|
شاعر مرهف أدرك السياسة ففر منها الى الشعر
عيب الثقافة العربية أنها لا تمنح مبدعيها الاهتمام الذي يليق بهم، وغالباً ما يكون التركيز على بؤر ثقافية دون غيرها، رغم وجود مبدعين آخرين هنا أو هناك ، واليمن هذا البلد القصي عن العرب - وهو منبعهم الأول - فيه من المبدعين ما لا يجوز تجاهلهم، غير أن اليمن عانت من الإهمال لأدبها قديما وحديثاً ، وإذا كانت دوافع الإهمال في السابق واضحة، فلا ندري سبباً لإهمالها اليوم. الشاعر محمد حسين هيثم واحد من أهم شعراء اليمن المعاصرين، رحل عنا قبل أيام وكعادتنا نحن العرب نقيم المآتم لموتانا ونذكر مناقبهم بينما لا نسأل عنهم حين كانوا بيننا. التقيت الشاعر الراحل في اليمن في منتصف التسعينات شاب أسمر ممتلئ قليلاً على غير شكل أهل اليمن، كان شاعراً في كلامه وسلوكه وحتى نبرة صوته، يحدثك بدفء وحميمية ، لكنه يحمل في داخله ثورة مكتومة. شاعر من الجنوب ولد في عدن في حي شهير من أحيائه هو حي "الشيخ عثمان" عاصر حروب اليمن ووحدتها وانفصالها فرأى أمامه بلداً يتشظى، ودفعته الاقدار ليستقر في صنعاء. كان مسكوناً بحب الحياة مثلما هو مشغول بالكتابة، تجلس اليه فيحدثك بهدوء ودماثة خلق، حتى يأسرك بحديثه فتشعر بقربك منه، يمتلك تواضع اليمنيين وذكائهم ، ويحمل معه من البحر صمته وسكونه. رحل عنا ولم يكمل الخمسين من عمره بعد، فقد ولد عام 1958، درس في مدارس عدن وحصل على البكلوريوس في الفلسفة من كلية التربية بجامعة عدن، كما حصل على دبلوم في علم الاجتماع من جامعة صنعاء. عمل سنوات طويلة في عدد من الصحف وهي المهنة التي أحبها منذ كان طالباً في الجامعة، وشغل عدد من المواقع منها الأمين العام لاتحاد الأدباء اليمنيين في دورته الماضية، وكان نائباً للدكتور عبد العزيز المقالح رئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني حتى رحيله، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الثقافية العربية والأجنبية شاعرا ومحكما. ترك خلفه دواوين من الشعر وهاءاته الثلاثة هند وهي روائية صاعدة، وهوزان وهيثم الذين خلدهم في قصيدة جميلة. أصدر ديوانه الأول "اكتمالات سين" فكان اعلان عن ولادة شاعر متميز، ثم أصدر بعده، الحصان 1995، مائدة مثقلة بالنسيان ، 1992 رجل ذو قبعة ووحيد 2...، رجل كثير 2..2 ، إستدراكات الحفلة 2..3 ، حاز بحزيك ، 2..3 ، المجموعة الشعرية الكاملة عن طريق وزارة الثقافة والسياحة ، 2..4 كان يحتفل بالحياة في صمت ويتمنى أن يعيش طويلاً، لكنه في داخله كان يشعر غير ذلك رغم ذلك فهو يخاف من نهاية مبكرة لأنه ببساطة يحب الحياة ويخشى أن يحرم منها، غير أن هذا القلق زاد عنده برحيل عدد من المثقفين اليمنيين في وقت قريب ومازال البعض منهم قادرا على كثير من العطاء. هذا الشعور ربما تسلل الى شعره ففي أحدى قصائده "طللية" نشرها في مجلة غيمان أخيراً يتحدث عن أصدقائه الذين رحلوا في درب يسلكه الجميع فيتحول بعده الى حالة من الوهم لأنه لم يعد موجوداً، وهكذا تكون إشكالية الوجود ولغز الموت مقترنتين معاً على الدوام «خرجوا بغتة واختفوا / ولم يتركوا ما يدل على نجمهم...