الجزء الاول من رباعية خرائط الروح خص الكاتب الليبي الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه، "إيلاف" فصولا من الرباعية الروائية الجديدة "خرائط الروح".. التي انتهى أخيرا من إنجازها.... ليطلع القراء على هذا العمل الأدبي الكبير لصاحب الثلاثية الشهيرة "حدائق الليل"، التي اعتبرها النقاد علامة بارزة في تاريخ تطور السرد الروائي العربي. صباح كل أربعاء ننشر حلقة جديدة. هنا الحلقة الثانية من الجزء الأول: "خبز المدينة"
ــ الخير كثير كما ترى.
رنت الجملة رنينا فظيعا في رأسك. بدا وكأن الرجل يتباهى بحصيلة ما جمعه عن طريق التسول. اثار ذلك كله اشمئزازك، نهضت واقفا. تركته وعدت مسرعا الى وكالة الشوشان. تعرف ان موعد مغادرتك الوكالة قد ازف. وقد قالها لك احد سائقي الشاحنات ممن يتناوبون الاشراف على الوكالة بانك لن تستطيع ان تبقى اكثر من يوم او اثنين بحد اقصى. وانت لا تدع نهار الغد ينتهي دون ان تجد لنفسك حفرة تأويك، او شقا في جدار من جدران المدينة تقيم فيه. انك لن تكون اهون عزما من الفئران والسحالى والقطط وسائر الكائنات التي تتخذ من المدينة مقرا لها. ذهبت بعد مشوار الحطب في جولتك اليومية باحثا عن عمل، دون ان تنسى مشكلة السكن. وجدت في كوشة الصفار رجلا كابيا على صنع الاحذية، يرفع رأسه اليك وينظر متفرسا في وجهك بعينين ضيقتين عندما وقفت امام دكانه تتأمل جمال النعال الشرقية ذات الزخارف الكثيرة التي يعرضها فوق رف خشبي امام الدكان وتسأل بطريقة روتينية صرت لا ترجو منها طائلا عما اذا كان لديه عمل لك، وقبل ان يقول لك أي شيء اشتغل حدسك ورايت كأن هذا الرجل هو من كنت تبحث عنه، وستجد عنده حلا لمشاكلك، وتأكد حدسك عندما قال لك وهو يأخذ مسمارا من بين شفتيه ويدقه في كعب الحذاء الموضوع داخل القدم الحديدية:
ــ انت من اين، يا ولد؟
لاول مرة تسمع ردا لا يحمل معنى الرفض منذ الكلمة الاولى. الرجل يسألك لاي قرية او مدينة تنتمي، فهو اذن مهتم بك، ويفتح بابا للحديث والتعارف معك. رأيت امامه كرسيا يستخدمه الزبائن عندما يأخذ مقاس اقدامهم، فاحسست ان من حقك، بعد هذا السؤال ان تستخدمه. جلست بعد ان صافحته وقلت ردا على سؤاله:
ــ اسمي عثمان الشيخ، وقريتي هي اولاد الشيخ، جنوب الجبل الغربي.
ــ ومن لا يعرف اولاد الشيخ. يكفي بلدتكم انها انجبت رجلا مثل "الفورتي".
كان هذا هو اللقب الذي اطلقه الايطاليون على قاطع طريق دوخ الحكومة في السنوات الاخيرة. انتهت حربهم مع المجاهدين، فاذا بقاطع طريق يشن عليهم حربا يديرها بمفرده، ويستولى على السيارات المحملة بالسلع الذاهبة الى الجنوب، ويوزع بعض هذه السلع التي يسطو عليها، على فقراء المناطق الصحراوية من اهل عشيرته، فاعتبره الناس بطلا واسموه باللغة الايطالية الفورتي، قبل ان يسقط على ايدي قوة كبيرة من الشرطه، يقودونه الى المحاكمة في المدينة والى سجن طويل الامد.
ــ هل انت من الجهة القبلية او البحرية في اولاد الشيخ.
ادركت ان الرجل خبير بالبلدة، فلا احد غير اهلها او ممن يعرفونها معرفة وثيقة يدرك ان لهذه البيوت الطينية المندمجة في بعضها البعض جهة قبلية واخرى بحرية.
ــ من الواضح يا شيخ انك تعرف اولاد الشيخ جيدا. انني من اهل الجهة البحرية.
ـــ اذن فانت من شاربي حليب الحمير.
في ايام الخصومات التي تنشب بين قسمي البلاد، اشاع اهل الجهة القبلية ان اهل االجهة البحرية يشربون لبن الحمير الذي اورثهم البلادة والحماقة وقلة العقل.
ضحكت عندما رأيته يضحك ويتبسط معك في الحديث، الا ان شيئا من القلق صار يعتريك بسبب هذا الحديث الذي يربط بينك وبين قطاع الطرق وابناء الحمير بالرضاعة، فهو لا يصلح لتزكيتك في عمل يتطلب الثقة والامانة والذكاء.
ارتحت قليلا عندما سألك ان كنت تعرف القراءة والكتابة لانه يحتاجك في تسجيل اسماء العملاء الذين يداينهم او يداينونه، وعندما قلت له انك اكملت الدراسة القرآنية، ظهرت على وجه علامات الرضا والارتياح دون ان يقول شيئا، و جاء على ذكر بعض التجار المعروفين من اهل البلدة الذين سبق ان تعامل معهم فوجدهم مثالا للامانة والنزاهة واشار الى اسماء ثلاثة منهم، فابلغته بانك تعرفهم، وان كل اهل القرية هم ابناء عمومة بالنسبة لك، ومعنى ذلك ان حتى هؤلاء التجارهم من اقربائك.
ــ استطيع اذن ان اشتكيك اليهم اذا اهملت في عملك.
لم تقل له ان التجار الثلاثة الذين ذكر اسماءهم قد انتقلوا الى رحمة الله، فقد كنت سعيدا الى حد ان كدت تقوم من مقعدك وتـنكفي على يديه تقبلهما شكرا وامتنانا، لانه قبل بك عاملا في دكانته دون ان تسأله عن مقدار الاجر. انها دكانة صغيرة بحجم الكف، ولكن لا يهم. ستقضي الساعات الطوال وانت محني الظهر والعنق، تضع المسامير في فمك كما يفعل هذا الرجل الذي نبتت في ظهره حدبة من كثرة الانحناء، لتدق هذه المسامير الدقيقة في كعوب وحواف الاحذية. لايهم، فهذا هو موضع القدم الذي اعياك البحث عنه، حتى جاءت هذه القدم الحديدية المنتصبة امام صاحب الدكان ترشدك اليه. عرفت فيما بعد ان الصانع الذي كان معه، واسمه فتحي، اكترى لنفسه دكانة خاصة به في الشارع الغربي، فانعش هذا احلامك بان تكون انت نفسك صاحب دكانة لصنع الاحذية تستخدم صانعا معك.
تأملت الدكانة. انها انيقة، جميلة، يتخصص صاحبها في صنع الاحذية الطرابلسية ذات النقوش والزخارف الكثيرة، نسائية ورجالية، ويعلقها حوله حتى تغطي كل الجدران، ويضع بعضا منها في رف خشبي ملصق في واجهة الدكانة، فتبدو وكأنها غرفة في متحف المصنوعات التقليدية. وددت لو سألته ان يسمح لك بالعمل في التو واللحظة، لكنه ابلغك، وقبل ان تفتح فمك بالكلام، بان بداية العمل ستكون بعد يومين، متوافقة مع بداية الشهر الميلادي الجديد. ومع ذلك فان كلامه لم يثنيك عن عزمك مباشرة العمل منذ الغد قائلا بانك تتمنى ان تباشره حتى دون اجر، وانت تفكر في المأوى اكثر مما تفكر في اجرتك، وسعيدا بحماسك البالغ هز الرجل رأســـه موافقا.
خرجت من دكانته وانت تنظر الى شوارع طرابلس نظرة جديدة مختلفة، تنظر اليها لا نظرة الانسان الباحث عن عمل كما كنت تفعل منذ اول يوم وصلت فيه الى طرابلس، وانما نظرة انسان وجد عملا يرضيه، وصار من حقه ان يمضي في الشوارع كما يمضي الناس، مبتهجا، متأملا الناس والابنية والاسواق وواجهات المتاجر، مستمتعا بما يرى. انك حتى الان لم تأكل وجبة واحدة ساخنة منذ جئت الى المدينة، ولم تأكل وجبة مكتملة حتى بعد ان عملت في جمع الاحطاب، لانك وضعت الاولية للجلباب الذي اشتريته وما تبقى لم يكن يكفي لغير وجبتك الدائمة الشاي والخبز. وتحس الان بمعدتك فارغة منذ الان، رغم انه امامك وقت حتى تذهب الى صانع الشاي، كل ذلك لا يهم فانت في غاية الابتهاج بعد ان صار لك عمل ومأوى، حتى ما تراه في نوافذ دكاكين الحلويات، وتشتهي تناوله، وتراه في واجهات المتاجر التي تبيع الالبسة وتشتهي ان ترتديه، تحس انه اضحى الان في متناول يدك، وانك لست مستعجلا عليه، فقد صار لديك عمل ثابت يدر نقودا، وسيكون بامكانك ان تتناول هذه المآكل وترتدي هذه الملابس مثل اهل المدينة، لانك تشعر انك اصبحت الان واحدا منهم.
وبحماس شديد لمهتك الجديدة، بدأت في صباح اليوم التالي العمل في دكانة الحاج المهدي النعال.
اكتشفت ان فوق رأسك سدة يتخذها الحاج المهدي مخزنا لخاماته من من خيوط وجلود، تصنع للدكانة سقفا ثانيا غير سقفها الاول، تفصله عنه بمسافة نصف متر، فرأيت انها كافية لكي تكون مخدعا لك، تتسلق اليها بضعة درجات خشبية وتدخلها منحنيا تتلمس لك مكانا بين الجلود والانوال لتنام، واذا كانت الدكانة خالية من المرافق الضرورية لحياة الانسان، فان جامع سيدي محمود القريب كان كفيلا بسد هذه النواقص، فهو مفتوح للمصلين ليل نهار، اما الطعام فان عليك ان تعيش على المجففات وانتظار المناسبات التي يتغذى فيها الحاج في دكانته فتشاركه الغذاء الذي يأتيه ساخنا من البيت، دون ان تنسى صاحبك "الشارف" صانع الشاي، الذي لابد من زيارته وفي يدك رغيف الخبز الايطالي الجميل، ولا بأس من ان يمتد طموحك الى يوم تؤهلك فيه مذخراتك الى وجبة في مطعم البرعي تتكون من طبق المشويات الذي يشتهر به هذا المطعم الشعبي الذائع الصيت.
