استفتاء "إيلاف" عن أفضل ما قرأتُ في 2005
عبد القادر الجنابي من باريس: يقين أن للإنسان إرادة القراءة؛ حب الإطلاع على كل شيء حتى يصون حقوق مخيلته من البلادة والتجمد. فقراءة كتاب جيد يسعف عضلات الفكر ويقويه. وأحيانا يمكن قياس فكر مجتمع من خلال ما يصدر عن دور النشر في هذا المجتمع من كتب: جودتها دليل على حيويةٍ في التفكير وعلى سلامته... فالمرء عندما يقرأ كتابا جيدا، يشعر وكأنه زُرقَ بإكسير الحياة. فكل رفّ في مكتبة عامرة، لهو مرتفعُ أفقٍ جديدٍ للعين وواحةٌ للروح. يقال، أن الغبار الذي كان يعلق على صفحات الكتب القديمة، يحتوي على ذرّات عَرَقية تطايرت من أجساد الملائكة... وربما هذا هو السبب الذي دفع شيوخ بعض المذاهب إلى اقتناء الكتب الصفراء وإلى شمها قبل القراءة اعتقادا أن الحبر الذي استخدم في طباعتها له رائحة المسك. لكننا الآن نحن في زمن الحروف الرقمية.. والمنافسة مع الكتب الورقية، مما يتيح فرصة أكبر لاختيار هذا الكتاب أو ذاك؛ أي ما بين شبكية الفكر الضارب عرض الحائط قوانين الرقابة، وبين مجلدات الكلام التي يُحرّم على بعضها المشاركة في معارض الكتاب، فيكون نهايتها الاختناق برطوبة دهاليز النسيان.
هناك مئات الكتب التي تصدر كل عام باللغة الأم... وهناك انكسار في حدود اللغات مما يجعل كل متعطش للجديد، أن يبحث عن ضالته في لغات أخرى. وهذا ما تبين لنا، عبر الأجوبة التي وصلت من كتابنا الذين توجهنا إليهم بالسؤال التالي: "أي كتاب تعتبره أفضل ما قرأتَ خلال هذا العام، أي كتاب تقترح أن يقرأه قراء إيلاف؟".
أغلب المشاركين، اقترحوا كتبا تتناول مسائل الصراع الحضاري، وقضايا الدين والسياسة. لكن أيضا، هناك من ركز على كتب أدبية لها طابع السيرة. غير أن الواضح في ما اقترحه كتابنا، هو أولا: الكتاب الأجنبي، سواء المُترجَم أو الذي لم يترجَم بعدُ.... وثانيا أن اختيارهم للكتب لا ينمُّ عن مجرد متعة بقدر ما يتأتى عن رغبتهم في الكشف عن مراجعهم الفكرية.
أما حصة الكتب المكتوبة بالعربية، فاختيارها جد قليل، لكنها أيضا تدخل باب الدراسات الفكرية.
ننشر هنا فقط الأجوبة التي تتعلق بسؤالنا. وهذا يعني إننا تخلينا عن نشر جواب الأديب الكويتي محمود كرم، الذي اقتصر فيه على ذكر عناوين عشرات الكتب دون أي شرح لأي (منها: "شيفرة دافنشي" و"ملائكة وشياطين" لداون براون، "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، "سعار" لبثينة العيسى، "تفكيك هيكل" لسيار الجميل، "من هنا يبدأ التغيير" لتركي الحمد، "المال والهلال" لشاكر النابلسي و"القطيعة بين المثقف والفقيه" ليحيى محمد)، وجواب الكاتب المصري شريف مليكة المكتوب بالانجليزية وفحواه أنه يفضل قصص فرانز كافكا و"الحرافيش" لتوفيق الحكيم. كما حذفنا اللائحة الطويلة للكتب التي اقترحها الشاعر باسم النبريص، مكتفين بجوابه حول الكتاب الذي يفضله.
