، ص 460.
(12) الجنابي 1995 (1)، ص 26.
(13) لقد تطرق الشاعر فاضل العزاوي إلى هذه الطريقة، عند حديثه عن الطرق التي توصل الشاعر إلى الوعي الحلمي، قائلا: "ثمة طرق أخرى للوصول إلى الوعي الحلمي، وهي الكتابة عندما يكون المرء على ما مقربة من النعاس. (أن تكتب وأنت ما بين النوم واليقظة) سلم آخر إلى التفكير الحلمي بعد كف العقل الواعي عن المماحكة ورضاه بالهزيمة. وتحويل هذه الحالة إلى حالة يمكن استحداثها عن طريق تجارب مستمرة" (الجنابي 1993 (1)، 464).
(14) الجنابي، 22 نوفمبر 2003، "عبدالقادر الجنابي: عشية الكتابة، قالها شاعرٌ ومات: عشرون نثرا" (www.elaph.com ).
(15) الجنابي 1995 (1)، ص 8.
(16) الجنابي 1995 (1)، ص 27.
(17) الجنابي 1995 (1)، ص 29-30.
(18) وهذا يتفق مع ما قاله الجنابي في مقدمة الديوان وهو أن "الشعر سره الانغماس في أمداء التنحي المطلق" (الجنابي 1995 (1)، ص 9).
(19) عمري، هاشم. 2000. قصيدة النثر في الأدب العربي: نظرة شعراء الستينات العراقيين وجذورها (أطروحة ماجستير). حيفا: [د. ن.]. ص 90.
(20) يشير الجنابي إلى أن الشاعر سعدي يوسف كان من المعادين لجيل الستينات العراقي ولمبادئه التجديدية (كاللاوعي، اللامباشرة، اللاتراث...)، وهذه المعاداة تجلت في اتهام هذا الجيل بتشويه الشعر وبعرقلة تطوره. أما الجنابي فينتقد سعدي يوسف بسبب علاقته الوطيدة بالسلطة، وتأييده للشعر المباشر (للتوسع في هذه القضية، راجع: الجنابي 1993 (1)، ص 510-513). وعن انتقاد الجنابي لأخلاق الشعراء العرب عامة والعراقيين خاصة، الذين يجعلون من الشعر مصدرا للتكسب، ويتعاونون مع النظام، راجع رسالة الجنابي: "رسالة مفتوحة إلى الشعراء العرب" في: الجنابي 1993 (انفرادات)، ص 516-519.
(21) الأكسيمورون (Oxymoron) هو عبارة عن "صورة لفظية تجمع بداخلها ما بين عنصرين متناقضين ظاهريا".
Preminger, A. (ed.). 1974. Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics. Princeton: Princeton University Press. p. 595.
ويدعوه مجدي وهبة في العربية بالإرداف الخلفي، ويعرفه بأنه عبارة عن "تناقض ظاهري بين عبارتين لإثارة الإعجاب. وفي البلاغة العربية اشتق المصطلح من أصل يوناني بمعنى (ما لا معنى له قصدا) ليعبر بذلك عن التناقض الظاهر الذي قد ينطوي على حقيقة عميقة يقصد إبرازها بهذا الأسلوب المتناقض. مثال ذلك قولك: صديقان لدودان" (وهبة 1974، ص 374).
(22) الجنابي 1995 (1)، ص 40-41.
(23) درويش، محمود. 1995. لماذا تركت الحصان وحيدا. لندن: رياض الريس للكتب والنشر. ص 32-35.
(24) Taha 2000, p.80.
(25) يتهم الجنابي محمود درويش، بالإضافة إلى أدونيس، بأنه مجرد "بوق لغوغائية الشارع" وبأنه يخدم الأنظمة السياسية (أنظر: الجنابي، 5 يناير 2004، "الشيطان يوحد فرق المؤمنين". www.elaph.com. أنظر أيضا: الجنابي، 27 مارس 2004، "رسالة إلى المربد هناك واقع أن نظفر به". www.elaph.com).
(26) مثلا: الجنابي 1993 (1)، رسالة إلى الشعراء العرب"، ص 518-519؛ الجنابي : انفرادات"، 25 نوفمبر 2002، "وما علاقة الشعر بالأحداث". www.elaph.com؛ زين، 4 أبريل 2003، "أكره الشعراء البافلوفيين الذين ما إن سمعوا باندلاع الحرب حتى ترى قصائدهم في فراغ الصفحات تعوي وكأنها كلاب تستجدي لقمة العوام". www.elaph.com).
(27) الجنابي 1995 (1)، ص 24-25.
(28) الجنابي ، عبد القادر. 1995. (2) تربية عبد القادر الجنابي. بيروت: دار الجديد. ص 117.
(29) للاطلاع على إعجاب الجنابي بدور أنسي الحاج التنظيري والشعري ودفاعه عنه ونقده للمجتمع العربي الإسلامي لعدم اعترافه بهذا الدور، راجع: الجنابي 1995 (2)، ص 118-119.
