خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه، "إيلاف" فصولا من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح".. التي انتهى أخيرا من إنجازها.... ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تاريخ تطور السرد الروائي العربي. "خرائط الروح" تحكي ملحمة الحب والحرب، التي عاشها بطل الرواية عثمان الحبشي، بادئا رحلته من واحة في صحراء الحمادة الحمراء "أولاد الشيخ"، متنقلا إلى مدينة طرابلس، ثم إلى أديس أبابا، أثناء الحملة الإيطالية على الحبشة، ثم إلى القاهرة والصحراء الغربية، خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تغطي الرواية حقبة تاريخية عاشها أبطالها في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كانت ليبيا ترزح تحت سيطرة الحكم الفاشي الإيطالي، ثم عهد الحماية البريطانية في الأربعينات، ثم بدء نشوء الدولة الليبية في مطلع الخمسينات.
رواية يمتزج فيها الواقع بالخيال، والتاريخ بالفانتازيا، في أسلوب أحمد إبراهيم الفقيه، الذي ينبض بروح الشعر، منطلقا من الواقع دون أن يكتفي به، وإنما يضيف إليه من أعمال الخيال والحلم والحدس والذاكرة، ما يضمن للقارىء متعة المشاركة والتلقي والتفاعل مع أحداث هذه الرواية الملحمة. هنا الجزء الأول:
خبز المدينة
هكذا تبدأ أحداث قصتك وهكذا تنتهي، رغم أنها لا تنتهي، ألا لتبدأ من جديد.
فهي بداية تقود إلى نهاية، ونهاية تقود إلى بداية جديدة، فلا شيء ينتهي، دون أن تكون له بداية، ولا شيء يبدأ إلا لكي يصل إلى نهاية، تكون نقطة انطلاق لأحداث تتعاقب وتصنع صيرورة الحياة بما فيها من بدايات ونهايات وميلاد وموت وانبعاث، ودورة تقود الى دورة أخرى، حتى تصبح حلقة مفرغة بلا بداية ولا نهاية.
فلماذا يفزعك أن يعود إليك الماضي، ليأخذك أسيرا، مغلولا بالأصفاد إلى أرضه التي تركتها هاربا.
نعم، إنه الماضي يعود إلى الحاضر ياعثمان الحبشي.
يأتي ليحتويك بغباره الكثيف، الكريه، المحمل بأدخنة البارود ورائحة الدم البشري، وأشباح الجثث المقطوعة الرؤوس.
هاهو الماضي يعود إليك ياعثمان الحبشي.
يغمرك بأمواجه السوداء كبحر من القار. يحاصرك ويبسط نفوذه على ساعات نومك ويقظتك ويأخذك من أرضك وزمانك، إلى أرضه وزمانه هو، بمثل ما فعل عندما انتزعك من جذورك واخذ منك لقبك ونسبك واعطاك نسبا حبشيا وأنت القادم من عمق الحمادة الحمراء.
وكضباع الكهوف في الهضبة الاثيوبية، التي تنام نهارا وتستيقظ ليلا، ولا تهاجم ضحاياها الا غدرا، تهاجمك ضباع الماضي لتأكل يومك وغدك وتسد امامك مسالك النجاة.
بعد لحظات سيطلع الفجر ويشعل في الأفق حريقا هائلا يأكل ظلمة الليل، وسيرتفع من المآذن النداء الذي يدعو الناس إلى صلاة هي خير من النوم، مصحوبا بالنشيد الأبدي الذي تعزفه جوقة الديكة وهي ترفع رؤوسها باتجاه الشرق، انتظارا لمواكب الشمس، حيث تمتليء سهول السماء بأطياف مضيئة لها ضجيج وحركة، فتردد صداها قلوب الكائنات وهي تستيقظ على إيقاع أشعتها، منبهرة بجلال أصواتها وألوانها، ويبدأ مشهد الافتتاح ليوم جديد، تتطلع نفوس الناس لما يحمله من مستجدات، عداك انت باعثمان الحبشي، لان الماضي يأبى أن يغادر عقلك وقلبك، معلقا باهذاب عينيك، يمنعك من أن ترى سواه، لقد صار الماضي حاضرا يملأ لحظات النوم واليقظة برعب الكوابيس.
كنت انت يا عثمان الحبشي من يصنع الكوابيس للاخرين، فما الذي اصابك، وأصاب الدنيا، لتصبح أنت ضحية الكوابيس. انها إحدى المفارقات العجيبة التي تملأ حياتك، وما أكثرها.
كنت تفخر بأن لك حدسا، حباك به الله، يجعلك ترى الأشياء قبل حدوثها، وتألف الامكنة الغريبة التي تراها لأول مرة، وكأن حياة سابقة عن حياتك هذه، قادتك اليها.
كان المشهد مفزعا، مجللا بالدم ومليئا بالجثث المقطوعة الرؤوس. تعطل حدسك فما كنت تستطيع أن ترى غير شيء واحد، خطى السياف، وهي تقترب منك محملة بنذر الموت، ورأسك مقطوعا بعد قليل مثل رؤوس رفاقك الذين سبقوك منذ دقائق إلى هذا المصير، ولكن برغم كل العلامات الأكيدة التي كانت تنبئ بقرب النهاية، ظل رأسك ثابتا فوق كتفيك، يمكنك أن تتحسسه الآن بعد مرور أعوام كثيرة على ذلك اليوم، وتتأكد انه مازال ثابتا في مكانه.
أوثقوا أقدامكم وأيديكم بسلاسل من الحديد، تدمي المعاصم والسيقان، واسندوكم إلى حائط مصنوع من جذوع الأشجار المشدودة إلى بعضها البعض بالألياف والسيور المصنوعة من جلود القرود، وقد حشوا الفراغات التي بين الجذوع بالخوص وأغصان وأوراق الاشجار اليابسة، وصنعوا منه سورا لفناء مترب، واسع، تعربد فيه شمس شديدة السطوع، وتتناثر فيه مجموعة أكواخ، يتخذه المحاربون الاحباش مركزا من مراكزهم العسكرية في سفح الجبل.
كان بالجذع الذي أسندوك إليه نتوءا يضغط على ظهرك ويغوص طرفه بين كتفيك، فكنت تتألم وتبكي دون صوت.
خرج من أقرب هذه الاكواخ، المخصصة لاستعمال الحرس، زنجي طويل القامة، معصور البدن، كأنه هيكل عظمي، عار إلا من لحاف مرقط كجلد النمر يخفي محاشمه، وتسطع اسنانه في ضوء الشمس،فتبدو كأنها أسنان مذراة. استعرضكم جميع بنظرة بلهاء، ثم بخطى سريعة مرق أمامكم، وهو يتفرس في وجوهكم واحدا واحدا، تضيق عيناه من شدة التركيز، ويظل فمه مشدوها، ومفتوحا، ينفرج عن أسنانه ذات اللمعان الشديد، كأنه لا يصدق ان كل هذا العدد من جند الأعداء اضحى أسيرا لديه، يفعل به ما يشاء. كنتم مجموعة من جند الجيش الإيطالي، ليس بينكم من الإيطاليين غير ضابط الفرقة، أما البقية فهم ليبيون وصوماليون واريتريون واحباش، واختار ان يقف أمام أسير من أبناء قومه، يبدو أنه يعرفه وربما كان محاربا معه قبل أن ينضم لجيش الغزاة، وقد علت وجه الأسير ابتسامة رجاء وأمل، إلا أن الرد الذي تلقاه من رفيقه القديم هي بصقة على وجهه الباسم، وعاد بعد أن أكمل جولته الاستعراضية، ليقف في أول الصف، وهو يضحك بشكل هستيري حتى استلقى على قفاه، ضحك دونما سبب، ودون أن يصدر صوت من احد الحاضرين، عدا طنين الذباب الأخضر الكبير، الذي اختارت جيوشه وجوه وأبدان الأسرى لإقامتها، لأنه لا أحد منهم يستطيع أن يقاومه أو يحرك يده ليطرده عندما يحط فوق أنفه أو عينيه، علاوة طبعا على وجود كميات متراكمة من الغذاء، في غيبة الاغتسال والنظافة. مد زنجي الحراسات يده في الهواء وقد بسط اصابعه، بعد أن أكمل ضحكته وأحكم عقد ملامحه، فما عاد يلمع في وجهه الا بياض عينيه، أو حبات عرق تتلألأ فوق جبينه، وتقدم جندي يحمل مدية طويلة بحجم السيف، وضعها في اليد المبسوطة الاصابع، وعاد الجندي إلى ركن يقف عنده حراس نصف عراة يحملون الرماح وينشون الذباب ويقفون في صمت، ينظرون إلى زميلهم الواقف قرب الاسرى، الذي مضى يتحسس شفرة المدية باطراف اصابعه ثم التفت يبرطم بكلمات امهرية، فحمل إليه الحارس هذه المرة مبردا، صار يسن عليه حد المدية. أصدر احتكاك الحديد بالحديد صريرا اثار حساسيتك تجاه مثل هذه الأصوات، فصرت تكز على أسنانك وتحاول السيطرة على ارتعاشة بدنك حتى توقف الصوت.
كان كل شيء يوحي بأن ما تراه الآن هو طقوس بداية المجزرة، التي ستكون أنت ضمن ضحاياها قبل انقضاء ضحى هذا النهار. حدسكأايضا يقول لك ذلك. كنت تعرف انك في هذه الحرب القاتل والقتيل معا. استطعت أن تؤجل موتك مرارا، وقد جاءت الآن لحظة المواجهة مع الموت، التي توقعت مجيئها، فلماذا الفزع إذن؟
أشار زنجي المدية، إلى الحراس أن يبتعدوا قليلا، وكأنه جراح لا يحتمل وجود المتطفلين في غرفة العمليات، ووضع مديته قبالة عنق الأسير الذي أمامه، وجر بها على عنقه في لحظة خاطفة. أصدر الرأس المقطوع صرخة، رددت اصداءها السماوات السبع، أو هكذا بدا لك، وأنت ترفع رأسك إلى قبة الكون حيت يدوي رجع الصدى، لصرخة الرأس المقطوع، وأنت تقاوم صرخة فزع امتلأ بها حلقك، فمنعتها من الخروج.