كان الحاج يجلسك بجواره لترى كل صغيرة وكبيرة يفعلها، وكانت المهمة الاولى التي اسندها اليك ان تحمل مقصا وان تقص الجلد وفقا للعلامات التي رسمها بالقلم الرصاص فوق الجلد لتصبح سلخا وسيورا يصنع بها الحذاء. ولانه لم يكن يعرف القراءة والكتابة، معتمدا على صانعه الاول في كتابة اسماء زبائنه الذين يشترون بالدفع المؤجل، خاصة بعض اصحاب الدكاكين الذين لا يستطيعون سداد ثمن الحذاء الا بعد بيعه، فقد اسلمك الدفتر لتبدأ بتسجيل من لم يقم بتسجيلهم من هؤلا ء الزبائن، ثم تبدأ في تسجيل ما يستجد بعد ذلك. اكتشفت وانت تراقبه عن كثب، ان الرجل فنان وليس مجرد صانع احذية. انه صاحب موهبة وابداع وهو يضع الالوان والزخارف والنقوش على ظهر الحذاء بحذق ومهارة الفنانين. بل انك حاولت اثناء وجودك بمفردك في الدكانة تقليده في وضع هذه الزخارف فلم تستطع نقش خط واحد، وادركت انها مسألة لا يستطيع الانسان ان يتعلمها بمجرد المحاكاة، كما لا يمكن لمن لا يملك موهبة ان يكون رساما.
انتهت تلك الاثارة التي رافقت حصولك على العمل، ودخلت في ايقاع الحياة بالمركز التجاري لمدينة طرابلس القديمة، باعتبارك واحدا من ابناء السوق، ويد من الايادي التي تنتج السلع والمصنوعات التقليدية. لم تعد مهددا بالعودة الى البوادي ورعي الاغنام ولم تعد خائفا من مصير كمصير عبد المولى الشحاذ.
انتهت فرحة العثور على عمل ومأوى، وهاهي حياتك الان رهينة دكانة صغيرة لا تزيد مساحتها عن اربعة امتار في اربعة امتار، عليك ان تقضي فيها ليلك ونهارك، وتقوم، داخل هذه المساحة المدموجة، المحدودة، بعمل روتيني يكرر نفسه مع كل يوم جديد، وبرغم ذلك فانت راض عن نفسك تمام الرضا، لان هذه الدكانة بمساحتها التي لا تزيد عن مساحة اضيق زنزانة في السجن، والتي لا تغادرها الا للاغتسال والصلاة في الجامع العريق، او اذا ارسلك الحاج في مشوار صغير للدكاكين القريبة، يمنحك دائما ذلك الاحساس الجميل بالاستقرار والامان، بل انك تشعر بالفخر لانك امتهنت مهنة ارقى كثيرا من تلك المهن الوضيعة التي سعيت اليها في الغاب او في سوق الثلاثاء او بين المقابر، تعاشر العتالين والحطابين وحفاري القبور. ومن موجبات الفخر ايضا انها بين دكاكين النعال، اكثرها رقيا وشرفا، فهي تتخصص في الاحذية التي يرتديها العرسان وتفخر بها عرائس الطبقة العليا، ويحرص على ارتيادها والتعامل معها صفوة القوم من رجال ونساء، واستطعت خلال ايام قليلة ان ترى برهان ذلك، وتتعرف من خلال عملك في دكانة الحاج المهدي الى سيدات الطبقة الراقية في مدينة طرابلس، وتدرك كيف انهن شيء آخر غير تلك الكائنات التي ينسبها اهل اولاد الشيخ لصنف النساء. تأتي السيدة منهن وقد ارتدت فراشيتها الناصعة البياض، محبوكة فوق جسمها، حبكة شديدة حتى لتظهر مفاتن الجسد وما فيه من دوائر، بشكل بالغ الفتنة والاغراء، تأتي وهو تنقر الرصيف بكعب حذائها بايقاع منغوم كأنها تعزفا لحنا، تسبق رائحة عطرها النفاذه الزكية، وخلفها خادمتها السوداء ترتدي جلبابا وتضع فوق رأسها منديلا وتحمل في يدها سلة من السعف الملون لتضع بها ما تشتريه السيدة من اغراض. وما ان تصل الى عتبة الدكان حتى تكشف الغطاء عن وجهها فتظهر البشرة النقية الصافية كالبلور والعينان السوداوان الواسعتان باهذابهما الطويلة التي زادها الكحل جمالا وجاذبية وفوقهما حاجبان مرسومان بدقة كهلالين يشعان باضواء سوداء، ثم ذلك الفم الجميل الذي يزينه السواك الندي، الذي يبدو كوردة بللها ندى الصبح، وغالبا ما تكون به علكة تطرقعها السيدة في غنج ودلال ن وقد تدلت الاقراط الذهبية من الاذنين وتحلت الاصابع التي تخضبها الحناء بخواتم الذهب، واساور الذهب والعاج، وتتكلم بلهجتها الطرابلسية اللذيذة، مصحوبة بتلك الايماءات والاشارات وحركات الغنج والاغراء التي تثير غرائز الرجال وتبعث الرعشة في الجسم والقلب. طبعا ليست كل امرأة بهذا الجمال، ولكن هذا هو النوع الغالب في نساء الطبقة الغنية من قاطني المدينة القديمة.
يرسلك الحاج المهدي الى مدبغة الجلود في منطقة شعبية عربية هي "باب عكاره" حيث تستقبلك رائحة المدبغة على بعد عدة فراسخ كانها رائحة قطيع من الكلاب الميتة، وحيث يسكن الناس في عشش واكواخ مصنوعة من الصفيح، وخيام مهترئة صحبة بهائمهم، تغطيهم سحب الذباب وتسوخ اقدامهم في الطرق الموحلة، واطفال كالهياكل العظمية يرتدون الاسمال ولا يفعلون شيئا سوى التسول، ويقفون يتبولون في الطرقات، فتعود واحساس بالغثيان والقرف يصاحبك حتى انقضاء النهار.
ويرسلك في مشوار آخر الى متجر بشارع ماتزيني يبيع الخيوط الملونة، يملكه رجل ايطالي ، يستخدم عاملا ليبيا انيقا في سن الصبا اسمه نعمان، حيث المركز الايطالي للمدينة، فترى الفرق الهائل بين الحي العربي والايطالي. انك هنا في منتزه يضوع عطرا وجمالا، عامرا بالاضواء والاوان، حتى الرصيف يبدو مصقولا لامعا ترى فيه صورتك كالمرايا. والبشر كلهم ايطاليون، الا بعض العاملين العرب، يرتدون بزاتهم الافرنجية الانيقة النظيفة، يتحلقون حول الموائد المتناثرة على الرصيف، ويتنقلون في الشوارع فرادى او جماعات، ورجل يطوي امرأته في حظنه او يضع يده في يدها، ويسيران عبر احواض الزهور التي تزين الطرقات، وتضرب الصفارة ساعة الضحى اوساعة الغروب، أي ساعة رفع العلم وانزاله امام قصر الحاكم الايطالي بالبو، الذي تصب كل الشوارع الحديثه في المدينة، امام حدائقه، فتقف امتثالا للقانون وترفع يدك بالتحية للعلم، كما يفعل بقية الناس في الشارع، لانك لو لم تفعل ذلك لاعتبروه اهانة لرمز السيادة الايطالية يعاقب عليها القانون، وتحاشيا لاي تحرش يقوم به الايطاليون ضدك، صرت لا تأتي الى هذه المناطق الا وانت ترتدي الملابس الافرنجية، حاسر الرأس مثل الايطاليين، وقد حدث اثناء ايامك الاولى في طرابلس، ان رايت اكثر من شرطي يتجه اليك ويسألك ان تغادر الشارع، اعتراضا على وجود بالعباءة الليبية في هذه الاحياء الايطالية، فكنت تختفي في اول عطفة، ثم تظهر بعد ان يبتعد الشرطي.
كان التنزه في الاحياء الايطالية نزهة للعين والقلب، الا انها لم تكن لحظات الفرح الوحيدة في حياتك، وانما هناك لحظة اخرى اكثر بهجة واثارة عندما تأتي ثريا ابنة الحاج المهدي الى الدكانة، لتكسر روتين العمل البطيء المكرور، تحمل صحن الغذاء لوالدها، فيدعوك لمشاركته الطعام، الذي غالبا ما يكون طبقا من المكرونة او الرشتة او الكسكسي او حساء الفاصوليا واو البازليا، وقد جاء هذا الصحن مرة وفيه قطعتين صغيرتين من اللحم، تؤكد ان اهل البيت عملوا لك حسابا عند اعداد الطبق. ورغم انها تأتي وقد ارتدت فراشيتها واطالت الطرف الذي يسقط على وجهها الا انه لم يكن صعبا اثناء وضعها للطبق ان ترى ملامح هذا الوجه، الذي رايته جميلا، بريئا كوجوه الاطفال. وجه حنطي مستدير، يتوهج القا وبهجة، ويتلألأ بدلائل النعمة. شيء مبهج ينطق به الوجه لا تدرك له تفسيرا، لعله هذه الابتسامة التي لا تفارق الوجه او هاتان الغمازتان اللتان تضيفان الى ابتسامة الثغر ابتسامتين على الخدين، تأتي مبتسمة وتمضي مبتسمة وتلقي تحيتها وهي مبتسمة، دون ان تبقى غير لحظة قصيرة، فهي تترك لكما الطعام ولا تأخذ الصحن الفارغ الا في اليوم التالي، او في يوم بعده عندما تحضر الاكل، وهناك دائما فضلة اكل تبقى في الصحن، تعود اليها اثناء الليل، وتنظف لها الصحن فتجده عندما تأتي نظيفا، خاليا من بقايا الطعام.