ربما لم يجيئوا ولم يذهبوا/ ربما لم يكونوا هنا أبداً / ربما كان ما كان محض سراب» وهل نحن جميعا إلا محض سراب مؤجل؟ لا نريد القول بنبوءة هذا الشاعر بموته فالموت واقع لا محال، لكن لنستنفد منه ما يمكن قبل الرحيل، إن العربي لا يحيى لكنه يعيش حياة أقرب الى الموت، حتى أصبح الموت عند بعضهم خلاصاً مما هم من موت مؤجل. إذا كانت بداية هيثم تعبر عن انتمائه الى اليمن من خلال إله القمر سين الذي أطلقه على ديوانه الأول، فإنه سرعان ما غدا كوني النظرة إنساني المشاعر، كما إنه باطلاعه على تجارب الآخرين تحول من القصيدة الموزونة الى قصيدة التفعيلة فقصيدة النثر باحثاً عن أساليب شعرية جديدة تستوعب تجربته. وبعد أن جرب الأشكال الشعرية يقول عن قصيدة النثر "- قصيدة النثر كشكل شعرى بها كثير من الاشكاليات، الشكل المطلق للقصيدة هو تكثيف النثر الى درجة الرهافة الشعرية وتقطير الشعر حتى يصل الى الذروة. الشعر فى قصيدة النثر يأتى من بناء النص، عن خلق بنى ايقاعية من تكثيف العالم، بمعنى آخر خلق العالم داخل النص، بالمفارقة عن طريق التعبير بالصور." لم تكن الكلمات وحدها هي التي تنسج قصائد هيثم لكن الفضاءات التي تتوزع عليها القصيدة، وما تتركه من بياضات كانت محل اهتمام الشاعر الذي لم يكن يفارق ديوانه من لحظة تصميمه حتى وصوله الى القارئ، فقد كان يرى أن الصورة ، صورة القصيدة على الورقة إنما هي جزء من بناء القصيدة. طالما تكرر الموت في قصائد الشاعر محمد حسين هيثم، وهو وإن كان يخشاه لكنه يداعبه أحياناً، في قصيدة "عبد العليم إذا مات" يرثي فيها صديقه فيقدم لنا صورة فريدة بعد أن يتقمص شخصية عبد العليم الذي يجمع أولاده الذين سيخرجون من صلبه ويقسم عليهم ما تركه لهم من أوهام وقصائد وخيبات ، يقول (وعبد العليم عليم بكل أصول الضيافة/حتى إذا مات/يحمل قهوته/ ويوزعها بيديه/ ويعزي المعزين/ ثم يهيئ أكفانه / ويسير مع النعش في أول الصف/ يمشي ثقيل الصدى / صامتا / ويحوقل / يذرف أوقاته كلها / دفقة... دفقة/ ثم من فتحة القبر ينزل / معتذراً / أنه يشغل الآخرين بأوهامه / ويسبب للناس هذا التعب ) ومحمد حسين هيثم مشغول برأسه كثيراً مخافة أن يطاح به في زمن لا يأمن فيه المرء على نفسه ، فقد أدرك حقيقة السياسة ، يقول في لقاء معه " نحاول دائما ان نخلق نصا لا يقع فى المأزق اليومى ليس بمعنى التفاصيل الحميمة وانما الشعارات، ان شئنا أم ابينا نحن واقعون فى السياسة انما نحاول ان نخرجها من فجاجتها وان نجعلها هى النص نفسه دون ان نقع فى حبائلها." لذا فلا عجب أن يخاف على حياته يقول في قصيدة الرأس ( هذه الرأس / لا أعرف حتى كيف تستخدم / غير أنني كل يوم / أطور طرقاً للحفاظ عليها / هذه الرأس / رأسي / ولقد استحققتها بجدارة / -لم يقل لي أحد لماذا- ) إنه يرتضيها لنفسه فهي مستودع فكره ومعها سيمضي عمره الذي لم يكن يتوقعه قصيراً الى هذا الحد (/ لكني استحقها فعلاً / لأنها رأسي/ وعليَّ أن أقطع بها / أطول مسافة ممكنة / أن أمضي بها بعيداً / قبل أن تسقط من تلقاء نفسها ) كان يظن أنه سيبلغ السبعين لكنه انطفأ قبل الخمسين أكان يجهل فن العد؟ (إذا عبرت برأسي سبعين شمساً فقط /ربما تنتهي صلاحيتي عندئذ /ربما لا أكون هنا أو هناك ) ينشغل بهذا الرأس الذي سبب له كل هذا الهلع فهو يخاف عليها ويحرص على أن لايصيبها العطب (هذه الرأس /أطور كل يوم / طرقاً للحفاظ عليها / فأنا لا أرفعها مطلقاً / ولا أتطلع إلى السقف والجبل / لئلا يكتشفها أحدهم / وحين أنام / أسد بأحكام كل منافذها وشقوقها / للتخلص من الأحلام والبعوض / وأغطيها بكل ما تقع عليه يدي / بالقبعات والكوافي والشماغات / بالخرق والقراطيس والجرائد / بالتمائم والبخور والأحذية / خوفاً من الشمس والبرد والحسد ) ويبقى قلقه حين يصحو في الصباح لا ينفك يخاف عليها فيجد طريقة أخرى ( وأغمدها بقوة بين كتفي / وأرفع ياقتي /حتى /لا تسقط / مني /في /الزحام / بسبب صفعةٍ خاطئة /من شرطي / تأخر راتبه الشهري ) هذا الشاعر المسكون بالخوف على حياته لا يملك إلا أن يفخر برأسه ( يا لهذه الرأس /يجب أن نرفعها /أن نعلقها عالياً /عالياً جداً /ليراها الجميع ) كان يدرك الشاعر الراحل بحدسه وبذكاء اليمني الفطري أن القصيدة قد تطيح بصاحبها، كما وجدنا ذلك في قصيدة الرأس التي ذكرناها، ثم يجد الشاعر نفسه محاصراً بالذئب الذي يريد افتراسه فيقول في "على بعد ذئـب" تعبيراً عما يبثه من عذابات من خلال القصيدة، التي تتحول عنده الى جمر يسير بين كناياتها إنه الوجع الذي يعانيه المثقف، فالوعي يرتبط بالسياسة التي لها قوانينها المختلفة عن قوانين الابداع ( كلنا عابرٌ في القصيدة /لكننا لا نقيم بها، /ونقيم القيامات فيها /نشاورُ أحجارها أو نساير أشجارها أو /نحاورها/ أو نسير حفاة علي الجمر بين الكناياتِ/ نهمسُ /أنَّ كمائن أعشابها قطرةٌ من مجازٍ/ وأنَّ السياسةَ بيتُ القصيدْ) يرى الشاعر في القصيدة قدرة خارقة لا تدرك ، لكنه هو والسياسيون يعرفون ذلك جيداً ( كلنا سوف يسألُ:/ كيف تقودُ القصيدةُ هذا الذي لا يُقادُ /وكيف تسوس قطيعَ البداهةِ/ كيف تروِّض جيشَ الحذاقةِ،/كيف تهدهدهم في المهودْ. إنه يواجه الغزاة بقصيدة وروحاً وثابة فيقول:/بعضَ حنينٍ،/ودمعاً قديماً/وشيئاً من القلبِ/نعصرهُ ثم نفرده ثم ننشره في الهواءِ/ونتركه يابساً/كلنا عابرٌ في القصيدةِ/من غيبها/لا نعودْ.) رحل محمد حسين هيثم كما لو لم يكن موجوداً لكنه سيبقى في ذاكرة محبيه، وستتناقل الاجيال دواوينه الشعرية ويتذكرون ذلك الجنوبي الذي مات بعيداً عن ساحل عدن.
|