والآن إلى أجوبة الحلقة الأولى:
عادل جندي (باحث مصري)
أهم الكتب التي قرأتها هذا العام
1ـ العلمانية بين العاطفة والعقل تأليف جان بوبيرو:
Laicité 1905 2005 Entre Passion et Raison، Jean Baubérot (Seuil) ـ France
تحتفل فرنسا هذا الشهر بمرور قرن بالتمام على صدور قانون فصل الدولة عن المؤسسة الدينية (أو ما يطلق عليه قانون "العلمانية") في ديسمبر 1905، وهو الذي جاء بمثابة تتويج لقرن من الشد والجذب حول العلمانية وضرورتها الحيوية لقيام وتثبيت أسس الدولة الحديثة. قراءة مثل هذا الكتاب تمثل، بدون شك، جرعة مكثفة من تعذيب الذات؛ إذ ليس فقط يرفض عالمنا العربي التعيس العلمانية، التي هي شرط لازم (وإن كان غير كاف) لدخول الحداثة؛ بل ينزلق يوما بعد يوم في غياهيب الدولة الثيوقراطية الظلامية. وما نتائج الانتخابات "الديموقراطية" المصرية إلا دليلا أخر على كون العرب هم هواة (بل محترفوا) السير في عكس حركة التاريخ؛ وإذ ييأس "التاريخ" منهم، لا يملك سواء إلقائهم، جملة وتفصيلا، في مزبلته.
2ـ العطش العالمي للحرية:
The Universal Hunger for Liberty، Michael Novak (Basicbooks) - USA
يؤمن الكاتب بقدرة البشرية على توجيه مسار التاريخ عن طريق التفكير السليم والاختيار الصحيح، ولذا لا يرى أن "صدام الحضارات" هو حتمية بل يعتقد بوجوب، وإمكانية، تفاديه. المشكلة هي أن الكاتب (الفيلسوف الأمريكي) يبدو أنه يسيء فهم العرب ويحط من قدرتهم على التأثير على مسار التاريخ... (راجع أعلاه).
3ـ الأخ طارق: خطاب واستراتيجية وأسلوب طارق رمضان:
Frère Tariq، Discours، stratégie et méthode de Tariq Ramadan، Caroline Forest (Grasset) - France
بينما يكتسح الإخوان المسلمون الانتخابات "الديموقراطية" في مصر، وقبل ذلك يهب شباب المهاجرين في انتفاضة تدميرية دامت ثلاثة أسابيع في فرنسا التي يكرهونها ويمقتون رموزها الحضارية (بدليل تركيزهم على حرق المدارس ودور الحضانة والمكتبات وبيوت المسنين الخ) لا بد من محاولة فهم الأيديولوجية التخريبية التي تقوم عليها جماعات الإسلام السياسي، من أمثال الإخوان المسلمين، وأساليبهم الملتوية في استغلال أجواء الحرية لتنفيذ استراتيجيتهم.
4ـ كارل ماركس، أو روح العصر:
Karl Marx، ou l’esprit du monde، Jacques Attali (Fayard) - France
لا يقدم الكاتب الموسوعي جاك أتالي في هذا الكتاب مجرد عرض شيق لحياة شخصية جدلية تركت تأثيرها على العالم بصور إيجابية وسلبية مختلفة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم، بل ينتهز الفرصة ليقدم في نفس الوقت عرضا للتيارات الفكرية والسياسية التي أثرت في هذا المفكر والتي تأثرت به.
5ـ الديموقراطية والتعددية ـ دراسة في المسافة بين النظرية والتطبيق؛ تأليف د. رفعت السعيد (دار الأمل- مصر)
لا ييأس هذا المفكر والسياسي، المهموم دائما بمصر وماجرى بها ولها على مر العصور، من محاولة البحث عن مخرج. وهو يفعل ذلك بأسلوب يجبرك، مهما اتفقت أو اختلفت معه، على احترام فكره والتزامه ودأبه.
****
شاكر النابلسي (باحث أردني)
الإسلام والحرية: الالتباس التاريخي
* كتاب "الإسلام والحرية: الالتباس التاريخي" ل محمد الشرفي المفكر التونسي الليبرالي، ووزير التربية والعلوم السابق.
