ولادة الأبكار تكون دائماً عسيرة. وولادة الديمقراطية العراقية البِكر للحكومة الدائمة العتيدة كانت عسيرة أيضاً. فلقد استمر الطَلْقُ أكثر من أربعة أشهر، وهو أطول طَلْقٍ سياسي في تاريخ الديمقراطية الانسانية كلها. إذ لم يستمر طَلْقُ أي بكر ديمقراطي في العالم أكثر من شهر. وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلًّ على مدى كم كان الحَمْلُ العراقي
الديمقراطي صعباً ، وكم كانت الولادة الديمقراطية العراقية عسيرة نتيجة لظروف كثيرة منها :
1- التراكم السياسي الاستبدادي على العراق، منذ ظهور معاوية بن أبي سفيان الى الآن .
. فلم يتمتع العراق بيوم ديمقراطي سياسي واحد، منذ ذلك التاريخ حتى ما قبل التاسع من نيسان المجيد 2003.
2- وهذا التراكم السياسي الاستبدادي للعراق على مدى هذه القرون الطويلة، خلّف طبقة كلسية سياسية سميكة كان من الصعب ازالتها إلا بالحفر فيها بواسطة معدات سياسية وعسكرية حديثة، تجلّت في الحملة على العراق التي قام بها التحالف العسكري وأدى الى سقوط حكم صدام حسين 3- إن الوضع القبلي والطائفي والعرقي وذلك الفسطاط على تأخير الولادة للحكومة العرقية ورغم هذا جاءت هذه الولادة أخيراً. وهي أن تأتي متأخرة خير من أن لا تأتي أبداً كما هو حاصل الآن في باقي أنحاء العالم العربي. 4- لا شك بأن غربان الظلام التي دخلت العراق من كل حدوده المفتوحة قد ساعدت على اعاقة الولادة الديمقراطية لهذه الحكومة بما تلقته النخب السياسية المنتخبة من تهديدات متواصلة من هذه الغربان بضرورة عدم الاشتراك في الحكومة كما سبق وتلقت تهديدات بعدم الاشتراك في الانتخابات. ولكن رغم ذلك فالتاريخ يسير الى الأمام في الشعوب الحرة، ولا يعود الى الوراء ولذلك تقدمت الديمقراطية العراقية الى الأمام ولم تتراجع يوماً واحداً منذ ثلاث سنوات. صحيح أنها تأخرت كثيراً، ولكنها لم تتراجع.5- لقد ساعد ت الأنظمة العربية بمجملها في ابتعادها عن الشأن العراقي الجديد، وفي استنكافها عن مساعدة الشعب العراقي للوصول الى الاستقرار، كان من العوامل التي ساعمت في عسر الولادة العراقية للحكومة الديمقراطية اليوم. وهذا العسر كان مطلوباً ومستحباً لدى الأنظمة العربية لكي تثبت لشعوبها على أن لا بديل عنها. وأنها هي وحدها الضامنة للاستقرار والأمن والرفاه. وأن كل مايقال عن التغيير والإصلاح السياسي ما هو إلا سراب ومؤامرة أمريكية - غربية لا طائل ولا فائدة من ورائها.

-2-
اليوم فقط، وبعد أكثر من ثلاث سنوات، يتنفس العراقيون الصعداء بعد كل هذه الضحايا، وبعد كل هذه الدماء التي سالت نتيجة لعملية التحرير، ونتيجة لمحاولة اعادة الاستعباد كذلك. وهذه الحكومة الديمقراطية العتيدة التي ظهرت فجر هذا اليوم في العراق هي أثمن حكومة في تاريخ العرب. فلم يدفع العرب في تاريخهم الطويل ثمناً غالياً ومرتفعاً لحكومة ديمقراطية شرعية حرة كما دفعوا هذا اليوم. ولو أردنا احصاء الأثمان التي دُفعت لهذه الحكومة من الأموال والأنفس والدماء والألم والمعاناة والحرمان لسوّدنا صفحة دجلة والفرات من منبعهما الى مصبهما، بالأرقام والأسماء والوقائع. وعلى أعضاء الحكومة العراقية أن تدرك هذه الحقيقة، وتعمل بجد واجتهاد واخلاص طيلة السنوات الأربع القادمة لكي تستأهل هذا الثمن الغالي الذي دفعه الشعب العراقي ثمناً لميلاد هذه الحكومة.
-3-
والسؤال الآن: ما هو موقف السادة المثقفين العرب من الدينيين والقوميين والإعلاميين من هذه الحكومة ومن هذا الوضع الجديد في العراق؟
هل ما زال هؤلاء السادة يرددون بأن هذه الحكومة هي صنيعة أمريكية استعمارية؟
وهل ما زال هؤلاء السادة يرددون أن مثل هذه الحكومة لم تأت بإرادة شعبية حقيقية، وبأنها جاءت بإرادة شعبية مزيفة، وأين الحكومة الديمقراطية الحقيقية إذن؟
هل ما زال هؤلاء السادة يرددون أن هذه الحكومة هي حكومة طائفية ، قبلية، عنصرية لا تمثل كل الأطياف العراقية؟
دعونا نسمع إعلام الغربان الظلامي ماذا سيقول غداً، ودعونا نرى فيما لو اكتفى هذا الإعلام الظلامي من ولغ الدم العراقي صبحاً ومساءاً والرقص على الجثث، والتلذذ ببث صور الدماء والقتلى.
-5-
هنيئاً للشعب العراقي بحكومته الديمقراطية الجديدة، وليعلم الشعب العربي الآخر بأن ثمن الحرية ليس شعاراً يُرفع فقط، ولكنه ثمن حقيقي يُدفع . وقد دفع الشعب العراقي هذا الثمن بالكامل، وها هو اليوم يحوز بحكومة لم يشهد العالم العربي مثيلاً لها. ليست حكومة ال 99 بالمائة من الأصوات، وليست حكومة النعَمَات المطلقة. انها حكومة الحوار الوطني الذي استمر أربعة أشهر ويزيد من الطَلْق السياسي الديمقراطي العسير والذي كان نتيجة لانتخابات حرة ونزيهة لم يشهد العرب طوال تاريخهم الطويل مثل نزاهتها. وللشعب العراقي اليوم أن يفخر ويتيه على العرب وعلى العالم بهذه الحكومة، التي خرجت من تحت أضراس تنين الارهاب العربي - الإسلامي الذي يبحث له اليوم عن فريسة جديدة غير العراق الذي أصبح اليوم صخرة ديمقراطية كبيرة من الصعب على التنين الارهابي أن يلتهمها.