لم يكن في حياتك ما يستحق عناء الانتظار سوى تلك الهنيهات القصيرة العذبة عندما تأتي ثريا وتشرق ابتسامتها في دكانة صنع النعال. لم تكن في البداية قد انتبهت الى سر الجاذبية في وجهها، لانك كنت لا ترفع رأسك نحوها الا لتضعه في الارض خجلا ورهبة من والدها، ثم تدريجيا صرت تطيل النظر اليها، واتاحت لك المرات القليلة التي تصادف ان كان والدها موجودا في الجامع لصلاة الظهر اثناء مجيئها فرصة ان تبادلت معها الحديث واطلت التأمل في وجهها دون حرج، مما ساعد على نشوء نوع من الالفة بينك وبينها، ثم صرت تسطيع ان تقرأ في ملامحها وعينيها كلاما لا تسطيع ان تقوله بلسانها، صرت تحاول انت ايضا ان ترد عليه بكلام صامت مثله يعبر عن مدى استلطافك لها واعجابك بجمالها، ويخفق قلبك فرحا وانت تقرأ التجاوب في عينيها، وتقول في نفسك ان الاقدار ساقتك الى هذا الدكان واوجدت لك فيه عملا ومأوى لسبب واحد هو ان تلتقي بهذه الفتاة التي لها وحدها تتفح زهرة القلب. تحول الكدح اليوم المليء بالضجر والتكرار الى لحظات انتظار لموعد الفرح. مساحة الدكانة ذات الامتار الاربعة، تحولت الى براح رحيب يتسع لمسقبل باسم الثغر، ترى فيه نفسك صاحب غرفة في بيت من بيوت المدينة القديمة، وامراة تشاركك الاقامة في هذه الغرفة، تكون سكنا لك وتكون سكنا لها كما يقول القرآن في وصفه للحياة الزوجية، امرأة لها ابتسامة كابتسامة هذه الصبية وعينان لوزيتان كعينيها وغمازتان ساحرتان مثل غمازتيها.
بالغت في اظهار الولاء والاخلاص لوالد ثريا. لا تريد ان تكون مجرد صانع في دكانته، وانما تريد ان تكون ابنا له لم يأت من صلبه، وتتمنى ان تساعد هذه المساعي التي تبذلها في الاقتراب منه، في خلق تجاوب من طرفه يجعله يقبل بك صهرا له، ويكون فعلا الاب الثاني لك في هذه المدينة، فانت صادق الاحساس اتجاهه، وتزداد احتراما ومودة له كلما تقادمت الايام، فهو رجل صلاح وتقوى، دون ادعاء ولا مباهاة ولا افتعال، يؤدي الصلاوات الخمس في اوقاتها، ويؤديها جماعة في جامع سيدي محمود، يذهب ويعود سريعا، واذا جاء زبون اثناء غيابه، فان عليه ان ينتظر عودة الحاج. مع الايام صار يعهد اليك بالتعامل مع الزبائن، وصار يطيل غيابه في الجامع مستمتعا بالحاديث مع اصحابه فوق المحراب الحجري الموجود بمدخل الجامع، تاركا لك ان تقوم مقامه في الدكان، مؤتمنا لك على اسراره مع زبائنه، ومعرفة ماهو دائن او مدين به، فيما رايته دليلا اكيدا على انك بلغت منزلة عالية لديه وفزت بخالص الثقة التي لا تكون الا بين الابن وابنه، دو ان ترى منه تقتيرا او اجحافا في حقلك، بل يعاملك بكرم ورايحية زادتك اعجابا به، وتكررت في هذه الاثناء، المرات التي جاءت فيها ثريا الى الدكان في غيبة والدها ووصلت العلاقة الصامتة بينك وبينها الى مرحلة الافصاح والكلام عندما قلت لها، بانك رأيتها في الحلم، وكنت سعيدا بهذه الرؤيا، وتتمنى ان يتحول هذا الحلم الى حقيقة. لم يكن ما قلته كذبا، وما كان باستطاعتك ان تكذب في امر كهذا، فقد رأيتها اثناء نومك تجلس معك وسط قارب يتنزه بكما في البحر. اخبرتها بما رأيت دون ان تجرؤ على ابلاغها بنهاية الحلم، وان موجا عاتيا داهم القارب، والقى بكما وسط الموج الهائج، ولانك فتى ريفي يجهل السباحة، فقد ظللت تصرخ مستنجدا بها ان تنقذك من الغرق، لتصورك ان كل ابناء وبنات المدينة يعرفون العوم. لم تقل لها شيئا عن عجزك وخيبتك اثناء الحلم، واكتفيت بابداء تفسير لما رأيته في الحلم وهو ان القارب والماء يعنيان في كتب تفسير الاحلام السعادة والهناء. وكان كل ما قالته ثريا هو:
ــ اللهم اجعله خيرا.
وقبل ان تغادر الدكان جاء والدها قادما من المسجد. رفع الغطاء عن الصحن، وقبل ان يدعوك، كما هي عادته، لان تترك ما في يدك، وتتفضل بمشاركته الطعام، قال صائحا، وهو ينظر بفزع الى صحن الكسكس وقد علته قطعتان كبيرتان من اللحم:
ـــ لحم؟ من اين جئتم باللحم وانا لم اشتره منذ شهر مضى؟
ـــ جارتنا الحاجة نجمية، عاد اليها ابنها الذي اخذوه في الجيش، فنلنا نصيبنا من الخروف الذي ذبحته بالمناسبة.
ــ اما كان لاحد ان يقول لنا كي نستعد لمثل هذه الوليمة، ونسعد انفسنا قليلا بترقبها قبل ان نجد صحنا مليئا باللحم تحت انوفنا.
وقبل ان يمد يده الى اللحمة قال لابنته:
ــ للانسان يا ابنتي ملائكة ترافقه وينالها ما يناله من خير، وهذه الملائكة يفرحها ويطربها انتظار حلول المناسبات السعيدة.
والتفت اليك بالكلام قائلا:
ــ ما ضر لو عرفنا بامر هذه اللحمة قبل يومين، اما كانت فرحتننا ستكون اكبرواطول مدى مما يحدث الان.
تبادلتما الضحكات انت وثريا، ولعل الحاج المهدي رآى في هذه الالفة بينكما ما يوحي بان تعارفا من وراء ظهره، اكثر حميمية من التعارف الذي كان شاهدا عليه يحدث بينكما، الا ان الرجل قد فتح لك قلبه منذ اول يوم رآك فيه، وصار يرى فيك صورة الابن االثاني، لان كل ما لديه صبي في مراحل الدراسة الاولى بالكتاب و ثلاث بنات متزوجات من اقارب له في تاجوراء، وهذه هي الرابعة، اصغرهن التي لا تزال تعيش في كنفه، اما الامر الذي يدعو الى القلق، فهو ان صبية في عمر ثريا ولها هذا الجمال، لن تبقى حبيسة بيت ابيها لامد طويل، ولابد ان ياتي في وقت قريب من يريدها عروسة له، وهذا العريس المرتقب سياتي خلال اشهر لا خلال اعوام، فماذا انت فاعل يا ابن الشيخ؟. انها الان في سن الثامنة عشرة، وهي سن مثالية لتزويج البنات، خاصة اذا كان لهن حظ ثريا من الحسب والنسب والفضيلة والجمال. لعل النظرة المستريبة التي رمقك بها الحاج المهدي، ورمق بها ابنته في نفس الوقت، تصلح مناسبة لمفاتحته في الموضوع وتخبره صراحة بانك تريد لعلاقة الود التي نشأت بينك وبينه ان تكتمل بالمصاهرة. سوف لن يكون امرا صعبا بالنسبة لك تدبير غرفة في واحد من بيوت المدينة القديمة، ان لم يكن قريبا من بيت الحاج المهدي، ففي بيوت اخرى خارج السور اكثر تواضعا ورخصا.
انقضت الان اكثر من سبعة اشهر منذ ان بدأت العمل مع الحاج المهدي، استطاع خلالها ان يختبر خصالك ويعرف الى أي معدن تنتمي. انه لا يكاد يمضي يوم دون ان يتحدث عن نظريته في البشر والمعادن والاقمشة، فهذا رجل اصيل كالذهب الحقيقي، واخر زائف كالذهب الفالصو، وهذا قماشته من حرير، واخر قماشته من كتان، وهكذا لا يمر زبون بدكانته الا وله تعريف له. كان شهر رمضان الماضي فرصة يتبسط خلالها في شرح افكاره، ويطيل الحديث حولها، فالحياة في المدينة تأخذ شكلا اخر في رمضان، ويفتح الحاج المهدي بيته للاضياف، واغلبهم غرباء، يدعوهم اثنا ء التقائه بهم خلال صلاة المغرب، لانه يكره في رمضان ان يتناول افطاره دون ان يشاركه ضيوفه هذا الافطار، فهو يدعوك ويدعو بعض زبائنه ممن يأتون من خارج المدينة او من ضواحيها ويضيف الى ذلك بعض من يجدهم في المسجد، ممن لا عائلات لهم في المدينة، وهو في ذلك يتبع تقليدا موجودا لدا العائلات الموسرة في المدينة ممن يقيمون الولائم الكبيرة للفقراء ويأتون بها الى المساجد كل يوم، وتمتد الجلسات مع هؤلاء االضيوف الى صلاة العشاء، واحيانا يعود بهم لاحياء السهرة بعد اتمام صلاة العشاء والتراويح في المسجد، والمشاركة في سحور مبكر، وخلال هذه الجلسات يأخذ الحاج المهدي غايته في شرح افكاره عن معادن الناس، معززا كلامه بقصص وحكايات من معاملاته معهم، التي اورتثة فراسة في معرفة الناس،
انك علي يقين من ان ثريا تريدك كما تريدها، ولكن ما اهمية انها تريد او لا تريد طالما كان الامر اولا واخيرا بيد والدها، وانت لا تستطيع ان تفاتحه في امور خطبتها بمفردك، فمثل هذه الامور لها اصول وقواعد، لابد من مراعاتها، وفي هذه الحالة فانت بحاجة الى رجل في مثل سنه يتولى مفاتحته في الموضوع. رجل من اقاربك، ياتيه ويطلب لك يد ابنته، لكي لا تبدو امامه مقطوعا من شجرة، ولكن من اين يمكن ان تأتي له بهذا القريب، وانت لا تعرف لك اقارب في المدينة غير شحاذ بائس، من صالحك ان تبتعد عنه قدر ما تستطيع، لكي لا يظهر في حياتك ويفسد علاقة المصاهرة التي تريد ان تبنيها مع واحد من وجهاء اسواق المدينة الحاج المهدي النعال.