والمفكر الشرفي صاحب تاريخ طويل في السياسة والثقافة والتعليم التونسي. وكان من العقول السياسية والتربوية اليسارية البارزة في تونس في حقبة ما بعد بورقيبة، كما لعب دوراً مهماً وتاريخياً في اصلاح التعليم التونسي واصلاح التعليم الديني التونسي، خاصة ما يتعلّق باعادة هيكلة مناهج التعليم في "جامعة الزيتونة" الدينية التي تُعتبر أقدم جامعة دينية إسلامية في العالم، مما أثار عليه حفيظة الأصوليين التونسيين، وعلى رأسهم زعيم "حركة النهضة" راشد الغنوشي. وقد اثمرت جهود المفكر الشرفي التربوية والتعليمية الإصلاحية إلى أن تصبح تونس الآن هي النموذج العربي الْمُحتذى في الإصلاح التعليمي والتعليم الديني على وجه الخصوص.
يتألف كتاب الشرفي من أربعة فصول مهمة وحساسة هي: الأصولية الإسلامية، والإسلام والقانون، والإسلام والدولة، والتربية والحداثة. وكل فصل من هذه الفصول العامة والشائكة والمتفرعة والجدلية يحتاج إلى كتاب كامل لكي يناقشه، ويلمّ بأطرافه التي شغلت الفكر العربي الإسلامي منذ العصر الأموي حتى الآن.
أهمية كتاب محمد الشرفي أن مؤلفه يكتب فيه من خلال التجربة وليس من خلال النظر فقط. لذا نرى أن في الكتاب أمثلة تونسية كثيرة واستعراض لتطبيقات تونسية في التربية والتعليم، عاشها وخبرها بل وشارك في هندستها واقامة صرحها محمد الشرفي، اثناء توليه لوزارة التربية والتعليم التونسية (1989-1994)، ومن خلال ترؤسه لجمعية حقوق الانسان التونسية، ومن خلال ممارسته كأستاذ للحقوق في الجامعة التونسية.
إذن، نحن أمام مؤلف جمع المجد الفكري من طرفيه: طرف النظر وطرف التجربة الواقعية الطويلة.
أوصي القراء بقراءة هذا الكتاب المهم .
***
إبراهيم أحمد (أديب عراقي)
كتاب لأدورد سعيد:"خارج المكان" .. أو داخل الروح!
"خارج المكان" كتاب لأدورد سعيد ،صدر منذ سنوات لكني لم أحصل عليه إلا هذا العام. قرأته بشغف ودون توقف وأستوقفتني فصول وصفحات فيه فأعدت قراءتها أكثر من مرة .يمنح هذا الكتاب نفحة الأمل بقوة : إذ يكتب الكاتب وهو يعرف إنه سيموت قريباً حيث شرع سعيد في تأليف كتابه بعد أن بلغه الطبيب بإصابته بسرطان الدم! أن يواجه الكاتب موته الوشيك بالكتابة واستحضار الرؤى بصفاء ذهن وعمق ووضوح تلك مأثرة يتركها أدور سعيد للثقافة العربية التي عرفت في الكثير من جوانبها بسرعة العطب وامتهان اليأس والوقوف أمام الموت برعشة العاطفة الزائلة لا بديمومة الفكر! في هذا النص الطويل والمؤثر حاول أدور سعيد استعادة حياته كاملة وانتزاعها من براثن التلاشي وعيشها ثانية بنور الوعي كما عاش معظمها في ظلال الغفلة أو التيار الجارف لنموها العادي. استمتع وهو في غمرة الألم بإعادة خلق طفولته واللعب معها على ربوة الكهولة الآفلة، وأعاد ترتيب أيامه وراجع علاقاته بأبيه وأمه وحاول التصالح معهما بعد موتهما في المشكلات والخلافات الكامنة وراء الحياة السوية. وتحدث عن أشياء كثيرة شبه محرمة بحميمية وصراحة كبيرتين ليس لكي يستدر عطفاً أو يصنع إثارة فجة بل مواصلة لمغامرة الكشف ومحاولة فهم حقائق الوجود والحياة خاصة في الشرق والبوح لقراء يرى فيهم عائلته الإنسانية الكبيرة! انتزع سعيد أرض طفولته وصباه وقد حاولت دوائر إسرائيلية بقسوة لا متناهية انتزاعها منه في مجال الذاكرة وإنكارها عليه والإدعاء بأنه لم يولد أو يعش يوماً في القدس بعد أن انتزعتها منه أرضاً وحقيقة!