(30) الجنابي 1995 (1)، ص 22-23.
(31) الجنابي 1995 (1)، ص 36.
الحلقة الثالثة والأخيرة
(أ) أصناف عناوين الجنابي
تعتمد معالجتنا لأصناف عناوين الجنابي، أولا: على قراءتنا لهذه العناوين في الحلقة الثانية، وذلك لأن التوصل إلى أصناف العناوين يعتمد في معظم الحالات على معرفة ماهية العلاقة التي تربط العنوان بالنص؛ وثانيا: على معرفتنا لأصناف العناوين التي قدمتها الأبحاث المختلفة، والتي سبق وأن تناولناها في الحلقة الأولى. إن كافة عناوين الجنابي التي عالجناها تنتمي إلى مجموعة العناوين الدلالية، التي ترتبط بأشكال مختلفة بمضمون النص. ولقد لاحظنا أن هذه الأصناف متنوعة بدرجة كبيرة. كما لاحظنا أن قسما منها مركب، بينما القسم الآخر يميل إلى البساطة. وهنا يهمنا أن نوضح بأن تحديد ما إذا كان صنف العنوان مركبا أو غير مركب يعتمد على طبيعة العلاقة التي تربط العنوان بالنص. فإن كانت هذه العلاقة مركبة ومشكِلة نجد العنوان ينتمي إلى صنف مركب، بينما إن كانت هذه العلاقة أقل تركيبا نجد العنوان ينتمي إلى صنف بسيط أو يميل إلى البساطة. إلا أنه يجب التنبيه إلى أن غالبية عناوين الجنابي، ونظرا لثراء العلاقة التي تربطها بالنصوص، تنتمي إلى صنفين أو ثلاثة أصناف أو حتى أربعة في الوقت نفسه، وليست هذه الأصناف التي تتنازع العنوان في كل الحالات إما مركبة وإما بسيطة، وذلك لأننا نجد أحيانا أن صنفا منها هو بسيط، بينما الصنف المتبقي، أو الأصناف المتبقية، أكثر تركيبا. فمثلا: إن العنوان "مهاجرو الداخل" ينتمي إلى الصنف المتمم البسيط وإلى الأصناف المثير، الاتجاهي والميتا ـ شعري الأكثر تركيبا.
ولتقديم أصناف عناوين الجنابي وشرحها بشكل منظم قمنا بتوزيعها على مجموعتين كبيرتين هما: مجموعة أصناف العناوين البسيطة ومجموعة أصناف العناوين المركبة.
1. أصناف العناوين البسيطة
أ) العنوان الاختصاري
"صناعة الشِّعْر": يلخص هذا العنوان فكرة النص الأساسية وهي عملية الخلق الشعري. لكن علينا أن ننبه إلى أن اختصارية العنوان هذه هي محدودة، وذلك لأنه يبدو وأنه يتحدث عن صناعة واحدة للشعر في الوقت الذي يتعرض فيه النص إلى صناعتين مختلفتين للشعر: صناعة الشعر الحديثة التجديدية الخاصة بـ"الأنا"، وصناعة الشعر التقليدية الخاصة بـ"الرجل"، الذي يمثل الشاعر التقليدي.
ب) العنوان المُحيط
"حُلُم": إن هذا العنوان يرتبط بالنص ككل، ولا يوجد عنصر فيه يتعلق بشكل خاص أو مباشر بالـ"حلم".
ج) العنوان المتمم
"مهاجرو الداخل": بالرغم من أن عنوان الجنابي المتمم هذا يحوي مركز القصيدة فقد تمكنا من فهم النص بدونه فهما مكننا من معرفة الفكرة المركزية لهذا النص، وهذا يعني أن هذا العنوان مخالف للعناوين المتممة الأخرى التي لا يُفهم النص بدونها. وبناء على ذلك، نعتبره عنوانا متمما بشكل جزئي.
لقد فهمنا من النص الذي يحمل هذا العنوان أن موضوعه هو الشعراء الثوريون الذين ينادون بقلب الواقع، إلا أن هوية هؤلاء الشعراء لم تكن معروفة، وأتى العنوان ليقول لنا بأن الشعراء المقصودين هم الشعراء العراقيون خاصة والشعراء العرب عامة، الذين تعتبر علاقتهم بأوطانهم علاقة صراعية.
د) العنوان الإهدائي
"إلى محمود درويش" (قصيدة "ليت الحصان كان وحيدا"): وندعو هذا الإهداء بجزء عنوان، لأنه يعتبر جزءا ثانيا من كل ما هو فوق السطر الأول من النص، والذي يتألف من العنوان البارز المركزي "ليت الحصان كان وحيدا" ومن الإهداء "إلى محمود درويش".