أسرى كثيرون يستندون مثلك إلى جذوع الاشجار، ولم يستطيعوا كتم صرخاتهم فانطلقت تصنع غلافا يليق بالمشهد الدموي الاستهلالي. اغمضت عينيك وتلوت الشهادتين، تنتظر مصيرا كمصير رفيقك الذبيح. ابقيتهما لبرهة طويلة مغمضتين، وعندما فتحتهما وسط هستيريا الصراخ، كانت سواقي الدم مازالت تدور، وكان ممثل ملك الموت، قد استقر على نظام لعمله، فهو يذبح اسيرا ويتخطى الاسير الذي بجواره، يبقيه حيا، ليداهم بمديته الطويلة الاسير الثالث. لم تفهم لماذا اختار هذا النظام الجزافي العشوائي لاختيار ضحاياه، لعله أراد أن يتسلى بإبقاء البعص احياء ليعود إليهم بشهية أكبر للقتل، في وجبة ثانية، أو لعله ابقاهم لاستخدامهم في عمليات تبادل الاسرى، التي تحدث احيانا. كان همك هو ان تعرف عدد الاسرى الذين يقعون في هذه المسافة التي تفصل بينك وبين زنجي القتل، لتعرف إن كنت تقف في خانة الأحياء أو الموتى. لم يكن الرجل يفرق بين ليبي أو صومالي أو حبشي، ولا يخضع لأي اعتبار سوى هذه القاعدة التي وضعها لنفسه، وهي أن يقتل واحدا ويترك واحدا من هؤلاء الأسرى الذين بين يديه. ازداد فزعك وانت ترى نفسك ضمن خانة الأموات. لعلك اخطأت في العد، فلتقم بعدهم مرة ثانية وثالثة ورابعة. انتهى الرجل من قتل سبعة أشخاص وترك سبعة احياء وأمامه الآن قتل خمسة أشخاص أنت سادسهم بالتمام والكمال. سينجو هذا الإفريقي الذي على يمينك، والإفريقي الآخر الذي على شمالك، وسيذبحك أنت، كما يقول النظام الذي ابتدعه. الزنجي المخضب بدماء القتلى، يجز أعناق الرجال كأنه يقتل شياه الماعز، يدنو منك. لم يعد يفصله عنك سوى ثلاثة أشخاص. سيذبح أولهم، ويتخطى الثاني إليك أنت. ومرتعشا صرت تتلو سورة ياسين المليئة بآيات الرجاء والاسترحام والاستغفار، التي طالما قرأتها على أرواح الموتى في مقابر المسلمين. يراودك احساس بالخجل لهذا الخوف الذي اعتراك، وجعل العرق ينز من جبينك ويدخل عينيك وفمك، دون أن تستطيع له دفعا. ولماذا تهتم بدفعه، وأنت ترى نهايتك قد ازفت، وتشهد بعينيك الفناء قادم إليك، والحياة الزائلة تهرب منك، ودرك أن الدنيا ليست الا باطل الأباطيل. وصل زنجي الموت قريبا منك، حيث ستراه لاخر مرة يمارس طقسه الوحشي، لانه لم يكن بينك وبينه سوى ضحية واحدة. إنه هذا الأسير الذي بدا ميتا قبل أن يموت. واحد من أبناء جلدتك، اسمه عبد الله، جاء معك من طرابلس إلى بر الاحباش وعاشرته على ظهر السفينة التي اقلتكم إلى هذه البلاد، وعرفت انه مصاب بصداع مزمن لم يزايله رغم من أجل النار التي تركت اثارها فوق رقبته وفوديه بحثا عن علاج لهذا الداء عن طريق الكي. ها هو المسكين يجد علاجا ناجعا ونهائيا لاوجاع رأسه. هذا العبد البائس من عباد الله. عيناه الآن جاحظتان وفمه مفتوح يحيط به الزبد، وكان صاعقة هبطت عليه وجعلته متجمدا مصعوقا بهذا الشكل. أساك على نفسك انساك أي شعور بالأسى نحوه، هكذا علمتك تقاليد الحرب. يطير رأس رفيق يحارب بجواك، فتتحسس رأسك شاكرا السماء، لانه لم يكن رأسك أنت الذي طار. الأمر يختلف هذه المرة. رأسك ورأسه سيطيران. مد الزنجي يده وأمسك بفروة رأس عبد الله، لكي يتيح لليد الاخرى ان ترفع المدية وتضرب العنق. اطلق صاحبك المذبوح غرغرى كالخوار، وانبجست من عنه نوافير الدم. اطبقت فمك تكتم صرختك، وانت ترى دم صاحبك ينتال على رأسك ويغطي وجهك. ارتطم رأسك ارتطاما موجعا بجذع الشجرة وانت تهزه بقوة، من أجل ان تنفض الدم من فوق عينيك. رأيت من خلال قطرات الدم العالقة باهذابك، القاتل وهو يمسح مديته في ثوب الرجل القتيل، ثم رأيته يتحرك، تاركا كما هو النظام، جارك الافريقي، ليقف أمامك. رأيته يضع عينيه في عينيك، فأشحت ببصرك عنه، ووجدت نفسك، كما هو حالك في لحظات الخطر، تستنجد بولي صالح من أولياء بلادك هو سيدي عبد السلام الأسمر، تكرر اسمه هامسا، ياسيدي عبد السلام، يا سيدي عبد السلام، يا سيدي عبد السلام. إنه يرقد في ضريحه بمدينة زليطن بعيدا عنك، تفصل بينك وبينه انهار وغابات وصحارى، ولكن المسافات لن تكون حائلا دون وصل هذه الاستغاتة إليه. رفعت عينيك إلى سما مفتوحة فوق هذا الفناء، كانك تتفقد الطريق الذي ستسلكه روحك إلى عالم الصمت الأبدي. ترى مال ذي ينتظرك الآن خلف حجب الموت السوداء.انتهى بالنسبة لك عناء الانتظار لمعرفة الجواب على هذا السؤال. لم تبق غير ثوان حتى تنكشف أمامك أسرار وطلاسم ذلك العالم المجهول. اصطدمت عيناك بأشعة الشمس العمودية. رأيت الزنجي يمد يده ليفعل معك ما فعله مع صاحبك عبد الله عندما وضع قبضه في فروة رأسه، فاردت أن تعفيه من هذه المهمة، وتعفي نفسك من هذا العناء، فرفعت رأسك بأقصى ما تتيحه المسافة التي بينك وبيني السور، ومددت عنقك بأقصى ما تستطيع متيحا للسكين فرصة أن يؤدي عمله بسرعة وإتقان دون حاجة من القاتل للإمساك بشعر رأسك، واغمضت عينيك هاربا من رعب ما ترى. دارت الدنيا في رأسك، ودار معها الزمن دورة سريعة تربط بين يوم مجيئك إلى الدنيا، الذي لا تعيه الا من خلال ما سمعته من كبار نساء العائلة، وبين هذه اللحظة وقد آن لك ان تغادرها. لم يزغرد أحد زغاريد الفرح يوم ولدت، فقد جاء مولدك، متزامنا مع دخول جيش الغزو الإيطالي إلى قريتك. كان دخولهم مصحوبا بحملات انتقامية تداهم البيوت بحثا عن رجال المقاومة، فامتلات الطرقات بصراخ الأطفال وعويل النساء النائحات. استقبلتك الدنيا بالنواح يوم مولدك وصار النواح قدرا يصاحبك مثل ظلك على مدى العمر. ولكن لماذا يتأخر الرجل كل هذه المدة في تسديد ضربته القاتلة؟ لماذا يصبح هذا الجزء من الثانية الذي يفصل بين ارتفاع السكين وهبوطه فوق العنق، دهرا؟
كنت قد لاحظت أن زميلك في الأسر الذي تخطاه زنجي الموت، يبتسم لأنه نجا من القتل، ولذلك فقد اذهلك، أن تسمع الآن صرخة مفزعة، موحشة، صادرة عنه. فتحت عينيك لترى ماذا يحدث، فإذا بالزنجي، لأول مرة يخالف النظام الذي بدأ به. يتركك دون سبب مفهوم، ويعود الرجل الإفريقي الذي كان يبتسم، فيمسك بفروة رأسه بدلا منك. أطلق الرجل الذي باغته الأمر، صيحته المفزعة عندما رآى حد السكين يلمع في مستط ضوء الشمس، قبل ان يهبط فوق عنه، لينبجس فيض من دمه، ويغطي أمامك الفضاء وقرص الشمس.
شيء كأنه الإغماء أصابك. ادركت لفورك انك قد نجوت. مضت برهة قبل أن تعرف على وجه اليقين ان الرجل فعلا تراجع عن قتلك. تخطاك ومضى يعالج بمديته اعناق ضحايا آخرين.
إنها وإن كانت نجاة مؤقتة، جاء بها موقف عبثي لا تفسير له، فانت مازلت ترى فيما حدث معجزو بكل المقاييس، مدركا أن العناية التي ابعدت عن عنقك مدية الجزار لن تتخلى عنك هذا اليوم، وأن سيدي عبد السلام الذي استنجدت به، سينجيك من مذبحة هذا النهار. حدس يتناقض مع حقيقة أن حفلة القتل مازالت قائمة، والرجل الذي يتولى القتل بفرح وحشي، لا تحكمه أية قاعدة، إنه حتى وإن لم يقتل الجميع الواحد تلو الآخر، فماذا ذلك إلا لإضفاء شيء من الإثارة على أسلوب القتل، وذلك بتقسيم ضحاياه إلى وجبتين.