يتوغل الكاتب بعيداً في شعاب وتفاصيل حياة طفولته وصباه ويجسد بذاكرة حادة ومتوهجة دقائق حياته الأولى في القدس وجمال الحياة الوادعة الهانئة والمشتركة بين المسيحيين والمسلمين واليهود في أرض كانت تتسع للجميع لكنها قطعت بالغزو الاستيطاني الصهيوني ودخلت أجواء الكراهية والحروب. تركت عائلته بيتها الجميل على أمل العودة إليه ورحلت إلى القاهرة حيث افتتح الأب شركة ناجحة للقرطاسية! يستأنف أدورد حياته في مدارس راقية في القاهرة وينشأ ويترعرع بين أولاد الأغنياء المصريين وتواظب العائلة على رحلة سنوية في الصيف إلى قرية جميلة قرب بيروت كأنها تعوض بها عن رحلة غير ممكنة إلى فلسطين.
يوحي سعيد كما لو أن رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية قد تقررت قبل أن يولد حيث يتحدث عن رحلة والده الطويلة إلى الولايات المتحدة وفشله في الاستقرار هناك وعودته منها ثم زواجه حيث صار يتحدث أمام أدورد وأخواته عن أن أمريكا هي مثله وحلمه الكبيرين ويروح يعد أدورد خاصة للدراسة أو العيش هناك!
يرحل أدورد للولايات المتحدة ويروي بدء معاناته هناك منذ أيامه الأولى لكنه يواصل مغامرة الفكر والإبداع في وسط يزخر بالمبدعين والأساتذة الكبار ولا يفسح مجالاً إلا لمن يكدح طويلاً!
يعود أدورد سعيد ليصف عودة له إلى القدس حاملاً الجنسية الأمريكية ويروي بكلمات عذبة غير متحاملة كيف وقف أمام بيت طفولته وتحدث مع ساكنة البيت الإسرائيلية التي بالطبع لم تفهم عمق مأساته! كتاب خارج المكان هو بحق رحلة داخل الروح!
كان أدورد سعيد فيه ( كما في كتبه الأخرى ) فاتحاً ورائداً في مضمار الأفكار الكبرى مهما أخذ عليه من تناقضات أو تخبطات يقترفها حين يخرج عن موضوعيته وتأخذه سورة انفعال أو هوس بتغليب القضية الفلسطينية على كل قضية أخرى. لقد رحل هذا المفكر الكبير في وقت أحوج ما يكون فيه العرب والفلسطينيون خاصة لعقل موسوعي تنويري ومحلل عميق. وكتابه هذا كما في كتبه الأخرى يرينا مع جبرا إبراهيم جبرا وغيرهما من المفكرين والمبدعين الفلسطينيين كيف إن الإبداع في الفكر والفن والسياسة يمنح الفلسطينيين ( كما غيرهم ) طاقة على تجسيد وجودهم وجدارتهم واستعادة حقوقهم بينما يعمل العنف والإرهاب في أرضهم على تبديد هذه الحقوق أو تأخير استعادتها!
******
د.إسماعيل نوري الربيعي (باحث عراقي)
النهضة وصراع البقاء؛ من مأزق التخلف إلى آفاق التقدم
للدكتور إبراهيم بدران (المركز الثقافي العربي و المؤسسة العربية للتحديث الفكري، بيروت 2005.
