|
في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وفي عز لهيب ما كان يسمى وقتها بـــ (حرب المدن)!!، وهي إحدى الصفحات السوداء في سجلات الحرب العراقية / الإيرانية، أتيحت لي فرصة زيارة إقليم (عربستان) وعاصمته (الأهواز)، وهي الفرصة التي كنت أنتظرها طويلا لمعاينة جزء عزيز من الوطن العربي تم تضييعه في خضم الصراعات والمصالح الدولية المتقلبة، وقد ظلت ذكريات تلك الزيارة تعتمل في داخلي لسنوات عديدة، فما شاهدته وقتها ولا أعتقد أن الأيام قد غيرت من معالمه الكثير رغم المتغيرات الكبرى التي طرأت على إيران وفي العالم، فإقليم الأهواز العربي القلب والوجه واليد واللسان قد شاء حظه العاثر أن يعيش على هامش التاريخ وحواشيه الميتة، رغم أنه يقع في أخطر نقطة تلاقي ستراتيجية في الشرق القديم وفي المنطقة الخليجية، كما أريد لشعبه وثقافته القومية أن تكون ثقافة هجينة وسطحية مشتتة الولاء بين أصولها وجذورها العربية الضاربة في أعماق التاريخ، والثقافة الفارسية الغريبة عن شعب الإقليم ولم تفرض إلا بقوة السلاح وبطش الإحتلال، فالتفريس ومحاولة محوالهوية القومية بصمت وصبر هو السمة العامة للهيمنة الإيرانية على الأهواز العربي، لقد كان التصميم الإيراني الرسمي وعبر مختلف عهود الحكم التي مرت على إيران ثابت ومتأصل وستراتيجي لا محيص عنه وهوأن يكون اللسان العربي الأهوازي مشبعا بالعجمة وفاقدا لأدنى خصائصه العربية، والأهم من هذا وذاك أن يظل هذا الشعب العربي الأبي الأصيل ضحية من ضحايا حماقات النظام العراقي البائد نتيجة للمداخلات المعروفة والتي إستغلها صدام البائد أوائل الثمانينيات ولم يكن مخلصا ولا جادا ولا مؤهلا للدفاع عن شعب يحارب ويقاوم العجمة والتفريس والذوبان والمحو منذ أكثر من ثمانين عاما !، فقضية الشعب الأهوازي التحررية العادلة ليس ملفا للمساومات السياسية أو للمطامح الشخصية !، إنها قضية ملايين العرب المدافعين عن وجودهم وعن حقهم في الصيرورة وتقرير المصير، إن حقوق الشعب الأهوازي المستلبة تكفلها كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية، فحقه في التعليم بلغته العربية التي هي لغة الإسلام والقرآن التي تدعي السلطات الإيرانية إنه دستورها الأوحد هو أمر لا يوجه ضد وحدة إيران ولا سيادتها ولا يشكل إعتداءا على أحد !!، وحق الشعب العربي الأهوازي في التمتع العادل بمصادر ثروته البترولية والزراعية وتنمية إقليمه هو أمر مقدس ولا يخضع لأي نقاش أو جدل ؟، ولا يحق لأعداء حرية الشعب الأهوازي أن يصموا نضال الشعب التحرري بالمشبوه أو الخائن!! فذلك إفتراء فج على التاريخ والمنطق، ودعوة الحق الأهوازي هي دعوة عادلة وإنسانية. في رحلتي الأهوازية تلك كنت أعرف الكثير من واقع دراستي الجامعية في العراق عن المنطقة وتاريخها والموقف الإيراني العنصري المعادي للثقافة العربية هناك !، ولكنني على الطبيعة إكتشفت حجم وهول المعاناة الإنسانية هناك، ولمست على الطبيعة إن الحرف العربي هناك يعادل مفعوله مفعول الألغام!! ساعتذاك عرفت أن مدينة إيرانية خالصة مثل (قم) هي أكثر عروبة وتعرب من مدن عربستان التاريخية!! رغم أن التاريخ ذاته يؤكد أن (قم) قد أسسها العرب الأشاعرة!! وليس في ذلك من عيب ولا حرج، فالحضارة الإسلامية والعربية لم تعرف التعصب والإنغلاق، فلا قيم الإسلام ولا مبادئه السمحة ولا الروح العربية الشهمة ترفض التلاقح والتفاعل الحضاري المؤدي للتقدم، وقتها تقطعت أنفاسي في مدينة الأهواز وأنا أبحث عن صحيفة عربية أوقصاصة صغيرة ناطقة بالضاد فلا أجدها رغم كوني في مضارب بني كعب ومنصور وخفاجة ولام!! بينما لم تصادفني هذه المشكلة في (أصفهان) و(طهران) و(شيراز)!!