لم يكن الاغماء كاملا، فقد كنت تستطيع أن ترى من خلال اطباقة عينيك التي لم تكتمل، كل ما يدور. كان الدم البشري الذي يلطخ وجهك، قد دخل فمك، واستقرت زناخته على طرف لسانك.
فأحسست بأمعائك تصل إلى حلقك، وتنبهت إلى أن الشمس تقف تماما فوق رأسك، وكأنها اختارتك أنت بالذات هدفا لأشعتها، التي صارت تهبط عليك حارقة، لاسعة، كأنها صهريج من نار. اعتبرت ان ما يحدث لك الآن ليس إلا تمرينا أوليا على حياة أخى تنتظرك وسط الجحيم، وتابعت بأعصاب أتلفها الفزع، مشهد المجزرة التي تدور في الفناء، وانتقال القاتل من أسير إلى آخر، حتى اكمل مهمته ورمي المدية، واطلق زغرودة المحاربين التي سبق أن سمعتها من المقاتلين الأحباش، فجاء جنود آخرون من خلف السور يشاركون مع الحراس في إطلاق الزغاريد.
انتهى ذلك اليوم دون أن تموت. دون أن تتحول إلى جزء من الدم الأسود المتختر الذي يختلط بتراب الفناء، ودون أن تعرف حتى هذا اليوم، لماذا وفي اللحظة الأخيرة، وقبل التقاء المدية بحبال الرقبة، ابقى عليك ذلك الرجل الذي يشبه هيكلا عظميا شديد السواد.
انتهت وليمة الدم، بمثل ما انتهت بعدها فترة الأسر، دون أن ينتهي تأثير ذلك اليوم في نفسك، ومن تركه من ندوب في عقلك وقلبك. لقد ظلت نقطة سوداء في الذاكرة، ماكان لشيء يأتي بعد ذلك أن يقدر على محوها. كنت كمن عاد إلى الحياة بعد أن سافر إلى عالم الموتى. لقد أفسد مذاق الدم في فمك، ذلك اليوم، شهية الحياة لأيام كثيرة بعد ذلك، وغيرت تلك اللحظة نظرتك لأشياء كثيرة في الحياة تشمل القيم والأفكار والمشاعر والانفعالات، وصارت حدا فاصلا في حياتك بين عهد وعهد وعمر وعمر، أحسست كأنك كبرت في لحظة واحدة عشرات الأعوام وتغير تبعا لذلك كبرت واتسعت رؤيتك لمعنى الحياة وتبدل فهمك لكل ما يتصل بالهلاك والنجاة، والفشل والنجاح، والحق والباطل والخير والشر والسعادة والشقاء والألم والمتعة، لأن كل هذه الأشياء، ارتدت ثوبا واحدا، وصار لها معنى واحدا ولونا واحدا في تلك اللحظة الفارقة الفاصلة بين الموت والحياة.
بدأ الأمر بسيارة شحن تقف في باحة السوق.
تسللت اليها بمساعدة السائق لتنام بين غرائر الفحم، وانتظرت عدة ساعات، تتنفس الغبار الأسود، وتنصت إلى صخب السوق، وتتمتم بالأدعية والتعاويذ كي لا يكتشف أحد أمرك، مرددا تلك الآية التي سمعت من أحد المعلمين في الزاوية، إنها تحجب الإنسان عمن يلاحقه إذا رددها وهي >وجعلنا من بين أيديهم سدا، ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون<. حتى سمعت محرك الشاحنة يدور، ثم أحسست بها تتحرك، وتهبط المرتفع الذي يصل القرية بالطريق العام إلى العاصمة، وانتظرت بضع لحظات قبل أن ترفع رأسك من تحت أشولة الفحم، وتتنفس هواء الله الطبيعي، وعندما رفعته، ورأيت ابنية القرية تتراجع، أدركت أن فصلا من فصول حياتك قد انقضى، وأن فصلا جديدا قد بدأ الآن.
مرغما تخرج من القرية، ولست نادما على شيء لأنه من قبل أن يأتي هذا الإرغام، فإنه لم يكن هناك ما يغريك بالبقاء في قرية يقتلك فيها الضجر، وتطاردك سحب الذباب وارتال القمل والبراغيت، بلغ عمرك ربع قرن، ولاشيء أمامك يعد بأي تبدل في حالتك، رعيت الجديان وحفظت القرآن في الزاوية السنية وتحولت بعد ذلك إلى مساعد لمعلم الصبيان، تتبعه بالإبريق لتصب على قدميه الماء وهو يتوضأ وتشتغل خادما له أكثر مما تشتغل معلما للقرآن، ولا زلت تسرح بالشياه في أوقات الفراغ كحال أي رجل لم ينل تعليما، برغم كل ما نلته من تأنيب وتعزير وضرب على قدمك بالفلقة حتى اكملت حفظ القرآن وسيمضي عمرك في القرية على هذا المنوال، أقصى ما سوف تكسبه من تعليمك هو كلمة الشيخ التي صار الناس يلحقونها باسمك فأنت الشيخ عثمان الشيخ، وأقصى ما يميزك عن بقية أهل القرية الأميين هو أنهم يأتون إليك لتقرأ لهم ما تصلهم من جوابات، أو تكتب لهم رسائلهم دون أن تنسى كتابة ذلك السطر في ختام الرسالة الذي يشير آلي كاتبها وهو >والسلام ختام من كاتب الحروف، العبد المعروف عثمان الشيخ< حتى لو كان الشخص الذي تخاطبه الرسالة شخصا لا تعرفه فهو نوع من إثبات الوجود والتباهي بتقديم هذا الصنيع. لم تكن هناك أوجه استخدام أخرى للعلم الذي حصلت عليه غير هذا الاستخدام المجاني الذي لا يجلب رزقا عدا القليل من البيض يجود به عليك الفقي عبد الله مما يتلقاه من الأطفال مقابل تعليمهم، لأن هذا كل ما تستطيع قرية >أولاد الشيخ< تقديمه لمعلمي أولادها، وتدرك جيدا أن أقصى ما تحلم بالوصول إليه هو أن تحتل مكان الفقي عبد لله إذا غادر قبلك هذا العالم بعد عمر طويل، أو تنافس الفقي بركة في كتابة الأحجبة بضريح الشيخ الكبير، أما غير ذلك فلا شيء حتى لو قرأت كتب الأولين والآخرين واكتسبت علومهم، ستبقى كما أنت لأنه لا مكان في أولاد الشيخ لذلك العدل القرآني الذي يحفظ لأهل العلم قدرهم كما تقول الآية الكريمة >وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون<، فكلهم سواء لدى أهل اولاد الشيخ.
لم تكن تلك أول مرة تلتقي فيها بعزيزة ابنة بائعة الماء أمي نفيسة، تحت جناح البئر المهجور، فقد سبق هذا اللقاء الذي اكتشفك فيه الفقي بركة لقاءات كثيرة في نفس المكان. أنها تصغرك بعدة أعوام، وكنت تعرفها منذ أن كانت طفلة صغيرة تتبع أمها وهي تحمل الماء إلى البيوت ثم صارت تساعدها وتحمل الماء معها وقد تكور صدرها وبرزت مؤهلاتها الأنثوية، وكانت دائما تنظر إليك نظرة فيها دعوة وإغراء، إلى أن وجدتها مرة بمفردها فتمشيت معها وأبديت رغبتك في أن تلتقي بها على انفراد فجاءت للقائك في البئر المهجور، الذي تم ردمه فبقي جناحاه منتصبين وبينهما فراغ هيأته ليكون مكانا تختلي فيه بنفسك في البداية، أحطته بسعف وجريد النخيل فصار كأنه غرفة معزولة وضعت فيه حصيرا وابريق ماء، وصرت تذهب إليه عندما تريد استذكار كتاب أو مراجعة شي في كتب الشريعة الموجودة في مكتبة الزاوية السنية، لأن أناسا كثيرين صاروا أحيانا يسألونك اسألة تتصل بالشريعة بعد أن صرت من زمرة المعلمين ولم تكن تريد أن تظهر جهلك بمثل هذه الأمور فصرت تراجع هذه الكتب بعيدا عن دوشة البيت، أو صخب الزاوية التي لا تفرغ من التلاميد والمصلين، ثم بعد أن التقيت بعزيزة حولته من مكان للعزلة العلمية إلى العزلة الغرامية، ولأن البئر محاطا بغياط النخيل، وليس ببعيد عن الآبار التي تشرب منها القرية، فلم يكن صعبا لعزيزة أن تدعي أنها قادمة لترد على البئر، ثم تتسلل بين أشجار النخيل الى هذه الخلوة وتعود مع نفس الطريق إلى البئر، تحمل اناء الماء على كتفها، فتملأ الاناء وتعود إلى بيوت القرية، ولقد مضت اللقاءات الأولى بينك وبينها دون أن يحصل خلالها أي تلامس بينك وبينها، لأنها رغم إعجابها بك واستعدادها للقائك لم تكن على استعداد للوصول بالعلافة إلى الاتصال الجسدي، وعندما حدث هذا الاتصال بقى لعدة لقاءات مقتصرا على القبلات، قبل أن ينتقل إلى شيء أكثر من القبلات رضيت به معك بشرط ألا تقوم بإفساد بكارتها، وفعلا كان الاتصال يتم بكل تفاصله ما عدا الاخلال بهذا الشرط، وعندما جاء الفقي بركة يرفع الغطاء عن تلك الخلوة، كان يبدو أنه وقف وتصنت وأراد أن يمسك بكما بالفعل المشهود، وكنتما في حالة عناق بنصف أجسادكما العارية وصار يصرخ بالناس يدعوهم للمجيء ليروا معلم القرآن عثمان الشيخ كيف يمارس الجنس مع الزنجية عزيزة ابنة أمي نفيسة، ولكن قبل أن يصل أحد من الناس، كنتما قد ارتديتما ملابسكما، وكانت عزيزة قد وضعت اللحاف على جسدها وهربت بين غياط النخيل عائدة إلى القرية وبقيت أنت لتواجه الفقي بركة في حضور من استطاع جمعهم بصراخه قائلا إنه يكذب وأنه لم ير إلا الفتاة وهي تحضر لك إبريق الماء فظن بأن هناك شيئا غير أخلاقي بينك وبينها، وكان هو طبعا يصرخ بأنه رآك تقوم بالفعل الفاحش معها.