يقع الكتاب في 318 صفحة من القطع الكبير)
لم يتوقف سؤال النهضة يوما في المجال العربي، مذ تم إطلاقه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ذلك السؤال الذي بات رديفا تقليديا لأي جهد وأي مسعى يمكن أن يصدر عن المثقف العربي، باعتبار الانهمام بالقضية الأصل التي تقوم عليها مجمل العلاقات، وما تفرزه من إشكالية الصدام والدوران في حقل راسخ وثابت قوامه الواقع والطموح، أو الوعي بالتحولات تلك التي تحضر بقوة لافتة لدى مجمل الجهود التي يحرص المثقف العربي، على طرحها وتقديمها ، فيما يبقى الواقع على ما هو عليه، بل أن الملفت في الأمر بات يشير على حزمة من التراجعات، والتي راحت تفصح عن انكسار وهشاشة مفزعة، بعد أن كثر الحديث عن التخلف والتقدم والسعي نحو طرح البدائل، فيما يكون الفقد واضحا في صلب المنجز الذي تم تحقيقه، حتى أن ما تم تحصيله عبر مسار اليقظة والنهضة والمساعي المتطلعة نحو التحديث ، راحت تعاني اليوم من التراجعات. فيما يبقى العجز بمثابة الموجه الراسخ الذي يجعل من الأصوات المنادية بأهمية الإبقاء على الحال كما هو عليه، بعد أن راحت الفوضى والتمزقات والانتماءات الفرعية، وعودة الاستعمار تلوح آثارها على الواقع العربي، في الوقت الذي توجهت الدراسات العلمية نحو ابتداع مناهج ما بعد الاستعمار، على سبيل المثال لا الحصر.
أين مكمن المواجهة إذا ما كان ممكنا الحديث عن الفسحة الكامنة في مجال المستقبل ، هذا الحيز الزماني الذي يمكن له ا، يستوعب فعاليات التغيير، لكن التأزم الجاهز والحاضر يبقى حاضرا بقوة لافتة في صلب المعنى الذي يتم تداوله في المجال المقصي والمهمش والمغيب عن ساحة الفعل، وإذا كانت الإشارات تترى حول التخلف الذي يتم تصديره من قبل الآخر ، من أجل فرض الهيمنة والقوة والحضور على حساب مصالح وقيم المجتمعات الأقل نموا، فإن إشكالية الذات وما تمور به من تفاعلات، تبقى بمثابة الحاجز الصلب الذي يقف في وجه مسار الوعي بالتقدم ، هذا الحلم المضيع والمغيب، الذي يكاد أن يكون بمثابة المستحيل، بعد أن توجه العرب نحو حشد كل ما لديهم من موانع وعقبات وترسبات، لمواجهة التحديات الناشبة، فيما يبقى السؤال الأهم يعاني من الإهمال حول مكمن التحدي، حيث غياب الأصل الذي يدور فيه مضمون التحدي، هذا الغائب الحاضر، فيما تتفاقم أزمة تبديد الجهود في مجال ، بات لا يعرف من الأسئلة سوى ، لماذا تقدم الآخرون وبقي العرب على حالهم القديم يرسفون في ظل الحيرة المربكة والمحيرة، من أين نبدأ؟وإلى أين؟و ما هو الحل؟!!!كتاب الدكتور بدران ينطوي على المزيد من الأسئلة العلمية التي تستند على المنهج الواضح حيث محاولة التوفيق بين الرؤى والتصورات التاريخية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، وهو جهد يقوم على التبصر الواعي في فحص العلاقات من دون الانسياق خلف العناوين الفضفاضة أو المقولات الجاهزة.
[email protected]
*****
كامل النجار
كتاب "أسرار الخروج"
قرأت في الشهور القليلة الماضية كتاباً قيماً للأخوين مسعود وروجر صباح اسمه "أسرار الخروج" Secrets of the Exodus . الناشر Helios Press. الأخوان يعيشان في فرنسا وينحدران من أسرة يهودية متأصلة في اليهودية وخرج منها عدة معلمين وحاخامات. مسعود صباح درس التوراة والتلمود وروجر كذلك درس التوراة والتلمود مع أنه كان طالباً يدرس الطب لكنه تخلى عن دراسة الطب ليشبع نهمه من دراسة التراث الفرعوني المصري وخاصة اللغة الهيروغلوفية ومقارنتها مع اللغة العبرية. وقد تعاون الأخوان في البحث لهذا الكتاب القيم واستغرق بحثهما عشرين عاماً.