إن علاقة الإهداء "إلى محمود درويش" بالنص تبرز من خلال التعرض للقضية الفلسطينية وللكتابات التي تدور حولها، وتتوطد هذه العلاقة أكثر في عنوان القصيدة المركزي "ليت الحصان كان وحيدا" وفي المقطع الثالث من النص، وذلك بسبب التناص مع عنوان ديوان درويش "لماذا تركت الحصان وحيدا" ومع قصيدة "أبد الصُبَّار" في هذا الديوان. وبالإضافة إلى ذلك، يجدر بنا أن ننبه إلى أن الإهداء الآنف يخبئ في طياته نقدا للشاعر محمود درويش، وسنوضح هذه القضية عند معالجتنا لوظيفة هذا الإهداء في القسم التالي.
2. أصناف العناوين المركَّبة
أ) العناوين المثيرة
* "مهاجرو الداخل": إن هذا العنوان يجذب انتباه القارئ بسبب وجود التناقض فيه ما بين كلمتي "مهاجرو" و"الداخل".
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج": يثير هذا العنوان القارئ بسبب احتوائه على التركيب الأكسيموروني "ليلٌ يتوهّج".
* "الله في كلمة": إن التناقض في هذا العنوان، النابع من إدخال "الله" اللانهائي في "كلمة"، يخلق تكثيفا شديدا ويثير غرابة القارئ.
ب) العناوين الاتجاهية
وتعتبر العناوين الثلاثة التي تنتمي إليها عناوين اتجاهية غامضة، وهي:
* "مهاجرو الداخل": إن الموضوع الذي يتناوله هذا العنوان وموقف الجنابي منه لا يبدوان واضحين، بل مرموزا إليهما. وفقط من خلال قراءة النص ومراجع خارجية أيضا نتمكن من الاكتشاف بأن العنوان يعبر عن نقد الجنابي للنظام العراقي خاصة وللأنظمة العربية عامة على كبتها وملاحقتها للشعراء الثوريين ذوي الرؤى التجديدية، والذين يعتبرون بمثابة غرباء "مهاجرين" في أوطانهم لعدم قبولها رؤاهم هذه.
* "ليت الحصان كان وحيدا": إن العنوان يعبر عن أمنية لوجود الحرف "ليت" فيه، لكننا لا نعرف إلى ماذا يرمز "الحصان" وما معنى أن يكون "وحيدا"، ولذلك تعد الأمنية غامضة بنظرنا. ويتوضح لنا مفهومها بعد قراءة النص، بحيث نكتشف أن الجنابي أراد أن يعبر بواسطة العنوان عن انتقاد للكتابات التي تستغل القضية الفلسطينية، أو أية قضية وطنية أخرى، لإبراز وجودها.
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج": إن هذا العنوان يقدم لنا موضوع النص، وهو الشاعر الوصولي، وموقف الجنابي منه بشكل غامض جدا. وفقط بعد قراءتنا للنص وربطنا ما بين عبارة "ليل يتوهّج" و"الشاعر" غير الحقيقي الذي يتاجر بالشعر نعرف أن العنوان يعبر بواسطة هذه العبارة عن موقف سلبي للغاية من هذا الشاعر.
د) العنوان المبئر
"ليت الحصان كان وحيدا"، وذلك لأنه انتقى أحد المواضيع الأساسية في النص، وهو أن تكون "القضية" بعيدة عن الكتابات التي تتأرجح بها وتستغلها، وجعله قائدا للقصيدة.
هـ) العناوين الميتا ـ شعرية
إن عددنا العنوان ـ كما يقول أدورنو ـ نصا مُصَغَّرا (micro-text) يتعيّن علينا اعتبار العنوان الميتا ـ شعري نصا شعريا مُصَغَّرا يتحدث عن موضوع الشعر، أو يتناول جانبا منه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وبما أن عناوين الفصل الأول ("تأصيل بلا ينابيع") التي عالجناها تتناول موضوع الشعر، يمكننا اعتبارها كافة عناوين ميتا ـ شعرية، تقف على رأس نصوص ميتا ـ شعرية مثلها. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه العناوين تتفاوت فيما بينها في مدى إبراز ميتا ـ شعريتها أو إخفائها. فمثلا: نجد أن ميتا ـ شعرية العنوان "صناعة الشِّعْر" واضحة، وذلك لأنه يعالج بشكل واضح لب موضوع الشعر وهو صناعته. أما ميتا ـ شعرية العناوين "حُلُم"، "الله في كلمة" و"تأصيل بلا ينابيع" فتعتبر غامضة. ففقط من خلال قراءة النص أيضا يمكن أن نكتشف أن العنوان الأول يتحدث عن صناعة الحلم في العمل الشعري، والثاني عن قوة الكلمة في قصيدة النثر التي تتجلى في غموضها وتكثيفها. أما عنوان الفصل "تأصيل بلا ينابيع" فيتطلب منا قراءة قصائد الفصل حتى نعرف أنه يدعو إلى التمسك بالجوهر فيما يخص عالم الشعر، وإلى نبذ الأمور الهائلة في ظاهرها والفارغة في باطنها من هذا العالم.