لم يكن واردا ولا ممكنا بطبيعة الحال ان تحضر امك وابيك من الاد الشيخ، بل لعل من الافضل الا يعرف اصهارك ان لك ابا واما، لانك لا تستطيع حتى ان تأتي على ذكر العلاقة التي تربط بينك وبينهما بعد ان خرجت من القرية هاربا منهما ومن والفضيحة التي سببتها لهما، بل من قبل هذه الفضيحة كانت الامور لا تمضي حسب النواميس الطبيعية التي تحكم الابن بابويه، ولانهما مطلقان، يعيش كل واحد منهما مستقلا باسرته الجديدة التي سعى الى تكوينها بعد الطلاق، كنت تنتقل بين البيتين، فلا يراك زوج امك الا ضيفا ثقيلا ينتظر متى يغادر البيت، وتذهب الى بيت ابيك فلا تراك زوجة ابيك الا متطفلا على بيتها تسعى لطردك منه، ولهذا فقد اثرت قبل سنوات من مغادرة القرية، ان تعيش معتمدا على نفسك، اتخذت لك خلوة في الزاوية السنية تقيم فيها بعد ان اكلمت حفظ القرآن وصرت معاونا للفقيه، وقبلها كنت تتعاون مع الرعيان وتسرح لهم بالجديان وتنام صحبتهم في والادية والحقاف القريبة من القرية قبل ان تصنع لنفسك استراحة تأوي اليها من بئر مهجور ومردوم بين غياط النخيل، فكبرت دون ان تكبر عواطفك نحوهما. انك لا تكرههما، ولكنهما لم يقدما لك شيئا يساعدك على ان تحبهما، ولا تدري ما هو شعووهما الان وانت تغادر القرية هاربا من الفضيحة، فلعلهما يشعران بالارتياح لانك لن تحرج احدا منهما امام شريك حياته، الاب امام زوجته والام امام زوجها ولا تشعر باية رغبة لتعرف ما هو موقفهما من غيابك، فانت مشغول عنهما بتدبير حياتك في هذه المدينة، التي لا مجال فيها لان تعتمد على احد غير نفسك وجهدك، ولكن ها انت اليوم تواجه مأزقا، فكيف يستطيع والد ثريا ان يعطيك يد ابنته قبل ان يعرف من انت؟ ثم حتى لو عرف انك من منبت طيب، هل تراه حقا سيحيد عن الطريق الذي انتهجه في تزويج بنتيه السابقتين من اقرباء له في تاجوراء، وهل سيراك وانت الصانع الصغير لديه، اهلا للزواج من ابنته، لعل الاحسن والاريح بالنسبة لك ان تقتنع بان ثريا ليست لك، وانها مجرد طيف يراود احلامك، وليس لك منها الا متعة الاحلام، وقبل ان تجد وقتا لتختبر ان كان حلمك قابلا للتحقيق ام سيبقى حلما يستعصى على التحقيق، داهم عساكر بالبو السوق يبحثون عن شباب في سن التجنيد لاخذهم عنوة الى معسكرات التدريب. الحملة العسكرية الايطالية على بلاد الاحباش، وشيكة الوقوع، وبالبو وعد رئيسه بالمساهمة في امداد الحملة بمحاربين من هذه المستعمرة الافريقية، لتوسيع دائرة النفوذ الايطالي في القارة السمراء. قبل ان تستطيع الهروب سد الجنود امامك باب الدكانة واخذوك وانت تحاول المقاومة والتملص، فصاروا يجرونك جرا فوق الارض، حتى اوصولك الى سيارة نقل عسكرية تقف على راس الشارع، القوك فيها مع شبان آخرين التقطوهم من السوق. كان الجميع يصيحون ويحتجون ويشتبكون في عراك مع الجنود، يريدون الفرار لكن الشاحنة التي يغطي جنباتها قماش شمعي سميك ويقف على بابها جنديان مسلحان لا تتيح فرصة لذلك. تطلعت الى وجوه هؤلاء الشباب بامل ان تجد احدا تعرفه من بينهم تستطيع ان تتدبر معه طريقة للهروب فيما بعد، ولكنك وجدتهم جميعا اغرابا بالنسبة لك، عدا بعض الوجوه التي سبق ان رأيتها، لان اصحابها يعملون صبيانا في دكاكين مجاورة، ولم يحدث أي تعارف بينكم، ومع ذلك فقد لاحت فرصة للهروب، بشكل عفوي ودون تدبير، عندما وصلت السيارة الى باب المعسكر ووقفت بانتظار ان يفتح الحارس البوابة الكبيرة. انتهز عدد من الشباب الغاضبين الفرصة، فدفعوا بالحارسين اللذين يسدان مدخل الشاحنة الى الارض، وارتمى سلاحهما بعيدا عنهما، زادت في ابعاده ركلات هؤلاء الشباب الذي قفزوا من الشاحنة وركضوا باتجاه الغابة المحاذية للمعسكر، فلم تترك الفرصة تضيع منك وقفزت خلفهم راكضا مثلهم باتجاه الغابة. انطلقت صفارات الجنود، وانطلقت الاعيرة النارية تأز فوق رؤوسكم وانتم تركضون وسط الغابة وتحتمون بجذوع اشجارها من من تدفق الرصاص. تدافعت السيارات العسكرية تجري وراء الهاربين ولكنها لم تستطع ان تمضي في الغابة الا مسافة قليلة، ثم اعترضتها كثافة الغابة وتشابك اشجارها وتراكم الاتربة والاحجار في بعض مناطقها ومنعتها من الاستمرار، فهبط الجنود يطاردونكم على الاقدام، ويشهرون بنادقهم امامهم يطلقون رصاصهم بكثافة وراء الهاربين، سمعت ازيز رصاصة تمرق بجوار اذنك، ورأيت زميلا هاربا يسقط امامك مضرجا بدمه، فواصلت الهروب لانه لاوقت ولا سبيل لان ينقذ احد احدا، كل ما فعلته عندما وجدت انك في مرمى الرصاص هو ان احتميت بجذ ع شجرة، ثم تسلقت الجذع الى كثافة الورق باعلاها تختبىء فيه من اعين ورصاص الجنود، وكنت من هذا الموقع تستطيع ان ترى الجنود الذين امتلأ بهم هذا الجزء من الغابة، فقد لحق بالحراس، جنود آخرون من داخل المعسكر، كما كنت تسطيع ان تسمع دوي رصاصهم وصراخ الهاربين الذين تم الامساك بهم، فيوسعونهم ضربا وركلا، وانين الهارب المصاب يصل اليك دون ان تستطيع ان تفعل شيئا لتخفيف الامه، حتى جاء من الجنود الايطاليين من قام بنقله خارج الغابة، وكنت خائفا ترتعش كهذه الاغصان التي تختبيء بينها، تدعو الله الا يرفع احد هؤلاء الجنود عينيه فيكتشفك، ثم بدأت الحركة تتناقص الا انها لم تنته كلية، فلا زالت بعض اطلاقات الرصاص تدوي بين الحين والاخر، كما كان ممكنا ان تسمع خطى جندي يركض عائدا بعد ان انتهت المطاردة، يريد ان يعود الى المعسكر قبل ان تستحكم حلقات الظلام، فقد بدات العتمة تهبط فوق الاشجار وتضيف الى غطاء الاوراق غطاء الظلام يخفيك عن اعين هؤلاء الجنود العائدين، ثم انقطعهت اصوات نعال الجنود كما انقطع دوي اطلاقاتهم وضجيج نداءاتهم ولم تبق الا اصوات الجنادب وازيز الحشرات ونقيق الضفادع في بعض برك الماء القريبة، فبقيت في مكانك زمنا حتى تيقنت في انك في مأمن من قبضة اولئك الجنود، وهبطت من الشجرة تتحسس بعض الخدوش التي لم تكن تشعر بها وانت تتسلق الشجرة اثناء شدة المطاردة، وركضت في منتصف الليل تقطع الغابة باتجاه معاكس لاتجاه المعسكر، حتى خرجت قريبا من ضاحية قرقارش، وسرت متجنبا الشوارع الرئيسية حتى وصلت قبيل الفجر الى وكالة الشوشان، وهناك كانت احدى الشاحنات محملة بصناديق الخضار والفاكهة واشولة الدقيق تنتظر الانطلاق مع بداية النهار، فاتخذت لنفسك مخبأ بين اشولة الدقيق تستنشق غبارها الابيض، عائدا الى اولاد الشيخ التي هربت منها مختبئا بين اشولة الفحم وهواءها الأسود، ولم ترفع جسمك من بين الاشولة حتى غادرت الشاحنة بوابة المدينة ودخلت الطريق الصحراوي المؤدي الجبل الغربي ثم أولاد الشيخ. حمدت الله ان الهروب تم قبل ان يتم تسجيلك ومعرفة اسمك وعنوانك او إعطاءك رقما واعتبارك جنديا لان الفرار من الجيش يكون عندئذ جريمة تستحق أقصى العقوبة، كما انه لا سبيل الان لان يعرفوا من انت او اين تقيم او تجري عليك قواعد الهاربين من الجيش.
كان منظرك غريبا وانت تذهب بهذه الهيئة الى القرية، فلا احد من أبنائها يجرؤ على الدخول الى شوارعها مرتديا بذلة إفرنجية وحاسر الرأس كما انت الان، خاصة وان الملابس التي ترتديها مهترئة ممزقة من اثر المطارد والاختباء بين اعرف الشجرة، وفوق جسم مليء بالخدوش التي لم ينج منها الوجه واليدين والذراعين، وبرغم انك التزمت الحذر والحيطة لكي لا تلتقي بالحشود من ابناء القرية الذين يتجمعون في ساحة السوق حول كل سيارة قادمة، فطلبت من سائقها ان ينزلك قبل دخول القرية، حيث هبطت صاعدا عبر منعرجات خلفية، تنفض بقايا الدقيق عن وجهك وشعرك وملابسك، متسللا الى حيث بيت ابيك، الا ان احد اطفال العائلة رآك فذهب يجري، بقميصه الابيض الطويل الذي نفخته الريح فصاريخفق كشراع قارب تضربه العاصفة، مناديا اطفال العائلة الاخرين الذين جاءوا يزفونك الى المنزل هاتفين " جاء عثمان"، ولكي لا تجعل فرحتهم برؤيتك تنتهي الى شعور بالخيبة والحزن، عرجت على دكان بقالة واشتريت علبة من الحلوى وزعتها عليهم، ووصلت الى بيت ابيك الذي بدا غاضبا لانك لم تبلغه بسفرك، وهربت امام التهمة الباطلة التي وجهها اليك الفقيه، مع ان العيادة الطبية اثبتت سلامة الفتاة وانه لم يحدث أي شيء مخل بالشرف بينك وبين الفتاة الزنجية عزيزة، وانه حاول الاتصال بك في المدينة لابلاغك بنتيجة الفحص ويطلب عودتك الا انه لم يجد لك عنوانا لانك منذ ان غادرت اولاد الشيخ لم تبعت باية رسالة او اشارة الى عنوانك وعما اذا كنت ما تزال على قيد الحياة، فتعللت بانك انشغلت طوال المدة الماضية بالبحث عن عمل وعندما وجدته جاء عساكر الطليان يريدون تجنيدك، وانك هارب منهم، لتبحث عن مخبأ في اولاد الشيخ حتى تنتهي حملة التجنيد.