لقد حقق الفقي بركة انتقامه، ترصد لك، وسمع من أحد الناس خبرا عن شبهة علاقة بينك وبين عزيزة، فظل يراقب تحركها، حتى اكتشف موعد مجيئها للخلوة التي اتخذت لها مكانا في البئر المهجور وتتبعها حتى دخلت وأكمل تنفيذ خطته، المشكلة أنه لم يأت وحده وإنما سحب معه شخصا آخر من كبار السن من أهل القرية اسمه الحاج بدران تصادف وجوده قرب البئر، وهو ممن يحظون بثقة واحترام أهل البلدة ليكون شاهدا معه على ما رأى، فكان صعبا أن تجد من يصدق كلامك، مقابل ما يقوله الفقي بركه مدعوما بشهادة الحاج بدران، ووجدت أن مصيرك لن يكون إلا التعزير والطر د من الزاوية، وصب اللعنات على رأسك من أفراد عائلتك وفي مقدمتهم والدك وأمك وزوج أمك، إن لم يكن الطرد من البيت، فلما وجدت أن هناك في جيبك بعض الليرات وهناك في السوق سيارة قادمة من أرياف القرية محملة بالفحم لنقله إلى المدينة، ساومت سائقها على نقلك ودفعت له حق هذا النقل، وطلبت منه أن يجد لك مكانا آمنا بين اشولة الفحم تنتظر فيه إلى حين وقت المغادرة. لم يكن ما فعلته لتفوز بنقمة الفقي بركة غير كتابة حجاب واحد، لم تتقاضى عليه غير بيضتين. كنت ذهبت إلى ضريح الشيخ الكبير تبحث عن كسب اضافي عن طريق كتابة الأحجبة، ولأن الفقي بركة صاحب شهرة واسعه فقد كان الجميع يذهب إليه، ولم تجد بعد ساعات من الانتظار غير هذه السيدة العجوز التي فشلت في الحصول على مكان في الزحام الذي يحيط بالفقي بركة، فرضيت بأن يكتب لها حجابا لطرد الكوابيس شاب لا يعرفه أحد مثلك انت، وبدل البيضات الأربع التي أحضرتها لتكون ثمنا لحجاب الفقي بركة، اعطتك بيضتين، لأنها اعتبرت أن حجابا تكتبه أنت يعادل نصف حجاب يكتبه فقيهها المفضل. وهكذا لم يكتف بطردك من ضريح الشيخ الكبير حيث يمارس مهنته، ولكن من القرية كلها، ليخلو له الجو دون منافسين. بينما ترى فيها فرصتك لأن تترك اجواء هذه البلدة التي يضيق بها صدرك بحثا عن مساحة أكثر رحابة تتجول فيها أحلامك في عاصمة البلاد. لم تكن قد ذهبت الى طرابلس من قبل، إلا أنك سمعت عنها كثيرا، ورأيت الناس يعودون منها وهم في غاية الانبهار والإعجاب ويذكرون اسمها وكأنهم يذكرون تعويذة سحرية تعني الفرح والحرية في أن تفعل ما تشاء. إنك حتى وإن لم تكن لا تعرفها، فيكفي أنك تعرف اولاد الشيخ وما تلقاه فيها من ملل ورتابة وعناء، وما يدخل فمك وعينيك من أتربة نتيجة رياح القبلي التي تجلدك صيفا وشتاء، إلى حد أنك دائما تستغرب بينك وبين نفسك لذلك الجد البعيد الذي كان أول من جاء لهذه البقعة، واختارها مكانا لإقامته دونا عن بقية بقاع الأرض، مما يدل على أنه كان مجرما يطارده القانون، وأراد أن يهرب إلى مكان لا يقوى أحد من أعوان الدولة على الوصول إليه، فاختار هذا المكان الكئيب، بين الجبال ملجآ له. تلال صخرية جرداء، وافق اغبر رملي لا تكسره إلا المزيد من كتبان الرمال، وفي سفح هذه التلال حيث تستقر مياه السيول زرع الأسلاف بعض حبات النوى، لينمو غيط النخيل الذي يشكل القوت الأساسي لجيل أو جيلين من أبنائه، لكن بعد أن تقادم الزمان وتكاثر النسل صار مستحيلا لثمار هذه النخيلات أن تكفي الجميع.
رأيت نفسك في الحلم جالسا فوق محفة يرفعها سبعة رجال سود فوق أكتافهم ويصعدون بها طريقا جبليا، واستيقظت من النوم وأنت واثق من أن هؤلاء العبيد هم خدم الحظ والنجاح يصعدون بك إلى مشارف عالية، ولكن أي حظ ونجاح يمكن أن تقدمه قرية من قرى الصحراء تأنف الخرائط من ذكرها، لقد نسيت الحلم ولم تذكره إلا وأنت متكىء فوق اشولة الفحم، والشاحنة تعبر بك الطريق إلى طرابلس، ففي تلك المدينة وحدها يمكن أن يجد حلما كهذا الحلم فرصة أن يتحول إلى حقيقة. وإذا كانت بأضادها تعرف الاشياء، فقد وضعت في ذهنك صورة للحياة في مدينة طرابلس، تناقض ما في القرية من بؤس وصمت وفراغ وحياة روتينية مكرورة باهتة، دون أن تدري على وجه اليقين ما تخبئة لك الحياة فيها، ودون أن تملك خطة للكيفية التي ستواجه فيها الحياة في مدينة تاتي إليها غريبا ولا تعرف فيها أحدا. كل ما يملأ راسك هو الصورة التي صنعها خيال القرية عن المدينة العامرة بالأضواء التي تحيل الليل إلى نهار، ولا يركب الناس فيها إلا السيارات أو العربات الأنيقة التي تجرها الخيول ذات السروج والألجمة المطهمة بالذهب والفضة، وتتمخطر في شوارعها وفوق أرصفتها نساء متزينات، متبرجات، يفوح العطر الجميل من أردانهن، سافرات الوجوه، حاسرات الشعور، تكشف الملابس التي يرتدينها عن الأذرع والسيقان وأحيانا ما هو اكثر من ذلك، وتقام في ساحاتها وميادينها وشوارعها حفلات الرقص والغناء التي يوزع فيها الطعام والشراب مجانا، كما تقام في ملاعبها سباقات الخيل والسيارات ورياضات أخرى لا حصر لها، هذا غير المنتزهات والحدائق والمسارح ودور العرض السينمائي والأسواق والمتاجر الكبيرة الحافلة بكل ما تشتهي الأنفس من مطاعم ومشارب وفواكه في غير موسمها مجلوبة من مشارق الأرض ومغربها، وحدائق الورد والنوافير التي يزغرد فيها الماء ويخرج مصبوغا بمختلف الألون من أجل الزينة وإشاعة البهجة في قلوب الناس، وأهل طرابلس الذين يسكنون القصور ويرتدون ألبسة الحرير ويأكلون بملاعق الذهب، ويأتي قبل هذا وذاك البحر، هذا المدى اللامتناهي من الماء الذي بهر كل من رآه من أهل قريتنا، الذين يتشوقون لرؤية بركة صغيرة من الماء يصنعها المطر سرعان ما تغور في الأرض، ثم يشاهدون هذا البحر الزاخر بامواجه العاتية والسفن تشق عبابه، يحضن مدينة طرابلس من ثلاث جهات، وقد كثرت حوله المنتزهات والشواطئ المخصصة للسباحة والأحواض المخصصة لقوارب النزهة، هذا البحر الذي كان موضوعا للأساطير والقصص والخراريف التي كنا نسمعها من سيدات العائلة قبل أن ننام ونحن أطفال، فجئت محملا بشوق عارم لكي تراه. كنت وانت تسمع هذا الكلام عن المدينة، تستطيع أن تفرز الحقيقة من الخيال، وتعرف أن المدينة ليست كلها منتزهات وملاه وقصور ورقص وغناء وأغذية ومشروبات توزع مجانا في الحفلات، وأن هناك كدح وتعب، وفقر وبؤس، وهناك عناء وجهد وعمل وذكاء لمن يريد تحقيق النجاح والثراء، وكنت مستعدا لبذل كل ما تستطيع تقديمه من جهد وكدح لتحقيق النجاح في المدينة، مدركا أن مهمتك الأولى في المدينة هي العثور على عمل، تصرف فيه نهارك كله، وتؤمن من خلاله مصدر رزق لك، وتصنع لنفسك جذورا، وتبدأ رحلة الانطلاق نحو ما تسعى لتحقيقه من رفعة ورقي. لم يكن لك أحد من أقارب الدرجة الأولى انتقل إلى المدينة قبلك واتخذها موطنا له، وتستطيع بالتالي أن تذهب إليه ليكون دليلك ومرشدك وعونك في أيامك الأولى، ومعنى ذلك أنه لا عون ولا مرشد غير جهدك، كل ما تعرفه أن لمنطقة الواحات وكالة يقصدها الذاهبون إلى المدينة ويتخذونها نقطة وصول وانطلاق عند السفر من وإلى المدينة اسمها وكالة الشوشان، بقرب سوق الثلاثاء، وهي عبارة عن مساحة من الأرض مسورة بسور خشبي يستخدمونها موقفا للسيارات ومكانا لتحميل البضائع، وفي ركن منها صنعوا كوخا من الصفيح والأخشاب ينام فيه من لا مكان لديه يذهب إليه، وكان مهما أن تطمئن منذ اللحظة الأولى التي أوصلتك فيها الشاحنة إلى وكالة الشوشان أن هناك موضعا لرأسك أثناء الليل، في هذه الوكالة، لا يكلفك نقودا.