و) العنوان التلميحي
"ليت الحصان كان وحيدا": وهو عنوان تلميحي متناص، إذ نجد فيه تناصا مع عنوان ديوان درويش" لماذا تركت الحصان وحيدا" ومع قصيدة "أبد الصُبَّار" في الديوان نفسه. وهذا التناص أنتج عنوانا جديدا ذا مفهوم مغاير، يتمنى الجنابي فيه لو كان "الحصان"، الذي أصبح يرمز إلى القضية الفلسطينية، "وحيدا"، أي متحررا من الأشعار التي تستغله لصالحها.
ز) العناوين المُرْبِكة
وينتمي إلى هذا الصنف العنوانان الآتيان:
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج"
* "الله في كلمة"
ويمكننا دعوة هذين العنوانين بالسرياليّيْن، لأنهما كتلك العناوين التي ذكرها ليفينسون في سياق حديثه عن عناوين بعض اللوحات السريالية، التي تعتبر علاقتها بتلك اللوحات علاقة مخترعة. فعندما قرأنا العنوانين الآنفين بعد قراءة النصين اللذين يحملانهما اكتشفنا بأنهما لا يوضحان هذين النصين، بل على العكس، فإننا احتجنا إلى إعادة قراءة النصين عدة مرات لاستيضاح مفهوم هذين العنوانين وصلتهما بالنصين. وإن الصلة التي توصلنا إليها بين هذين العنوانين والنصين هي صلة مخترعة غير أكيدة، وقد يجد قراء آخرون صلات مغايرة. وتجدر الإشارة إلى أن نص قصيدة "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج"، يفصح لنا عن فكرة القصيدة المركزية، مما ساعدنا في محاولتنا اكتشاف الرابط بينه وبين العنوان، بخلاف نص قصيدة "الله في كلمة" الذي لم يكشف لنا عن فكرة القصيدة المركزية بشكل واضح أو أكيد، الأمر الذي صعب علينا في محاولتنا اختراع صلة تربط العنوان به.
3. أصناف عنوان الديوان
إن كون عنوان الديوان يقف على رأس مجموعة كاملة يتطلب منا إشارة خاصة إلى الأصناف البارزة فيه:
* الصنف التلميحي المتناص: من قراءتنا للنص الذي يقتبسه الجنابي قبل مقدمة الديوان، والذي سبق وأن تعرضنا له في القراءة الأولى لعنوان الديوان، نكتشف أن كلمات عنوان الديوان "ما بعد الياء" مقتبسة من هذا النص. وإن هذا التناص في عنوان الديوان يعزز من عنصري الانطلاقية واللاتناهي فيه وفي نصوص الديوان ككل.
* الصنف الميتا ـ شعري: لقد ذكرنا في القراءة الأولى والثانية لعنوان الديوان أن كلمة "الياء" فيه تعبر عن غرض لغوي شعري يريد الشاعر طرقه، ومن خلال قراءتنا لمتن الديوان وجدنا أن هذه الميتا ـ شعرية تتجلى في الكثير من العناوين والنصوص.
* الصنف الاختصاري: إن البعد الاختصاري في عنوان الديوان يعتبر هائلا، وذلك لأن هذا العنوان يختصر فكرة الديوان المركزية، وهي تجاوز الحدود في عالمي الشعر والواقع للكشف عن ماهية هذين العالمين.
* الصنف التوجيهي: إن البعد التوجيهي في العنوان ينبع من اختصاريته، التي وجهت ذهننا إلى عناصر اختراق الحدود، التجاوز واللانهائية، المنتشرة بدرجات مختلفة في متن الديوان.
(ب) وظائف عناوين الجنابي
تعتمد معالجتنا لوظائف عناوين الجنابي في هذا القسم على أمرين. الأول منهما هو القراءة التي قمنا بها لهذه العناوين في الحلقة الثانية، بحيث تم فيها إلقاء الضوء على العلاقة التي تربط العنوان بالنص/ النصوص. وهنا يجدر بنا أن نأخذ بالحسبان أصناف العناوين التي عالجناها، وذلك لأن وظيفة العنوان ترتبط في الكثير من الأحيان بصنفه كما سنرى. أما الأمر الثاني فهو وظائف العناوين المختلفة التي تعرضت لها الأبحاث. إلا أن هذا لا يعني أن وظائف عناوين الجنابي تقتصر على تلك التي وردت في الأبحاث، وذلك لأن هناك وظائف تقوم بها هذه العناوين تنحرف بعض الشيء عن التي تقدمها الأبحاث.
إن من عناوين الجنابي المختارة ما يقوم بوظيفتين على الأقل، مع الأخذ بالحسبان وظيفة الإشارة إلى النص التي يقوم بها كل عنوان سواء كان أدبيا أو غير أدبي. وهناك عناوين من بين عناوين الجنابي تقوم بوظيفتين أو بثلاث وظائف إضافة إلى الوظيفة الإشارية. فمثلا: إن العنوان "مهاجرو الداخل" يقوم، بالإضافة إلى الإشارة إلى النص، بوصف موضوع النص، بإغواء القارئ وبإطلاق حكم بشكل سري.
