تتحدث أصوات كثيرة - تجد مقولاتها تعاطفا وقبولا لدى غالبية الرأي العام في العالم العربي- عن وجود مخطط أمريكي لتقسيم العراق، وذلك من خلال الضغط على القوى السياسية العراقية المشاركة في مؤسسات الحكم، من أجل تبني النظام الفيدرالي في الدستور الجديد، وهي أصوات مولعة في تاريخها بشد الواقع العربي باستمرار إلى مؤامرات ومخططات غربية، اتخذت على الدوام شماعة لتعليق الفشل والتخلف والاستبداد.
وأحسب شخصيا، أن هذا المخطط لا وجود له إلا في العقول الدغمائية العاملة على أن لا يفارق العرب سيرة الشعارات إلى الواقعية السياسية، ولغة المؤامرات والدسائس إلى ممارسة السياسة وفقا لتوجيهات المصالح، أو في عقول فاشية ونازية وعنصرية لا تؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والعيش على أرضها بحد أدنى من الكرامة القومية، ولا ترى أن من الأفضل للعراق والعروبة، صلة أخوية سلمية تعاونية بين العرب وأشقائهم الكرد، تقوم على أساس الاعتراف المتبادل والقرار المشترك.
أحسب أيضا، أن الصيغة الديمقراطية الفيدرالية التي جرى إقرارها في مسودة الدستور العراقي الجديد، تأتي لتبعث أملا قويا في استمرار العراق موحدا، بعد أن قررت القوى السياسية الكردية مصيرها بالبقاء ضمن عراق متعدد القوميات والأعراق، يكرم شعبهم ويعترف له بحقوقه السياسية والثقافية، ولو لم يكن هذا الحل لواصل الإخوة الأكراد – وهذا من حقهم- نضالهم من أجل الحق في تقرير المصير، باعتبارهم شعبا مظلوما منكوبا مجزءا، من حق أبنائه الحلم والعمل من أجل الوحدة والحرية، تماما كما يحلم إخوانهم العرب وسائر الشعوب التي ابتليت بالتقسيم والاحتلال.
أدرك مسبقا أنه من الصعب جدا الدفاع عن السياسة الأمريكية في العالم العربي، فغالبية العرب والمسلمين يأخذون أمريكا بجريرة انحياز ساستها للدولة العبرية، غير أنني أجازف مع ذلك بالدفاع عن هذه السياسة في العراق، دفاعا لا يرى امكانية لأن تكون السياسة صائبة مائة بالمائة أو خاطئة في المطلق، إنما التقدير عندي أن الولايات المتحدة قد ساعدت الشعب العراقي في أن يمتلك حظا من الأمل في المستقبل، لم يكن ممكنا مع النظام الديكتاتوري السابق، تماما مثلما ساعدته في أن يدفق الدماء في شرايين وحدته، بعد أن أوصله الاستبداد إلى فرقة عميقة في المشاعر والحدود.
والذي يعتقد أن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في تقسيم العراق، أملك القول بأنه لا يمكن إلا أن يكون مخطئا أو واهما لاعتبارات كثيرة، يمكن ايراد البعض منها في النقاط التالية:
•لقد دخلت الولايات المتحدة المغامرة العراقية، على أمل بناء تجربة يمكن أن تكون نموذجا لما يجب أن تكون عليه المنطقة الشرق-أوسطية، وبالتالي فهي لن ترضى أبدا بتقسيم العراق في ظلها، حيث سيكون ذلك أكبر دليل على فشلها.
•تدرك الولايات المتحدة مدى كراهية الشارع العربي في غالبيته لسياساتها الشرق-أوسطية، وقد بذلت حكومتها الكثير من الأموال لتحسين صورتها لدى العرب والمسلمين دون نجاح يذكر، وهي تدرك بالتالي أن تجزئة العراق ستكون بمثابة دليل إضافي في يد أعدائها، خصوصا أصوات التطرف الديني والقومي، لإثبات التهم المروجة ضدها عليها، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية إزاء موضوع الوحدة العراقية، ولن تقبل أبدا بأي أمر قد يمسها في عمقها.
•يعرف خبراء السياسة الأمريكية أن تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات طائفية، يشكل خطرا شديدا على مصالحها في المنطقة، فقيام دولة للشيعة في الجنوب سيعزز النفوذ الايراني، وقيام دولة كردية في الشمال سيكون محل ممانعة مطلقة من تركيا حليفها التاريخي في المنطقة، فضلا عن إمكانية وقوع الدويلة العربية السنية في الوسط فريسة للقوى الإسلامية والقومية العربية الأكثر تطرفا في المنطقة، وخلاصة القول أن التقسيم كارثة مفزعة للولايات المتحدة، لن ترضى أبدا بوقوعها.
•تشير غالبية الأوساط المهتمة بالقضية العراقية، إلى النفط كمحرك ومحدد أساسي للسياسة الأمريكية في المنطقة الشرق-أوسطية، ولأن النفط العراقي موزع تماما بين المناطق العراقية الثلاثة، الجنوب والوسط والشمال، فإن وحدة استثماره والاستفادة منه، من وحدة العراق كبلد، وهو ما ستكون الولايات المتحدة أشد حرصا عليه.