الكتاب في عمومه شيق وملي بالأدلة المصورة التي لا تترك مجالاً للشك. يحاول الأخوان صباح أن يثبتا الجذور المصرية للشعب العبري. يبدأ الكتاب بسرد الديانة المصرية التعددية (الإله آمون) التي ألغاها الفرعون أخناتون في حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد (وهو زمن ظهور موسى والديانة اليهودية) واستبدلها بديانة الإله "أتن" التوحيدية. وبني الفرعون أخناتون عاصمة جديدة لديانته التوحيدية في منطقة "الكرنك" وسماها "أخت أتن". وجمع في هذه المدينة كل الموحدين ورجالات الدين الجديد وترك أتباع آمون في بقية المدن المصرية التي أُهملت تدريجياً. وحتى يزيل أخناتون التعددية الدينية من مصر فقد أمر بإزالة اسم الإله آمون من جميع المعابد ورسم اسم الإله أتون على ألواح من حجر ووضع هذه الأحجار في جميع المعابد. وبالطبع لم يرضَ رجالات الدين القديم عن أخناتون وزوجته نفرتيتي وظلوا يتحينون الفرص للقضاء عليهما والرجوع إلى التعددية.
مات أخناتون بعد سبعة عشر سنة في الحكم وعندما آل الحكم إلى الفرعون توت عنخ أتون كان عمره ثمان سنوات فتولى الحكم بالإنابة عنه الأب الروحي القس آي Ay والد الملكة نفرتيتي. وغير الأب أي أسم توت عنخ أتون إلى توت عنخ آمون ونقل سدة الحكم من الكرنك إلى طيبة Thebes ورجعت الديانة المصرية إلى التعددية.
بالطبع أصبح سكان وقساوسة مدينة التوحيد "أخت أتن" معزولين ومضطهدين وقرر الأب أي إخراجهم من مصر إلى المستعمرات المصرية في أرض كنعان، فجهز حرساً من الجيش ليصطحب الموحدين على شاطئ النيل شمالاً ثم إلى أرض كنعان. وكانت مدينة التوحيد في عهد الفرعون أخناتون لها حرسها أو بوليسها الخاص المكون من العبيد السود، فقرر الأب آي إخراج هذا البوليس في مراكب حملتهم على نهر النيل جنوباً حتى وصلوا إلى ما يعرف الآن بكينيا، فاستقروا هناك وكونوا قبيلة "الماساي مارا" وتعني في اللغة المصرية القديمة أبناء الأب آي الخيرين. وربما تكون هذه القبيلة هي قبيلة بني إسرائيل المفقودة.
وعندما خرج الموحدون من مصر لم يستطيعوا دخول أرض كنعان نسبة لضراوة القبائل الكنعانية، فانتظروا في الصحراء إلى أن تمكن فرعون من إرسال جيش يساعدهم على دخول أرض كنعان. وخلق رجالات الدين الموحدون ميثولوجيا حول خروجهم من مصر واخترعوا النبي موسى الذي هو في الأصل يمثل الفرعون أخناتون. وجعلوا من الأب آي إله اسمه "أدون آي". وقصة الألواح التي أنزلها الإله إلى موسى تمثل الألواح التي كتب عليها أخناتون اسم الإله أتن. وفي سفر الخروج في التوراة الآرامية يُذكر اسم الإله آي الذي أرسل الجيش ليصطحب الخارجين من مصر. ثم صار اسم الإله "أدون آي- يهوه". والتوراة الآرامية تسمي الذين خرجوا من مصر "يهود" Yahuds بينما تسميهم التوراة العبرانية "عبرانيين" وكلمة يهود في اللغة المصرية القديمة تعني "عبدة الفرعون آي" الذي أصبح فيما بعد الإله أدون آي .
الكتاب يبين بالمنطق بداية نشأة الديانة اليهودية وينسف فكرة شعب الله المختار. وتترتب على هذا الاكتشاف نتائج كثيرة ومهمة. أزكي هذا الكتاب إلى قراء إيلاف الذين لهم اهتمام بدراسة الأديان السماوية.