، فصحف إيران الدعائية والتبشيرية العربية منتشرة في كل مكان إلا في مواطن إقامة العرب في إيران؟!، فصحف المعارضة الإسلامية العراقية وقتها كانت تنتشر في طهران وفي مكتبات (كذرخان) في قم! التي كانت توفر زادا معرفيا عربيا حرم منه الأهوازيون الذين تشتتوا وقتها في المخيمات ومعسكرات الإغاثة في مدن إيرانية متفرقة تمتد من (معشور) وحتى بوشهر وبندر عباس مرورا بشيراز ويزد وكل ذلك بسبب (بركات) بطل التحرير القومي صدام البائد!! والذي شوه بسياسته الحمقاء مستقبل التعايش والسلام بين شعوب المنطقة!. إن قضية الشعب الأهوازي تظل واحدة من قضايا الأمة العربية المنسية بل والمغيبة في عوالم النسيان والتجاهل، وهي نموذج حي لحالة التمزق الرهيبة التي فرضت على العالم العربي وأسهمت في قصقصة أجنحته ومفاصله الستراتيجية ففي المشرق (عربستان والإسكندرون والجزر الإماراتية الثلاث) وفي المغرب (سبتة ومليلية جزر الخالدات)! وفي القلب فلسطين، إضافة إلى ما يحاولون اليوم من إحياء وترسيخ لدول وكانتونات الملل والنحل والطوائف والأعراق ومخططات التقسيم والتشطير التي تأخذ منطلقاتها من رعونة وغباء وإنهزامية بعض الأنظمة العربية كالنظام العراقي البائد الذي زرع بممارساته الشاذة كل العوامل المؤدية لعامل التكسيح القومي الشامل!. لقد كانت القضية الأهوازية إحدى أهم القضايا العربية المنسية ولم تظهر للعيان للأسف إلا خلال المناورات السياسية والدعائية التي سبقت إعلان الحرب العراقية/ الإيرانية قبل ربع قرن بالتمام والكمال! ففي السابع عشر من أيلول/ سبتمبر 1980 فوجيء العالم بنمط جديد من الصراعات في الشرق الأوسط حيث أقدم الرئيس العراقي البائد صدام حسين وقتها على تمزيق إتفاق الجزائر الحدودي الموقع بينه وبين شاه إيران في آذار/ مارس 1975 معلنا (سحب إعتراف العراق به وإلى الأبد)!!! ـ حسبما قال ـ ؟! وداعيا إلى ما أسماه وقتها بالحقوق المضافة في الأرض والمياه!! ملمحا في الوقت نفسه لقضية (إستقلال الأهواز)!!، وبعد ذلك بخمسة أيام وفي الثاني والعشرين من أيلول وضمن حالة هستيرية من التعبئة الإعلامية والعسكرية توغل الجيش العراقي في أول وأوسع وأخطر مهمة خارج الحدود وفي عمق الأراضي الإيرانية معلنا سيناريو حرب مأساوية قادها بأسلوب هزلي وسمج قدر لها أن تستمر لثمانية أعوام عجاف وبكلفة بشرية ومالية رهيبة وتحت ذريعة الغطاء القومي المزيف وشعار : (تحرير القدس عن طريق عبادان)!! وهي شعارات فاقدة للمصداقية ركب على موجتها الإيرانيون فيما بعد في غزوهم للعراق تحت شعار: (تحرير القدس عن طريق كربلاء)!! وكانت ملهاة دموية محزنة وقعت عربستان والأهواز خلالها مسرحا للقتال والتقاتل وإختلطت الأوراق في ظل المصالح الشخصية والسلطوية وتشرد الشعب الأهوازي تحت هدير المدافع وجحيم الصواريخ.
يتبع
dawoodalbasri@hotmail.com
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه
|