كان أول ما باغثك وأنت تبدأ أول مراحل التعارف على مدينة طرابلس، أن الناس هنا يختلفون عن الناس في أولاد الشيخ. يرتدون أزياء إفرنجية غير تلك البذلة الشعبية التي يرتديها الناس في قريتك، ولهم سحنة ليست كسحنتهم، مع اختلاف في لون البشرة الذي عهدته لونا أسمر لدى اهلك، فوجدته فاتحا يميل إلى الحمرة هنا، ولم يكن صعبا أن تهتدي منذ اليوم الأول لوصولك لها، إن طرابلس ليست كما كنت تعتقد مدينة عربية ليبية، فهي كما اكتشفت الآن، مدينة إيطالية بامتياز، وهؤلاء الناس الذي صرت تقارن بينهم وبين أبناء قريتك ظنا منك أنه يجمعهم نسب ليبي واحد فهالك الفرق، أدركت الآن أنهم ليسو ليبيين، وإنما إيطاليون، لا يزاحمهم أي عنصر ليبي في ارتياد الشوارع الكبيرة والجلوس في المقاهي والمطاعم الفاخرة والتسوق في المتاجرة الفخمة الفاخرة، ويتحدثون في هذه الأماكن بلغتهم الإيطالية، ويصنعون طابعا ايطاليا للحياة لا علاقة له بالنسب العربي الليبي الإسلامي الذي تنتسب اليه المدينة، وحائرا طفقت تبحث عن اهل المدينة الليبيين، وأنت تعبر هذه الشوارع، وتتفحص أوجه الجالسين على مقاهي الرصيف، وتطوف بالأسواق والحوانيت والمنتزهات، دون أن تهتدي بينها إلى شارع عربي، أو مقهى عربي، أو مطعم عربي، أو حانوت يروده العرب، غير بعض الأفراد القليلين الضائعين وسط هذا الزحام الإيطالي، حتى الآذان لم تسمعه إلا في اليوم الثاني بعد أن قضيت ليلتك الأولى في الوكالة، واكتشفت وأنت تطوف الشوارع الخلفية والحواري التي تحيط بالوكالة، تبحث عن جامع للصلاة، أن هذه هي الشوارع التي يتوارى فيها الليبيون بعد أن استولى الإيطاليون على واجهات المدينة وشوارعها الكبيرة الجميلة المضيئة. اكتشفت أيضا أن للمدينة عبيرها الخاص، الذي استنشقته منذ اللحظة الأولى لوصولك إليها، وهو أكثر ما يكون وضوحا في الصباح، دون أن تجد له رائحة معينة تسنده إليها، فهو خليط من روائح كثيرة، بحيت تجد فيه شيئا من عبق الورد وزهور الحدائق، مع شيء من رائحة الأفران التي تصنع الكعك والحلويات، وقد تجد شيئا من معاصر الزيوت ومصانع الصابون وشيئا من دكاكين العطارة وأسواق الخضار مع شيء مما يطهى في المطاعم ويعد في المقاهي ويتم تحضيره في دكاكين الحجامين وأهل الطب الشعبي. إنه أول شيء تتنسمه عندما تستيقظ وتخرج لاستقبال الحياة فيها مدركا أن ما يعبق من هذه الأجواء، ليس إلا عطر الحياة ونكهتها، لأنه لم يعد ينتمي لأي شيء آخر غير الحياة في زخمها وشمولها وتنوعها.
وبمثل ما للبشر والأسواق والشوارع والمنازل والميادين أشكالا لا تنتمي إلا للمدينة، فإن الأشجار أيضا وسمتها المدينة بميسمها وجعلتها تظهر بمظهر يختلف عن شكلها في الريف، بدءا من أشجار النخيل التي تعرفها وتفهمها أكثر من أي أشجار أخرى وجدتها هنا أشجارا كثيرة الاختلاف عن تلك التي تعرفها في القرية، سعفها وجريدها يبدو كأنه مصنوع من مادة ورقية كأشجار الزينة، حتى جذوعها تبدو فاقدة لذلك اللحاء الخشن الذي تتميرز به أشجار النخيل، فهي هنا بلا ألياف ولا كرناف، وربما بلا ثمار أيضا، وبعضها، لأسباب لها علاقة بحركة المرور، تطلى بطلاء أبيض، يحتوى على مادة مشعة يجعل هذه الجذوع تلمع عندما يسقط عليها نور الشارع أو نور السيارات ليلا، أما الأشجار الأخرى، التي تسمى أشجار الزينة، فهي مشذبة، مهذبة، ذات لحاء ناعم، وأغصان وأوراق تتماثل وتتشابه وتتوالى بشكل هندسي، واضحة فيه الصنعة والترتيب، وهما صفتان تتعارضان مع زخم الطبيعة وحريتها وفوضويتها، كما تتمثل في أشجار الريف، وهو أمر ربما يتعارض مع كبرياء الأشجار أيضا، فهي في الريف وفي البادية، موجودة لما يجنيه الناس والحيوانات من نفع وفائدة منها، بينما الأشجار هنا لم تغرس لجلب نفع أو فائدة، وإنما لزينتها، ولأنها كذلك صار تشذيبها وتهذيبها وقص حوافها وأطرافها وأظافرها عملا مستمرا يقوم به عمال متفرغون لهذه المهمة، لتبقى رشيقة انيقة جميلة، يضعون فوقها أعلام الزينة، ويلصقون صور النجوم على جذوعها، ويعلقون في أغصانها المصابيح الملونة في الأفراح، هو ما تريده المدينة منها.
تصادف مجيئك للمدينة مع عيد إيطالي، لعله عيد ميلاد ملك من ملوكهم أو عيد وصوله الى الحكم، فابتهجت بالعيد وجعلته عيدا لوصولك أنت إلى مدينة طرابلس، ودخولك مرحلة جديدة في حياتك، ودعت فيها حياة الفتى الريفي وانتقلت إلى حياة فتى من أبناء المدينة. رأيت في الساحة القريبة من الوكالة، حشدا يتجمهر حول ألعاب ولاعبين. أحد اللاعبين كان يقف فوق منصة عالية وأمامه عجلة الحظ، عجلة كبيرة مثبت فيها سهم، فوق رقعة مليئة بالأرقام من واحد إلى مائة، ويأتي الناس يراهنون على هذه الأرقام بربح يصل إلى مائة ضعف لمن يساعده الحظ بأن يكون صاحب الرقم الفائز الذي يقف عنده السهم، وهناك أناس يحملون سهاما ويلعبون لعبة التنشين، وفي أطراف الساحة مراجيح وأحصنة خشبية معروضة للركوب بأسعار زهيدة، ركبت الجياد والمراجيح وشاركت بفلس في لعبة الحظ وخسرته دون أن تشعر بأية خيبة، لأنك مستمتع بهذه الأجواء الاحتفالية الفرائحية، ثم ذهبت إلى جامع الباشا، فرأيت المسجد العريق الكبير، بأبسطته الفاخرة، وقبابه العالية، ومنبره الجليل الفخيم، والنقوش الكثيرة الجميلة التي تزين الأسقف والجدران، والآيات التي كتبت داخل القباب بماء الذهب، فصرت تتعجب كيف أبقى الإيطاليون، برغم ما لديهم من حماقة وعصبية، هذا المعلم الإسلامي المهيب، دون إيذائه وإفساده، ودخلت سوق الترك وسوق المشير وسوق الرباع وعشت بهجة الأشكال والألوان التي يجيد صنعها الحرفيون ورسمها فوق الصحون والأطباق والسروج، ورأيت وجها آخر لطرابلس العربية الإسلامية الليبية أكثر إشراقا من بعض الحواري الفقيرة، تتجلى من خلال هذه الفنون والصناعات التقليدية والمحيط الجميل لهذه الدكاكين حيث توجد أكثر من نافورة يتدفق منها الماء ويصنع أقواسا تتماشى مع أقواس أخرى مرسومة بألوان زرقاء فوق رخام النافورة، وريت حنفيات الماء التي أقامتها البلدية وتركتها مفتوحة على الدوام، يرد عليها الواردون من نساء ورجال ويأخذون كفايتهم ثم يتركون الماء ينحدر في صهاريج نحو البحر، ثم وصلت بنفسك إلى البحر، ورأيته وهو يضرب جدران السرايا الحمراء، ورأيت لسانا صخريا يدخل وسط البحر، محاذيا للقلعة العتيقة، فتمشيت معه حتى صرت أنت أيضا في عمق البحر، تتراكض من حولك الأمواج، وأنت في منتهى الانفعال والإثارة. نعم، لقد سمعت كثيرا عنه، وقرأت وحفظت الآيات التي تتكلم عنه وعما حدث ليونس الذي التقفه الحوت وبقى في بطنه لا يحيا ولا يموت، وموسى الذي عبر بقومه أليم، فانحسر بمائه يوسع له طريقا، وعندما جاء الفرعون انقض عليه بأمواجه وأغرقه، ولكن خيالك لم يستطع أبدا الوصول إلى صورة البحر التي تراها الآن أمامك، ووجدت نفسك تقول لنفسك أنه لم يكن غريبا ذلك الانبهار الذي يرتسم في ملامح وتعابير وأعين أبناء القرية عندما يتحدثون عن البحر الذي شاهدوه في طرابلس، فإن شعورك الآن لم يكن أقل انبهارا وانفعالا منهم وأنتم القادمون من صحراء القيظ والعطش وندرة الماء. إنك تعرف أنه ماء لا يصلح للشرب ولا لسقي الزرع والغرس، ومع ذلك تحس بنشوة وجود هذا الكم الهائل وهذا الموج الذي يضرب الصخر ويصنع رشاشا كرشاش المطر وهو يضرب لسان اليابسة التي تقف فوقه مغمورا بجمال ذلك الإحساس الذي يعتريك عندما كنت تخرج مع أترابك من أطفال القرية إلى الساحات العامة عند هطول المطر ترقصون وانتم تستقبلون على أوجهم وأجسامكم زخات المطر وتغنون قائلين:
يا مطر ياخالتي
صبي على قطايتي
قطايتي مدهونة بالزيت والزيتونة
وقد جاء أهل المدينة يصنعون لأنفسهم منتزهات على حافة البحر، كورنيش للنزهة، ومصايف يستوردون لها رمال الصحراء، ويستلقون فوقها بعد أن يأخذوا كفايتهم من السباحة في مياه البحر المالحة، ولأمر ما بدا لك كان البحر هو الوجه الآخر للصحراء، ذلك البون الشاسع من الرمال الحمراء، مقابل هذا المدى الممتد بلا انتهاء من المياه الزرقاء، كلاهما متاهة مخيفة يؤكدها القول السائر الذي يقول بأنه لا شيء يعادل غدر البحر إلا غدر الصحراء.