وفيما يأتي سنعالج الوظائف الخمس التي تقوم بها عناوين الجنابي، والمضافة إلى الوظيفة الإشارية، التي لا يوجد لدينا شيء خاص نضيفه عنها في هذا الموضع.
1. وصف موضوع النص
إن غالبية عناوين الجنابي التي قرأناها هي عناوين ثيماتية، تصف موضوع النص. وإن الطرق التي تدل فيها هذه العناوين على موضوع النص تعتبر متنوعة، وكل منها يحتاج إلى تحليل خاص. ولقد تحدثنا عن عدد من هذه الطرق عند تقديمنا لوظائف العنوان التي عالجها جينيت في مقاله.
وتعتمد الطريقة التي يصف بموجبها العنوان موضوع النص على طبيعة علاقته بهذا النص. فإن كانت العلاقة بين العنوان والنص بسيطة لاحظنا أن العنوان يصف موضوع النص دون تمويه، بينما إن كانت هذه العلاقة معقدة لاحظنا أن العنوان يصف موضوع النص بشكل غامض، معقد أو يميل إلى التعقيد. ولقد قسمنا عناوين الجنابي بالاعتماد على الطرق التي تصف بموجبها موضوع النص إلى الأقسام الثلاثة الآتية:
أ) وصف موضوع النص بشكل واضح
* "صناعة الشِّعْر"
إن هذا العنوان يصف موضوع النص بشكل مركز وواضح، وهذا لأن العلاقة التي تربطه بالنص هي علاقة واضحة، تمكّن القارئ من اكتشافها بسهولة. لكن هذا لا يجب أن يدفعنا إلى الظن بأن النص التابع لهذا العنوان هو نص بسيط ومباشرة، لأننا رأينا من معالجتنا له بأنه يحوي رموزا وعناصر غامضة، تخلق فجوات في ذهن القارئ عليه ملؤها.
ب) وصف موضوع النص بشكل رمزي
إن العنوانين اللذين يقومان بهذه الوظيفة يجعلان كلمات العنوان رموزا يتم فكها بعد قراءة النص. وهذان العنوانان هما:
* "مهاجرو الداخل": إن ثورية الشعراء المجددين كانت القضية المسيطرة على النص بأكمله. وترمز كلمة "مهاجرو" في العنوان إلى ثورية هؤلاء الشعراء، وترمز كلمة "الداخل" إلى أوطانهم التي يحيون فيها. وإن التناقض ما بين كلمتي العنوان يرمز إلى عدم قبول بلدان هؤلاء الشعراء لرؤاهم التجديدية.
* "ليت الحصان كان وحيدا": ينتقد الجنابي بشدة في النص الأشعار الملتصقة بالقضية الفلسطينية. ويرتبط العنوان بهذه الفكرة بشكل رمزي، وذلك من خلال كون كلمة "الحصان" رمزا للقضية الفلسطينية وكون كلمة "وحيدا" رمزا لتحرر هذه القضية من كثرة الأشعار التي تستغلها.
ج) وصف موضوع النص بشكل غامض
* "الله في كلمة": لقد ذكرنا في قراءتنا للنص أن "العجوز" تمثل عالم الشعر الغامض أو قصيدة النثر خاصة. ويأتي العنوان ليرتبط بهذا بشكل غامض جدا، وذلك من خلال كون "الله" يشير إلى القوة والمجهول، والـ"كلمة" إلى "العجوز" التي تمثل النص الشعري، مما يعني أن العنوان يتناول هو الآخر خفايا عالم الشعر وعظمته.
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج": لقد ذكرنا أن الجنابي ينتقد في النص الشاعر الذي يجعل الشعر وسيلة للتكسب، ويدعوه إلى القيام والنهوض مما هو فيه. ويأتي الشق الأول من العنوان ("هذا الصباح") ليدل على النهوض، ثم يأتي الشق الثاني ("ليل يتوهّج") ليدلل على ذلك "الشاعر" المظلم ذي الأشعار المزيفة، التي يهدف بواسطتها إلى التكسب.
إن العنوانين الآنفين يرتبطان بموضوع النص بشكل غامض للغاية. ولقد سبق وأن وضعناهما في إطار صنف العناوين المربكة، لكون علاقتهما بالنص علاقة مخترَعة أو تجريبية، الأمر الذي يؤدي إلى انفتاحهما لقبول عدة تأويلات.
2. إغواء القارئ
إن غالبية عناوين الجنابي التي عالجناها تحوي جانبا إغوائيا، إلا أن هذه العناوين تتفاوت فيما بينها في مدى إبراز هذا الجانب وفي الوسائل التي تغوي بواسطتها القارئ. وسنركز في هذا القسم على العناوين التي تغوي القارئ بشكل ملحوظ بوسيلة من هذه الوسائل.