عدت للاقامة في القرية التي كرهت الاقامة بها، في غرفة علوية صغيرة فوق سطح البيت، يتخذون نصفها مخزنا لحبوب القمح والشعير التي تشكل مصدر الغذاء الاساسي للعائلة، ونصفها يتركونه لاقامتك، مستخدما الحد الادنى من الاثاث، عبارة عن مرتبة ووسادة وبطانية وثلاثة مسامير في الحائط لتعليق الملابس. كنت لا تخرج الى الشارع الا نادرا، فاولاد الشيخ ليست محصنة ضد حملات التجنيد، متسللا اغلب الوقت الحال لترى امك التي كانت تعاني من نزلة برد، اما اغلب الوقت فانت جالس على مصطبة امام الغرفة، مستمتعا بشمس الشتاء، تقرأ كتب الاوراد وكتب الادعية والتسابيح واحبها اليك دلائل الخيرات، بجوار القرآن وكتب الحديث، وحل عيدالاضحى، فخرجت لصلاة العيد مع اهل القرية في باحة الزاية السنية، والتقيت هناك بعبد المولى الشحاذ، وقد عاد من طرابلس لمشاركة اسرته حفلة العيد، مرتديا حلة بهيجة لا يرتديها الا علية القوم، الجريدي والزبون والفرملة والحذاء المزين بالنقوش، فاقبل عليك مرحبا وعيناه تمتلآن عرفانا بالجميل لانك لم تبح لاحد بالسر الذي عرفته عندما رأيته يتسول امام جامع ميزران، والح على ان تزوره، عندما تكون في طرابلس، في كوخه بسيدي خليفة، ورغم انك لم تكن تحب ان تلتقي به هناك لم تجد بأسا بوعده بالزيارة نزولا على الحاحه. والتقيت بعد الصلاة بشيخ من شيوخ الزاوية الذي قال بان الشائعة التي ربطت اسمك يخطيئة الزنا، اتضح انها ليست صحيحه مما يجعل من عودتك لتدريس القرأن لاطفال القرية في الزاوية امرا ممكنا، فاخبرته بان هذه مرحلة من عمرك تجاوزتها ولن تعود اليها لان لديك فرصا افضل في العمل بالعاصمة، التي تتحين الفرصة للعودة اليها.
مرت على وجودك في القرية ثلاثة اشهر، خفت خلالها الحملات التي تهاجم الاسواق والشوارع لتجنيد الشباب لحملة الحبش كما تقول الاخبار القادمة من طرابلس، وحل شهر ابريل، وهو نفس الشهر الذي غادرت فيه القرية منذ عام مضى، فقررت ان تعتبرالسفر في هذا الشهر فالا طيبا واستأذنت من امك وابيك هذه المرة، وطلبت منهما الا ينسيانك بالدعاء اثناء الصلاة، وغادرت القرية الى طرابلس في احدى الشاحنات ايضا، ولكن دون ان تخفي نفسك بين اشولة ذات غبار ابيض او اواسود، وانما في مقعد مريح بجوار السائق الذي مضى يدندن بمختلف الاغاني الشعبية طوال الطريق.
ما ان وصلت الشاحنة الى وكالة الشوشان، حتى ركضت مسرعا الى دكانة الحاج المهدي النعال، الذي استقبلك معانقا، لاعنا الطليان، الذين نشروا حالة فزع في البلاد، وافرغوها من شبابها، وانه جاء بصانع آخر يحل محلك في الدكان فاخذوه هو الاخر للتجنيد في احدى الحملات، رغم قدمه العرجاء، ويسألك عن حالك في الجيش وحال التدريب معك، فابلغته بانك لم تدخل الجيش، وانك هربت منذ اليوم الاو، واختبأت في بيت اهلك بقرية اولاد الشيخ، حتى زال الخطر، وانك جئت لتستأنف العمل في الدكانة كسابق عهدك. رأيت الرجل يمد رأسه وعنقه خارج الدكانة و يلتفت مرعوبا شمالا ويمينا، ويتطلع في الرائح والغادي، قائلا بانه يخاف انتقام الطليان ان هو اعادك للعمل في الدكان، لان من يهرب من الجيش يدخرون له عقابا عظيما، وان جزءا من هذا العقاب يلحق من قام باخفائه وتسترعليه ولم يبلغ عنه الحكومة، وهو رجل في شتاء العمر، لن يقوى على مناكفة الطليان او يقدر على تحمل عنفهم وقسوتهم عندما يقودونه في هذه السن الى السجن، ويطلب اليك ان تعفيه من هذه المخاطرة. شرحت للحاج المهدي ان خوفه في غير محله، لان امرك يختلف عن امر الجندي الهارب، فانت لا تحمل رقما، ولم يدخل اسمك اين سجل من سجلاتهم، وبالتالي فهم لا يعتبرونك جنديا هاربا.
لكن الحاج لم يهدأ. كان مازال منفعلا يتكلم عن معاقبة الايطاليين للهاربين من التجنيد وكأنه لم يسمع ما قلته له من كلام، ويضيف اليه بان حملة الطليان لتجنيد الشباب الليبيين مازالت مستمرة، ومازالوا يواصلون مداهماتهم للبيوت والدكاكين والاسواق الشعبية، وقد جاءوا الى كوشة الصفار اكثر من مرة خلال الايام الماضية، واقتادوا شبابا كثيرين من بيوتهم ومحلاتهم، من بينهم قريبه فتحي، الذي سبق ان كان معاونا له في الدكانة قبلك، واصبحت له دكانة خاصة، ومع ذلك اقفلوا له دكانته واقتادوه مرغما رغم انه رجل حديث الزواج، لم يمض على زواجه غير اسبوع واحد، ولم تكن زوجته غير ابنته ثريا التي رجعت الان لتقيم في بيت ابيها ومازالت حناء العرس تخضب اصابعها. ومضى الحاج المهدي يقول كلاما آخر، وينصحك بالعودة الى القرية والاختباء هناك لفترة اخرى لان هذه الحملة لن تهدأ قبل شهرين اوثلاثة اشهر اخرى، لكنك لم تكن تنصت اليه او تستوعب ما يقول، لان ذهنك وقلبك وجميع حواسك توقفت عند التقاط كلمة "ثريا"، " الزوجة ثريا"، "العروس ثريا". ها قد ضاعت منك ثريا الى الابد. صرخت بصوت احتبس داخل خلقك لماذ؟ ولكن من اين للرجل ان يعرف انك تريدها زوجة لك؟ حتى ثريا نفسها، هل كان بامكانها ان تفعل شيئا؟ هل عرفت منك شيئا واضحا حول تفكير في مصير واحد يجمعكما؟ ثم كيف تريدها ان تنتظر رجلا ذهب ليشارك الطليان في حروبهم مع الاحباش، ولا احد يعرف مصيره الا الله، لعلها لو عرفت على وجه اليقين انك ستتقدم لخطبتها وانك لم تلتحق بالجيش، لتمنعت وماطلت وسعت لتأجيل الموضوع بعض الوقت. لعلها. فلست واثقا من شيء. كل ما تعرفه الان، انك ضائع، ضائع، ضائع. لاعمل ولا مأوى ولا ثريا. حياتك ذاتها لم يعد لها معنى. تقف الان عاريا من كل غطاء، بلا امس ولا حاضر ولا غد. لا يهم بعد الان ان تبقى او تذهب. تحيا اوتموت. استوى لديك الحق والباطل والشك واليقين والامل واليأس، كل شيء صرت تراه باطلا، خاليا من المعنى.
وبخطى سريعة تركت الحاج المهدي واقفا يتكلم، وغادرت دكانته متجها الى معسكر الطليان. قادك جندي البوابة الى الضابط المناوب، فابلغته بانك جئت بغرض الانضمام الى جيش الحملة. اخفى اندهاشه تحت ابتسامة باهتة. لعلك اول شاب ليبي يدخل هذا الجيش طواعية. قادك بنفسه الى طابور المستجدين، واوصى بك المشرفين خيرا، لانك تختلف عن الاخرين الذين جاءوا يجرونهم بالسلاسل ويضربونهم بالعصي. ولذلك فان الواجب يقتضي ان يلقى الجندي الذي يأتي متطوعا معاملة خاصة. هكذا قال لهم وهكذا رآك الايطاليون، كما رآك المجندون الليبيون. رأوك شيئا مختلفا، له خصوصيته، فكيف يأتي الانسان بقدميه لملاقاة المهانة والعذاب. هذا هوالعجب بعينه. ان احدا غيرك لم يفعل ما فعلت. يأتي راضيا، طائعا، الى عش الافاعي، والالقاء بنفسه الى التهلكة بمحض ارادته. لقد حدث في السنوات الماضية وبعد انتهاء المقاومة ان تقدم بعض الناس للعمل العسكري الايطالي عسسا وحراسا. ولكن بعد ان بدأ التجنيد لغرض الحملة على بر الاحباش، امتنع الجميع. لانه لا يمكن لعربي مسلم ان يذهب طواعية ليموت في حروب الطليان، خاصة هذه الحرب التي يشنونها على شعب افريقي بريء نصفه من المسلمين. كان المجيء اليهم بديلا للانتحار. انه انتحار من نوع آخر. لانك ستكون منتحرا وناحرا للاخرين. قاتلا وقتيلا في آن. هكذا كانت البداية التي كنت علي يقين بانها ستفضي بك الى غابات القتل واودية الموت.
لم تكن تعرف الشيء الكثير عن لغة هؤلاء الايطاليين الذين عشت تحت حكمهم طيلة سني عمرك التي بلغت خمسا وعشرين عاما، دون ان تقترب منهم كثيرا. فعلت ما املاه عليك اهلك، وما يفعله عادة ابناء قريتك، وهو ورفض التشبه بهم في طعامهم ولباسهم، وتجنب الاختلاط بهم ما امكن ذلك، والامتناع عن الذهاب الى مدارسهم، التي لا وجود لمدارس غيرها عدا الكتاتيب والمدارس القرآنية. وقد ذهبت عاما واحدا لهذه المدارس الايطالية تم اخرجك منها والدك بعد ان افتى احد فقهاء القرية في ذلك الوقت بتحريم ارسال الاطفال اليها لانها تعمل على اخراجهم من دينهم الاسلامي وادخالهم في دين النصارى، كما خرج منها اطفال آخرون لم يرض لهم اهلهم بهذا الحرام. وصرت تتردد على بيت ذلك الفقيه الذي خصص دارا في منزله لتدريس القرآن للاطفال مقابل ما يتلقاه من بيض وتمر وتين مجفف، لانه لا يجوز ان يأخذ مقابلا نقديا عن تدريسه للقرآن. لم تعرف الا في وقت متأخر ان المدارس الايطالية لم تكن تسعى لاخراج احد من دينه او ادخاله في دين جديد، وان الفتوى التي قدمها ذلك الفقيه لم يكن دافعه اليها غير التقاط طعامه من هؤلاء الاطفال في ازمنة عز فيها وجود الطعام. كنت تعتمرطاقيتك وترتدي قميصك الطويل وسراويلك العربية، ولا ترى شيئا من الطليان الاعلمهم المثلث الالوان معلقا فوق سارية المبنى الذي يتخذه الحاكم مقرا له. تقدم لهذا العمل التحية عندما تسمع نداء البوق، ولا تلتقط من كلامهم الا ما صرت وانت فتى يافع تستعين به على قضاء مصالحك في مراكزهم واو بوابتهم ومكاتبهم ومع دورياتهم، محاولا استذكار ما تعلمته في تلك السنة اليتيمة التي قضيتها في المدارس الايطالية. الامر يختلف الان بعد صرت جنديا ايطاليا يدين بالولاء لمليكهم ويرهن عمر لهم. عليك اذا اردت ان تنجح في حياتك الجديدة ان تتقن هذه اللغة كواحد من اهلها.