كان يومك الأول في المدينة هو يوم الدهشة والاكتشاف، وكان اليوم الثاني هو يوم الخوف من المجهول الذي صار يتنامي مع مجيء اليوم الثالث والرابع، هذا الشعور الذي داهمك منذ أن بدأت تطرق أبواب المكاتب والوكالات بحثا عن عمل كتابي تقوم به، لتكتشف بأنه لا أحد بحاجة لمعارفك في اللغة العربية، فكل المعاملات التجارية التي تتم في الأسواق والأخرى التي تتم مع الإدارات الحكومية تتم باللغة الإيطالية ولا وجود لوظائف في مثل هذه الأماكن أو غيرها لمن لا يجيد اللغة الإيطالية قراءة وكتابة.
كان الأكل الذي تستطيع شراءه في المدينة، دون أن يكلفك كل ما معك من نقود، هو رغيف خبز مع كؤوس الشاي، إذ تمضي إلى الباب الجديد حيث محطة العربات التي تجرها الخيول، وهناك تنتصب حلقة شاربي الشاي، الذين يجلسون في دائرة على الحصران حول الرجل الذي يجلس أمام موقد النار يطهي إبريق الشاي، ويوزع على الجالسين ثلاث دورات من الشاي الأخضر في اكواب صغيرة، تجلس معهم وترتشف كؤوس الشاي مثلهم وتاتي الكاس الاخيرة مخلوطة بالفول السوداني المحمص، وتكون قبل ذلك قد اشتريت رغيفا ساخنا من الخبز الإيطالي، الذي صار العرب أيضا يتفنون في صنعه كما يفعل صاحب الفرن المحادي لسورالمدينة، فتملأ معدتك بالخبز والشاي الذي لا يكلفك أكثر من ليرتين واحدة للشاي والأخرى للرغيف، وتستأنف مسيرك في شوارع المدينة باحثا عن عمل، وتعود أحيانا إلى نفس الشركة أو الوكالة مدركا الجواب الذي ينتظرك، ومع ذلك تسعى وتحاول ولا تفقد الأمل، وتنسى نفسك أحيانا أمام مشهد صبية إيطالية تسير في شارع الملك ايمانويل الثاني عارية الذراعين، تنضح إغراء وغنجا، فتمشي بضع خطوات وراءها، ثم تذكر الحال الذي أنت فيه، قائلا لنفسك بأن النظر إلى الجمال نفسه يبدو ترفا قبل تأمين مورد للرزق ومكان لإقامتك في هذه المدينة.
كان الرعب قد بدأ يجتاحك وأنت تستيقظ في صبيحة يومك الرابع في طرابلس، لأن ما معك من دراهم قليلة لا يستطيع ان يسد حاجاتك ابعد من هذا اليوم، فماذا تستطيع أن تفعل غدا إن لم تجد عملا منذ الآن؟ ومن سيعطيك الفلس الذي تشتري به رغيفا حتى لو استغنيت عن كوب الشاي.
ذهبت هذا النهار تبحث عن مهن أكثر وضاعة راجيا أن تجد لديها مكانا، بما في ذلك أسواق الحبوب والخضار راضيا بالعمل شيالا أو عساسا في مخزن من مخازنها، دون فائدة، وعدت مع الليل منهكا تحاول أن تجد مكانا لنومك فوق حصران وكالة الشوشان، وتسللت إليك أشعة شمس اليوم الخامس من شقوق ألواح الخشب وصفائح الحديد في الوكالة وأنت لا تملك ليرة واحدة. القميص الذي جئت به جديدا، بدأ يتسخ، وتسود ياقته، وكذلك علقت بعض أوحال الطريق بساق السروال العربي الذي ترتديه، ولم تبق إلا الفرملة أو الصديري، تعطيك مظهرا لائقا إلى حد ما تقابل به أرباب الوكالات والدكاكين، تطلب منهم عملا. إنك لا تدري كيف تجد وقتا تغسل فيه القميص، وتستطيع أثناء ذلك أن تبقى ملتحفا في العباءة حتى تجف، وهذا لن يحدث إلا بعد أن تطمئن الى وجود العمل، الذي لابد أن يحدث اليوم، بأية طريقة، ومهما كان عملا حقيرا، فهو سيكون أفضل من الوقوف أمام الجامع طالبا حسنة لله، يكفي أن يدر عليك دخلا لشراء رغيف، هذا كل ما تريده الآن. ستبدأ يومك بلا شاي ولا إفطار، فهذا ليس بالأمر الصعب، ولكن ماذا عن وجبتي الغذاء والعشاء، إن لم تجد عملا، ليس اليوم فقط ولكن غدا وبعد غد. تحرش بك بعض العتالين عندما ذهبت إلى سوق الثلاثاء وحاولت أن تمد يدك إلى الأشولة وصناديق البضائع التي يحملونها لإحدى عربات الكارو. إنهم يجدون فيما تفعله اعتداء على رزقهم ولهذا منعوك من مشاركتهم العمل وطلبوا منك أن تبحث عن حظك في مكان آخر. كنت أثناء مرورك بهذه الأسواق الشعبية تجد أناسا يتحلقون حول قصاع الطعام، فتنظر متحسرا إليهم، ثم تغض من بصرك وتمضي لأن المزيد من النظر لن يزيدك إلا جوعا. كان بإمكانك أن تجد حبة طماطم في سوق الثلاثاء ملقية فوق الأرض تجعلها إفطارا لك.
ولكن نفسك عافت التقاط مثل هذه الحبة الممزوجة بالتراب، ولكن النهار كله مضى دون أكل، وجاء الليل فبدأت تحس بتقلصات في المعدة، فهو لم يعد ألم الإحساس بالجوع فقط، وإنما ألم آخر كأنه كماشة تمسك بالأمعاء، يحدث ذلك للحظات قصيرة مؤلمة ثم يختفي ليعود أكثر ألما وهكذا، فلابد من طعام مهما كان شكله يوقف هذا العذاب. تذكرت أن هذا الألم لا يحدث نتيجة لصيام هذا اليوم فقط، وإنما لصيام أيام أربعة قبله لم يدخل فيها معدتك طعاما ساخنا أو باردا غير رغيف الخبز وكوب الشاي، وقد أصبح هذان الإثنان، رغم فقرهما من الناحية الغذائية، مطلبا عسير المنال، ولكن مع ذلك اتجهت إلى حلقة الشاي، وإلى الصانع الذي يضيء الآن فنارة بجوار موقد النار، يرى على نورها عدة الشاي، ويضع فوق رأسه عمامة يتقي بها ندى الليل، فرغم أنه شهر أبريل، والربيع مازال في أوله إلا أن الطقس الربيعي لا يصمد أمام أمواج الصقيع الليلي، الذي يحيل الجو إلى شتاء، وقد كنت تشعر به قاسيا مؤلما أثناء عودتك إلى الوكالة والارتماء فوق حصير مهترىء، تضع ركبتيك في صدرك وتحاول أن تتقي البرد بعباءتك التي تنتمي إلى النوع الجريدي الخفيف، فلا يفلح في ذلك فتستعين بما تجده من أوراق الكرتون التي تغلف بها البضائع تضعها فوق جسمك. لقد جئت بأمل أن تحصل من هذا الرجل على كوب شاي بالدفع المؤجل، ولكن من أين ستحصل على الخبز، فاحتساء الشاي وحده لن يزيدك إلا ألما في المعدة. لعل الرجل يقرضك ليرة تشتري بها رغيفا، ويعطيك كأس شاي، مؤجل الدفع، فينتهي اليوم على خير. يحذوك أمل كبير بأن يلبي الرجل طلبك، فقد شعرت منذ أول يوم جلست في حلقته، إنه يتعاطف معك، مما جعلك تداوم على المجيء إليه، دونا عن غيره من صانعي الشاي، حتى نما بينكما نوع من المعرفة وصار يناديك باسمك وهو يمد لك كأس الشاي في حين تناديه أنت عمي الشارف، فلماذا تبدو خائفا، مرتعبا، متهيبا من الموقف كأنك ستسأله عن يد ابنته وليس عن فلس ستعيده إليه، إنه خيار أفضل من الجوع، وأكرم من التسول، ومع ذلك تجد المهمة صعبة، لأنها أول مرة في حياتك تطلب شيئا كهذا من إنسان غريب. بقيت جالسا لفترة من الوقت وسط الحلقة، قبل أن تتقدم منه زاحفا فوق الأرض، لكي لا تداهمه مداهمة فيفزع منك ويشعر الناس بمحنتك، صرت تقترب منه ببطء شديد، وحركة لا يشعر بها أحد، حتى وضعت كتفك بجوار كتفه، وبلعت ريقك ألف مرة، وقرأت سورة الفاتحة والإخلاص عشر مرات، لكي لا يخيب مسعاك لديه، ثم توكلت على الله مستهلا حديثك بتحيته، إلا أن العمامة التي أحاط بها رأسه كانت تغطي أذنيه وتمنع الصوت الهامس الذي تكلمت به من الوصول إليه، فاضطررت مرغما إلى رفع صوتك مجازفا بأن يكتشف أمرك كل هؤلاء الناس الذين يتحلقون حوله ويمدون أبصارهم إليك لمعرفة ما تريده من الرجل، لكن الجوع كافر كما يقولون، مما جعلك تقول له في كلمات سريعة، ما جئت من أجله، فلم يقل شيئا عدا أنه رفع رأسه وصاح مناديا:
ــ يوسف
فأطل من فوق رؤوس الجالسين ولد في منتصف العقد الثاني من عمره، بدا واضحا أنه ابن الرجل، وقال له جملة لم تعرف ما يقصد منها رغم أنك سمعتها كاملة وهي
ــ خذ الرجل إلى كوشة عبد الله.