ويمكننا تقسيم عناوين الجنابي، التي يعد الجانب الإغوائي فيها بارزا، بناء على وسائلها الإغوائية إلى المجموعات الثلاث الآتية:
أ) الإغواء بواسطة المبنى النحوي للعنوان
"حلم": إن كون هذا العنوان اسما نكرة يضفي عليه العمومية، مما يؤدي بالقارئ إلى تقديم عدة تأويلات له، ومن ثم يجد نفسه مدفوعا لقراءة نص القصيدة، لفحص إذا ما كانت تأويلاته متحققة.
ب) الإغواء بواسطة المضمون
* "مهاجرو الداخل"
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج"
* "الله في كلمة"
إن هذه العناوين تغوي القارئ بسبب احتوائها على ظاهرة مضمونية (تتعلق بمضمون العنوان) تغوي القارئ وتدفعه إلى قراءة النص. وإذا عدنا إلى القسم السابق لوجدنا أن هذه العناوين تنتمي إلى صنف العناوين المثيرة، التي تثير القارئ بوسيلة مضمونية معيّنة، كالتناقض، التكثيف واستخدام أمر شاذ. وبما أن الجوانب التي تثير القارئ في هذه العناوين، والتي وقفنا عليها في القسم السابق، هي ذاتها الوسائل المضمونية التي تغوي هذا القارئ فلن نتحدث عنها مجددا هنا لتفادي التكرار.
ج) الإغواء بواسطة تلميحيّة العنوان
"ليت الحصان كان وحيدا": إن التناص في هذا العنوان يشد القارئ لمعرفة العلاقة بين ديوان درويش وقصيدة الجنابي التي تحمل هذا العنوان.
3. إطلاق حكم بشكل خفي بصدد عدد من القضايا
* "ليت الحصان كان وحيدا"
* "مهاجرو الداخل"
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج"
يطلق الجنابي بواسطة العناوين الآنفة حكما سريا فيما يخص قضية من القضايا. فمن خلال العنوان الأول يلمّح الجنابي إلى أن الكتابات التي تدور حول القضية الفلسطينية تعتبر كتابات رديئة، وفي العنوان الثاني يعبّر الجنابي عن استيائه من كبت الأنظمة والمجتمعات العربية للشعراء الثوريين المجددين، ومن خلال العنوان الثالث يعبّر عن موقفه السلبي من الشاعر الذي يستغل الشعر لخدمة مطامعه.
4. الإيحاء بالجنس الأدبي للنص
* "صناعة الشِّعْر"
* "ليت الحصان كان وحيدا"
يوحي لنا هذان العنوانان بأن العمل الذي أمامنا ينتمي إلى عالم الشعر، ويعالج قضية شعرية. ويمكننا دعوة هذين العنوانين بعنوانين ميتا - شعريين.
5. تمثيل النص
إن كل عنوان يحوي قوة تمثيلية معيّنة، ونكتفي هنا بمعالجة القوة التمثيلية لعنوان الفصل "تأصيل بلا ينابيع" وعنوان الديوان. وإن معالجتنا للقوة التمثيلية لهذين العنوانين تعتمد في الأساس على القراءة الثانية التي قمنا بها لهما في الحلقة الثانية. وإن تحديد ما إذا كانت قوة العنوان التمثيلية كبيرة أو ضئيلة يعتمد على مدى سيطرة مفرداته، إيحاءاته ودلالاته على القصائد. لكن يجدر بنا أن ننبه هنا إلى أننا قد لا نجد أحيانا مفردات العنوان في القصائد، وإنما نجد تكرارا للفكرة التي يوحي بها هذا العنوان. وفي هذه الحالة علينا التحري عن مدى كثافة هذه الفكرة في القصائد لتحديد مدى قوة العنوان التمثيلية.
وأما فيما يأتي فسنتحدث عن القوة التمثيلية لكل عنوان من العنوانين:
* "تأصيل بلا ينابيع"
إن كلمتي "تأصيل" و"ينابيع" لا تظهران تقريبا في قصائد الفصل، لكن هذا لا يجب أن يدفعنا إلى القول بأن قدرة العنوان التمثيلية ضئيلة، وذلك لأن الفكرة التي يعبر عنها العنوان، وهي التمسك بالجوهر ونبذ السطحية فيما يخص عالم الشعر، تتجلى في كل قصيدة من القصائد التي عالجناها بشكل مختلف. وما نريد قوله من خلال ذلك هو أن هذا العنوان ذو قوة تمثيلية كبيرة، لكنها خفية، لأن علاقته بالقصائد الست تعتبر علاقة غامضة ومعقدة.