اعطوك بطانيتك وملابسك العسكرية ومطرتك وخرج صغير من القماش فيه بعض المعدات والادوات التي تحتاجها عند الخروج في مناورات او مهمات خارج المدينة مثل الصحن والملعقة والمصباح اليدوي وغيرها، وطلبوا منك ان تنحشر اثناء الليل في وسط عدد من المستجدين في عنبر مستطيل الشكل اشبه بالرواق، يتكدس فيه مائة وخمسون مجندا، لا حماية لك من برد البلاط الا حشية اشبه بخرقة بالية. ارتعشت اطرافك رعبا وان ترى جدران العنبر ملطخة بالدماء. ارتحت قليلا عندما سألت فعرفت من زملاء العنبر انها دماء البق الذي يسحقونه باصابعهم على الجدار، وسرعان ما غادرك هذا الاحساس الضيئل بالراحة عندما وجدت نفسك، وفي اول ليلة تقضيها في المعسكر، فريسة لاسراب لا حصر لها من البق، مهما اعملت فيها قتلا وسحقا فهي لا تنتهي ولا تتناقص. كنت تسأل نفسك من اين ياتي كل هذا البق، وقبل ان تعثر على الاجابة، وجدت نفسك تواجه جيشا آخر يستخدم تقنيات اكثر تقدما في التمويه والاختفاء، هو جيش القمل الذي وجدته منذ الليلة يتخذ شعر رأسك مستوطنة له، وعرفت عنئد ئذ السر في ان المجندين يحلقون شعر رأسهم حلاقة كاملة، لقطع الفرصة على احتكاره من قبل جيش القمل، وتبدي في اليوم التالي انزعاجك واستغرابك، لمن سبقوك في الاقامة للمعسكر وكيف استطاعوا التعايش مع هذه الحشرات، فيقولون لك ساخرين بانه جزء من التدريب على مواجهة جيش الاعداء، فعمدت انت ايضا الى شعر رأسك فحلقته حلاقة كاملة، الا ان القمل تسرب الى ملابسك وصار ينام في كل طية من طيات ثيابك، ولم تستغرب ان تجد ان البوق الذي يوقظ المجندين من النوم، يوقظهم ساعة قبل موعد الايقاظ الرسمي، يقضونها في حك وهرش جلودهم، ورأيت الشاويش عنتر المشرف على العنابر يمر على المجندين يضربهم بعصاه، ويوقظهم من نومهم قائلا:
ــ هيا قوموا حكوا جلودكم.
في الليلة الرابعة او الخامسة رأيت بين المجندين النائمين بجوارك من جاء زاحفا في الظلام ليلتصق بك التصاقا شديدا. ادركت غرضه، فقمت من مرقدك صارخا، غاضبا، وانت ترى نفسك هدفا لعملة اغتصاب جنسي صريحة. اضأت النور واخذت بخناق الرجل الذي صار يدفعك عنه محاولا ان يعود للاختباء تحت البطانية، فتخرجه من تحت غطائه وتشتبك في عراك معه، ليرى كل من في العنبر بشاعة ما كان يريد ان يفعله لك. رأيتهم جميعا يدسون رؤوسهم في وسائدهم ويهمهمون بكلمات احتجاج وتدمر طالبين منك ان تطفىء النور وتعود الى النوم. ادركت انك اخترقت قانون التواطؤ الذي يتعامل به اهل هذا العنبر، فليس من حق احد ان يفضح احدا. يمكنك ان ترفض ان يتحرش بك احد، ولكن بصمت ودون ضجيج، ولم يكن غريبا ان تصل اخبار هذه الضجة الى اسماع الشاويش عنتر الذي جاء ومعه اثنان من مرافقيه يسألون عن سبب الضجيج، وعندما عرفوا ان عراكا نشب بين اثنين من المتدربين احدهما انت، امرالشاويش عنتر بان تقفا وظهريكما الى الحائط ليجلدكما بالسوط خمس جلدات على الظهر، وهذه هي ادنى عقوبة في سلم العقوبات التي ينفذها الشاويش عنتر واعوانه.
عافت نفسك البقاء في هذا العنبر، بل البقاء في المعسكر كله، ومرافقة من فيه من عرب وايطاليين، مدربين ومتدربين، بل عافت الخدمة العسكرية كلها التي جئتها بارادتك. لعنت لحظة الضعف التي دفعتك للالتحاق بهذا المكان، ولكن مسالك الخروج مقفلة، فلا خلاص ولا منفذ للهروب. حتى مغادرة المعسكر ممنوعة قبل الانتهاء من التدريب الاساسي. الزيارات ايضا ممنوعة في هذه المرحلة من التدريب. معزولون في ضواحي المدينة، على حافة الغابة المحاذية لبئر ابي مليانه. صب العسل يا بئر بوماليانه. هكذا تقول الاغنية الشعبية، التي لم تكن تدري ان حرم هذا البئر سيكون موقعا لمعسكر يتجرع قاطنية العذاب لا العسل.
كنت تزداد مع كل يوم يمر، غيظا، وقرفا، وكراهية. تحول الغيظ بداخلك الى كرة صارت تنتفخ وتواصل تضخمها وانتفاخها حتى انفجرت في وجه عريف ايطالي يتولى الاشراف على قاعة الطعام. اكتشفت جزءا من جسم خنفسة في حساء الفاصوليا الذي يداومون على تقديمه لكم كل يوم. لم تشأ ان تشكو لاحد من المشرفين العرب، باعتبارهم بؤساء مثلك لا يملكون شيئا يفعلونه، وقررت ان تفتح المعركة مع مندوب القيادة الايطالية في هذه القاعة. وقفت تحمل صحنك وذهبت اليه وهو يقف في سقيفة المطعم يرشق يديه في خصره ويضع رأسه في السقف كانه يملك تفويضا الهيا بادارة الكون نيابة عن خالقه. كنت تعرف انه سيؤنبك اذا تماديت في الاحتجاج، ولكن ما الذي تخشاه؟ فاقصى ما سيفعلونه معك هو وضعك في الحبس الانفرادي ليوم أو يومين، ستعتبرهما راحة من التدريب ولذلك تقدمت نحوه تسأله ان يرى بنفسه اثر الخنفسة الكبيرة السوداء التي انفلقت الى نصفين، نصفها بقى في صحنك ونصفها الثاني ذهب الى صحن زميل اخر، ولعله ذهب الى معدته. فسألك ان تعود الى مكانك لكي لا تحدث شوشرة في المطعم فقد اخذ علما بالموضوع وسيصدر تعليماته بضرورة ان يتحرى الطباخون النظافة، ولكنك اظهارا للقرف والاشمئزاز الذي لم يكن سببه الوحيد الخنفسة المطهية في قدر الفاصوليا، قذفت بمحتويات الصحن اما المطعم باعتباره طعاما لا يليق بالبشر ومرحبا بالسجن الانفرادي بعد هذا التنفيس عما كان مكبوتا داخل صدرك، وكأن العريف كان يعرف هدفك من هذه المبالغة في التعبير عن احتجاجك، فلم يأمر بسجنك، وانما امر بان يصنعوا لك طعاما بديلا لحساء الفاصوليا، حساء مصنوعا من الخنافس فقط، ليكون وجبتك ذلك المساء. ولا تدري كيف استطاعوا جمع كل هذا العدد من الخنافس في وقت قصير لا يزيد على نصف ساعة، صنعوا منه طبقا جاءوا به اليك، ووقف ذلك العريف يحمل في يده سوطا ويأمرك ان تشرب الحساء وتأكل محتويات الطبق. لم تسطع حتى وهويأمر اثنين من جنوده الامساك بك، ليستطيع ان يهوي بسوطه على ظهرك، وعندما رفضت ان تأكل امر الاثنين باحكام وثاقك، وامر جندي ثالث بان يغرف الخنافس من الصحن ويضعها في فمك. اغمى عليك، وعندما استأنفت حياتك في اليوم التالي بقيت لاكثر من يومين وانت تتقيأ دون ان تجرؤ على ابتلاع لقمة طعام واحدة. وكان الامر مؤلما، لان معدك، كانت فارغة اثناء هذا القيئ، فكنت تشعر بانك تتقيأ امعاءك، ومتألما تظل ضاغطا بيدك على موضع الالم في معدتك طوال النهار. ادركت وانت تعاني آثار موقفك الغاضب، ان عليك ان تجد طبيعة اخرى للتعامل مع هذا العالم الذي دخلته فجأة دون تمهيد ولا ترتيب ولا معرفة كاملة بطقوسه ونواميسه. انك لا تستطيع ان تكون معه وضده في نفس الوقت، لانك عندئد لن تجد سوى الالم الممزوج بالمهانة دائما. ليس هناك حل وسط. اما ان تبقى بعيدا عن هذا المعسكر، كما فعلت في المرة الاولى عندما جازفت بالهروب تحت وابل الرصاص، عائدا الى الارياف، محتميا بجدران بيتكم الذي يبعد مئات الاميال عن اسوار هذا المعسكر، واماان تكون بداخله، وتندمج اندماجا كاملا فيه. تمنحه عقلك كله، وقلبك كله، وتقدم واجب الطاعة والولاء لقواعده ونواميسه، وتعرف من هو السيد في هذا المكان فتقوم بخدمته ونيل رضاه، وتعرف ماهو المسكوت عنه، فتدير وجهك الى الناحية الاخرى حين تراه، وتعرف ماهو مطلوب منك فتقوم بأدائه يحب وحماس شديدين. هذه هي قواعد اللعبة في عالم غريب عنك، لا تملك فيه قريبا ولا حبيبا، واذا احتجت في يوم من الايام ان تدفع عنك الظلم وانت تعيش قريبا من امك او قريبا من ابيك، فكيف بك الان وانت تعيش بين جدران معسكر ايطالي، عليك ان تتآلف معه وتعرف نواميسه، وتدخل في لعبته، وتدرك جيدا انه لا حماية لك من ظلمه وجوره الا ما تقدمه من طاعة واستسلام، والا انكسر ظهرك، كالعود اليابس الذي يستعصى على الثني. وليكن مثلك الاعلى مواطنك الشاويش خليفة عنتر، الذى نسي كيف ينطق اسمه نطقا عربيا صحيحا، لانه منذ ان التحق بالعمل مع الايطاليين صار ينطقه كما ينطقونه هم، فهو الان سيرجينتي انتار، وهذا ما يفعله باسماء الاخرين، كما حدث معك انت وهو يناديك في حضور رئيسه الايطالي قائلا " اوسمان". يجلد ابناء جلدته باكثر قسوة وشدة مما يفعل أي ايطالي، ويغلظ لهم القول كانهم اعداء شخصيين له. لا يكتفي بالخدمة اثناء ساعات الدوام، وانما يسرق وقتا من ساعات نومه وراحته، يضيفه الى وقت العمل، فتراه متواجدا، جاهزا، في كامل قيافته العسكرية، في اية حالة طارئة اناء الليل واطراف النهار، قبل وبعد واثناء ساعات الدوام. واذا حدث ان اضطرب النظام قليلا، في احد العنابر اثناء الليل، فلا احد يأتي لتصحيح الاوضاع غير الشاويش عنتر الذي ينبتق فجأة من لا مكان، يطرقع سوطه في الفضاء، ويرطن بالايطالية هادرا مزمجرا كانه قد تلبس روح الدوتشي نفسه.