أخذك الصبي إلى الفرن الملتصق بسور المدينة. كان عبد الله صاحب الفرن قد فرغ لتوه من وضع ما أعده من أرغفة في معالف أمام الفرن يعاونه صبي أسود اللون يستقبل الزبائن ويناولهم الأرغفة ويأخذ منهم النقود ويضعها في درج بجواره، وعند مدخل الكوشة جاء رجل ينوء بحمل ثقيل من الحطب والقش وضعه فوق كم آخر من الأحطاب، ومد صحب الفرن يده إلى الدرج ليمنح الحطاب بعض النقود، ويسأله أن يبقى لبضع لحظات، ثم التفت إليك يضع بين يديك رغيف خبز ساخن وهو يقول:
ــ هل أنت حقا تبحث عن عمل..
قلت بفم احترق من القضمة الأولى التي أخذتها من الرغيف :
ــ نعم، نعم.
وفي اليوم التالي أصبح جمع القش والأحطاب من الغابات المحيطة بمدينة طرابلس ونقلها إلى كوشة عبد الله هو عملك اليومي في المدينة الذي تؤديه كل صباح.
كان رعي الشياه في أودية اولاد الشيخ وشعابها أهون عليك من أن تتحول إلى بائع قش في المدينة، ولكن الفرق بين هذه وتلك، هو أن رعي الأغنام هناك قدر تبقى في أسره إلى آخر العمر، بينما جمع الاحطاب هنا مجرد محطة تعينك على اجتياز العتبات الأولى للحياة في المدينة، فمضيت تمارس مهنتك الجديدة بهذا الإحساس، ودون حماس كما يفعل الآخرون الذين يجدون فيه فرصة العمر وبينهم الرجل الذي قادك إلى الغابة لأول مرة، فهو مثلك قادم من الأرياف، إلا أنه يجد في هذا العمل فرصة لجمع بعض المال، حتى لو استغرق في جمعه بضعة أعوام يعود به لفتح دكان بقالة أوفرن في قريته، ولذلك فهو يعمل فترتين واحدة يقوم لها مع الفجر والثانية يعود لها بعد الظهر فيقضي فيها وقته إلى الليل، بينما اكتفيت أنت بفترة واحدة، فالهدف هو عمل يسد أودك في هذه الفترة إلى أن تجد عملا يليق بمستواك التعليمي الذي لا يملكه هؤلاء الناس، حيث تنهض مع آذان الفجر، فتصلي الفجر حاضرا مع الجماعة في مسجد السنوسية، وتذهب إلى الغابة فلا تعود إلا مع منتصف النهار، فتقبض ليراتك الخمس، ولا تعود ثانية إلى الغابة إلا في اليوم التالي، ووجدت أن ذلك يتيح لك وقتا لقضاء بعض شؤونك مثل غسل ملابسك، واستلفت من صاحب الفرن قروشا إضافية لشراء جلباب ينفع لمهنتك الجديدة خشية أن تتقطع ملابسك التي جئت بها من القرية، كما يتيح لك هذا الوقت الشاغر فرصة للبحث عن عمل أقل هوانا ومشقة، يكون جديرا برجل يحفظ كتاب الله. لقد ضمنت الآن مبلغا يسد حاجاتك الأساسية، ومازال بإمكان وكالة الشوشان أن تقدم لك مكانا للنوم، لبضعة أيام أخرى، لأنها ليست مكانا للإقامة الدائمة وإنما لعابري السبيل، وستجد إذا طال بك المقام لأكثر من أسبوعين من ينبهك إلى ضرورة أن تبحث عن مكان لنومك. تابعت طوافك بالمغازات الكبيرة لعلها تحتاج إلى عامل حسابات أو معاون في البيع والشراء، كما ذهبت إلى المطاعم والمقاهي لعلها تحتاج إلى جرسون، دون فائدة، ثم رأيت أثنا ء إحدى جولاتك جنازة يتجه بها الناس إلى المقبرة، فتذكرت المقابر، وأن هناك بين الأضرحة وشواهد القبور عمل لا يتقنه إلا قلة من الناس أنت واحد منهم، ومآثم تقام من أجل الموتى حديثا تحتاج من يقرأ عليها سورة ياسين تبركا ورحمة، بانتظار إنسان يحفظ هذه الصورة عن ظهر قلب مثلك، فذهبت مسرعا إلى مقبرة سيدي منيدر، وتفضلت بالجلوس أمام أول قبر رأيتهم يدخلون إليه صاحبه، ودون أن تعرف من هو الذي مات أو تطلب أذنا من أهله، مضيت ترفع عقيرتك بترتيل سورة ياسين، وانطلق صوتك مجلجلا يضفي لمسة إجلال على الموت ويزرع في قلوب أهل الميت ورفاقه شيئا من الهدوء والسكينة، وترى الناس من حولك ينصتون إليك في صمت وإعجاب، مما جعلك واثقا من أن أهل الميت سيجزلون لك العطاء، ولكن طقوس الدفن انتهت، وخرج مرافقو الميت من المقبرة وتركوك وحدك دون أن يكلفوا خاطرهم بوضع فلس في يدك، كل ما فزت به بعض عبارات الشكر والثناء التي لا تصحبها أية نقود. تكرر معك الأمر لمرة ثانية وثالثة، قبل أن تعرف أن الناس لا يأخذون ثمنا مقابل قراءة القرآن، وما حسبته مصدرا إضافيا للدخل لن تنال مقابله غير كلمات يترحم بها أهل الميت على أسلافك الموتى. عرفت هذا من رجل عثرت عليه صدفة من أبناء قريتك اسمه عبد المولى. كنت قد خرجت بعد صلاة العصر مع أهل الميت من جامع ميزران، لكي تذهب مع الجنازة إلى المقبرة، وفوجئت وأنت ترتدي نعليك، في عتبة باب الجامع بهذا الرجل يرتدي جلبابا طويلا مما يرتديه دراويش العيساوية، ويضع حول رأسه عمامة شهباء، ويمسك بيده عكازا، ويمد يده الأخرى يطلب إحسانا من رواد الجامع. أراد عندما رآك ان يخفي وجهه خلف الطرف المتدلي من عمامته، ويدير جسده إلى الحائط بعيدا عنك، ولكنك كنت غشيما فلم تفهم أنه يريد مداراة عار التسول عنك، وقفزت نحوه تأخذ بيده الممدودة تصافحها، فرحا بالاهتداء إلى واحد من أهل قريتك بعد أسبوعين من وجودك في المدينة، متحسرا في نفس الوقت لحاله وهو يقف موقف الشحاذ، بعد أن كان تاجرا كبيرا من تجار المدينة يفخربه أهله في اولاد الشيخ، تسأله في فضول وحرقة عما أوصله إلى هذا الحال.
تربطك بالرجل صلة عائلية بعيدة هي التي تربط كل أهل القرية بعضهم ببعض، فكلهم ينتمون للجذر الأول وهو الشيخ الكبير صاحب الضريح المشهور في البلدة، فهو مثلك ابن من أبناء الشيخ، ولم تكن أبدا تعلم ولا أحد في اولاد الشيخ يعلم أنه موجود في مدينة طرابلس، فقد أشاع عن نفسه أنه تاجر من تجار التمور ينقلها من فزان إلى كانو وكانم ومدن إفريقية أخرى، وذهب في أذهان الجميع أنه في واحدة من أسفاره النائية، يتاجر بالتمور هناك، وما كان أبدا يخطر ببالك أنك ستلاقي هذا التاجر الكبير، الكريم، يحترف الشحاذه أمام جامع ميزران. فأنت تعرف أسرته وتعرف أن له زوجة وثلاثة اولاد يعيشون حياة يسر وهناء، يرتدون في الأعياد ألبسة جديدة، وعندما تذكر العائلات التي تأكل وجبة باللحم كل أسبوع، تحسب عائلة عبد المولى ضمن هذه العائلات، مثلها مثل أكثر أهل القرية غنى ووجاهة، فكيف تراه استطاع أن يحفظ لعائلته هذا المستوى المعيشي الكريم، رغم الموقع الذليل الذي يحتله في المدينة، أنك تدرك الآن إنه لم يكن في حياته أسفار ولا تجارة ولا تمور وإنما هي حيلة يتجنب بها التعزير والاحتقار، فهل تستطيع مهنة التسول حقا أن تجعل صاحبها يكسب مالا يغذقه على أولاده بهذا الشكل؟.