* "حياة ما بعد الياء"
إن عنوان الديوان ككل يعبر عن تجاوز الحدود والانطلاقية في الحياة واللغة. وفكرة العنوان هذه وجدناها تتكرر بطرق مختلفة (واضحة، خفية، مكثفة، أقل كثافة) في فصول الديوان. أما قوة عنوان الديوان التمثيلية بناء على ربطها بالفصل "تأصيل بلا ينابيع" بشكل خاص فوجدناها بارزة في القصائدة التي عالجناها، والتي تعبّر عن وجهة نظر شعرية خاصة، تتجاوز الوجهات الشعرية السائدة والمألوفة.
6. وظيفة الإهداء "إلى محمود درويش"
إن هذا الإهداء يحوي نقدا للشاعر محمود درويش، أو تهجما عليه واتهاما له باستغلال قضية الشعب الفلسطيني للترويج لشعره، لا سيما وأنه أشهر شاعر فلسطيني تحدث عن هذه القضية في شعره. وقد يكون هدف الإهداء، كما ذكرنا في الحلقة الثانية، لفت انتباه درويش إلى كثرة التلاعب بالقضية في الشعر، ودعوته إلى الوقوف بدوره ضد هذه الظاهرة.
(ج) مكانة عناوين الجنابي كوحدات نصية
لقد ذكرنا في الحلقة الأولى، عندما تطرقنا إلى مكانة العنوان كوحدة نصية في الأدب، بأنه من ضمن الأشياء التي نعتمدها في تحديد مكانة العنوان هو صنف العنوان. فإن كان العنوان يخضع إلى الأصناف المؤشرة فتكون استقلاليته عن النص كبيرة، أما إذا كان ينتمي إلى الأصناف الدلالية فإن استقلاليته عن النص تكون محدودة. لكن ما يجب قوله هنا هو أن صنف العنوان هو ليس المعيار الوحيد الذي نقيس بواسطته درجة استقلالية العنوان، وذلك لوجود أمور أخرى أكثر أساسية منه، كنا قد أخذناها بعين الاعتبار عند تحديدنا لأصناف العناوين ووظائفها أيضا. وهذه الأمور هي تركيب العنوان النحوي، مدى قدرة العنوان على احتواء فكرة واضحة، غموض العنوان وشدة كثافته. وإذا أردنا أن نوضح مقصديتنا أكثر نقول بأنه إن كان العنوان جملة تامة نحويا، تحوي فكرة واضحة تلخص موضوع النص، فهذا يدلنا على كون العنوان نصا مستقلا، لا يحتاج إلى النص الأكبر ليتمم معناه. وفي المقابل، إن كان العنوان غامضا، لا يدلنا على شيء محدد، فهذا يعني أنه بحاجة ملحة إلى النص ليتمم معناه، أي أنه مرتبط بهذا النص بدرجة كبيرة.
إن عناوين الجنابي التي قرأناها هي عناوين دلالية تثري النصوص التابعة لها من خلال إضافة طبقات أخرى من المعنى إليها، الأمر الذي يدل على تعلق هذه العناوين بالنصوص. وما يهمنا في هذا الفصل هو مناقشة درجة تعلق العنوان بالنص. وبعبارة أخرى، نود أن نجيب عن السؤال الآتي: أيُعتبَر العنوان مستقلا عن النص بدرجة ضئيلة، متوسطة أم كبيرة؟ ولماذا؟ وكإجابة عن هذا السؤال نقول بأن عناوين الجنابي التي قرأناها تقسم إلى مجموعتين:
1. مجموعة العناوين المستقلة بدرجة ضئيلة عن النص
2. مجموعة العناوين المستقلة بدرجة معتدلة عن النص
وسنأتي فيما يلي على العناوين التي تدخل في إطار كل مجموعة من المجموعتين، مع توضيح للسبب الذي دعانا إلى وضع كل عنوان منها ضمن إحدى هاتين المجموعتين.
1. العناوين المستقلة بدرجة ضئيلة عن النص
* "حُلُم": إن كون هذا العنوان يتألف من كلمة واحدة عامة، لا تدل على شيء محدد رغم كثرة دلالاتها،
يجعله محتاجا إلى النص بدرجة كبيرة ليحدد من دلالاته.
* "مهاجرو الداخل": إن كون هذا العنوان تركيبا غير مستقل نحويا، يحوي تناقضا، يخلق فجوة في ذهن القارئ، مما يدفعه إلى قراءة النص. كما أن انتماءه إلى الصنف المتمم يعزز من ارتباطه بالنص.
* "ليت الحصان كان وحيدا": برغم كون هذا العنوان جملة مستقلة نحويا فإنه يخلق فجوة واسعة في ذهن القارئ، تنبع في الأساس من عدم معرفته ما علاقة هذا العنوان بديوان درويش. وبعد قراءة النص يجد القارئ علاقة وثيقة بين العنوان والنص، مما يعينه على فك رموز العنوان.