ورغم سمرته التي تنبىء بمنبته البدوي، فان عضوا في وجهه صار يكتسب لونا ايطاليا هو انفه الذي تحولت سمرته الى حمرة داكنة، وبذلك صار انفه هوالجزء الوحيد الذي استجاب لرغبته القوية في ان يتحول عن فيزيقيته العربية البدوية الافريقية الى اخرى ذات ارومة ايطالية.
انت تكره الشاويش عنتر وشخصيته الذائبة في شخصية الغزاة، ولكنك لا تملك غير الاعجاب بما حققه من سطوة، وما يتمتع به داخل المعسكر من نفوذ وسلطان على رقاب هؤلاء البشر الذين لا يجيدون شيئا غير حك جلودهم. يحكونها دائما بايديهم، واحيانا يستخدمون العصي لحك تلك المنطقة من ظهورهم التي لا تصلها الاظافر. ومرة كل اسبوع، كنت ترى الشاويش عنتر قادما الى العنبر، يحمل معه مادة مطهرة لها رائحة الغاز، يرش بها المجندين وهم في مراقدهم، بعد ان يسألهم ان يغمضوا اعينهم ويغرق اجسادهم وملابسهم وبطاطاينهم والجدران التي حولهم بهذه المادة الكريهه، ومع ذلك فان القمل والبراغيت لا تموت، وحصة الهرش لابد ان تقام في موعدها كل صباح.
كان العناء الذي تلقاه في المعسكر كفيل بان ينسيك أي هم آخر، بما في ذلك الهم الكبير الذي استوطن نفسك منذ ان خطفوا منك ثريا، فما عدت هي ايضا تذكرها الا في لحظات الهدنة القليلة التي تتركها لك تدريبات اللياقة العسكرية وحصص التمرين على استخدام السلاح، وهي تمارين وتدريبات لا تنتهي الا بساعة تذنيب، تقضيها واقفا تحت الشمس فوق قدم واحدة و رافعا يديك الى اعلى كالمصلوب، حتى تحس بان جسمك يتفكك عضوا عضوا، او تقضي هذه الساعة زاحفا فوق الارض حتى تتسلخ ركبتاك، دون ان يتبرع احد بمرهم تعالج به جراحك، فتضيف هذه الجراح، الى ازعاج البق والقمل ليلا، ازعاج الذباب الذي يصنع من بدنك مستعمرة يلجأ اليها اثناء النهار. نسيت اهلك اياما، وعندما تذكرتهم وكتبت لهم خطابا مزقته، فقد ادركت انه سيمر على جهاز الرقابة العسكرية، وخشيت العقاب الذي سيلحقونه بك اذا قرأوا الشتائم التي وجهتها لهم في الخطاب. وعرفت انهم يمنحون المجند بضع ليرات كراتب شهري لا يصرف الا بععد انتهاء الاشهر الثلاثة الاولى من مرحلة التدريب فانتظرت اكتمال هذه الاشهر، واودعت ما قبضته في جواب ارسلته لوالدك لا يحتوي سوى على اسطر قليلة تبلغه فيها بان يعطي نصف المبلغ لأمك وتعلمه بانك موجود في المعسكر الايطالي، بابي مليانة، وما ان عرف جنود المعسكر انك تجيد القراءة والكتابة حتى باتت لحظات الراحة نهارا مخصصة كل يوم لكتابة رسائل المجندين الى اهاليهم.
اعفاك الجواب من التفكير في الاهل والتزامك نحوهم، ولكن أي شيء تستطيع ان تفعله بحيث يعفيك من عناء التفكير في ثريا. عبثا تحاول ان تنتزع صورتها من خيالك وتقول لنفسك ان امرها قد انتهى بالنسبة لك، طالما اصبحت على ذمة رجل آخر، لكن امرها لا ينتهي اطلاقا بالنسبة لك، فهي المرأة الوحيدة التي تفتح لها قلبك كما تتفتح زهرة عباد الشمس للشمس، فليس في حياتك امرأة سواها، ولا تعرف طيفا انثويا آخر يمكنك ان تناجيه في لحظا الوحدة والارق غير طيفها. فكيف تستطيع ان تسلوها، بل لعلك في حقيقة الامر تحتاج اليها، تحتاج الى وجه مثل وجهها يومض كالنجمة في عتمة هذه الاقامة العسكرية وهذه الحياة الشقية التي تحياها. لو لم تكن ثريا موجودة في حياتك، فان هذا النوع من الحياة الذي يشبه حياة السجن يقتضي ان تخترع وجها مثل وجها يؤنس وحدتك وتتوق في يوم الى لقائه، وتذهب الى هذا الطيف بصبواتك في عنفها وتأججها تخاطبه وتعاشره وتعيش معه في احلام النوم واليقظة. انك لن تنسى ثريا، لن تنساها ابدا وانت في اسر الحياة العسكرية، لان ذكراها اضحت ضرورة لعافيتك البدنية والنفسية. انك وان وطنت نفسك على استحالة لقائها في هذه الدنيا، فانك علي يقين بانك ستلقاها وستحقق امنية القلب بوصالها في حياة افضل من هذه الحياة، ودار اخرى هي دار البقاء والخلود، هكذا يقول كتاب "شمس العارفين في الاحاطة باسرار العاشقين" لان الارواح التي اجتمعت على الحب الصافي في الدنيا، وتعذر عليها ان تحظى بنعمة الوصال، لابد ان تلتقي في النعيم الابدي، هكذا يقول الاسياد العارفون باسرار الوجود من اهل الله،اذ ماهو النعيم ان لم يكن تحقيق الاماني والاحلام التي عجز الانسان عن تحقيقها في دار الفناء. وها قد اخترت اقصر طريق يقود الى ذلك النعيم باختيارك الانظمام الى جيش الحملة الايطالية على الحبشة، مدركا ان احتمالات الموت في هذه الحرب، اكثر الف مرة من احتمالات النجاة، ولذلك فانت لم تكذب على نفسك عندما اعتبرت انضمامك الى الجيش هو نوع من الانتحار.
ترتفع صرخات البوق تأمر بالنوم، ويستجيب النوم سريعا وكأن السلطان العظيم الذي اصطلحوا على تسميته بسلطان النوم، صارالمسكين في عهد الاستعمار مجندا يطيع اوامر البوق، ويشعشع الفجر فترتفع صرخات البوق مرة اخرى، تأمر بالاستيقاظ، وسيمر النهار حافلا بعذاب التدريب الذي يعقبه عذاب التذنيب، قبل ان تأتي صرخات البوق تأمر بالنوم من جديد، روتين يومي مجتر مكرور، لا فسحة فيه ولا راحة، غير هدنة صغيرة في نهاية النهار، تتيح لك، برغم مدتها القصيرة، فرصة ان تعيش قليلا مع نفسك، فتجوس عبر الجزء من الغابة الذي يضمه المعسكر، متأملا اشجار الصنوبر، مستتمعا بشذاها الزكي، متحسسا بنوع من المرح جذوعها الناعمة ذات الطابع الانثوي، مستذكرا بعض مقاطع الدعاء، التي تطيب لها نفسك، وتزرع السكينة في قلبك مثل: اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والانجيل والفرقان، اعوذ بك من شر كل شيء انت آخذ بنصايته. اللهم انت الاول فليس قبلك شيء، وان الاخر فليس بعدك شيء، وانت الظاهر فليس فوقك شيء، وانت الباطن فليس دونك شيء. اللهم انت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والاكرام.
لم تكن تسطيع ان تنسى، خلال الاشهر التي امضيتها في المعسكر، ان هناك سورا يفصلك عن الدنيا، وان فوق السور ابراج مراقبة، ومناظير مكبرة، ترقب وترصد كل حركة، وهناك بنادق جاهزة لاطلاق نيرانها على كل من يقترب من السور، ورغم ما تقرأه من اوراد وايات فالهواجس تطاردك، لانك تعرف انهم هنا يهيئونكم للموت، ولنوع من الموت عار من كل شرف او كرامة، فوق ارض غريبة، تحاربون بشرا ابرياء تحت راية يلعنها اهلكم كل يوم بسبب ما ارتكب باسمها من مجازر ومذابح في حقه، وهو امر يعرفه ويشعر به كل واحد من الليبيين الذين يضمهم هذا المعسكر، ولذلك فان الشعور بالرعب الممزوج باحتقار الذات هو ما يجمع كل هؤلاء المجندين، و رغم انهم يختلفون عنك في انهم جاءوا مرغمين لاداء هذه المهمة القبيحة المهينة، فحقيقة انكم قطيع يساق الى حقول الموت والقتل تذيب مثل هذا الفارق، فانت لست اكثر منهم شجاعة اواقل منهم خوفا لمجرد انك اخترت هذا المصير بنفسك، انك شريكهم في الاحساس بالرعب، هذا الاحساس الذي لا يفارقك، حتى وانت تنظر الى السماء، فترى نتف السحب المعلقة في الفضاء، وكأنها الاف المشانق منصوبة في سقف الكون، تنتظر عنقك، واعناق هؤلاء الليبيين الذين معك.