سار أمامك وأنت خلفه حتى عبر بك المباني الحديثه ومنطقة أبي مشماشة وأبي حمامة، إلى منطقة سيدي خليفة، وإلى حي من الزرائب وأكواخ الصفيح، حيث ابتنى لنفسه كوخا يقيم فيه بمفرده.
كان حديد الكوخ عندما وصلتما إليه مازال يختزن قيظ الظهيرة. دخلت مطأطىء الرأس لكي لا يجرح الحديد الناتئ رأسك، إلى هذه العلبة الحديدية، وقد أحسست بضيقها وحرها يكتمان على قلبك. كنت تريد أن تسأله مرة أخرى لماذا ارتضى لنفسه هذه الحياة ولكنه بادرك هو بالسؤال متجاهلا ما يتجلى في عينيك من فضول، وما بدا عليك من تحفز لطرح الأسئلة، قائلا في حدة وغضب :
ــ لماذا جئت؟
قالها وهو ممسك بكتفيك يهزهما بعنف، كأنك ارتكبت إثما عظيما، ناسيا ما يتضمنه الموقف من مفارقة، فالأجدر به أن يوجه هذا السؤال إلى نفسه قبل أن يتوجه به إليك، ولكنك تدرك، من كل ما رأيته، إنه فعلا يتوجه بالسؤال لنفسه أيضا وهو يتوجه به إليك، ويقول من خلاله إنه جاء مرغما إلى هذه المدينة لينال على يدها المهانة والمذلة، جاء وهو يعرف أنه لا مكان له، أو لك هنا. إنه عالمهم، يصنعونه لأنفسهم ليلائم مقاسهم، ويستمتعون به وحدهم، ولا يقبلون بأحد من أهل البلاد معهم إلا في دور العميل أو في دور الخادم أو الشحاذ.
جاء عبد المولى إلى طرابلس بعد أن نفق جمله الذي كان يستخدمه في نقل السلع بين جنوب الوطن وشماله، ولأنه لم يكن يملك مالا يكفي لشراء جمل آخر، وقع في مأزق لم يجد له حلا إلا بالسفر والاختفاء من القرية. لقد تعودت أسرته على حياة الرخاء التي استطاع توفيرها لها خلال عمله في تجارة الصحراء، وارتحل إلى مدينة طرابلس بحثا عن فرصة لاستئناف حياته القديمة، والعمل لفترة محدودة من أجل توفير ثمن لشراء الجمل الذي يحتاجه. اشتغل في مهن كثيرة مؤقتة، لكن هذه المهن التي كانت تجلب له دخلا يسد به رمقه، لم تكن تترك فائضا يرسله لأسرته، فصار يسعى للحصول على هذا الفائض من طريق الإحسان. يشتغل في النهار عتالا في الميناء، أو عامل بناء بالأجر اليومي، أو يقطع الحجارة في محجر الظهرة، ومتلفعا بالظلام يأتي عقب صلاتي المغرب والعشاء، يتربص بالخارجين من المساجد، مستجديا منهم حسنة لله، يرسلها لأطفاله في القرية، وتحت تأثير رجل من أهل البادية جاء إلى المدينة للعمل وانتهى به المطاف شحاذا، وجد نفسه يذهب إلى مكان آخر، أفهمه هذا الرفيق، أن به بشرا كثر جودا وكرما مع البؤساء والشحاذين، من رواد المساجد، هو رواد النادي الليلي بسوق المشير، ولأن السهر أمام النادي الليلي، انتظارا لخروج الزبائن، كان يمتد إلى الساعات الصغيرة من صباح اليوم التالي، فقد صار متعذرا عليه الاستيقاظ لعمل الميناء أو مقطع الحجارة، فتفرغ تفرغا كاملا للتسول بعد أن أنسته العادة ما فيه من مذلة وهوان فلا يذكر إلا أنه يدر رزقا وفيرا دون عناء ولا مشقة.
رأيت الرجل ينخرط أمامك في البكاء قبل أن يكمل قصته، فلم تجد شيئا تقوله لمواساته. لقد أشاع عن نفسه أن يتاجر في المناطق الصحراوية الواقعة بين ليبيا والعمق الإفريقي، ناسيا أن وجوده أمام مساجد طرابلس يستجدي المصلين، لن يبقى خافيا طويلا عن أعين أهل قريته، وهو لا يستطيع أن يرجع الى قريته أو يجد عملا بها، أو بمكان غيرها، يدر عليه دخلا كهذا الذي تدره عليه مهنة التسول. يواصل النشيج وهو يخبرك أنه يعرف بأنك سوف تتستر عليه ولن تخبر أحدا في أولاد الشيخ بالحال الذي وجدته عليه، فتسبب له الفضيحة والإحساس بالخزي لدى أولاده، إنك طبعا لن تفعل ذلك، ولكنك لا تستطيع أن تضمن بأن آخرين لن يرونه ويرجعون إلى القرية يخبرون الناس هناك بما رآوه. لقد رفض لسنوات عديدة أن يدخل شرطيا أو جنديا مع الطليان، برغم المرتب المضمون، ولكنه الآن قد يجد نفسه مرغما على الذهاب إليهم، فالعمل معهم والانخراط في جيشهم أو شرطتهم لم يعد يعني خيانة للوطن كما كان الحال في سنوات مضت كانت فيها المقاومة الشعبية للاحتلال ما تزال مشتعلة، لأن خوف أن يجد هذا الإنسان الذي يعمل مع الطليان، نفسه يحارب اهل بلده، كان واردا، أما الآن بعد أن انتهت المقاومة، فقد زال هذا الخطر، وما عاد العمل مع الطليان يجلب العار لصاحبه. فأخبرته بأن أهل القرية، مازالوا رغم استسلامهم لواقع الحياة تحت الاحتلال يعتبرون الانخراط في العمل العسكري الإيطالي شيئا مرذولا ومكروها، وصاحبه منبوذا مذموما، وعبرت له عن رأيك في هذا الاختيار الصعب اللعين الذي يمكن للإنسان أن يجد فيه نفسه بين مذلة التسول وعار الالتحاق جنديا مع الطليان، فإذا بالرجل ينتفض صارخا في وجهك بأن هذه اللعنة ستطاردك أنت أيضا إذا لم تعد فورا إلى اولاد الشيخ، وستجد نفسك في مثل هذا الموقف تواجه خيارا صعبا بين التسول أو ارتداء الملابس العسكرية الايطالية، فقلت بلهجة واثقة:
ـــ لعل الموت أهون من كليهما.
نطقت بهذه العبارة ثم ندمت عليها، فالموقف حافل بكل معاني البؤس والمهانة ولم يكن يحتاج لمزيد منهما، إن لم يكن من أجل نفسك، فمن أجل الرجل الذي يتمزق مذلة وتعاسة أمامك. بادر عبد المولى قائلا:
ـــ بإمكانك أن تقتل نفسك كما تشاء، لأن الانتحار في هذه الحالة عمل لا يقدر عليه إلا العزاب أمثالك، أما أنا، فما هي جناية ذلك الكدس من الصغار الذين سأتركهم ورائي. إنهم لحمي هم أيضا. فكيف أقتل نصفي وأترك نصفي يتعذب.
كانت العتمة قد بدأت تغزو المكان، فأخرج الرجل حصيرة وطرحها أمام الكوخ، ورش قليلا من الماء حول الحصيرة لتهدئة التراب الذي تثيره أقدام السائرين. دعاك إلى الجلوس بجواره، وهو ينشغل باشعال موقد النار لإعداد الشاي. هدأ الغبار ولكن الماء الذي رش به الأرض صنع غدرانا صغيرة صار كلما مرق طفل بجواركما يركض وراء صاحبه، داسها بقدمه فتناثرت طراطيش منها إلى وجهك وعينيك. ظل الموقد يصنع دخانا كثيفا، والرجل ينفخ ويهوي الموقد بقطعة ورق مقوى، حتى تحول الدخان إلى نار. وضع ابريق الشاي فوق الموقد، ودخل إلى الكوخ وخرج يحمل المخلاة التي يستعملها في التسول. افرغ كل محتوياتها فوق قطعة قماش. ثناترت حبات تين مجفف، وتمر، وثلاث قطع من الخبز، ورؤوس بصل وجزر وخياروفلفل وحبتي طماطم مدهوستين، وحفنة فول سوداني غير مقشر. قام بفرز كل صنف على حده، وأحضر صحنا وسكينا لتقطيع البصل وحبتي الطماطم وبعض الخيار والفلفل الأخضر، يصنع بها طبقا من السلطة الخضراء التي يسميها أهل المدينة >الشرمولة< ويجعلونها وجبتهم المفضلة أثناء الليل، ووضع أمامك الشاي وناولك قطعة الخبز، وهو يدعوك لتشاركه الطعام قائلا:
ــ الخير كثير كما ترى.
عافت نفسك طعامه وشرابه، خاصة بعد أن مر قطيع شياه يسوقه راع صغير، فأثار بقايا الماء، حتى وصلت طراطيش منه إليكما وقد تكون حطت قطرات منها في صحن الشرمولة. لم تطاوعك يدك على أن تمتد لتناول هذا الخير الكثير كما يسميه عبد المولى. أثار منظر الطعام وطريقة عبد المولى في التهامه وارتشاف الشاي مع كل لقمة، أمعاءك الفارغة، فدارت في جوفك دورة لها صخب عظيم. إنها تستغيث وتطلب طعاما غير هذا الطعام.
(يتبع)