* "هذا الصباح، ليلٌ يتوهّج": إن الغموض والتكثيف في هذا العنوان، النابعين من العبارة الأكسيمورونية "ليلٌ يتوهّج"، يجعلانه محتاجا إلى النص بدرجة كبيرة. هذا بالرغم من أننا نكتشف بعد قراءة النص أن ارتباط العنوان بهذا النص هو ارتباط مخترع وليس واضحا أو محددا.
* "الله في كلمة": برغم كون هذا العنوان جملة مستقلة نحويا فإن التكثيف والغموض الشديدين اللذين يهيمنان عليه يخلقان فجوة واسعة في ذهن القارئ، مما يضطره بشدة إلى قراءة النص لسد هذه الفجوة.
2. العناوين المستقلة بدرجة معتدلة عن النص
هذه العناوين مستقلة عن النصوص التابعة لها أكثر من العناوين السابقة لوجود جانبين فيها يتنازعان العنوان منها. الجانب الأول يتجلى في وجود خصائص في العنوان تبعده عن النص، والجانب الثاني يتجلى في وجود خصائص تعلق هذا العنوان بالنص وتقربه منه. وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن هذا النزاع غير قائم في المجموعة السابقة من العناوين، وذلك لأن الجانب الثاني فيها هو الغالب في كل الحالات.
وسنقدم فيما يأتي العناوين التي تدخل في إطار هذه المجموعة مع توضيح للجانبين المذكورين:
* "صناعة الشِّعْر": إن هذا العنوان يحمل معنى واضحا، وهو يدل القارئ على موضوع النص الأساسي، الأمر الذي يمنحه استقلالية. ولقد سبق وأن وضعناه في إطار الصنف الاختصاري، إلا أننا نبهنا إلى أنه يختصر النص بشكل يعتريه بعض الغموض، لأنه لا يبوح للقارئ بشيء عن ماهية "صناعة الشعر"، وإنما يترك ذلك للنص، الأمر الذي يجعله مرتبطا بهذا النص.
* "حياة ما بعد الياء" و"تأصيل بلا ينابيع"
إن كون عنوان الديوان وعنوان الفصل الأول يمثلان مجموعة من النصوص يمنحهما استقلالية أكبر من استقلالية عناوين القصائد عامة. إلا أن هذه الاستقلالية ليست بكبيرة، وذلك لأن احتواء عنوان الديوان على فكرة الديوان المركزية واحتواء عنوان الفصل على فكرة الفصل المركزية، وذلك بشكل مكثف يعتريه الغموض، يجعل هذين العنوانين مرتبطين بالنصوص لتفك معانيهما ودلالاتهما.
ونختتم هذه الحلقة بملاحظة حول ميزة مشتركة لغالبية عناوين الجنابي التي عالجناها، تؤثر في مكانتها كوحدات نصية. وهذه الميزة هي كون هذه العناوين ذات مركبات اسمية خالية من عنصر الزمن خلوا يجعلها منطلقة ويوسع من دائرتها الدلالية، الأمر الذي يعزز من احتياجها إلى النص ليحد من دلالاتها. وهي في ذلك بخلاف العناوين الفعلية المحصورة بزمن وحدث يجعلانها مكتفية بذاتها، مما يمنحها استقلالية أكبر عن النص. ومثال جيد على ذلك هو عنوان قصيدة الجنابي "لم تُنشَر من قبل"، الذي يتألف، كما نلاحظ، من جملة فعلية تامة. وسنأتي فيما يلي بنص القصيدة لتوضيح ما نعنيه:
عندما كانت
بيروت
ستأتي الحرّية
بلا حجاب
فيطأها رجلٌ
جاء من بعيد
أخبروه
ستلدُ منه
عندما كانت
وليدًا
يحدّقُ
إلى بريق الدم
فيكون لها
شاهدان. (الجنابي، عبد القادر. 1995. حياة ما بعد الياء. ص 35)
عندما يقرأ القارئ عنوان هذه القصيدة يفهمه فهما كافيا دون قراءة النص، فيعرف أن المقصود بـ"لم تُنشَر من قبل" هي القصيدة ذاتها. وعندما يقرأ هذا القارئ النص لا يجده يضيف الكثير إلى العنوان، مما يؤكد على استقلالية هذا العنوان عن النص. لكن لا يجب باعتقادنا اعتبار هذا قاعدة عامة، وذلك لأنه قد تتواجد عناوين فعلية كاملة التركيب النحوي، لكنها غامضة ومكثفة بشكل بالغ، الأمر الذي يحد من استقلاليتها ويجعلها متعلقة بالنص كالعناوين الاسمية.
المقال هذا بحلقاته الثلاث مستل من اطروحة قدمتها، في خريف 2005، نريمان الماضي في نطاق الواجبات لنيل اللقب الثاني في الآداب (باشراف رؤوبين سنير / جامعة حيفا / كلية العلوم الإنسانية: قسم اللغة العربية وآدابها)، ونالت عليها درجة (97) بالمئة.. بل اقترحت الهيئة المشرفة على الإطروحة ضرورة طبعها كتابا، وهذا ما سيحصل...