****
هاني نقشبندي (كاتب سعودي)
"الزهّير" للروائي البرازيلي باولو كويليو
صدرت منتصف العام الحالي أخر رواية للكاتب البرازيلي كويليو في طبعة عربية، من الحجم المتوسط وصفحات تقل بقليل عن 350 صفحة.
الرواية تتحدث عن تجربة كاتب مع امرأة تزوجها، ثم تركته فجأة لسبب غامض. يقرر البحث عنها بعد ان تصبح هي الزهير. والزهير هي الفكرة التي تسيطر على الانسان، او الهدف الذي يصبح شغله الشاغل. والزهّير للتقريب هو اسم الفاعل لفعل زهر، اي ظهر.
في الرواية يسال الكاتب عن سر اختفاء زوجته. لماذا تركته وهو ينعم بالثراء والشهرة؟ هل ذهبت مع رجل أخر؟ لماذا لم تخبره عن رغبتها في الابتعاد عنه؟ اسئلة كثيرة يطرحها بطل الرواية.
ومن اجل الوصول الى جواب، يتعرف الزوج على شاب غريب الاطوار حدثته زوجته عنه قبل اختفائها. هذا الشاب من المؤمنين بقوى روحية غريبة. وان فتاة تأتيه من وقت لآخر تخبره عن امور ستحدث.
من اجل الوصول الى زوجته يضطر بطل الرواية الى مرافقة هذا الشاب الغامض. معه تنقل في كل ازقة باريس ولياليها الباردة الطويلة. عامان او اكثر وهو يبحث عن زوجته. عامان او اكثر وهو في دوامة اسئلة لا تنتهي وشاب غامض تصيبه نوبات غريبة.
يقول الشاب ان هذه النوبات حيث حالة تواصل مع الفتاة الصغيرة التي تأتيه من وقت لآخر. لكن بطل الرواية يراها كنوع من حالات صرع.
يتيه الكاتب في افكاره. ويتيه اكثر مع هذا الشاب وحكاياته الغامضة، والفتاة التي تأتيه لتخبره بالغامض.
تكبر دائرة البحث ومعها دائرة التيه. ومرة اخرى يضطر البطل الى رفقة مجموعة من المشردين، وايضا بصحبة الشاب الغريب الذي بات مؤمنا انه السر وراء اختفاء زوجته.
بعد ان توطدت العلاقة بين بطل الرواية والشاب، يعترف له الاخير اين توجد زوجته، انها في مكان ما في كازاخستان.. حيث تلتحم الرياح مع الفروسية.
"في قرية صغيرة نائية ستجدها" هكذا قال الشاب للزوج. وتبدأ رحلة البحث البعيدة من جديد.
من يقرأ الرواية قد لا يفيها حقها من التقدير ان لم يكن على دراية ولو بسيطة بهذا الكاتب البرازيلي: باولو كويلبو.
فقصة "الزهير" تبدو في العمق قصة حياة الكاتب نفسه. منذ ما قبل الشهرة، وحتى تعرفه على زوجته الصحافية، وانتهاء باختفائها. قصة كاتب تأثر كثيرا بقراءاته الصوفية عن الاسلام. بنفس القدر الذى تأثر فيه بقراءاته عن الف ليلة وليلة. فكانت النتيجة، وبتشجيع من زوجته، ان كتب روايته الاشهر "الخيميائي"، والتي حققت نجاحا منقطع النظير على مستوى العالم. حتى هو لم يتوقع ان يصبح في اقل من عام نجما في عالم الرواية. وفوق ذلك ثريا جدا.
الرواية تستحق القراءة لمن يعشق اسلوب الادب اللاتيني، وهو اسلوب غاية في العمق والروعة. اسلوب السهل الممتنع، لكنه مليء بالآراء والتصورات. مليء بافكار تبدو لنا غريبة، غامضة. لكن مهما كانت غرابتها، او حتى مخالفتها لكثير من قناعاتنا، تستحق ان نقف عندها، فنتأثر بها ربما، او نلقيها وراء ظهورنا.
يتبع




التعليقات