•يعلم المتخصصون بالشؤون الأمريكية، أن الولايات المتحدة باعتبارها القوة الاقتصادية والرأسمالية الأولى في العالم، عادة ما تفضل أسواقا كبيرة موحدة للتعامل معها، وهي تدرك أكثر من غيرها أن عراقا موحدا يضم 30 مليون ساكنا في المدى القريب، وقرابة 50 مليون في غضون الخمسة عشرة سنة القادمة، سيكون أفيد لها من ثلاث دويلات صغيرة بلا معنى.
وإلى هذه النقاط، فإن حقائق أخرى على أرض الواقع العراقي، تؤكد أن السياسة الأمريكية تسعى إلى مزيد من التقارب والتفاهم بين مختلف القوى السياسية العراقية، على اختلاف خلفياتها الطائفية والقومية والدينية، مثلما تؤكد أيضا أن غياب المرجعية الأمريكية الموجهة، سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد العسكري، سيقود حتما إلى فتنة داخلية وحرب أهلية ستفضي لا محالة إلى وقوع ما يخشى، أي التشرذم والتجزئة.
ولعله من المفيد في هذا السياق تقديم بعض الأفكار، التي قد تبدو مستفزة للبعض في ظاهرها، لكن الخبرة تؤكد أنها تشكل قناعات لدى كثير من العاملين في الساحة العراقية، والمتابعين لتطوراتها ومستجداتها، ويمكن تلخيص هذه الأفكار في النقاط التالية:
-إن إقامة حياة ديمقراطية في بلد وقع تحت نير الديكتاتورية، ليست عملية سهلة في المستطاع تحقيقها في فترة وجيزة، ولهذا فإن معطيات الزمن والإصرار والمثابرة، ستكون لها دورها في حسم نتيجة المعركة الدائرة بين المشروع الديمقراطي الواعد والمشروع الديكتاتوري المتطلع إلى العودة في صيغة أكثر قتامة ورجعية.
-إن غالبية القوى السياسية العراقية التي عاش غالبية قادتها في المهجر، مشردين في أصقاع الدنيا الأربعة، لم تتح لها فرص ممارسة التعايش والوفاق مع بعضها، هذا إلى ما زرعه الاستبداد من رذائل وعادات سيئة في المجتمع، تحول في مجملها دون تحول سريع نحو الديمقراطية.
-إن وجود الرادع الأمريكي مرحليا خلال الفترة الانتقالية في العراق، يعتبر الضمانة الأولى لعدم انفلات العقد السياسي العراقي الجديد، ذلك أنه يلجم كل محاولة للتنطع أو الذهاب بعيدا بالخلافات السياسية. والكل يذكر الدور الأمريكي في لجم الصراع الكردي-الكردي قبل التغيير، تماما مثلما يتابع كثيرون تحركات الوسيط الأمريكي للحيلولة دون تأثير أصوات الثأر ورد الفعل والعنف التي تتجه من قواعد التنظيمات السياسية والدينية في اتجاه قياداتها.
-ولعل واحدة من أهم معضلات الساحة السياسية العراقية، أن القوى السياسية فيها تكاد تكون متعادلة، وأن لدى التنظيمات والأحزاب جميعا – وقد كانت في غالبيتها ذات مرجعية شمولية- القدرة على بناء قوات عسكرية أو شبه عسكرية في حال تأزم الأوضاع وانفلاتها، خصوصا وأن الساحة حديثة عهد بالعادات الديمقراطية، ولهذا فإن وجود قوة ناظمة، حتى وإن كانت خارجية تعتبر عاملا مساعدا، إذا كان الأمر سيكتسي طابعا مرحليا وانتقاليا مثلما هو شأن الوجود الأمريكي في العراق.
وما يود الخلاص إليه، أن بناء نظام شمولي مستقر يظل أسهل بكثير من نظام ديمقراطي مستقر، فاستقرار شمولي كذلك الذي كان قد بناه نظام صدام حسين، أشبه ما يكون باستقرار المقابر، أما الاستقرار الديمقراطي القائم على القبول الجماعي بآليات الحوار والانتخاب والوفاق والتداول السلمي على السلطة، فهو استقرار حياة، بكل ما في الحياة من تحديات وصخب ومتناقضات.
بالعودة إلى صلب الموضوع، فإن وحدة عراقية مبنية على العنف والعسف والمقابر الجماعية ومجازر الأسلحة الكيمياوية، كتلك التي يزعم أن صدام قد أقامها، ليست سوى وحدة موت وفناء، أما الوحدة التي تحققها الديمقراطية فوحدة خير وتقدم وحياة ونماء..أمريكا إذا لن تقسم العراق، لأن ذلك ليس من مصلحتها، إنما ستقود رعايتها لعملية الانتقال الديمقراطي إلى تعزيز وتثبيب وتقوية الوحدة العراقية..وحدة بين شعبين جمعهما التاريخ والجغرافيا والدين والمصالح المشتركة.

كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي - لاهاي