كنت تفخر دائما ان اثنين من اعمامك ماتا في يوم واحد، وهما يقاومان الطليان. كان ذلك عندما هب كل الناس لمواجهة الغزو الايطالي في ايامه الاولى، في مناطق الهاني والشط بساحل طرابلس. اخوة ثلاثة انتقلوا من قريتهم مع الجموع التي زحفت من مناطق الجنوب الى الساحل تلبية لنداء الجهاد لرد الهجمة الايطالية، ولم يعد من هولاء الاخوة الثلاثة سوى والدك، وما ان وصلت سن الادراك حتى كانت حرب التحرير قد انتهت، وانكسرت شوكة المقاومة واعلن الجنرال بادوليو، الحاكم الايطالي لليبيا، ان كل مناطق البلاد تم اخضاعها للسيطرة الايطالية وحل فيها السلام، ولكن أي سلام هذا الذي يقوم بين شعب من الرهائن والسجناء، وبين جند الاحتلال، وكان لابد لكل مواطن ليبي ان يبحث عن لقمة عيشه اجيرا في المزارع التي اغتصبها الايطاليون، فلا عمل الا ذلك الذي يجود به المستوطنون الايطاليون الذين استولوا على الوظائف ولم يتركوا الا احقر الاعمال يمارسها المواطن الليبي مثل العمل كناسا او عتالا او حارسا ليليا، واذا اعيته الحيلة اضطر الى العمل شرطيا اوجنديا في الجيش طالما انتهى احتمال ان يواجه احد من اهله على ارض المعركة.
لقد بدأ الاستعداد للحملة الايطالية على الحبشة، ورغم ان هذا الحملة لم تبدأ الا ان حشد القوات ونقلها الى المناطق الخاضعة للاحتلال الايطالي مثل اريتريا والصومال، التي تتاخم الحبشة، قائم على قدم وسائق، والاخبار تتواتر عن قرب الاجتياح، وهناك قواد كبار سبقوا ان قادوا الحرب في ليبيا مثل جرسياني ودي بونو وبودوليو قد انتقلوا الى هناك لاعداد المسرح للعمليات العسكرية، وبمثل ماجاءوا في زمن مضي بجنود من بر الاحباش يحاربون بهم الليبيين، هاهم الان يجندون شبابا من ليبيا يخوضون بهم حربهم ضد الاحباش، خدمة لمبادىء المساواة والعدالة بين الشعوب على الطريقة الاستعمارية.
والابواق في معسكر ابي مليانة للتدريب تواصل النعيق صباح مساء، للنوم بوق، وللاسيقاظ بوق، لرفع العالم بوق، وللطعام بوق، وللبوق سلطة وقداسة كانه، وليمنحك الله المغفرة على هذا التشبيه، صوت القوة العليا التي تحكم الكون.
ــ افرحوا…
هكذا قال البوق البشري، الشاويش عنتر، عندما جاء في حصة الهرش، يصيح في سكان العنبر:
ــ افرحوا…
كان غريبا ان يصدر عن الرجل امرا يتناقض تماما مع جبينه المعقود وسحنته الرمادية البائسة وسمته العابس البائس الغاضب في كل ساعات الليل والنهار.
ــ اليوم فيشطة.. عطلة رسمية.
لماذا، لان اليوم هو الذكرى الثالثة عشرة لوصول الحزب الفاشيستي الى الحكم، ولم يكن مقررا لمثل هذا المعسكر في ازمنة الطوارىء ان يستمتع باية عطلات رسمية او دينية الا انه لاسباب تتصل باهمية هذا العام، صدر في اللحظا ت الاخيرة قرار بان يستمتع به كل الناس، حتى الذين يعيشون في حالة طوارىء. ثم اضاف ضاحكا كاشفا عن اسنان صفراء لايراها الناس كثيرا، بسبب ندرة لحظات الابتسام لديه، بعد ان اخذ نفسا عميقا من سيحارة البافرا:
ــ يمكنكم اليوم ان تحكوا جلودكم طوال النهار اذا اردتم.
ولكن ماذا تعني فيشطه، سألتم بعضكم بعضا، ويعرفتم ان معناها لا تدريب اليوم ولا تأنيب، وانما عطلة واحتفالات موصولة منذ بداية النهار الى منتصف الليل.
انقضى النهار في تنظيم مباريات في كرة القدم داخل المعسكر، وجاءت فرقة الموسيقى النحاسية تتجول في انحاء المعسكر وتعزف الالحان العسكرية الايطالية والاناشيد التي تمجد الحزب والزعيم، واهدوكم مجموعة خراف تتولون ذبحها وسلخها وتقومون بشيها وطهيها في اطراف الغابة. ستفرحون حقا وصدقا، لا لانه عيد الفاشست، ولا لان الشاويش خليفة عنتر امركم بذلك، ولكن لانه اليوم الذين لن تطرقع فيه السياط فوق رؤوسكم ولن تطاردكم فيه الشتائم واللعنات بسبب ودون سبب، حيث انتقل كل اهل العنابر الى الغابة، يشعلون مواقد نارهم، وينتظمون بعد ان اعياهم الركض وراء الكرة اثنا ء المباريات، تجلس وسط ادخنة سوداء،وقد مضى بعضهم يصفق ويضرب على الصناديق وقصاع الخشب ايقاع الاغنية الرائجة في اعراس المدينة التي تقول كلماتها:
آه يا العنب، ويا العنب
الله يبارك هالدالية
سفرة وفناجيل ذهب
وسنيورة من ايطاليا
تستحضر الاغنية عالما جميلا، غنيا، عامرا بالولائم الباذخة والنساء الجميلات، ليكون بديلا للواقع البائس الفقير، الخالي من هذه الموائد والنساء، وتستحضر انت صورة ثريا الغائبة وراء جدران الصمت والفراق، التي تابى الا ان تبقى مولعا بها رغم ادراكك انه حب بلا امل. ترى اين اخذوا زوجها فتحي الذي اختلط حظه السعيد عندما فاز بثريا، بضربات الحظ التعيس عندما داهمه عساكر الطليان يأخذونه من بين احضانها ويقودونه الى معسكرات الحرب والموت. لا تدري ان كنت تستطيع التعرف اليه، لانك لم تره الا خطفا لمرة واحدة، وحاولت فعلا ان تترصد له الا انك لم تجده حتى الان، مع يقينك انه هو ايضا احد مجندي هذا المعسكر، وربما يكون يوما احتفاليا كهذا اليوم، يجتمع فيه كل المجندين في مكان واحد، هو انسب الاوقات للبحث عنه، ولذلك اخذت تطوف بين الحلقات التي تنتشر بين اشجار الصنوبر، متفرسا في الوجوه، بامل ان تهتدي اليه، الا انك لم تجده، او لعله موجود ولم تستطع ان تذكر ملامحه، وبدلا منه وجدت رفيقا آخر من ابناء قريتك اسمه سالم، راك قبل ان تراه، وانبثق فجأة ياخذك بالاحضان، فكانت مفاجأة لك ان تجد زميلا في المدرسة القرآنية، يزاملك ايضا في معسكر الحملة الايطالية على بر الاحباش. سألته باندهاش عما جاء به الى هذا المكان، وكم مضى عليه من الوقت في هذا المعسكر دون ان تلتقي به، فاخبرك بان يد الطليان لم تصل اليه الا منذ اسبوع مضى، ولان معسكر التدريب الذي اقاموه لاهل المنطقة في سفح ابي غيلان، صار عاجزا عن استيعاب مزيد من المجندين، جاءوا به وبعض المستجدين الى هذا لمعسكر. اسعدك حقا ان تلقى سالم، فهذه اول مرة تتحدث فيها مع انسان تعرفه منذ ايام الحرية خارج المعسكر، ثم انه ولد يجمع اهل اولاد الشيخ على حبه، نتيجة ما يتمتع به من امانة ونزاهة واتزان، مع قدر من روح الدعابة. جاءك صوته ساخرا:
ــ لولا انتصار موسيليني الذي كان سبب هذه الفيشطة، ما كان بامكاننا ان نلتقي، فحمدا لله على انتصارات الفاشست.
ــ نعم، فقد نقضي عاما كاملا، داخل هذا المعسكر دون ان يرى احدنا الاخر.
تخليت عن بحثك عن فتحي، وقضيت بقية اليوم صحبة سالم، تستذكران عالم اولاد الشيخ. قال سالم:
ــ انقطعت اخبارك وجاء من ينعيك الى اهلك قائلا بان الطليان قتلوك بعد ان حاولت الفرار من المعسكر، ولم يبطل هذه الشائعة الا الجواب الذي ارسلته الى اهلك.
ــ ربما تكون هذه الشائعة تمرينا مفيدا للعائلة عندما يصل النعي الحقيقي.
ــ لا تقل هذا الكلام، وتفاءل بالخير تلقاه.
مشيتم معا بين حلقات المحتفلين، حتى وجدت نفسك قريبا من جماعتك الذين اكملوا طهي قدر كبير من لحم الخراف، وصاروا يتخاطفون قطع اللحم، اخذت لنفسك واحدة واعطيت اخرى لزميلك، وعاد الجماعة للغناء. طافوا بعدد من الاغاني الشعبية ثم عادوا الى تكوين حلقات راقصة على ايقاع اغنية الموسم:
ــ آه يا العنب ويا العنب
الله يبارك هالدالية
سفرة وفناجيل ذهب
وسنيورة من ايطاليا
طرقع السوط فوق رؤوسكم، وجاء الحراس يأمرون حلقتكم التي كانت تغني هذه الاغنية بان تعود الى العنابر، لانها محرومة من المشاركة في الاحتفال، بسبب ان ضابطا ايطاليا يعرف العربية وصل الى اذنه غناء المجموعة واستفزه ان يغني المجندون العرب عن النساء الايطاليات بهذه الطريقة، وراى في ذلك اهانة لبنات وطنه، فامر بايقاف المجموعة التي تغني الاغنية. قال سالم وقد باشر الحراس دفعكم وسوقكم كالماعز الى العنابر:
ــ هذا جزاء من يحتفل بعيد انتصار الفاشست.
وفي المساء توافد على نادي الضباط الايطاليين الذي يشكل جزءا من المعسكر، ضيوف من خارج الهيئة العسكرية، بينهم نساء في ملابس السهرة، ورجال يحملون الالات الماسيقية، وسيارات تحمل اطباق الطعام وصناديق المشروبات، واستمر الغناء يتصاعد من النادي اغلب ساعات الليل.
الحلقة الأولى
يتبع